الأحد، 28 نوفمبر 2010

الانسداد والارتداد وصناعة الخبر …. عزمي بشارة


الانسداد والارتداد وصناعة الخبر
عزمي بشارة
في بعض البلدان أصبح الخبر الرئيسي هو الخبر الاقتصادي، أو المحلي، وحتى الرياضي في المواسم غير الانتخابية على الأقل. ولذلك يعرف المهتمون أسماء الوزراء من مجالات اختصاصهم المحلية. أما أخبار نساء السياسيين فتدخل في باب الإثارة المنحرفة باستراق النظر لخصوصيات النجوم، ممن تحولهم وسائل الإعلام إلى نجوم ريثما يأفلون… كل ذلك في صناعة التسلية والترفيه من المهد للحد، كأنهم سائرون خلف شعار أحب أن أسميه "الاستهلاك حتى الهلاك".
وضعت بعض البلدان قدما في نشرات الأخبار كصناعة التسلية الإخبارية، التي تعدها تقدما إعلاميا مثل كل تقليد لفقدان المعنى في الغرب من دون الأخذ بعناصر تمدنه. في حين مازالت قدمها الأخرى في الواقع العربي تشدها لاعتبار المؤتمرات والزيارات ولقاءات السياسيين، "استقبل، وودع، وافتتح، ورد، ورفض الرد"، أخبارا.
كيف تتدبر تعددية وسائل الإعلام في البلدان الأخيرة وتنافسيتها (وبالأساس كثرتها) حالة عدم توافر الخبر بالمعنى الإعلامي للكلمة، ماذا تفعل حين لا يحصل شيء يستحق الذكر؟ كيف تملأ الساعات والصفحات؟ والأهم من هذا وذاك، كيف "تكون على مستوى" توقعات المواطن وتستجيب لتطلعه للإثارة؟ وهو تطلع ساهمت وتساهم يوميا في توليده.
الإجابة ليست بسيطة طبعا، ولكن يمكننا تبسيطها. إنها تخترع أخبارا سياسية غير موجودة بتحويلها العادي إلى حدث، فهي تتبرع له، تكرم عليه بمعان لا يملكها، أو تضخم حدثا أو محاضرة أو خطابا. تخلع عليه ثوبا إعلاميا إخباريا لا يلائم قياسه. تختلق قبل الخطاب توقعا لما قد يقال، وما لن يقال… وتناقش بمنتهى الجدية لماذا لم يقل ما توقع "الجميع" أن يقال… وما إلى ذلك من القيل والقال.
 ويصبح عدم وقوع الاختلاق خبرا. وتحول كلام السياسيين وزيارتهم المتبادلة واجتماعاتهم إلى خبر… حتى حين لا تتجاوز المجاملة. يجري تصويرهم جالسين على مقاعد متقابلة يتبادلون الأحاديث. يضفي صمت الكاميرا وتراكض المستشارين والمساعدين وجدية ملامحهم مهابة ورصانة مشوبة بالغموض. رغم أنهم يتحدثون عن الطقس في تلك اللحظة، أو يتبادلون الاهتمام بالصحة وراحة الرحلة والإقامة.
 طبعا لا تخلو الاجتماعات من خبر يبدو ناتجا عن اللقاء، مع أنه يترتب في الواقع على تغيير قلما يكون إراديا: مثل أزمة اقتصادية تؤدي إلى تغيير السياسات، أي تصنع خبرا. وقد يكون إراديا في حالات يصنع فيها السياسيون الخبر: كمثل قرار سياسي بخطوة تترجم طموحات وسياسات، أو تنجم عن تقدير توافر فرصة تفترص … وما يتبع ذلك من نجاح أو فشل.
وقد أنتج العرب مؤخرا أحداثا وأخبارا حقيقية، ولكن ليس على المستوى الرسمي، ولا حتى المنظم أحيانا. فلنتخيل مثلا ماذا لو لم يقاوم الشعب العراقي الاحتلال. يصعب حصر السيناريو الممكن، من إنتاج نظام حكم طائفي فدرالي بقواعد أميركية يؤثر تأثيرا محددا جدا على جيرانه، وإلى استمرار المحافظين الجدد في إدارة شؤون السياسة الخارجية الأميركية في المنطقة العربية وفي غيرها. لكن الشعب العراقي قاوم الاحتلال. وصنع أحداثا من نوع آخر، نضيفها على ما لم يحصل لأنه قاوم. فمثلا سقطت سياسات المحافظين الجدد في الولايات المتحدة، وغيّر الشعب الأميركي حكامه الشكليين على الأقل، أو للدقة، اختار خطابا سياسيا آخر للبيت الأبيض.
ويمكن القول إن المقاومة العراقية نجحت على المستوى العالمي في إسقاط سياسات. وحمت دولا بأكملها من استمرار التدخل الأميركي، في الوقت الذي أخفقت فيه في طرح بديل وطني موحد على المستوى المحلي، وأخفقت حتى في طرح نموذج منظم. وقع هنا حدثان رئيسيان، أنتجا عنوانين كبيرين تشعبت عنهما أخبار لا تحصى. العنوان الأول هو مقاومة العراقيين، والثاني هو استنتاج الأميركيين… أما الثالث فليس حدثا، ولكنه على قدر بالغ من الأهمية. إنه صيرورة وحالة نفسية مؤثرة ومهمة في سلوك الناس السياسي وردود فعلهم، ويمكن تلخيصه بخوف الناس من الفوضى (وهو خوف قديم قدم الدول).
أما الأنظمة السياسية والقوى والكيانات التي انضمت إلى الولايات المتحدة في تصعيدها من العام 2001 (خاصة منذ العام 2003) وحتى العام 2009، فقد فعلت ذلك إما لأنها أصلا في المحور الأميركي، بمعنى التبعية وفقدان القرار، أو لأنها خشيت أن تنتصر الولايات المتحدة من دون أن تحسب لها مساهمة في هذا الانتصار عند توزيع المكرمات الأميركية. انضم الأخيرون بغض النظر عن رأيهم فيها. فلا الرأي مهم، ولا المبدأ معتبر. المهم هو غريزة البقاء في الزعامة. والغريزة ليست خبرا. وحتى الخيار لم يكن خبرا، فقد كان مجرد إسقاط من إسقاطات الهجوم الأميركي على المنطقة. وطبعا، قد يسمع الاعتراض هنا، أن الانضمام يشكل دليلا على الانتهازية. وهذا وإن لم يكن حدثا كبيرا، فهو على الأقل "كشف صحفي" يوضح من هو الانتهازي.
 حسنا. ولكن بعد أن قرر الأميركيون، جيشا وحكومة وشعبا (كما يقال في بلداننا) تغيير أساليبهم، بدأ الانتهازيون الذين انضموا زرافات بالانسلال من المواجهة وحدانا. وهذا بالتأكيد ليس خبرا، ولا كشف فيه. فالانتهازي عرف بانتهازيته، واتهم بأكثر منها مرات عدة. وما يبدو خبرا للمرة الألف لا يتعدى مجرد الارتداد الحادث نتيجة لزلزال في مكان آخر. ومع ذلك يمكن الاعتراض بالادعاء أن هنالك خبرا.
 ما يفترض أن يثير اهتمام الجمهور والإعلام عن بعض الانتهازيين ليس القفز، فهذه طبيعة الانتهازي. ولكن ليس كل انتهازي يخرق الخطوط الحمر حين يمارس القفز، ولا يتألف كل انتهازي من خليط فريد بين الدموية والجبن، وأقصد الدموية وانعدام الروادع في استخدام العنف ضد الآخرين والخوف الشخصي من أي عنف. هذه الخصوصية هي الخبر. وهي خصوصية مثيرة ينفر منها الإنسان العادي.
أين أنت أيها الإنسان العادي؟ اشتقنا لك.
أسمعنا صوتك أيها المواطن ذا العقل السليم.
أما كيف يتحول التغير الناجم عن الخوف على المصلحة، أو حتى عن الخوف عموما إلى مناقب، وكيف يتحول تشخيص الأمور بشكل خاطئ وإدراكها بعد حصولها إلى ذكاء، وحتى إلى خفة دم، فالإجابة عند صناع الصور في عصر الانهيار القيمي، حين تصنف الأشياء ليس بموجب خواصها، بل بموجب مصالح المتكلم.
وكلام المتكلم من دون ضمير المتكلم هو لغو ينتصر فيه التعبير ليس عن الحقيقة بل على الحقيقة.
لا ينتج الحكام العرب أخبارا منذ فترة طويلة. فقد كانت المحاور التي نشأت وملأت الدنيا صراخا، والقمم التي قوطعت، والمثقفون والإعلاميون الشتامون والرداحون بحسب الطلب، وما شهدنا من "زيارات هامة" و"لقاءات صريحة" و"اتفاق الطرفين" و"تأكيدهما"، ومؤتمرات، ولقاءات كانت كلها مجرد ارتدادات ناجمة عن هزة حصلت في الولايات المتحدة وعن تغير طرأ على سياستها الخارجية. لم تنتج الأنظمة العربية الرسمية خبرا منذ مدة.
نحمد الله على كل حال، وعن مثل ذلك قال أحد الظرفاء نحمده، ولا نشكره. لماذا لا نشكره؟ لأنه قال تعالى "لئن شكرتم لأزيدنكم".
