الجمعة، 29 أبريل 2011

اختبار الإخوان…. د. عمرو الشوبكى


نجحت الثورة وظهر على السطح كثير من الجماعات التى اضطهدها النظام السابق، ومنها الإخوان المسلمين. صحيح أنها كانت موجودة طوال العهد السابق ولم يسفر اضطهادها إلا عن تعطيل عملية الانتقال الديمقراطى وإبقاء الجماعة على أفكارها القديمة نفسها دون أى تغيرات عميقة.

والمؤكد أن العودة الصارخة لكثير من التيارات الإسلامية، ومنها الجماعات السلفية المختلفة التى لم تكن لها علاقة بالسياسة، وبعضها وُظف فى معارك الأمن ضد الإخوان فدعمها وترك لها مساحة من التحرك طالما لا تتحدث فى السياسة إلا فيما يتعلق بطاعة أولى الأمر، فى حين حافظ آخرون على «النقاء العقيدى» ولم يُوظفوا فى معارك النظام السابق، وإن ظلوا أيضا بعيدين عن العمل السياسى.

ولذا جاءت تدخلاتهم طوال الفترة السابقة تنم عن عدم معرفة ليس فقط بأبسط القواعد السياسية، إنما أيضا بالعناوين المطروحة للنقاش العام، فنعم على الاستفتاء تحولت إلى «واجب شرعى» حول موضوع لا علاقة له بالدين، والعيد الديمقراطى بالتصويت بشكل محترم وراق على الاستفتاء تحول إلى غزوة الصناديق، وهكذا.

أما الجماعة الإسلامية فعادت مرة أخرى إلى الساحة السياسية بعد فترة اعتقال وحصار طويلين، وفترة الاعتقال الطويلة التى قضاها قادتها خلف القضبان.
ورغم المراجعة الفكرية العميقة التى قدمتها الجماعة وأعلنت فيها بصدق التخلى عن العنف، فإن التحدى الكبير أمامها يكمن فى امتلاك خبرة مدنية تتيح لها أو تسهل عليها مهمة الانتقال للعمل السياسى والحزبى، فتراثهم السابق لم يخرج كثيرا إلا عن كونها جماعة عنف تخلت عنه وقدمت مراجعة فكرية شجاعة لوقفه، وبعد ذلك لا شىء، نتيجة تعرضها لضغوط صارمة طوال العهد السابق لم تسمح لها بالمشاركة بأى شكل فى النشاط العام.

وبالنسبة لجماعة الإخوان فقد امتلكت خبرة مدنية بدأت منذ السبعينيات وامتدت لأكثر من ٤٠ عاما مارست خلالها نشاطا طلابيا ونقابيا وبرلمانيا، وهى خبرة مهمة لم تعرفها الجماعة على نفس المستوى قبل ثورة يوليو، «فالإخوان المؤسسون» لم يكن لهم نائب فى البرلمان ولم يكن لهم تمثيل نقابى يذكر، وكانت الجماعة منتشرة وسط الطلاب ومؤثرة بالمعنى الاجتماعى والدينى كواحدة من كبرى الجماعات المنظمة فى ذلك الوقت دون أن يعكس ذلك تمثيل سياسى يذكر.

والحقيقة أن التحدى الذى واجهه الإخوان طوال الثلاثين عاما الماضية تَمَثل فى احتفاظهم بالبناء القديم الذى أسسه الإمام الراحل حسن البنا منذ عام ١٩٢٨ (وسميناه التأسيس الأول للجماعة) ويقوم على المزج بين الدعوى السياسى، وقيام الجماعة بجميع المهام الاجتماعية والرياضية والدعوية والسياسية فى الوقت نفسه، وهو الأمر الذى جعلها تتعامل مع السياسة باعتبارها مجرد قسم من أقسام الجماعة.

وجاء قرار الإخوان بتشكيل حزب سياسى ليمثل خطوة فى اتجاه الفصل بين الدعوى والسياسى، والبدء فيما سبق أن سميناه «التأسيس الثانى للجماعة»، وإن ظل الحديث عن أن الحزب سيبقى أشبه بقسم من أقسام الجماعة بما يعنى إحكام السيطرة التنظيمية عليه واعتباره مجرد ذراع سياسية للجماعة.

ومع ذلك سيؤدى تأسيس حزب سياسى للجماعة إلى دخولها فى تحول تاريخى يتعلق بعضويتها، فلأول مرة سيدخل حزب الجماعة فى عضوية على البرنامج السياسى وليس البرنامج الدعوى، كما كان يجرى مع الجماعة، بما يعنى أننا سنكون أمام أعضاء من عموم المصريين قادرين على التأثير فى مسار الحزب وتحديد شكل علاقته بالجماعة.

إن التحدى الأول الذى سيواجهه حزب الإخوان سيتمثل فى كيفية أن يصبح جزءاً من قيم الجماعة لا مشروعها التنظيمى، أو بالأحرى جزءاً من القيم والمبادئ الإسلامية (التى من حق الجماعة أن تعتبرها أنها أحد تجلياتها وليس التجلى الوحيد)، كما جرى مع كثير من الأحزاب فى أمريكا وتركيا وباقى الدول الديمقراطية حين كانت تتأثر هذه الأحزاب بخطاب قوى وجماعات دينية أو سياسية أو اقتصادية، أما أن يصبح الحزب ذراعاً لجماعة فهو لم يحدث فى أى تجربة ناجحة، وفى حال تكراره فى مصر سيمثل امتداداً لتجارب الفشل فى السودان وأفغانستان لا تجارب النجاح فى تركيا وماليزيا.

أما التحدى الثانى فهو الفرصة التاريخية التى قد تكون الأخيرة لبناء تيار إسلامى مدنى وديمقراطى فى مصر لديه مرجعيته الإسلامية، ويخضع فى الوقت نفسه لكل القواعد المدنية والديمقراطية التى تحكم العملية السياسية، بعد عقود طويلة من الفشل والتعثر تتحمل مسؤوليتهما النظم المتعاقبة والتيارات الإسلامية.

والحقيقة أن أمام الإخوان المسلمين فرصة لم تتح للتيارات الأيديولوجية والعقائدية الأخرى مثل التيار القومى واليسارى من زاوية عودته فى ظل موجة ديمقراطية غير مسبوقة على المنطقة العربية، فقد قاد التيار القومى العالم العربى فى الخمسينيات والستينيات فى ظل غياب للديمقراطية كأولوية سياسية لدى النخبة والجماهير التى كان التحرر من الاستعمار مشروعها الأول، على عكس المرحلة الحالية التى أصبحت فيها الديمقراطية والكرامة والعدالة مطالب الشعوب العربية، ومنها الشعب المصرى، وأصبحت هناك فرصة تاريخية لإحداث دمج آمن للتيارات الإسلامية، وعلى رأسها الإخوان، فى هذه المبادئ، بشرط الالتزام بقواعد الديمقراطية واستحقاقات الدولة المدنية ومعرفة الأولويات الحقيقية التى يطالب بها الشعب المصرى وما إذا كانت «امتلاك الأرض» أم امتلاك القوت والكرامة والحرية والاستقلال الوطنى.

نعم يمكن لأى حزب ذى مرجعية إسلامية أن ينجح فى المساهمة فى نهضة هذا البلد، بشرط أن يحترم القواعد الديمقراطية والمدنية الحاكمة، وأن يعرف أن مرجعيته الدينية لا تعطيه، تلقائيا، وضعاً أفضل من الآخرين، إنما الرؤى والأدوات السياسية والممارسة المدنية هى التى تعطيه هذا الوضع، وأن الإخوان، كباقى القوى، فى مفترق طريق إما أن يساهموا فى نهضة هذا البلد أو يقعوا فى عراك أيديولوجى وفكرى يعيدهم إلى مربع ما قبل الثورة، وينسوا أن مبارك ترك بلدا مأزوما اقتصاديا وسياسيا منهارة فيه الخدمات والصحة والتعليم، وأن القادر على مواجهة هذه التحديات، بالفعل لا بالشعارات، هو الذى سيفوز بثقة الشعب المصرى.

الخميس، 28 أبريل 2011

المصرى (الرسالى) ….. معتز بالله عبد الفتاح

صديقى الفيسبوكاوى د. أحمد سامى، أرسل لى هذه الرسالة. «أستاذ معتز فاكرنى أنا الشاب الذى راسلتك بخصوص مشكلة الأطباء ووضعهم الصعب. أكتب لك الآن لأن حاجة غريبة جدا حصلت. بعدما أرسلت لحضرتك الرسالة استلمت العمل فى منطقة اسمها العامرية وفى مكان أقل ما يوصف بأنه أدغال وكى أصل هناك بتطلع روحى لكن الغريب أنه بالرغم من هذا الوضع ومن المرتب المتواضع، أحس بالسعادة، مبسووووووط جدا إن أنا أتعب كى أصل لناس من بلدى أساعدهم، فيه حاجة حلوة لا أعرفها لكن أحس بها جدا. النظرة القاتمة اختفت تماما وأحس أن أى حاجة مش مهم طالما أنا أساعد بلدى. أنا لا أعرف ما السبب. يمكن السبب إن أنا أحب مصر وماكنتش عارف؟».

ليس فقط الحب يا د. أحمد، وإنما أنت اكتشفت «الرسالة» ومرحبا بك بين «الرساليين» أى الذين يعيشون بهدف يتخطى مجرد إشباع حاجاتهم الأنانية. كلماتك يا د. أحمد تكشف عن معدنك ومعدن الملايين من المصريين المستشعرين بحرج الموقف الذى نحن فيه. مصر أمنا مريضة لأن هناك من أمرضها، ونحن الآن الأطباء، مثلك تماما، كل فى موقعه. ولا ينبغى أن نضع مصالحنا الشخصية فوق مصلحة أمنا التى هى بحاجة إلينا. 
ورسالة صديقى الشاب، موصولة بما كتبه الفاضل الأستاذ فهمى هويدى عن فتوى الإمامين الجوينى والقرضاوى بشأن تقييد حج النافلة والعمرة فى مثل هذه الظروف. وهذه هى صيغة الأستاذ هويدى لفتوى الشيخ القرضاوى: «إذا حل ظرف طارئ ببلاد المسلمين عانت فيه من الشح فى الموارد المالية، فلولى الأمر أن يقيد العمرة لأنها نافلة وليست فرضا، ويسرى ذلك أيضا على حج التطوع الذى يعد نافلة بدوره».


وبدورى أقول، سمعنا وأطعنا. أنا كنت أخطط لعمرة هذا العام. ولكن مالى، الذى هو حقيقة مال الله عندى، الذى كنت أخصصه لهذه النافلة سأتبرع به لأى مشروع خيرى فى مصر يساعد «أمى» مصر على أن تتعافى من كبوتها.
وأهيب بكل مصرى أن يقدم شيئا، ولو شق تمرة، لأمنا التى هى بحاجة إلينا. لو كنت فى الخارج وتستطيع تحويل جزء من أموالك لحسابك فى مصر، فافعل. لو لديك من مال الله عندك ما تستطيع أن تساهم به فى إنشاء مدرسة أو مساعدة محتاج، فافعل. 
وكل شخص يرى فى عمله بعض ما يكره، فليتحمل قليلا لأن مصر من الآن وحتى نهاية هذا العام ستشهد تغييرات كثيرة. التحدى الذى أمامنا، كما قال المستشار طارق البشرى قبل الثورة، أن نصلح الماكينة وهى تعمل. وليس أن نعطلها وندمرها (مثلما حدث فى العراق بحل الجيش والشرطة والحزب وتدمير الجهاز البيروقراطى). علينا أن نعالج مصر وهى حية بإذن ربها، وأن نصلح ماكيناتها وهى تعمل بإرادة الله التى أودعها فينا. 

الأربعاء، 27 أبريل 2011

فى أن التقشف هو الحل …. فهمي هويدى

هل نستكثر على المصريين الذين تحدَّوا جبروت نظام مبارك حتى أسقطوه من عليائه، أن يقوموا بما عليهم إزاء مسئولية بناء النظام الجديد؟
(1)
ما دعانى إلى طرح السؤال هو تلك الجولة التى يقوم بها فى منطقة الخليج، رئيس وزراء الثورة المصرية الدكتور عصام شرف. وكان قد سبقه إلى واشنطن وزير المالية الدكتور سمير رضوان، الذى ذهب مخاطبا صندوق النقد وآملا فى تدخله لمساندة الوضع الاقتصادى المصرى. وهى المهمة التى أحسب أن جولة رئيس الوزراء ليست بعيدة عنها.
إذن لست أخفى أن فى نفسى شيئا إزاء الهدف من الزيارتين، هو فى حده الأدنى شعور بعدم الارتياح المسكون بالاستياء. ذلك أننى ما تمنيت أن يعالج الأمر بهذه الصورة، التى تحضر فيها الحكومة ويغيب المجتمع، كما تبدو فيها مصر الثورة طالبة لا مطلوبة.
أدرى أننا بصدد أزمة اقتصادية لأسباب متوقعة ومفهومة. وذلك أمر لا مفاجأة أو غرابة فيه، علما بأن بعض الدول الأوروبية تواجه الآن أزمات اقتصادية تتفاوت درجاتها، من فرنسا وانجلترا إلى إسبانيا واليونان مثلا. وهى تتعامل معها بهدوء، وبغير ذعر أو ضجيج.
أضيف إلى ما سبق ثلاث ملاحظات من حيث الشكل على التحركات التى تقوم بها الحكومة فى تعاملها مع المشهد الاقتصادى بعد الثورة هى:
● إن موقفها لا يتسم بالشفافية الكافية. وهذه ملاحظة الاقتصاديين الذين حدثتهم، ووجدت أنهم يدركون جيدا أن ثمة أزمة لكنهم لا يعرفون شيئا عن حقائقها. 
ولا ما إذا كانت قد بلغت مرحلة الخطر أم أنها فى الحدود الآمنة. صحيح أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة دعا إلى ندوة فى 7/4 تم فيها عرض الموقف الاقتصادى من مختلف جوانبه، إلا أن أغلب حضور الندوة كانوا من الإعلاميين والسياسيين وأقلهم كانوا من الاقتصاديين.
● إن بعض الدول الخليجية التى زارها رئيس الوزراء لم تكن سعيدة ولا مرتاحة للثورة المصرية، حتى إن إحداها منعت إعطاء تأشيرات زيارة أو السماح بتعيينات جديدة لأبناء الدول التى شهدت ثورات أو انتفاضات مؤخرا، ومنها مصر. وهذه الخلفية تشكك فى حماس تلك الدول للتفاعل مع المهمة التى يسعى رئيس الوزراء لإنجازها.
● إن لجوء الحكومة إلى مخاطبة الخارج ما كان له أن يتم إلا بعد استنفادها لوسائل التعامل مع الأزمة فى الداخل. فى هذا الصدد أزعم فى هذا الصدد أن ثمة استحقاقات داخلية أخرى لو تم الوفاء بها لكان موقف الحكومة المصرية أفضل فى مخاطبة أى طرف خارجى.
(2)
لا أخفى أننى فيما عبرت عنه من مشاعر قلقة، أنطلق من موقف شخصى يتحفظ على بعض الأطروحات التى تتردد فى الساحة المصرية، فى المقدمة منها ما يلى:
لدى تحفظ على المبالغة فى الاهتمام بالسلطة مع تجاهل دور المجتمع، الذى تشكل عافيته خانة أساسية لاستقامة السلطة والحيلولة دون جنوحها. وأستغرب مثلا انشغال وسائل الإعلام وإشغال الرأى العام بالتالى بالمرشحين لرئاسة الجمهورية دون أى ذكر للإعداد لانتخابات مجلس الشعب التى تسبق انتخابات الرئاسة. علما بأن الانتخابات البرلمانية تشكل أول خطوة باتجاه التمثيل الشعبى الحر وتأسيس النظام الديمقراطى الذى يتوق إليه المصريون.
لدى تحفظ أشد مقترن بالشك والارتياب إزاء الإلحاح على فكرة الدولة المدنية مع تجاهل وجود المجتمع المدنى. وأستغرب الحملة الإعلامية التى يقودها مثقفون وسياسيون دفاعا عن لافتة تلك الدولة، دون أن يبذلوا أى جهد يذكر للدفاع عن المجتمع المدنى ممثلا فى المنظمات الأهلية التى تنشط فى مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.. الخ. وكانت النتيجة أننا لم نشهد أى تطور لافت للنظر فى محيط تلك المنظمات الأخيرة.
لدىّ تحفظ أيضا على فقدان الثقة بالناس والتهوين من قدرتهم على العطاء فضلا عن الابتكار والإبداع. ومما يثير الدهشة فى هذا الصدد أننا خارجون من مشهد أثبت للقاصى والدانى مدى قوة المجتمع وبأسه، وهو ما تجلى فى خروج الملايين فى أنحاء مصر وإصرارهم على إسقاط النظام وتحدى زبانيته بشجاعة نادرة. كأن الثورة أخرجت من الناس ما كان كامنا فيهم من عزم وشجاعة. وهو ما ينبغى أن يعزز ثقتنا فى الجماهير العريضة، وما يستدعى سؤالا كبيرا هو: كيف يمكن استعادة تلك الروح واستثمار تلك الطاقة فى بناء النظام الجديد، بعد نجاحها فى هدم النظام القديم.
لأننى ممن يتمثلون الحديث النبوى الذى يقول إن اليد العليا خير من اليد السفلى. فإن لدى تحفظا على فكرة أن تكون مصر طالبة لا مطلوبة. حيث ليس سرا أن الذى يطلب يظل دائما فى الموقف الأضعف. أدرى أن الاقتراض من المؤسسات الدولية أو من المصارف أمر معمول به فى كل مكان. لكن هناك فرقا بين أن تقترض بكرامة كما يفعل الجميع ثم تلتزم بالرد وأنت مرفوع الرأس وإذا عجزت عن الرد فلك أن تطلب مهلة للسداد، وبين أن تلتمس إسقاط الدين والإعفاء منه. ومثل ذلك الالتماس الذى قدمه وزير المالية المصرى فى زيارته الأخيرة إلى واشنطن يخصم من رصيد نظام ما بعد الثورة، وينال من صدقيته وكفاءته فى إدارة البلد.
(3)
إذا لم نستسلم لمنطق التعويل على الحكومة وتجاهل المجتمع فى مواجهة التحدى. فسنجد أن استحقاقات المواجهة تتوزع على الجانبين. وقد رجعت فيما خص الحكومة إلى عدد من الخبراء وأهل النظر الذين وجدت أن لديهم كلاما كثيرا فى الموضوع، وما أسجله هنا هو مجرد خلاصة وبعض العناوين التى يمكن الانطلاق منها إلى مناقشة موسعة. إذ تحدثت فى هذا الصدد إلى كل من: الدكتور كمال الجنزورى رئيس الوزراء الأسبق، والدكاترة والأساتذة حازم الببلاوى ومحمود عبدالفضيل وإبراهيم العيسوى وأشرف بدرالدين (الأخير كان عضوا بلجنة الخطة والمواطنة فى مجلس الشعب).
وأثار انتباهى أن الاتفاق منعقد بينهم حول ثلاثة منطلقات أساسية هى:
  • ضرورة مصارحة الرأى العام بحقائق الوضع الاقتصادى ــ
  • أهمية إجراء حوار مع أهل الاختصاص للاتفاق على حلول للأزمة ووضع جدول ترتب فيه الآجال والأولويات ــ
  • عدم التردد فى إعلان سياسة للتقشف تبدأ فيها الحكومة بنفسها بحيث تراجع باب المصروفات لاستبعاد كل ما لا لزوم له، خصوصا ما تعلق بالوجاهات والبذخ والسفرات والحفلات والإسراف فى مكاتب التمثيل غير الدبلوماسى بالخارج.
وحين يتحقق ذلك. وتصبح الحكومة قدوة يضرب بها المثل فى التقشف الذى يلمسه الناس، يكون لها بعد ذلك أن تطالبهم بشد الأحزمة والالتزام بذات النهج الذى ارتضته لنفسها.
أثار أولئك الخبراء نقطتين أخريين، الأولى تتعلق بضرورة الحد من سفه الواردات التى أصبحت قوائمها تضم سلعا استفزازية لا حصر لها، لا يعقل أن يكون لها مكان فى مجتمع يواجه أزمة. الثانية تتصل بإيرادات الصناديق الخاصة التى أنشأتها بعض الوزارات والمؤسسات العامة، وقدرت حصيلتها فى السنة المالية الأخيرة بنحو 21 مليار جنيه. وقد رأوا أنها تمثل رصيدا مهولا ينبغى أن يستثمر لصالح التنمية، ولا يترك نهبا للعابثين وأصحاب الأهواء فى كل قطاع. حيث لا رقيب ولا حسيب.
لابد أن يكون لأهل الاقتصاد كلام أكثر وربما أفضل مما ذكرت. ولذلك لن استطرد فيه لأن ما عندى بخصوص المجتمع يستحق أن نفكر فيه جيدا.