وفي منطقتنا تنتج الأخبار في إسرائيل التي تقرر ما تقرره بشأن حروبها وجيشها واقتصادها واستيطانها، وفي تركيا التي تحدد فيها التفاعل بين الشعب ونخبه السياسية بالانتخابات وبغيرها، وأنتج مؤخرا خيارات اقتصادية وسياسية وثقافية جديدة تتجاوز التأثر إلى التأثير، بغض النظر عن الرأي فيها. وفي إيران تنتج الدولة أخبارا، وكذلك المعارضة.
أما عربيا فنشهد ارتدادات عن هذا كله على المستوى الرسمي، حيث لا تصنع الأخبار كمسميات بل كأسماء فقط. لم تكن المصالحات العربية الأخيرة خيارا إستراتيجيا بناء على تغير سياسي، بل أدى تغيير سياسة المواجهة الأميركية في المنطقة وانعكاسه في الانتخابات إلى تعديل في سياسات المواجهة لدى المحاور العربية من دون تغير هذه السياسات. التغير شكلي. وهذا يعني أن يكثر اللغو. أما على المستوى الشعبي فقد أنتج الشعب العراقي مرة أخرى الخبر، إذ صنع حدثا انتخابيا حقيقيا بغض النظر عن رأينا فيه. لقد رفض ما هو قائم واختار البديل مع عدم توفر معرفة كافية بطبيعة ما جرى اختياره.
لا تصنع أنظمة هذه الأمة أخبارا بالمعنى أعلاه منذ فترة طويلة. فهي منشغلة بالحفاظ على أمنها الداخلي. وهذا ليس خبرا، بل هذه طبيعة الأنظمة. وتشتق علاقاتها الإقليمية من هذا المسعى ومن ركيزته الأساسية، وهي العلاقة الموجودة أو المنشودة مع الولايات المتحدة.
هذا السلوك أدى إلى انسداد وبات افتضاح هذا السلوك يزيده سوءا.
فمن حين لآخر يفتضح أمر علاقة هذه الأنظمة بالولايات المتحدة وإسرائيل في قضايا عينية وأمنية تعد محرمات في عرف المواطن العادي، وقد يحاكم عليها بتهمة الخيانة في بعض الدول. فيشكل حجم الارتباط بالولايات المتحدة، لا حقيقة وجود الارتباط فضيحة إخبارية حقيقية، أي يشكل حجم الفضيحة خبرا. ولكن يتبين بعد حين أن الفضح والفضيحة، والكشف والانكشاف يحرج في البداية فقط. ويوجد دائما مثقفون وإعلاميون محرجون يدافعون. ولا يلبث التعرق أن يجف على وجوه الناطقين الذين أبلغهم أحد ما أن أفضل وسيلة هي الهجوم. يتحول الحرج إلى سماكة جلد. وبعدها يصبح النظام أقل خجلا مما كان، فيزداد إمعانا في سياسته.
ومنذ فترة تجاهر غالبية الدول العربية بأنها تطمح إلى تسوية القضية الفلسطينية بأسرع وقت، وترى أي رفض لأي تسوية غير عادلة تطرفا. ولكن بما أن الشعب الفلسطيني والشعوب العربية ترفض الحل غير العادل، وبما أن جذوة المقاومة ما زالت قائمة (في طريقها المسدود أيضا في الحالة العربية الراهنة)، فإن الأنظمة ومن ورائها الولايات المتحدة تكتفي بـ"عملية سلام". فالمفاوضات تؤمن الحد الأدنى من الاستقرار لإدارة السياسات والاقتصاد. وهي تؤمل البعض أيضا فتملأ الفراغ المعنوي بالأوهام. وتخفف القهر والغضب بموفد هنا وبمؤتمر هناك، وبلجنة عربية تجتمع وهكذا.
السياسة في هذه الحالة هي "أفيون الشعوب". ويعد المشهد الإعلامي حلبته الرئيسة. فيعد كل تصريح أميركي تقدما، وكل اجتماع فرصة، ويدعى الجميع لانتظار الاجتماع "يوم الخميس القادم" وانعقاد الرباعية بعده ثم الزيارة. وبعدها؟ وبعدها طبعا مفاوضات غير مباشرة قد تنجز مفاوضات مباشرة بإذن الله.
وكما توجد شركات طيران وفنادق وقاعات مستفيدة، وصحفيون وصحفيات، فلا بد أن يوجد أيضا خبراء، مهنيون، نعم خبراء بالكلام الفارغ، ومهنتهم هي هذه "المسخرة".
لقد تجلى بما لا يقبل الشك عدم قدرة الدول العربية وعدم رغبتها في فعل شيء في ظل علاقاتها الحالية. ومن دفعته علاقاته الأميركية الإسرائيلية إلى ارتكاب ما لم يمكن تخيله في الماضي، وتم الإمساك به متلبسا بالجريمة أمعن في مواقفه وأصبح محصنا شعوريا ضد الفضائح.
هذه الحالة التي نشأت مؤخرا، (يضاف إليها تلويح إسرائيل برفع ثمن المقاومة بواسطة الحرب، وهو ما لم يجد ردا مقاوما بعد) تسمى حالة انسداد. وقد تعرف سكان غزة معنى الانسداد الحرفي والجسدي.
من قال إنه لا توجد أخبار؟ بل توجد. توجد أخبار يصنعها الأميركيون حتى في الرباعية إبان القيلولة. تصنع الولايات المتحدة أخبارا سيئة. ليس فقط لا يطرأ تقدم، بل يحصل تدهور، فيما يتلهى العرب بأخبار متخيلة عن خلافات وهمية بين إسرائيل والولايات المتحدة. فالولايات المتحدة لا تكتفي بتمرير الوقت، بل تنتج في هذه السياق أخبارا لا يسمعها أحد من المخدرة حواسهم تثاؤبا لرؤية كبير المفاوضين وسماع كبير المحللين… لقد قرأ مون بيان الرباعية وقد تضمن أمرين جديدين: أنه في القدس الشرقية (وليس في القدس) توجد مطالب مشروعة للطرفين… وهذا يعني أن لإسرائيل مطالب مشروعة في القدس الشرقية، وأنه ليس للفلسطينيين مطالب في القدس الغربية، وأن حل القضية يجب أن يكون حتى العام 2014.
وطبعا التشديد ليس على "يجب"، بل على اتفاق المشاركين في اجتماع موسكو على تأجيل توقعات، ما يسمى بـ"الحل"، إلى ما بعد انتهاء مدة وظائفهم… وهو تجديد لا ينفك يتجدد من تلقاء نفسه كل خمس سنوات. وافرحوا أيها الكتاب، وتهللوا أيها المحللون لا تخشوا البطالة، سيكون كلاما.
هذه أخبار إذن رغم كل شيء. وقد مرت من دون انتباه.
لو شكل الغضب العربي الرسمي سببا للولايات المتحدة كي تختلف مع إسرائيل لحصل خبر. ولو شكل الغضب الشعبي المنظم إحراجا للواقع الرسمي لصنع خبرا.
لا بد من قطيعة معرفية مع الوهم المقدم كأنه حدث. ولا بد من وقف التوقعات من النظام العربي الحالي. ولا بد من توضيح المبادئ والأساسيات للبناء عليها، لمقاومة ما يجري ولتحديد ماذا نريد.
 فقد كان بإمكان السياسي الانتهازي أن يستمر في الخط نفسه الذي ثبت خطؤه، ولكنه اختار أن يسير مع التيار. بيد أن انجراف الانتهازي مع التيار ليس خبرا، بالتأكيد. ولو اختار الانتهازي أن يسلك طريقا غير انتهازي لصنع فعلا خبرا، ولكن أن يتخذ الانتهازي قرارا انتهازيا متوقعا، فهذا ليس خبرا. حسنا أهو ذكاء وحسن تشخيص يستحق الذكر إذن؟ من الواضح أن الذكاء يتطلب تشخيصا مبكرا وتحليلا مبكرا للخطأ، ولكن إدراكه بعد وقوعه وبعد أن تحولت الدنيا ليس ذكاء ولا تشخيصا.
وحتى حين يتناولون آخر المستجدات، فإنهم يفعلون ذلك كما يفعل عموم الناس. وفي عالمنا، ولنفس الأسباب المتعلقة بالاستهلاك، بما فيه استهلاك المعلومة، والكثرة والوفرة، بما فيها وفرة المعلومات، أصبح السياسيون أقل معرفة حتى من الناس الذين يتابعون ما يجري بجدية. فمن يتابع وينبش بمبادرته، من لا يعيش على هامش المشهد الذي يتعرض له، يكتشف أن كل شيء معرض للتسريب، وأن الفن لم يعد مقتصرا على الوصول إلى المعلومة، بل يفوقه أهمية الانتقاء المطلوب أمام سيل المعلومات، والتمييز الضروري بين الجدي وغير الجدي، وبين ما يرشح وحده من الحاضرين والمعاونين والسكرتارية، من جهة، وما يسرب عن قصد لهدف وغاية، لكي يصبح خبرا من جهة أخرى (مثال على ذلك ما تسربه الأجهزة الأمنية الإسرائيلية للصحافة الإسرائيلية عن قصد، لأنها تريده أن ينتشر عربيا معتمدة على اجتهاد العرب أصحاب الهمة في ترجمة ونشر كل ما يصدر من إسرائيل دون تمحيص أو إلمام… وذلك موضوع مختلف وهم آخر).