(4)
كنت قد وقعت على فتوى لإمام الحرمين عبدالملك الجوينى فى كتابه «غياث الأمم» قال فيها إن ولى الأمر إذا اعتزم أداء فريضة الحج، وأدى ذلك لتعطيل مصالح الخلق، فإن مراده يصبح «محرما على الحقيقة».
وحين قرأت أن حكومة الثورة بحاجة إلى سيولة تقدر بنحو 2 مليار دولار لتلبية احتياجات السنة المالية الحالية (حتى شهر يونيو المقبل)، ووجدت أن المصريين يدفعون المبلغ ذاته كل سنة تقريبا لأداء العمرة وفريضة الحج، توجهت بالسؤال التالى إلى الدكتور يوسف القرضاوى رئيس الاتحاد العالمى لعلماء المسلمين: هل يجوز دعوة الراغبين فى أداء العمرة أو الحج إلى توجيه المبالغ التى خصصوها لهذا الغرض لصالح صندوق يدعم اقتصاد البلد فى الظروف الراهنة؟ وما مصير العمرة أو الحجة فى هذه الحالة؟ وهل يدخل دعم اقتصاد البلد ضمن مصارف الزكاة التى يتعين على المسلمين الوفاء بها؟
هاتفيا وجهت إليه السؤال.
وحين رد صغت إجابته وقرأتها عليه وأجازها. وكانت كالتالى: إذا حل ظرف طارئ ببلاد المسلمين عانت فيه من الشح فى الموارد المالية، فلولى الأمر أن يقيد العمرة لأنها نافلة وليست فرضا، ويسرى ذلك أيضا على حج التطوع الذى يعد نافلة بدوره (المسلم مكلف بحجة واحدة وما زاد على ذلك عد نافلة). والقيد هنا ينصب على الحالة التى يدفع فيها الراغب مالا للحج أو العمرة، ولا يشمل ما كان منها بالمجان. وإذا أودع المسلم حصته من المال فى هذه الحالة بعد أن عقد نيته على السفر، فإن العمرة أو الحجة تحسب له. أما توجيه الزكاة لصالح إنقاذ اقتصاد البلد المسلم أو حتى تنميته والوفاء بحقوق أهله فذلك مما يعد فى سبيل الله، الأمر الذى يدخل ضمن المصارف الشرعية المعتبرة.
هذه الفتوى المهمة إذا توافقت عليها المؤسسات الدينية ومجمع البحوث الإسلامية فى المقدمة منها، فإنها يمكن أن تشكل إسهاما إيجابيا فى مواجهة الأزمة، فضلا عن أنها تضع أيدينا على باب لاستثمار الطاقات الإيمانية لصالح المجتمع، يخرجنا من دوامة الشائعات والتلويحات الفجة التى تروج لتنفير الناس من القيم الدينية أو محاولة تشويهها وتوظيفها لتفكيك المجتمع والوقيعة بين مكوناته المختلفة.
خارج هذه الدائرة فليت خطابنا الإعلامى المشغول بالماضى وبتتبع تفاصيل حياة أركان النظام السابق فى معتقلهم بسجن طرة، يصرف بعض اهتمامه نحو هدفين هما تعبئة الرأى العام لصالح إعادة تشغيل المصانع بطاقتها الطبيعية، بعد أن تراجعت إنتاجيتها بنسبة تجاوزت 40٪، إلى جانب تراجع إنتاجية العمال أنفسهم، الأمر الذى بات يهدد بعض المصانع بالإغلاق. أما الأمر الثانى فهو ترشيد الاستهلاك الذى لم يعد يخضع لأى منطق فى بعض الحالات. يكفى أن تعلم مثلا أن مصر أكبر دولة مستوردة للقمح فى العالم (تستورد سنويا 6 ملايين طن بما يعادل 2 مليار دولار). وأن استهلاك المواطن المصرى هو الأعلى أيضا فى العالم، حيث تصل حصة الفرد إلى 130 كيلو جراما فى العام، فى حين أن المعدل فى الدول النامية يتراوح بين 60 و70 كيلو جراما.
وثمة كلام كثير حول تسريب الدقيق المدعوم إلى السوق السوداء التى لم تنجح محاولات القضاء عليها إلى الآن، وحول استخدام الخبز كعلف للماشية.
تلك مجرد نماذج لما ينبغى أن يستنفر لأجله المجتمع قبل أى تحرك خارجى. هذا إذا كنا جادين فى مواجهة التحدى ومطالبة الناس بربط الأحزمة والتقشف. وهى مسئولية ينبغى أن ينهض بها المجتمع المدنى، الذى نسيه مثقفوها الذين يصرون على استمرار إشغالنا بالحرب بين الدولة المدنية والدولة الدينية.