ثقتي بنفسي كيف أبنيها؟


ثقتي بنفسي كيف أبنيها؟


إعداد : سمرقند
إن الثقة تكتسب وتتطور ولم تولد الثقة مع إنسان حين ولد ، فهؤلاء الأشخاص الذين تعرف أنت أنهم مشحونون بالثقة ويسيطرون على قلقهم، ولا يجدون صعوبات في التعامل و التأقلم في أي زمان أو مكان هم أناس اكتسبوا ثقتهم بأنفسهم..اكتسبوا كل ذرة فيها.
انعدام الثقة في النفس :
ماذا تعني كلمة نقص أو انعدام الثقة في النفس؟؟..أننا غالبا ما نردد هذه الكلمة أو نسمع الأشخاص المحيطين بنا يردون إنهم يفتقرون إلى الثقة بالنفس؟!..
إن عدم الثقة بالنفس سلسلة مرتبطة ببعضها البعض تبدأ:
أولا: بانعدام الثقة بالنفس.
ثانيا: الاعتقاد بأن الآخرين يرون ضعفك و سلبياتك.. وهو ما يؤدي إلى:
ثالثا: القلق بفعل هذا الإحساس و التفاعل معه.. بأن يصدر عنك سلوك و تصرف سيئ أو ضعيف ، وفي العادة لا يمت إلى شخصيتك و أسلوبك وهذا يؤدي إلى:
رابعا: الإحساس بالخجل من نفسك.. وهذا الإحساس يقودك مرة أخرى إلى نقطة البداية.. وهي انعدام الثقة بالنفس وهكذا تدمر حياتك بفعل هذا الإحساس السلبي اتجاه نفسك و قدراتك.. لكن هل قررت عزيزي القارئ التوقف عن جلد نفسك بتلك الأفكار السلبية،والتي تعتبر بمثابة موت بطيء لطاقاتك ودوافعك ؟ إذا اتخذت ذلك القرار بالتوقف عن إلام نفسك و تدميرها.. ابدأ بالخطوة الأولى:
تحديد مصدر المشكلة:
أين يكمن مصدر هذا الإحساس ؟؟ هل ذلك بسبب تعرضي لحادثة وأنا صغير كالإحراج أو الاستهزاء بقدراتي ومقارنتي بالآخرين ؟ هل السبب أنني فشلت في أداء شيء ما كالدراسة مثلا ؟أو أن أحد المدرسين أو رؤسائي في العمل قد وجه لي انتقادا بشكل جارح أمام زملائي؟هل للأقارب أو الأصدقاء دور في زيادة إحساسي بالألم؟ وهل مازال هذا التأثير قائم حتى الآن؟؟……أسئلة كثيرة حاول أن تسأل نفسك وتتوصل إلى الحل…كن صريحا مع نفسك .. ولا تحاول تحميل الآخرين أخطائك، وذلك لكي تصل إلى الجذور الحقيقية للمشكلة لتستطيع حلها ،حاول ترتيب أفكارك استخدم ورقة قلم واكتب كل الأشياء التي تعتقد أنها ساهمت في خلق مشكلة عدم الثقة لديك ، تعرف على الأسباب الرئيسية و الفرعية التي أدت إلى تفاقم المشكلة .