الاثنين، 25 أبريل 2011

المعجزة السورية…. برهان غليون


دخلت انتفاضة الحرية والكرامة في سورية أسبوعها الخامس. ولا يقدم الخطاب الثاني للرئيس، الذي كرر فيه وعود الخطاب الأول، أي إشارة إلى احتمال الخروج قريبا من الأزمة.
أما القرارات التي اتخذتها الحكومة في 19 الشهر الجاري بإلغاء حالة الطوارئ ومحاكم أمن الدولة فلم تلق صدى كبيرا عند شباب الاحتجاج، أولا لأنها تمثل تسجيلا لأمر وقع وانقضى.
فمظاهرات الشباب والشعب خلال شهر كامل كانت قد أسقطت بالتأكيد قانون الطوارئ وجعلته من دون مضمون، والضغط الاحتجاجي يمنع أكثر فأكثر السلطات عن الاحتفاظ بالمعتقلين إلى الأبد أو تقديمهم لمحاكم أمن الدولة، كما أن قانون الإعلام الموعود قد سقط قبل أن يخرج إلى النور لأن التقدم التقني في وسائط الإعلام قد بين أن احتكاره من قبل السلطات لم يعد ذا معنى.
العالم يتناقل جميعه أخبار وصور الثورة السورية بالرغم من إغلاق دمشق أمام المراسلين الأجانب جميعا، وتحويل وسائل الإعلام السورية إلى أداة في الحرب المعلنة ضد الحركة الاجتماعية والشعبية. فالقرارات الجديدة تشبه عملة فقدت صلاحيتها أصلا ولم يعد لها قيمة تذكر.

وثانيا لأن إعلان هذه القرارات قد ترافق بتهديدات من وزير الداخلية ووزير الخارجية وغيرهما للمحتجين بأن الحكومة قد لبت مطالب الشعب، وأنها لن تسمح بعد الآن بالمظاهرات، وسوف تقضي عليها بالقوة. مما يعني بوضوح أن نية الحكومة ليست صافية بتاتا، وأنها تستخدم قرارات فارغة من المضمون من أجل التسلح السياسي لضرب الحركة الشعبية لا غير.
وهذا ما حصل بالفعل الأسبوع الماضي في حمص وغيرها من المدن التي أرادت الحكومة أن تلقن من خلالها درسا لا ينساه الشعب عن العسف والعنف المنفلت من عقاله، مع التهديد باتهام المحتجين باستخدام السلاح وقتل ضباط من الجيش، والتهويل بوجود حركة سلفية مسلحة تريد أن تقيم في حمص إمارة طالبانية. وكان حريا بالحكومة والأمر كذلك أن لا تلغي حالة الطوارئ بل أن تعلنها من جديد إذا كانت الحالة بهذه الخطورة.

كل هذه السياسات عمقت شك الشعب في نية الإصلاح عند الحكومة ودفعته إلى التصعيد ضدها باعتبارها لا تزال تتهمه بالتآمر وترفض الاعتراف الفعلي بشرعية المظاهرات، وكف يد الأمن ووقف استخدام الرصاص الحي ضد المتظاهرين.
وبالفعل كيف تستقيم النية الإصلاحية مع استمرار المجازر الجماعية والاعتقال والاختطاف للناشطين واستخدام الشبيحة وغيرهم من التشكيلات الأمنية لترويع الناشطين وإخماد ثورتهم، في الوقت الذي لا تزال فيه السلطة محتكرة كليا من قبل الحزب الحاكم، ولم تصدر أي بادرة تشير إلى احتمال قبول السلطة بمبدأ العودة إلى الشرعية الدستورية والديمقراطية وبدء خطوات عملية للتعبير عن اعترافها بحق الشعب في المشاركة وتداول السلطة.

هكذا لا يزال خط الثورة في تصاعد مستمر سواء على مستوى الشعارات التي تحولت من المناداة بالإصلاح إلى المناداة بالحرية إلى المناداة العلنية اليوم بإسقاط النظام، أو على مستوى اتساع دائرة القطاعات الشعبية المساهمة فيها والمؤيدة لها.
فبعد أن اقتصرت دائرتها في 15 مارس/آذار على عشرات المشاركين، تحولت بعد حادثة أطفال درعا الخمسة عشر إلى انتفاضة كبرى، وتوسعت دائرتها اليوم لتشمل الأراضي السورية بأكملها كما زاد عدد المشاركين فيها ليصل مئات الآلاف في الجمعة التي أطلق عليها جمعة الصمود (15 أبريل/نيسان)، والتي وضعت الانتفاضة على سكة الانتفاضات العربية الكبرى، في حجم المشاركين فيها وقوة تصميمهم، وصار من الصعب اليوم توقع همود بركانها قبل أن تحقق أهدافها التي لا تختلف من حيث الجوهر عن الأهداف التي رفعتها وترفعها جميع انتفاضات الحرية والكرامة العربية.
ما حدث حتى الآن في سوريا شيء كبير وخطير، يتجاوز بكثير ما حدث في الأقطار العربية الأخرى. ذلك أن النظام القائم في سوريا يتميز أيضا عن النظم العربية الأخرى، في تونس ومصر واليمن والبحرين وغيرها، بغياب أي حياة سياسية في البلاد، مهما كان ضيق هامشها.

فالبلاد لا تقاد سياسيا وإنما تديرها مجموعة من الأجهزة الأمنية، المستندة هي نفسها إلى توازن عام للنظام تضمن السيطرة العسكرية. ولا يمثل حزب البعث الحاكم سوى غلالة رقيقة هدفها التغطية على غياب السياسية والحقل السياسي تماما، وتبرير حكم الأجهزة وسيطرتها الشاملة، بما في ذلك داخل الحزب الحاكم وداخل الجيش وداخل الإدارة وداخل الحكومة نفسها.
فلا يمكن القيام بأي أمر، قولا أو عملا، من تعيين رئيس الجمهورية إلى إجراء معاملة مدنية بسيطة في الإدارة، مرورا برئاسة الوزارة وانتقاء نواب مجلس الشعب والمناصب الإدارية، بل حتى القبول في أي وظيفة عمومية مهما كانت محدودة الأهمية مثل حارس مبنى أو آذن مكتب، من دون أن يمر بالأجهزة الأمنية وينال رضاها وموافقتها، أحدها أو مجموعة منها.

 وبالإضافة إلى ذلك يخضع الشعب السوري منذ عام 1963 إلى حالة الطوارئ التي تكرس هذا الاستباحة الكاملة لحقوق الشعب من قبل الأجهزة، وتشرع لمعاقبة أي قول أو سلوك أو نشاط لا ترضى عنه الأجهزة الأمنية، ولا يصب في هدف تعزيز سلطتها وتأكيد سيادتها على الشعب والبلاد.
هكذا تحول الحكم السوري القائم إلى كابوس حقيقي يربض على صدر شعب قيد بالسلاسل، وفرض عليه الصمت والطاعة خلال ما يقارب نصف قرن، لا يمكن للفرد أن يتكلم فيه ويعبر عن أي رأي مخالف، حتى داخل دوائر الحزب والسلطة، ولا يحق لأفراده التواصل وما بالك بالاجتماع والتنظيم والمشاركة السياسية أو غير السياسية. وهذا ما يشكل حكما بالإعدام السياسي على شعب كامل.

وقد اعتاد رجال الأمن، وهم في الحقيقة رجال ترويع للشعب وظيفتهم إشعار كل فرد بأنه ليس آمنا ما لم يتعامل مع الأجهزة ويخضع لها ويقبل باقتسام تجارته أحيانا مع أفرادها، أن يهينوا المواطنين لسبب أو من دون سبب، من أجل إخضاعهم وإشعارهم بدونيتهم وعبوديتهم وترسيخ الشعور بالعجز والمهانة والمذلة لديهم.
وكان الضرب والأذى الجسدي من الأمور اليومية أما الشتائم المذلة فقد أصبحت عملة التداول اليومية داخل الدوائر الرسمية حتى من قبل أعضاء الإدارة من غير جهاز الأمن.

وتحولت الإهانة المعممة في الواقع إلى تقنية سلطوية هدفها بناء العلاقة بين أصحاب السلطة وأبناء الشعب كعلاقة سيد بعبد، وقادر بعاجز، ونبيل بصعلوك، مهما كان وضع الفرد ومكانته الاجتماعية والعلمية. كل فرد سوري هو مشروع قن أو عبد مأمور. والواقع أن جميع أبناء الشعب قد تحولوا إلى عبيد وأقنان، تطحنهم آلة واحدة ومنطق واحد هو التشكيك والتحقير والتكسير المعنوي المتبادل.