البحث عن حل:
بعد أن توصلت إلى مصدر المشكلة..أبدا في البحث عن حل .. بمجرد تحديدك للمشكلة تبدأ الحلول قي الظهور…اجلس في مكان هادئ وتحاور مع نفسك، حاول ترتيب أفكارك… ما الذي يجعلني أسيطر على مخاوفي و أستعيد ثقتي بنفسي ؟
إذا كان الأقارب أو الأصدقاء مثلا طرفا أو عامل رئيسي في فقدانك لثقتك ..حاول أن توقف إحساسك بالاضطهاد ليس لأنه توقف بل لأنه لا يفيدك في الوقت الحاضر بل يسهم في هدم ثقتك ويوقف قدرتك للمبادرة بالتخلص من عدم الثقة.
أقنع نفسك وردد:
  • من حقي أن أحصل على ثقة عالية بنفسي وبقدراتي .
  • من حقي أن أتخلص من هذا الجانب السلبي في حياتي.
ثقتك بنفسك تكمن في اعتقاداتك:
في البداية احرص على أن لا تتفوه بكلمات يمكن أن تدمر ثقتك بنفسك..فالثقة بالنفس فكرة تولدها في دماغك وتتجاوب مهما أي أنك تخلق الفكرة سلبية كانت أم إيجابية وتغيرها وتشكلها وتسيرها حسب اعتقاداتك عن نفسك …لذلك تبنى عبارات وأفكار تشحنك
بالثقة وحاول زرعها في دماغك.
انظر إلى نفسك كشخص ناجح وواثق و استمع إلى حديث نفسك جيدا واحذف الكلمات المحملة بالإحباط ،إن ارتفاع روحك المعنوية مسئوليتك وحدك لذلك حاول دائما إسعاد نفسك ..اعتبر الماضي بكل إحباطا ته قد انتهى ..وأنت قادر على المسامحة أغفر لأهلك… لأقاربك لأصدقائك أغفر لكل من أساء إليك لأنك لست مسؤولا عن جهلهم وضعفهم الإنساني.
ابتعد كل البعد عن المقارنة أي لا تسمح لنفسك ولو من قبيل الحديث فقط أن تقارن نفسك بالأخريين…حتى لا تكسر ثقتك بقدرتك وتذكر إنه لا يوجد إنسان عبقري في كل شئ..فقط ركز على إبداعاتك وعلى ما تعرف أبرزه، وحاول تطوير هوايات الشخصية…وكنتيجة لذلك حاول أن تكون ما تريده أنت لا ما يريده الآخرون..ومن المهم جدا أن تقرأ عن الأشخاص الآخرين وكيف قادتهم قوة عزائهم إلى أن يحصلوا على ما أرادوا…اختر مثل أعلى لك وادرس حياته وأسلوبه في الحياة ولن تجد أفضل من الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم، مثلا في قدرة التحمل والصبر والجهاد من أجل هدف سام ونبيل وهو إعلاء كلمة الله تعالى ونشر دينه.
بنك الذاكرة:
يقودنا النقص الزائد في الثقة بالنفس مباشرة إلى ذاكرة غير منتظمة فالعقل يشبه البنك كثيرا، إنك تودع يوميا أفكارا جديدة في بنكك العقلي وتنمو هذه الودائع وتكوِن ذاكرتك …حين تواجه مشكلة أو تحاول حل مشكلة ما فإنك في الواقع الأمر تسأل بنك ذاكرتك: ما الذي أعرفه عن هذه القضية ؟.. ويزودك بنك ذاكرتك أوتوماتيكيا بمعلومات متفرقة تتصل بالموقف المطلوب ..بالتالي مخزون ذاكرتك هو المادة الخام لأفكارك الجديدة ..أي أنك عندما تواجه موقف ما ..صعبا…فكر بالنجاح ،لا تفكر بالفشل استدعي الأفكار الإيجابية..المواقف التي حققت فيها نجاح من قبل …لا تقل : قد أفشل كما فشلت في الموقف الفلاني..نعم أنا سأفشل…بذلك تتسلل الأفكار السلبية إلى بنكك …و تصبح جزء من المادة الخام لأفكارك . حين تدخل في منافسة مع أخر ،قل : أنا كفء لأكون الأفضل، ولا تقل لست مؤهلا، إجعل فكرة (سأنجح)هي الفكرة الرئيسية السائدة في عملية تفكيرك . يهيئ التفكير بالنجاح عقلك ليعد خطط تنتج النجاح، وينتج التفكير بالفشل فهو يهيئ عقلك لوضع خطط تنتج الفشل. لذلك احرص على إيداع الأفكار الإيجابية فقط في بنك ذاكرتك،واحرص على أن تسحب من أفكارك إيجابية ولا تسمح لأفكارك السلبية أن تتخذ مكانا في بنك ذاكرتك.

عوامل تزيد ثقتك بنفسك:
  • عندما نضع أهداف وننفذها يزيد ثقتنا بنفسنا مهما كانت هذه الأهداف.. سواء على المستوى الشخصي.. أو على صعيد العمل.. مهما كانت صغيره تلك الأهداف.
  • اقبل تحمل المسؤولية.. فهي تجعلك تشعرك بأهميتك.. تقدم ولا تخف.. اقهر الخوف في كل مرة يظهر فيها.. افعل ما تخشاه يختفي الخوف.. كن إنسانا نشيطا.. اشغل نفسك بأشياء مختلفة..استخدم العمل لمعالجة خوفك.. تكتسب ثقة أكبر.
  • حدث نفسك حديثا إيجابيا..في صباح كل يوم وابدأ يومك بتفاؤل وابتسامة جميلة.. واسأل نفسك ما الذي يمكنني عمله اليوم لأكون أكثر قيمة؟ تكلم! فالكلام فيتامين بناء الثقة.. ولكن تمرن على الكلام أولا.
  • حاول المشاركة بالمناقشات واهتم بتثقيف نفسك من خلال القراءة في كل المجالات.. كلما شاركت في النقاش تضيف إلى ثقتك كلما تحدثت أكثر، يسهل عليك التحدث في المرة التالية ولكن لا تنسى مراعاة أساليب الحوار الهادئ والمثمر.
  • اشغل نفسك بمساعدة الآخرين تذكر أن كل شخص آخر، هو إنسان مثلك تماما يمتلك نفس قدراتك ربما أقل ولكن هو يحسن عرض نفسه وهو يثق في قدراته أكثر منك.
  • اهتم في مظهرك و لا تهمله.. ويظل المظهر هو أول ما يقع عليه نظر الآخرين.
  • لا تنسى.. الصلاة وقراءة القران الكريم يمد الإنسان بالطمأنينة والسكينة.. وتذهب الخوف من المستقبل.. تجعل الإنسان يعمل قدر استطاعته ثم يتوكل على الله.. في كل شيء.