ولم يكن من قبيل الصدفة أن ترتبط شرارة الانتفاضة بهذه المعاملة المهينة التي اعتاد عليها أبناء النظام. فكانت أول حادثة لفتت انتباه السوريين والمراقبين الأجانب تلك المظاهرة الصغيرة التي حصلت في سوق تجاري، سوق الحريقة، في دمشق، بسبب تعرض أحد التجار الشباب للضرب المبرح أمام الملأ من قبل رجل شرطة، فتجمع تجار السوق، وانطلقت من حناجرهم أول صرخات الانتفاضة وشعاراتها من دون أن يدروا: الشعب السوري ما بينذل، أي لا يذل. ولم يتفرق المتظاهرون إلى أن اضطر وزير الداخلية إلى أن يأتي بنفسه ليعتذر لهم، ويأمر بمعاقبة الشرطي ليرطب خواطرهم.
لكن الحادثة الأهم للإهانة والتي سوف تطلق بالفعل شرارة الانتفاضة السورية، والثورة العارمة في منطقة حوران بجنوب سوريا التي تعد اليوم منطقة محررة كليا من سلطة البعث ورموزه، تتلخص في اعتقال الأمن لخمسة عشر طفلا سوريا بين سن العاشرة والرابعة عشرة، بسبب كتابة بعضهم شعارات تبشر بسقوط النظام.

وقد تعرض الأطفال للتعذيب وقلعت أظافر أحدهم ومنعت أسرهم من زيارتهم. وعندما ذهبوا بوفد لمقابلة محافظ درعا، شتمهم جميعا وأخبرهم أن عليهم أن ينسوا أولادهم، وأن يرجعوا ليناموا مع نسائهم لإنجاب بديل لهم لأنهم لن يروهم أبدا.

كان خروج السوريين إلى الشوارع لتحدي سلطة من هذا النوع معجزة بالمعنى الحرفي للكلمة. ليس بسبب الخوف، بل الرعب الذي عشش في الصدور، ولا بسبب الحضور الأمني والعسكري الكثيف والدائم والشامل في كل شبر، خاصة في المدن الرئيسية فحسب، ولكن، أكثر من ذلك، بسبب الشعور العميق الذي ترسخ في قلب كل سوري بالعجز والغلبة على الأمر وعدم القدرة على فعل شيء تجاه نظام جبار، ورجال أمن وحكم عتاة لا يتورعون عن ارتكاب أي شيء في سبيل نزع ثقة الشعب بنفسه، وتشكيكه حتى بقدراته العقلية، ودفعه إلى الشك في ذاته وأهليته وإنسانيته.
علينا أن نعرف ونسجل للتاريخ أيضا أن هؤلاء الذين خرجوا في الأيام الأولى من الانتفاضة، وكانوا بالمئات فقط، خرجوا كشهداء، ولم يخرجوا كمتظاهرين. وبقي هذا الشعور قويا عند الشباب الذين أتيح لي التواصل معهم، حتى جمعة الصمود العظيمة التي تحولت فيها المظاهرات إلى مسيرات بعشرات الألوف، والتي نقلت الانتفاضة من مرحلة الخطر، وصار من غير الممكن القضاء عليها من دون المغامرة بمجزرة كارثية لا يمكن لنظام تحمل نتائجها.

وفي الساعات الأولى لجمعة الصمود هذه كتب لي شاب من الدير على الفيسبوك يقول سنخرج اليوم في مسيرة حاشدة وستكون أكبر من كل سابقاتها. وكانت السلطات قد أغلقت في الأيام الثلاثة السابقة مدينة بانياس الساحلية، وقطعت عنها الاتصالات والكهربا والماء، وارتكبت فيها مجازر، وشنت حملة تطهير سياسي بالمعنى الحرفي للكلمة، ومارست كما تعودت، لكن على نطاق أوسع تقنيات الإذلال والإهانة، كما ظهرت في الصور التي تناقلتها التلفزة حيث يركل الناسَ رجالُ مليشيات "الشبيحة" الخاصة، التي استخدمتها السلطة لقهر المواطنين زاعمة أنها لا تملك السيطرة عليها، وكان هدفها الترويع وإعطاء مثال للسوريين عن مدى العنف الذي يمكن أن تصل إليه السلطة.

فأردت طمأنة الشاب الذي بدا لي مصمما على الخروج، فكتبت: لا تخف انتهى درس الترويع. فرد علي في الحال: أستاذي أنا أنقل لك الخبر فحسب، أنا لست خائفا أبدا. أنا لا أخرج من أجل أن أعود. أنا خارج شهيدا.

ليس الخبز بالرغم من ندرته، ولا انتهاك حقوق الإنسان، التي لم يبق إنسان ليتصف بها، ولا حتى تجبر الحاكمين وفسادهم المنقطع النظير، هو الذي كان الصاعق وراء تفجير بركان انتفاضة الكرامة والحرية في هذا البلد العربي الجميل. إنه الإفراط في الإهانة والإذلال والاحتقار، أي سحق الإنسان الذي شكل جوهر السياسة، بل الفعل السياسي الأصيل الوحيد، لنظام حكم سوريا خلال ما يقارب نصف قرن.

لذلك لا أعتقد أن من الممكن لثورة الكرامة والحرية أن تتوقف في سوريا قبل أن تقطع الذراع التي تسببت في هذا الكم الأسطوري من الإهانة والإذلال الذي تعرض له أبناء الشعب السوري النبيل والمسالم، أعني أجهزة الرقابة والعقاب والتنكيل الثلاثة عشر، والمليشيات والسجون المرتبطة بها، التي تسمى فروع الأمن، ولا وظيفة لها سوى حرمان الأفراد من أي أمان، وتقديمهم عراة، خارج أي حماية قانونية أو سياسية، لوحوش مافيات السلطة والمال الضارية.

الأحد، 24 أبريل 2011

إستقالتي المسببة من جماعة الإخوان المسلمين ( عذرا للاطالة ولكن اقتضى الأمر ذلك )... احمد مصطفى


بسم الله الرحمن الرحيم
الأستاذ الدكتور : محمد بديع مرشد جماعة الإخوان المسلمين ...تحية وحب وتقدير وإحترام للإخوان جميعا ...ثم أما بعد .

العبد الفقير أحمد مصطفى عبد المجيب أخوكم الصغير وتلميذ هذه الدعوة الفاضلة ...أتقدم بإستقالتي من الجماعة بعد عمر فيها تجاوز الخمسة عشر عاما أحسبها هي عمري الحقيقي وأيامي الحلوة ولحظاتي التي لن أنساها ومن خالطتهم في تلك السنوات هم أحب الناس إلى قلبي والله يعلم ذلك .

كلماتي القادمة هي أصعب ما كتبت على نفسي وقلبي مع أن عقلي يحكي لي ويؤكد أن هذه هي الخطوة السليمة في التوقيت المناسب... وكثيرا ما فكرت في تلك الخطوة لكن كثيرا ما غلبتني العاطفة القوية والجياشة والتي يعلمها كل من خالطني وعرفني سواء في مصر أو هنا في المملكة.

فعاطفتي كانت تحركني طوال الفترة السابقة فكل إخواني يعلمون أني لم أتغيب عن أي أسرة أو كتيبة أو رحلة أو معسكر طوال 15 عاما إلا نادرا لسفر أو لمرض حتى في فترات الإختلاف الفكري والإداري... وكذلك لم أكن في فترة من الفترات أخا عاطلا في هذه الدعوة فعملت بمعظم أقسام الجماعة وظللت مشرفا على العمل الطلابي في جامعة القاهرة 4 سنوات ثم في قسم التدريب التابع للجنة التربية بمحافظة الجيزة، وأترك الجماعة الآن وأنا نقيب أسرة عامل.

كما قلت أن عقلي نبأني بتلك الخطوة منذ فترة ليست بالقليلة وتحديدا عزمت على تلك الخطوة أو على الأقل فكرت فيها ثلاث مرات سأرويها لحضراتكم لأن هذا حقكم علي وهو النصح والتنبيه على الأخطاء إن كانت موجودة من وجهة نظري ثم لسبب آخر وهو الإعذار أمام الله عز وجل أمام كل من أدخلته هذه الجماعة أو كنت مسئولا عنه في يوم من الأيام وأدخلت في عقله أفكار وإتجاهات هي الآن محل مراجعة عندي وتقويم حتى من يستمر في هذه الجماعة بعد ذلك يكون على بينة من أمره ويقين.