المراجع
  • العبقرية السهلة، تأليف ديفيد شوارتر
  • ما عندي ثقة في نفسي، د.فوزية الدريع

الإدارة الكنسية المصرية.. بين الجماعة الوطنية ونظام الملة



الإدارة الكنسية المصرية

بين الجماعة الوطنية ونظام الملة

المستشار/ طارق البشرى
في أول مارس سنة 2008 أصدرت المحكمة الإدارية العليا بمجلس الدولة حكما يلزم الكنيسة الأرثوذكسية والبابا شنودة باستخراج تصريح زواج لشخص مسيحي مطلق. وكانت محكمة القاهرة الابتدائية الكلية للأحوال الشخصية قد حكمت من قبل بتطليقه من زوجته (طبقا لأحكام المادة: 7 من لائحة الأقباط الأرثوذكس التي كان اعتمدها وأصدرها المجلس الملي بتاريخ 5 سبتمبر سنة 1938 ونصت على “أن من أسباب التطليق إساءة أحد الزوجين معاشرة الآخر مما يؤدى إلى استحكام النفور بينهما واستمرار الفرقة لمدة ثلاث سنوات متتالية)، فلما طلب الزوج المطلق تصريحا من الكنيسة بزواج ثان له رفضت الكنيسة بالقول إن سبب التطليق الأوحد في الإنجيل هو الزنا الذي لم يتحقق في هذه الحالة، أقام الرجل دعواه أمام محكمة القضاء الإداري طالبا إلغاء قرار الكنيسة برفض تزويجه فقضت له المحكمة بإجابة طلبه ملزمة الكنيسة بالتزويج وذلك في سنة 2006، فطعن البابا شنودة في هذا الحكم محتكما إلى المحكمة الإدارية العليا، فرفضت طعنه مؤيدة حكم القضاء الإداري المذكور سابقا. (صحيفة المصري اليوم 2 مارس سنة 2008 ص: 5).

الجمعة، 26 نوفمبر 2010

البشري: الجماعة الوطنية أسقطت عقد الذمة (2-2)

في إطار الإشكال الطائفي الذي شهدته مصر مؤخرا كانت لنا تلك التساؤلات مع المستشار البشري. وقد أكد المستشار البشري أن وضع المواطنة الذي جمع شمل الجميع كان يسبقه تطبيق نظام الملة. وأوضح أن الشريعة تسمح لغير المسلمين بالاحتكام إلى شرائعهم الخاصة، وهو ما تبلور في نظام الملة. ولفت إلى أن التوحد في مواجهة الاستعمار تحول معه الفقه حيال غير المسلمين الذين انخرطوا في مواجهة الاستعمار عن مفهوم عقد الذمة إلى عقد المواطنة الذي يشمل الجميع. وأكد المستشار البشري أن الجماعة الوطنية بحالتها الراهنة تحددت وفق رؤية تاريخية نضالية، وأن الوطن تحول إلى معيار الانتماء الحاكم لأهل هذا الوطن، ولفت إلى أن الإصرار على تجاوز مؤسسات الوطن سعي للعودة لنظام الملة. ودعا المستشار البشري للوقوف في وجه هذا الاتجاه الذي يلتف على الجماعة الوطنية. كما دعا الأقباط للاحتكام لشريعتهم عبر تمريرها من خلال مؤسسات الدولة، وليس الانفراد بوضع قوانينهم بعيدا عن مؤسسات الدولة فضلا عن تحديها.
نص الحوار:
* المستشار طارق البشري.. ما رؤيتكم لاتجاه التدافع ما بين نظام الجماعة الوطنية الذي ينتظم مشروعك الفكري/السياسي وبين نظام الملة الذي تحدثت عن عودته بصورة أو بأخرى في مقالاتك الأخيرة بصحيفة الشروق؟ وهل تعتقد أن نظام الملة يمثل حقبة تاريخية انتهت، أم أنه يمثل بنية اجتماعية يمكن أن تعود في المستقبل؟

الأربعاء، 24 نوفمبر 2010

الابتلاء وأنواعه … الدكتور محمد راتب النابلسي


الابتلاء وأنواعه
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي 
الإنسان بين التأديب والامتحان والتكريم
 أيها الأخوة الكرام، الدنيا التي نحن فيها لها حقيقة ولها صورة، حقيقتها أنها دار ابتلاء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ـ لأنه مؤقت ـ ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي.
حينما ندرك يقيناً أن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، دار امتحان، دار ابتلاء، الإمام الشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ حينما سُئل: "ندعو الله بالابتلاء أم بالتمكين؟ فقال: لن تمكن قبل أن تُبتلى".
أقدم لكم اجتهاداً شخصياً مني، المؤمن يمر بأطوار ثلاث، إذا كان هناك تقصير، تقصير فيما ينبغي أن يفعله، تأتي بعض المصائب من أجل أن تدفعه إلى الله، وإن كان هناك استقامة تأتي بعض المصائب لتمتحنه، وبعدئذ تستقر حياته على الإكرام، فأنت بين التأديب وبين الامتحان وبين التكريم، هذه المراحل قد تتداخل وقد تتمايز، بين التأديب مرحلة، وبين الابتلاء الثانية، وبين التكريم الثالثة، هذه المراحل الثلاثة قد تتمايز وقد تتداخل، ولكن على كل مؤمن أن يوطن نفسه أنه لابدّ من أن يمتحن، لابدّ من أن يبتلى، وبطولته أن ينجح في الابتلاء، الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين، إذا أحبّ الله عبده ابتلاه، فإن صبر اجتباه، وإن شكر اقتناه.
 
 الدنيا محدودة بزمن معين أما الآخرة فليس لها زمن معين
أيها الأخوة الكرام، هذا الذي لا يبتلى لعله شرد عن الله شرود البعير، والدليل القرآني:
﴿  فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾               [ سورة الأنعام: 44]
 
لذلك الابتلاء في الدنيا، فالدنيا دار الابتلاء، والزمن: العمر الذي تعيشه في الدنيا، والمكان: مكان إقامتك، هناك حقيقة وهناك مكان وهناك زمان، الحقيقة أننا جميعاً في دار ابتلاء، لكن لو قلنا: العمر الذي يعيشه الإنسان في الأرض مهما طال، سمعت عن شيخ الأزهر مخلوف عاش مئة وثلاثين عاماً، العمر مهما طال أمام الأبد صفر، أي ضع واحداً في الأرض وأصفاراً للشمس، وكل ميليمتر صفر، أي: مئة وستة وخمسون مليون كم كلها أصفار، وكل ميليمتر صفر، هذا الرقم إذا نسب إلى اللانهاية فهو صفر، أي رقم ولو كان فلكياً، ولو كان غير متخيل، إذا نسب إلى اللانهاية فهو صفر، فالدنيا محدودة بزمن معين، أما الآخرة فليس لها زمن معين:
                         ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ﴾      [سورة الطلاق: 11]
 