المرة الأولى : تحديدا بعد بداية العمل بالمناهج التربوية الجديدة 2005 – 2006 :
رأيت في تلك المناهج بعدا واضحا عن النظرية الإسلامية في التزكية والتصوف والتي رأيتها واضحة في كلام وتوجيهات الغزالي في الإحياء وكذلك في حكم ابن عطاء الله وحديثا في كتب الأستاذ سعيد حوى ... المناهج التي قررت على الإخوان ومازال العمل بها ساريا حتى الآن رغم إعتراض الكثير من قيادات الإخوان أو على الأقل عدم إقتناعهم بوجود فائدة من تدريس تلك الكتب والذين سألتهم مباشرة كالدكتور عصام العريان والدكتور حلمي الجزار والدكتور عبد المنعم أبو الفتوح – تميزت تلك الكتب ( الهزيلة ) بسمات عديدة منها السطحية الفكرية والشرعية - والتناقض بين الكثير من أجزائها – وإعتمادها الأساسي على التجميع من العديد من الكتب التي لا يوجد بينها رابط فكري واحد والكثير منها عليه ملاحظات فكرية وشرعية

فكانت النتيجة الواضحة لتلك المناهج غلبة المتابعات الورقية والإهتمام المبالغ فيه بالإجراءات على حساب النظر للأهداف والنتائج وتحولت الأسرة والمحاضن التربوية ( لقعدة حلوة ) يغلب عليها الأكل والشرب وحشو لبعض المعلومات دون مردود تربوي واضح .
فأصبح مع مرور الوقت النقيب والأفراد يحتاجون للتزكية والتصوف إذ أنهم إفتقدوها وغاب عنهم معينها الأصلي وظهرت حالات الخلل التربوي والسلوكي بين أفراد الجماعة في مستويات عدة وكذا ظهور فئة المنتفعين والمتربحين من التنظيم ( والخلافات المالية بين بعض أفراد الصف ووصول بعضها للقضاء لهو خير دليل على الخلل الذي أصاب العملية التربوية ) - وكذامما عمل على زيادة الخلل التربوي غلبة العمل السياسي على أنشطة الجماعة .

ومما زاد الطين بلة تحكم إخوان الأقاليم ( الريف تحديدا ) وعلى رأسهم الأستاذ صبري عرفة بملف التربية فانتشرت أفكار هي في ظني في تحتاج لتأصيل شرعي وفكري وتحتاج لفريق من الباحثين والأكاديميين للبحث في نقاء تلك الأفكار والمبادئ وخلوها من أي غبش أو دخل – وذلك كمفاهيم الثقة والطاعة والكتمان والمعرفة على قدر الحاجة والإعلاء من قيمة التنظيم في حد ذاته وتوسيع دائرة الثوابت والخلط بينها وبين ما هو ثابت إسلامي وكذلك الضيق بالنقد الذاتي وتجريمه تنظيميا وجعله مساويا لشق الصف وهم بذلك خالفوا نهج الإمام المؤسس رحمه الله تعالى كما كان واضحا في كتبه ومؤلفاته ومقالاته.

المرة الثانية : عند أزمة تصعيد الدكتور عصام العريان ثم أزمة إنتخابات مكتب الإرشاد الأخيرة عام 2009 :
تلك الأزمة من وجهة نظري هي الأشد في الفترة الأخيرة من تاريخ الجماعة ...وللحقيقة هذه الأزمة كانت القشة التي قصمت ظهر البعير وأفقدتني الثقة في قيادة الجماعة بقدر كبير .
أفرزت هذه الأزمة الخلافات الفكرية بل والنفسية بين قيادة الجماعة متمثلة في مكتب إرشادها، إذ ظهر هناك جناح متحكم ومسيطر وموجه للأمور (بدليل وقوف المكتب بكامله أمام رغبة الأستاذ عاكف) – هذا الجناح الذي أعلن عن موعد الإنتخابات في قناة الجزيرة وأخفى على نائب المرشد الدكتور حبيب وهو نفسه الذي تعمد إيصال قائمة الترشيح للدكتور حبيب يوم الإنتخابات يومها صباحا (متأخرا بذلك يومين) وهو نفسه الذي وجه الإنتخابات ضد الدكتور حبيب والدكتور أبو الفتوح ليخرجا من المكتب (سمعت بنفسي من أحد أعضاء المكتب الإداري هنا يقول بعد الأزمة نصا: كنا نعرف أن الدكتور حبيب وأبو الفتوح خارج المكتب).
ثم أمر إستقالة الأستاذ عاكف ثم هو نفسه ينفيها إستجابة للضغوط من حوله بدعوى شق الصف وأن التاريخ لن يغفر له ذلك .

  • ما أفقدني ثقتي في القيادة هو سلوك المراوغة والتورية وإخفاء المعلومات بحجة عدم شق الصف تلك الحجة الواهية ولم ينتصروا للمبادئ وللحق وأكبر دليل على ذلك هو السكوت المطبق من موقع الإخوان الرسمي وطبعا كان ذلك بتوجيهات من الجناح المتحكم والمهيمن.
  • ما أفقدني الثقة إعترافات الدكتور حبيب بوجود جناح مهيمن في الجماعة وأن أكثر قيادة الجماعة يتحكم فيهم الولاء وأن ثقافة اللوائح غير موجودة وأنه ليس هناك لائحة لمحاسبة المخطئ من قيادة الإخوان بمعنى لا يوجد رقابة حقيقية على مكتب الإرشاد وما حدث في هذه الأزمة وما بعدها أثناء الثورة (كزيارة عمر سليمان قبل التنحي سرا) خير دليل أنه ليس هناك من يحاسب من مكتب الإرشاد .
  • ما أفقدني الثقة حقا قول الأستاذ مهدي أن هناك سرا داخل مكتب الإرشاد وهو يريد أن يعرفه ثم تراجع عن كل ذلك بعد الضغط عليه .
  • ما أفقدني الثقة حقا كلام الدكتور عصام العريان لي قبل أن يكون عضوا بالمكتب وتشجيعه لي على الكتابة ونشره لدراسة (آثار الحملة البوليسية على الإخوان) ثم تراجعه عما جاء فيها من أفكار كانت تمثل خارطة الطريق للإخوان الفترة القادمة بعد أن دخل المكتب ثم تغير نبرته معي بعد ذلك فكان قبل دخوله المكتب يوافقني على معظم السلبيات والتي كنت أحدثه عنها ويشجعني على الصبر والكتابة وبعد ذلك قال لي اني متشائم وغير صبور وأن التغيير يحدث فعلا.
  • ما أفقدني الثقة حقا عدم الرد على الطعون والإعتراضات التي قدمت للمكتب عن الإنتخابات وأبرزها كان طعن الدكتور إبراهيم الزعفراني والذي سخر منه الأستاذ عاكف وقال من معه دليل يذهب به للقضاء (قد أتفهم تفسيرهم للائحة وإقتناعهم بطريقة الإنتخابات لكن ما لا يفهم هو عدم الرد على الطعون والإعتراضات وكأنهم بلسان حالهم يقولون في أقرب حائط إخبط دماغك).
  • ما أفقدني الثقة أن نترك هذه الأزمة بلا شفافية ومحاسبة ومراجعة وتقويم والإهتمام بإقصاء المعارض ( الدكتور حبيب وأبو الفتوح وإبراهيم الزعفراني وغيرهم ) والإهتمام بمسألة الثقة في القيادة وعدم إهتزازها في نفوس الإخوان فانتصروا للتنظيم على حساب المبادئ والحق والشفافية.
ما شعرت به أن هناك جناح مهيمن ومسيطر يحكم قبضته على الجماعة ومكاتبها الإدارية وأن هناك جناح آخر يخاف على تاريخه ومكانته ويسيطر عليه الولاء (وظهر ذلك أكثر بعد الثورة) وأنا عن نفسي أكثر من إحترمته في تلك الأزمة الدكتور إبراهيم الزعفراني والذي انتصر لمبادئه وأفكاره وفضل الإستقالة – إستقالة من كيان أعطاه جهوده وتضحياته وماله ونفسه طوال عشرات السنوات هي تاريخه في الجماعة فأنعم وأكرم به من رجل ولاءاته وإنتماءاته للحق وللحق وحده.

المرة الثالثة : بعد ثورة 25 يناير المجيدة وسقوط نظام الظلم والإستبداد :
شعرت بحالة الإرتباك وعدم تقدير الظرف الزماني من قبل من يقوم على أمر الجماعة فالتخبط كان واضحا منذ أول يوم ولن أدخل في تفاصيل ما حدث أثناء الثورة وما بعدها لإنه الأكثر إيلاما لكن تكفي هنا الإشارة .
قيادة الإخوان في معظم مواقفها تقوم على سياسة رد الفعل وليس صناعة الحدث وإدارته من البداية وإمتلاك زمام المبادة وكان النظام السابق للحق هو من أهم العوامل الرئيسية في تلك الحالة للجماعة إذ جعلها جماعة رد الفعل .
فدفعت الجماعة أبنائها على إستحياء في بادئ الأمر ثم شاركت بمعظم قواتها ثم في منتصف
الأمر رضوا بالمفاوضات بل وذهبوا إليها سرا (لقاء سري مع عمر سليمان) دون طبعا الرجوع لمجلس الشورى ومر الأمر دون محاسبة أو كشف للحقائق حتى لا تهتز صورتهم عند الصف
ثم جاء التصميم على إكمال المسيرة من قبل الشباب وبعض رموز الإخوان أرغموا القيادة على إكمال الأمر حتى نهايته.
والتاريخ عاجلا أم آجلا سيكشف تفاصيل أكثر من شأنها توضيح الصورة وإكمال الزوايا الناقصة.