 توزيع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء
أيها الأخوة، أولاً نمتحن بالثروات، بالمنتجات، بزينة الحياة الدنيا، بالعمران، كل شيء آتاك الله إياه أنت ممتحن به، مادة الامتحان مادتان، مادة ما أعطاك الله، ومادة ما زوي عنك، لن تنجب أولاً ذكوراً ابتلاء، لم تنجب أولاداً أصلاً ابتلاء، أنجبت أولاداً ذكوراً وإناثاً ابتلاء، كنت غنياً ابتلاء، كنت فقيراً ابتلاء، كنت في مكانة رفيعة ابتلاء، كنت في مكانة في الظل ابتلاء، كل شيء أعطاك الله إياه وكل شيء زوي عنك هو مادة الامتحان، من أروع الأدعية التي نقلت عن النبي عليه الصلاة والسلام:
((اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله قوة لي فيما تحب، وما زويت عني مما أحب فاجعله فراغاً لي فيما تحب))
                          [ الترمذي عن عبد الله بن يزيد الخطميّ الأنصاري]
رابح في الحالتين، الذي آتاك الله إياه ينبغي أن توظفه للآخرة، والدليل:
﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ ﴾
                                          [سورة القصص: 77 ]
آتاك علماً، آتاك طلاقة لسان، آتاك مالاً، آتاك صحة، آتاك جاهاً، آتاك مكانة:
﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ ﴾
                                         [سورة القصص: 77 ]
الآن سلب عنك الذرية ابتلاء، لم تكن غنياً دخلك محدود ابتلاء، لم تكن في مكانة علية ابتلاء، العبرة بالنجاح، العبرة في الدار الآخرة، العبرة من يضحك آخراً، ليست البطولة أن تضحك أولاً لكن البطولة أن تضحك آخراً.
 
 امتحان الإنسان بزينة الحياة الدنيا
 أيها الأخوة، في القرآن الكريم آية هي:
               ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا ﴾  [سورة الكهف: 7]
 
الدنيا خضرة نضرة، فيها نساء، فيها بيوت، فيها أموال، فيها مركبات، فيها سفر، فيها رفاه، فيها طعام نفيس، ولائم، مكانة، مناصب، نساء جميلات، الدنيا دار ابتلاء:
 
﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾    [سورة الكهف: 7]
 
جعلك الله غنياً والغنى يتوافق مع الإيمان، لكن هل يعقل أن يقول من كان حولك من الفقراء: يا رب قد أغنيته بيننا فقصر في حقنا، جعلك قوياً بجرة قلم تحق حقاً وتبطل باطلاً، هل استخدمت هذه القوة لإحقاق الحق وإبطال الباطل؟ جعلك طليق اللسان هل استخدمت طلاقة اللسان لترويج الحق أم لترويج الباطل؟ جعلك ذا مكانة علية هل استخدمت هذه المكانة لنصرة المظلوم أم للتملق للظالم؟ نحن في دار ابتلاء، والله قد لا تمر ساعة على أي منا إلا ويمتحن، نحن في دار ابتلاء، دار امتحان.
 
أيها الأخوة، نمتحن بالثروات، بالمنتجات، بزينة الحياة الدنيا، ونمتحن بالأنفس، من حيث الصحة والسقم، والقوة والضعف، والسعادة والشقاء، قد تكون صحيحاً أنت مبتلى بهذه الصحة، هل أعانتك على طاعة الله أم لا سمح الله ولا قدر استخدمتها في المعاصي والآثام؟ امتحنك الله بالقوة هل كانت قوتك للحق أم للباطل؟ امتحنك بالضعف هل يئست وتطامنت أم وثقت بنصر الله عز وجل؟ امتحنك بأسباب السعادة هل شكرت الله عليها؟ كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: "الحمد لله الذي ردّ إليّ روحي وعافاني في بدني وأذن لي بذكره".
أيها الأخوة، إذاً تمتحن في زينة الحياة الدنيا، وتمتحن في نفسك، وتمتحن في المال الذي آتاك الله إياه، فقد تكون فقيراً أو غنياً، لذلك قال تعالى:
 
﴿ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾  [ سورة آل عمران: 186 ]
 
 الحكمة من وجود أهل الحق مع أهل الباطل
شاءت حكمة الله أن نعيش مع الطرف الآخر، بل كان من الممكن ـ والله في ذاته العلية واجب الوجود، لكن ما سواه ممكن الوجود ـ أن يجعل كفار أهل الأرض من آدم إلى يوم القيامة على كوكب آخر، الأرض للمؤمنين والمريخ للكفار، لا يوجد حروب، ولا فتن، ولا بدر ولا أحد ولا الخندق، لا يوجد شيء أبداً، لكن شاءت حكمة الله أن نعيش معاً، قال بعضهم: لأن الحق لا يقوى إلا بالتحدي، ولأن أهل الحق لا يستحقون جنة الله إلا بالبذل، والتضحية، والصبر على المكاره، لذلك قال تعالى، دقق قرآن كلام خالق الأكوان:
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ ﴾           [سورة البقرة: 155]
الخوف ابتلاء:
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ ﴾ [سورة البقرة: 155]
قد يموت الصغير:
﴿ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ*الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ* أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ﴾   [سورة البقرة: 155-157]
 
 أنواع الابتلاءات
 
1-  الابتلاء التكليفي:
  أخواننا الكرام، يلحق بامتحان الأموال الجاه والسلطان، والممتلكات العقارية، وما إلى ذلك، يلحق بامتحان الأنفس الأبناء، والأقارب، والأحباب، من صحة، ومرض، وحياة، ونجاح، وفشل، قد يفقد الإنسان أعز أحبابه، ماذا يفعل؟ يصبر، يمتحن.
مرة ثانية: قد تتعرض في الساعة الواحدة إلى عدة ابتلاءات، أنت في دار ابتلاء، أنت في دار امتحان، الآن من أنواع الابتلاءات، الابتلاء التكليفي، كلفك الله أن تعبده، أنت ممتحن بهذا التكليف هل أنت عابد له أم أنت مقصر؟ هل تتقن الصلوات أم لا تتقنها؟ هل تؤدي العبادات فإذا أديتها استرحت منها أم استرحت بها؟ والفرق كبير جداً، لذلك قال تعالى:
﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾       [ سورة الأحزاب: 72 ]
 
الابتلاء الأول ابتلاء تكليفي ، كلفك أن تعبده.
 
 موقف الإنسان من البلاء التكليفي
  ما موقفك من هذا الابتلاء؟ كلفك أن تعبده، بل جعل الله علة وجودك في الأرض أن تعبده، قال تعالى:
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾    [ سورة الذاريات الآية : 56]
﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾    [ سورة هود: 7]
آية ثانية :
﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾  [ سورة الملك: 2 ]
قال القرطبي: أحسن عمل أي أيكم أورع عن محارم الله؟ وأيكم أسرع إلى طاعة الله؟ أو ليبلوكم أي يعاملكم معاملة المختبر، أي ليبلو العبد بموت من يحبه ليبين صبره، وبالحياة ليبين شكره، خلق الله الموت للبعث والجزاء، وخلق الحياة للابتلاء، مفهوم الابتلاء يجب أن يكون واضحاً جداً في نفس كل مؤمن.