ملحوظة في غاية الأهمية : نتفق أو نختلف على رواية الأحداث ورؤيتها فالأمر معقد وكل يراه من زاوية مختلفة... لكن ما لا يمكن الإختلاف حوله من وجهة نظري تحليل المواقف السياسية للجماعة بعد 11 فبراير وهو ما سأجمله في الآتي من وجهة نظري:

على المستوى الداخلي :
1- الحسم بعنف ضد كل وجهة نظر مخالفة والتضحية بقيادات وأفراد هم من خير من أتى للصف في رأيي (الدكتور أبو الفتوح ومن يعمل في حملة الدكتور عبد المنعم خير دليل وشباب التيار المصري).
2- تعامل القيادة مع الشباب ذوي الآراء المتنوعة وإستخدام أساليب غير لائقة معهم ( كمساومة الدكتور محمد مرسي للشباب المنظمين لمؤتمر الشباب الأول في فندق سفير حيث طلب منهم نصا ترك المؤتمر ودخولهم الحزب ثم طلبه منهم تحديدا عدم حضور الدكتور حبيب أو أبو الفتوح ثم نفي ذلك كله ولا أدري ماذا نسمي هذا غير الكذب وإظهار الأمر أنه إختلاف حول موعد المؤتمر و للأسف سكت كل من كان يساند هؤلاء الشباب كالدكتور حلمي الجزار والدكتور عصام حشيش ) .
3- إصدار قرارات من مكتب الإرشاد دون الرجوع لمجلس الشورى كعدم جواز دخول أفراد الإخوان أي حزب سياسي آخر غير الحرية والعدالة فهذا قرار مطعون في طريقة إتخاذه بغض النظر عن مدى صحته من عدمها ( طبعا رأيي أن هذا القرار مرفوض فهو عندي مرفوض شكلا وموضوعا )
وللحقيقة هذا الرأي وغيره يختزل الجماعة بتنوعها ومدى إتساعها في عدة أفراد هم مكتب الإرشاد وهذا ما أرفضه فليس هناك وسية للإختلاف ولا للإعتراض ولا للمحاسبة غير القنوات الشرعية وهي وهم كبير من يتكئ عليه يتكئ على سراب .

على المستوى الخارجي :
1 – ظهور الجماعة في براجماتية وإنتهازية سياسية فكل ذو لب وعقل يرى بوضوح لا ضباب فيه إستمالة المجلس العسكري للجماعة ، وللأسف الجماعة إكتشفت أمر المجلس العسكري وعرفت أنه يحقق أهدافا بعينها وكان يستخدم الإخوان وغيرهم من الإسلاميين ولكنهم إكتشفوا ذلك الامر في وقت متأخر جدا ( ووثيقة المبادئ فوق الدستورية خير دليل )
2- بعد الإخوان الواضح عن المطالب الحقيقية للثورة والتي لم تتحقق بعد وإهتمامهم بمسألة الإنتخابات والبرلمان ويظهر ذلك في نوعية التحالفات التي دخلها الإخوان ... ففي الوقت الذي يدخل فيه الإخوان في تحالفات مع أحزاب ورقية كرتونية كان يستخدمها النظام السابق كديكور يكمل به صورته القبيحة يسحبون شبابهم من إئتلاف شباب الثورة ( من قاموا بالثورة حقيقة في بدايتها ) وإنجرار الكثير من قيادات الجماعة وأبنائها وراء التشكيك في حركة 6 إبريل على أساس أنهم عملاء وخونة وينفذون أجندات خارجية ( وهذا ليس دفاعا عن الحركة فالحركة لها أخطاءها ولكن هذا لا يعني إتهامها بالخيانة والعمالة ) وموقف الجماعة المايع والذي بلا لون ولا طعم من موقف تحويل النشطاء للقضاء العسكري كأسماء محفوظ وغيرها ( فليس معنى وجود بيان هزيل ومايع حتى بدون ذكر أي أسماء لإرضاء كل الأطراف ) وهذا هو رد فعل الجماعة دائما إمساك العصا من المنتصف .
3 – يظهر إهتمامهم البالغ بالإنتخابات والأصوات في تحالفهم مع السلفيين والجماعة الإسلامية دون ترشيد أدائهم وخطابهم السياسي أو حتى التعليق عليه فكان ما كان يوم جمعة 29 يوليو والرسائل الواضحة والتي قرأها الشعب والقوى السياسية في الداخل والغرب في الخارج والعمل على زيادة حالة الإستقطاب والتخوين بين القوى السياسية المختلفة فنحن الآن نرى الإسلاميون بتنوعهم في جهة والعلمانيون والليبراليون في جهة أخرى ومن ضاع حقا المواطن المصري البسيط ومطالبه والذي قامت من أجله حقا الثورة المصرية .

أخيرا هذه رؤيتي عن الجماعة في وضعها الحالي وإقتناعي الكامل بالقصور الذي أصاب قطاع كبير منها على المستوى القيادي وعلى مستوى الأفراد وأصبح هناك حالة إستقطاب من نوع آخرداخل الجماعة فريق له رؤية مختلفة عن المجموع وهذا الفريق لا حول له ولا قوة إذ أنه لا يمكنه التعبير عن وجهة نظره والدفاع عنها والدعوة إليها دون توجيه اللوم إليه بدعوى شق الصف تارة وبحجة أن هذا هو العمل الجماعي ويجب إحترام رأي الأغلبية وهو في الحقيقة غير مرغوب فيه داخل الجماعة ولكن الإلتزام الأدبي وحقوق الأخوة تمنع الكثير من قول ( أترك الجماعة لو مش عاجباك ) ولكن هناك من قالها خصوصا القيادات قالتها أكثر من مرة ( فالجماعة لا تقف على أحد والباب يفوت جمل وهذه ثقافة منتشرة ) وقالها الدكتور محمد محمدي عضو مكتب محافظة الجيزة لي مباشرة ( سيكون هناك حسم فقدم إستقالتك أكرم لك قبل أن تفصل ) .

ولكني مقتنع الآن تماما ومتيقن أني غير ملزم بالوجود في كيان بهذه الصورة وخصوصا أن طرق خدمة الإسلام والوطن كثيرة ومتنوعة خصوصا بعد الثورة .
فأنا الآن أتقدم بإستقالتي وقلبي يتقطع حزنا وألما لتركي كيان قدمت له من عمري وحريتي ومجهودي وكنت أتمنى أن أموت وأنا منتمي إليه لكن الحق أحق أن يتبع والحق والصواب فوق الجميع .

وأتمنى وأطلب من الله عز وجل التوفيق والسداد للجميع
أحمد مصطفى عبد المجيب
من الإخوان العاملين
وفي مصر من أبناء محافظة الجيزة – الهرم
19 رمضان 1432 – 19 أغسطس 2011
---------------------------------------------------------

الخميس، 21 أبريل 2011

الثورة وتيار الاستقرار …… عمرو الشوبكي


ظلت كلمة الاستقرار سيئة السمعة لأنها بقيت الأكثر ترددا طوال عهد مبارك، وارتبطت فى أذهان الناس بالجمود والتكلس وانعدام الخيال، فمبارك لم يدافع فى أى لحظة عن الاستقرار الحقيقى الذى هو غاية أى مجتمع، إنما عن تسكين الأوضاع وترحيل المشاكل حتى بات الله فى عون من يتسلم قيادة البلد بعده.

وقد ظل المعنى الحقيقى لكلمة الاستقرار مخالفا للمعنى «المباركى»، لأنه ببساطة يعنى استقرار البلد اقتصاديا وسياسيا كخطوة نحو نهضتها. صحيح أن كثيراً من المدافعين عن هذا الاستقرار لم نرهم فى ميدان التحرير، ولكن معظمهم كان مع ميدان التحرير، وأبدى تعاطفاً مؤكداً مع الثورة حتى لو ظل فى بيته يشاهد ما يجرى فى شوارع مصر وساحاتها دون أن يذهب إليها.
إن الاكتشاف الأول لتيار الاستقرار كان ربما فى الاستفتاء الأخير، حين اكتشف المصريون أن هناك مصر أخرى غير التى شاركت فى الثورة وقدرت بحوالى 12 مليون ثائر، حين عرفنا أن عدد من لهم حق التصويت بلغ حوالى 44 مليون مواطن، وأن كثيراً من هؤلاء صوتوا بـ«نعم»، وكثيراً منهم يعيش فى الصعيد وقرى بحرى التى لم تشارك فى الثورة (حتى لو أيدوها)، وبعضهم نزل الشارع فى الجمعة الأخيرة أى يوم 11 فبراير.