2 ـ الابتلاء الشخصي :
 أحياناً هناك بلاء خاص الناس في بحبوحة الوضع جيد، أما هو فمبتلى ابتلاء خاصاً هذا الابتلاء الشخصي:
﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾  [ سورة الإنسان : 2]
هناك بلاء عام؛ كالغلاء العام، القهر العام، الاحتلال، المصيبة العامة، وهناك بلاء خاص:
﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾  [ سورة الإنسان : 2]
لا تنسوا قول الأمام الشافعي: "لن تمكن قبل أن تُبتلى".
آية ثانية:
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ ﴾ [سورة البقرة: 155]
هذه الآية ذكرتها قبل قليل، وآية ثالثة:
﴿ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [سورة آل عمران: : 154]
هذا الابتلاء الفردي، هذا مبتلى بالغنى، هذا بالفقر، هذا بالأولاد، هذا بحرمانه من الأولاد، هذا بأولاد كلهم ذكور، هذا بأولاد كلهم إناث، هذا بأولاد بعضهم ذكور وبعضهم إناث، هذا ابتلي بالأولاد مع الفقر، هذا بالأولاد مع الغنى، هذا غني بلا أولاد، وضعك الذي أنت فيه مادة امتحانك مع الله، والبطولة أن تنجح، لكن الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين، لمجرد أن تقول: يا رب لك الحمد أنا راض فقد نجحت بالامتحان، الله عز وجل يقول:
﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ﴾
[سورة الأنعام: 165]
 
 3 ـ الابتلاء الجماعي
الآن ابتلاء جماعي، أنت موظف بدائرة وهناك شخص أعلى منك هو مدير دائرة، وهناك مدير عام، ووزير، وقد تجد نفسك أصلح من هؤلاء لكنك مبتلى بهذا الموقع المتوسط، وقد تبتلى بموقع أقل:
﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ ﴾ [سورة الأنعام: 165]
هذه لام التعليل، جعلك ممرضاً وهناك طبيب، جعلك مجنداً وهناك لواء، جعلك بائعاً متجولاً وهناك رئيس غرفة تجارة، جعلك بأعمال بسيطة جداً ومن حولك بأعمال عالية جداً.

على الإنسان أن يأخذ بالأسباب و كأنها كل شيء ثم يتوكل على الله و كأنها ليست بشيء :
 لكن أتمنى من أعماق قلبي ألا تفهموا أن ترضى بوضع لا يليق بك، متى ترضى؟ حينما تبذل قصارى جهدك ولا تستطيع أن تغير وضعك الآن ارضَ، أما يقول لك : أنا لم أنجح ابتلاني الله بالرسوب، هذا كذب، لأنك لم تدرس لم تنجح، هذا الذي يقصر، ويعزو تقصيره إلى القضاء والقدر هذا يسخر من الدين، التوحيد لا يبرر الخطأ، أنا أقول: هذا جزاء التقصير، وضعت دواء ساماً بمكان في أيدي الأطفال، الله ابتلاني، لا هذا تقصير، هذا الدواء السام يوضع في مكان بعيد عن أيدي الأطفال، هناك أشياء كثيرة أيها الأخوة يبتلى بها الإنسان يكون قد أخذ بالأسباب أما إن لم يأخذ بالأسباب، عفواً مأخذ كهربائي مكشوف في الحمام وهناك ماء، والتيار مئتان وعشرون، التيار مع الماء قاتل، دخل الابن وضع يده على المأخذ المكشوف والأرض فيها ماء يموت فوراً، أخي سبحان الله مات بأجله، هذا كلام فيه خطأ كبير، مثلاً: طبيب إسعاف جاءه مريض وهو يجري حواراً مع ممرضة لا يليق به أن يترك هذا الحوار فطلب من المريض أن ينتظر فمات، أنا أرى أن يحاسب كقاتل إذا كان بالإمكان إسعافه، هذا جزاء التقصير، أما حينما تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ويأتي الأمر على خلاف ما تريد هذا اسمه قضاء وقدر، حينما تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء ويأتي الأمر على خلاف ما تريد هذا قضاء وقدر، وإلا جزاء التقصير:
(( ولكن عليكَ بالكَيْس، فإِذا غَلَبَك أَمر ، فقل حَسبيَ الله ونعم الوكيل ))
                                                    [ أخرجه أبو داود عن عوف بن مالك ]
لا تستطيع أن تقول حسبي الله ونعم الوكيل إلا إذا أخذت بالأسباب، وغلبك أمر الله عز وجل هذه حالة وحيدة، أما كل تقصير هكذا يريد الله، ما درست، البضاعة عندما اشتريتها لم تدرس السوق، فلم تربح، الله لم يكتب لي أن أربح، هذا غلط، يجب أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، أقسم لكم بالله ما من حقيقة بكلمات يحتاجها المسلمون اليوم كهذه الحقيقة، مقصرون، لا يأخذون بالأسباب، ينتظرون معجزة من الله، لا تأتي هذه المعجزة ما لم نأخذ بالأسباب لا نتوقع من الله شيئاً، يجب أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء.
 
 نفي الإيمان عمن يبغي على خليطه بنص الآيات التالية:
أيها الأخوة الكرام، سيدنا داود عليه السلام له قصة تؤكد حقيقة هذا الموضوع، قال تعالى:
﴿ إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ(23)قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ [سورة ص: 23-24]
 
أيها الأخوة الكرام، رجاءً دققوا في هذه الآية:
﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْخُلَطَاءِ ﴾    [سورة ص: 24]
من هم الشركاء؟ الزوجان، الصديقان، الشريكان، أي علاقة بين اثنين، شركاء:
﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [سورة ص: 24]
استنبط الإمام الشافعي أن الذي يبغي على خليطه ليس مؤمناً بنص الآية:
﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [سورة ص: 24]
إذاً الذي يبغي على شريكه، أو على خليطه، أو على زوجته، هنا نفي عنه إن أردنا أن نخفف كمال الإيمان، أو نفي عنه الإيمان أصلاً:
﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ(24)فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ ﴾
                                                                    [سورة ص: 24-25]
 
 امتحان الإنسان من الله عز وجل بكل شيء
الله عز وجل ولاك مدير دائرة، مدير مستشفى، مدير جامعة، مدير مؤسسة، هذا امتحان، هل تعدل أم تظلم؟ هل تقرب أقربائك أم تقرب الأكفاء فقط؟ امتحان، معلم ابتدائي و لك ابن، هل تضعه عريفاً إن لم يكن كفئاً؟ هل هناك أبسط من ذلك؟ الإنسان حينما يمتحن بمنصب، بعمل، بتجارة، بصناعة، بمؤسسة، ممتحن من الله عز وجل، قال تعالى:
﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [سورة المائدة: 48]
 
آية أخرى:
 
﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ﴾ [سورة الأنعام: 165]
 

الله عز وجل قادر أن يضع الإنسان في موقف صعب يكشف حقيقته :
أيها الأخوة الكرام:
﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ﴾     [سورة الأنعام: 165]
بالظاهر مؤمن:
﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ(14)اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾   [سورة البقرة:14-15]
فهذا الذي يقف موقفاً نفاقياً لابدّ من أن يكشفه الله، امتحن فلم ينجح، يأتي أمر الله عز وجل ليكشف حقيقته، الله عز وجل قادر أن يضعك في موقف صعب جداً تكشف على حقيقتك، لذلك قالوا: يمكن أن تخدع بعض الناس لكل الوقت، ويمكن أن تخدع كل الناس لبعض الوقت، أما أن تخدع كل الناس لكل الوقت فهذا مستحيل، أنا أضيف وأقول: أما أن تخدع ربك أو أن تخدع نفسك لثانية واحدة فهذا مستحيل:
﴿ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾   [سورة القيامة: 14-15]
 
 المؤمن يرى أن العبرة في الحياة الآخرة فيرضى بقضاء الله وقدره
الآن لنا أعداء ألداء، أقوياء جداً، قد يقول قائل: لمَ لا يدمرهم بزلزال؟ جاء الجواب:
﴿ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾   [ سورة محمد:4 ]
أراد أن يعطيك أجر الآخرة، أن يعطيك أجراً عظيماً، فهو سمح لك أن تجتهد، وأن تعمل، وكان من الممكن أن يدمر الله أعداء الإسلام جميعاً مرة واحدة، لأن أمره كن فيكون، زل فيزول:
﴿ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾  [ سورة محمد:4 ]
والابتلاء أيضاً من خصائص الأنبياء، قال تعالى:
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [ سورة الأنعام: 112 ]
أيها الأخوة الكرام، أحياناً هناك ابتلاء عام، يكون هناك زلازل أحياناً، أو فيضانات، تسمعون في الباكستان وفي بلاد كثيرة، هناك ابتلاءات عامة، المؤمن راض عن الله عز وجل، المؤمن يرى أن يد الله تعمل وحدها، المؤمن يرى أن العبرة في الحياة الآخرة، لذلك يرضى بقضاء الله وقدره.
 
 الافتخار بالمعاصي مرفوض في كل شرائع الأرض
 أيها الأخوة الكرام، لكن هناك ملاحظة دقيقة جداً في قوله تعالى:
﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾  [ سورة الروم: 41]
دقق إذا كان هناك ابتلاء عام فبسبب فساد عام:
﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾    [ سورة الروم: 41]
لم يقل ليذيقهم ما عملوا، ولا كل الذي عملوا، بعض الذي عملوا، حديث أردده كثيراً يقول:
((كنتُ عاشرَ عشَرةٍ رهطٍ من المهاجرين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل علينا بوجهه فقال: يا معشر المهاجرين، خمس خصال أعوذ بالله أن تُدركوهن، ما ظهرت الفاحشةُ في قوم حتى أعلنوا بها … ))
[ ابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنهما]
مع الإعلان، لا يفتخر، مثلاً: ببعض بلاد الغرب هناك وزير الصحة ببلد أوربي قال: أنا شاذ، وزير الخارجية في بلد آخر قال: أنا شاذ، سفير أمريكا ببوخارست، أقيم له حفل وداع في واشنطن، كان مع شريكه الجنسي ـ حتى يعلنوا بها ـ هذه جريمة تعاقب عليها القوانين جميعاً، مرفوضة حتى في شرائع الأرض، الآن يفتخر بها:
((ما ظهرت الفاحشةُ في قوم حتى أعلنوا بها إلا ابتُلوا بالطواعينِ والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا ـكل فترة هناك مرض جديد، أحد هذه الأمراض الإيدز ـ ولا نقصَ قومٌ المكيال إلا ابتلوا بالسنين وشدةِ المؤونة وجور السلطان…))
كل أنواع الغش في الكيل، في المساحة، بالعدد، بالمواصفات، بوقت الصنع، أحياناً يكون الدواء غالياً جداً يحك تاريخ انتهاء الصلاحية ويبيعه، كل شيء محاسب عنه.
(( وشدةِ المؤونة، وجور السلطان، وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء))
وأنا أقول دائماً: كلما قلّ ماء الحياء قلّ ماء السماء، وكلما رخص لحم النساء علا لحم الضأن، وكلما اتسعت الصحون على السطوح ضاقت صحون المائدة:
((…ولولا البهائمُ لم يُمطروا، ولا نقد قومٌ عهد الله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم يأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم يعمل أئمتهم بما أنزل الله في كتابه إلا جعل الله بأسهم بينهم))    [ ابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنهما]
وكأن النبي عليه الصلاة والسلام يعيش معنا.
 
 الإنسان في دار ابتلاء و ممتحن في كل دقيقة و لحظة
أيها الأخوة الكرام، أرجو الله سبحانه وتعالى أن نعلم علم اليقين أننا في دار ابتلاء، وأنك ممتحن، والله في كل دقيقة، في كل لحظة، في كل ساعة، في بيتك، في عملك، في الطريق، مع صديق، مع عدو، مع من هو أعلى منك، مع من هو أدنى منك، ممتحن في الغنى والفقر، في الصحة والمرض، في القوة والضعف، كل شيء أنت فيه عده مادة امتحانك مع الله، أي شيء أنت فيه إيجابي أو سلبي ينبغي أن تعده مادة امتحانك مع الله.
حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، و زنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، و اعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا،و سيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه،و عمل لما بعد الموت،و العاجز من أتبع نفسه هواها،و تمنى على الله الأماني .

العاقل من حاسب نفسه قبل فوات الأوان :
أيها الأخوة الكرام، مثل قفز إلى ذهني لو أنك سافرت إلى بلد مجاور، وحالة نادرة رأيت تشديداً غير معقول للقادمين لبلدك من حيث البضاعة، كل شيء معهم يوضع على الطاولة، ويحاسبون على أدنى شيء، الآن أنت سافرت إلى بلد مجاور، رأيت حاجة جيدة رخيصة، يقفز إلى ذهنك سؤال، هذه لا تمر، لا يسمحوا لي بإدخالها، إذا عندك هذا الشعور دائماً مع الله، أن هذا العمل ماذا أجيب الله عنه؟ مسافر عادي سافر من دمشق إلى بيروت، وجد تشديداً للقادمين إلى بلده غير معقول في موضوع البضائع، كلما رأى حاجة أعجبته وسعرها مناسب لا يشتريها، يقول لك: هذه لا تمر معي، أنت كمؤمن يجب أن تسأل نفسك مع كل موقف، ماذا تجيب الله عن هذا الموقف؟ والبطولة أن تهيئ جواباً لله عز وجل، وإذا ما كان عندك جواب فهناك مشكلة كبيرة، أنا ضربت مثلاً من واقعنا سافرت إلى بيروت وجدت تشديداً غير معقول في محاسبة القادمين إلى البلد من حيث البضائع، فأنت كلما أعجبك شيء رخيص، وأنت بحاجة له تقول: لا تمر، فالبطولة أن تحاسب نفسك عن كل موقف، عن كل كلمة، على الابتسامة، عن الزيارة، عن عدم الزيارة، عن اللقاء، عن عدم اللقاء، عن مشاركة في رحلة أحياناً، لا ترضي الله عز وجل، فيها اختلاط، هذه السهرة لا ترضي الله عز وجل، هذه الصفقة لا ترضي الله عز وجل، فالبطولة أن تحاسب نفسك قبل أن تحاسب.
كنت مرة في بلاد المغرب رأيت كلمة على محل تجاري، قال: صلِّ قبل أن يُصلى عليك، وأنا أقول لك: حاسب نفسك قبل أن تحاسب، لذلك من حاسب نفسه في الدنيا حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة يسيراً، ومن حاسب نفسه في الدنيا حساباً يسيراً كان حسابه يوم القيامة عسيراً.
 
 والحمد لله رب العالمين