إن الفارق بين الرقم الأول الذى نزل التحرير، والثانى الذى له حق التصويت يزيد على 30 مليون مواطن، وهؤلاء مصريون عاديون وقفت طموحات كثير منهم عند تحسين ظروف العمل والبحث عن لقمة عيش كريمة، و«الثائر» منهم عمل على تغيير مديره فى العمل لا إسقاط النظام.
وقد اتهم البعض هؤلاء بالخنوع، وتناسوا أن فى تجارب التغيير فى العالم كله كانوا هم الأغلبية الصامتة التى شاهدت تجارب الثورات وهى تصفق لها، بل إن تجارب التغيير فى أوروبا الشرقية لم تكن عن طريق الثورات، إنما من خلال ترتيبات أعدت فى الخارج والداخل لعالم ما بعد الحرب الباردة، وكانت الجماهير «ضيف الشرف» على عكس الحالة المصرية التى لعب فيها الناس الدور شبه الوحيد فى صناعة ثورة 25 يناير.

والحقيقة أن تيار الاستقرار فى مصر، لم ينتم لثقافة التظاهر، فبعضه ضحية 30% أمية، وبعضه الآخر وفىّ للثقافة التقليدية السائدة فى الريف المصرى، وبعضه الثالث محافظ بطبعه لا يميل للتغيير الثورى إنما يرغب فى الإصلاح المتدرج كما جرى فى كثير من دول العالم.

والحقيقة أن معظم هؤلاء تعاطفوا مع الثورة أو على الأقل لم يقفوا ضدها، وخير دليل على ذلك أن أنصار الاستقرار «بالمعنى المباركى»، لم يتجاوزا بضعة آلاف أمام مسجد مصطفى محمود، فى حين أن أنصار الاستقرار بالمعنى الحقيقى للكلمة ظلوا مؤيدين الثورة ولو من بعيد، وعادوا الآن وطرحوا تساؤلات ومخاوف لم ترفض الثورة، ولكن تبدى كثيراً من القلق على الأوضاع الحالية وحالة الفوضى وفراغ السلطة التى تعانى منها البلاد.
والمؤكد أن تيار الاستقرار ليس تياراً ساكناً إنما هو تيار متحرك، فمعظمه كان مع الثورة طوال الفترة الأولى دون تحفظات ومنعته سلبيته أو ثقافته التقليدية عن المشاركة فيها، أما الآن فقد تحرك هذا التيار نحو المطالب الفئوية تارة، أو إبداء عدم الراحة من تحول شباب فى عمر أبنائه إلى نجوم تارة أخرى.

والحقيقة أن قوى الاستقرار الممتدة فى الريف والمدن الصغيرة تمتلك أحلاماً بسيطة، وترغب فى حياة كريمة وعدالة اجتماعية ولكنها مازالت بنت الثقافة التقليدية التى لم تعتد على الثورة والضغط السياسى، وتوقفت احتجاجاتها عند المطالب الفئوية.
وقد بدأ تيار الاستقرار يطرح تساؤلات عديدة عن أسباب عدم تحسن أحواله المعيشية رغم نجاح الثورة، أو شكواه من غياب الأمن وتزايد معدلات الفوضى، وإحساسه العميق بالأثر السلبى لفراغ السلطة.
ففى الوقت الذى يتحرك فيه الكثيرون من أجل تقليص صلاحيات أى رئيس أو مسؤول، تخوفا من رؤية مبارك آخر.. يتوازى مع هذا الخط تماما من يرغب فى عودة هيبة الدولة مرة أخرى وانتخاب رئيس جمهورية قوى لا فرعون، وإعادة بناء أجهزة الأمن على أسس جديدة لتكون قادرة على مواجهة الخارجين على القانون والبلطجية وليس النشطاء والسياسيين كما جرى فى العهد السابق.

ومن المؤكد أن تيار الاستقرار والثورة يمكن أن يتلاقيا، إذا قدم شباب الثورة مشاريع للبناء، (وهو ما يحدث إلى حد كبير) بالتوازى مع ضغوط محاسبة وتفكيك أركان النظام القديم، وأن يترسخ إحساس لدى المواطن العادى بأن الثورة هى - بالأساس - مشروع لبناء نظام جديد، وليس فقط هدم النظام القديم.

من المهم تنظيم تلك الطاقة الهائلة التى تفجرت فى المجتمع المصرى فى أحزاب سياسية وجمعيات أهلية توعى الناس بالمشاركة السياسية، وتطرح أفكاراً ورؤى سياسية لنهضة هذا البلد اقتصاديا، يشعر فيها كل مواطن داخل «ثقافة الاستقرار» أو خارجها بأن الثورة ستحسن أحواله، وأن الديمقراطية يستحقها الشعب المصرى مهما كانت التحديات.

لقد حان الوقت أن تخرج المشاريع الحزبية الجديدة من فكرة استهداف قوى بعينها سواء كانت الإخوان أو السلفيين أو العلمانيين أو «دور الكنيسة»، فأى تيار يتصور أن هدفه فى الحياة هو فقط محاربة تيار بعينه مآله الفشل، لأن هذا التوجه سيخرج عن المعنى الصحيح لأى ممارسة حزبية أو ديمقراطية، فالاجتهاد يجب أن يكون من أجل بناء مشروع سياسى لنهضة البلد، وقد يعنى ذلك ضمنا أو صراحة الخلاف مع الإخوان أو مع العلمانيين المتطرفين، ولكن هذا أمر مختلف تماما عن قيام حزب أو مشروع سياسى، بغرض وحيد هو استهداف قوى سياسية غير رموز النظام السابق.

يجب على القوى السياسية الجديدة أن تعرف أن فى مصر مواطنين عاديين أحبوا الثورة وتعاطفوا معها، وهم ليسوا أبناء التنظيمات السياسية، وباتوا الآن قلقين على مستقبلهم ومستقبل أبنائهم، ولولا دعمهم لها لما نجحت لأن هؤلاء هم رمانة الميزان فى أى مجتمع، فهم المواطن البسيط الذى مازال يقف فى طوابير الخبز والغاز ويعانى فى وسائل المواصلات، وراتبه مازال بالمئات، فيجب أن نستمع جميعا لهواجسهم.

إن كثيراً من هؤلاء صوَّت بـ«نعم» فى الاستفتاء ليس تحت تأثير الخطاب الإسلامى كما تصور البعض، إنما بسبب قناعتهم بأن «نعم» فى صالح الاستقرار الحقيقى وفى صالح تحسين أحوال البلد، فهؤلاء لم يرهم البعض حين كنا نستمع لحوارات النخب فى المدن المختلفة، وهم يقولون تلك الجملة الشهيرة: «كل من قابلتهم يقولون (لا) على التعديلات الدستورية»، والحقيقة هم، لم يقابلوا إلا جزءاً من مصر ولم يروا «مصر العميقة» بمشاكلها وهمومها، وأن من سيعرفها ويحترم إرادتها وحتى عيوبها هو الذى سيبنى مستقبل هذا البلد.

الأربعاء، 20 أبريل 2011

حنفية الإخوان النقدية …… عصام تليمة


فجأة وبدون مقدمات وفي يوم واحد نشر موقع (إخوان أون لاين) ـ على غير عادته ولا منهجه طبعا ـ أخبارا عن مؤتمرات لمكاتب الإخوان في بعض المحافظات، ولفت نظري خبران مهمان لهما دلالتهما:
الأول: طالب شباب الإخوان المسلمين بمحافظة 6 أكتوبر، الجماعة بتغيير بعض آلياتها؛ لتتناسب مع التغيير الجذري الذي حدث في المجتمع المصري، خاصةً بعد ثورة 25 يناير, داعين إلى دعم التفويض واللا مركزية لإتاحة مشاركة شرائح أكبر من قطاع الشباب والمرأة في القرارات, بالإضافة إلى دعم المؤسسية وتطويرها، وممارسة العمل من خلال نظام علني.

ثورة العرب تعلو فوق فتن التمزيق…. عبد الستار قاسم



  اعتمدت الأنظمة العربية عبر سنيّها سياسة "فرق تسد" من أجل إطالة أمد حكمها، وإحكام سيطرتها على الناس ومقدراتهم المختلفة.
لم تنجح هذه الأنظمة منذ استلامها الحكم في تنفيذ وعودها للجماهير والتي تتلخص في إقامة العدالة الاجتماعية وتوفير الأمن والأمان للناس، وتحقيق الازدهار والتقدم؛ وإنما نجحت بتفوق في تحقيق الهزائم والإحباطات والتخلف في مجالات الحياة.
وكان عليها أن تتبع العديد من السياسات التي من شأنها تورية الفشل، وصد الناس عن الثورة، وتخويفهم من التمرد والعصيان، فكانت الأجهزة الأمنية الطاغية، والحرب الاقتصادية على المعارضين، وسياسة التمزيق الاجتماعي وتفتيت النسيج الأخلاقي.

لم تكن الأنظمة وحدها هي التي حرصت على سياسة "فرق تسد"، وإنما ساعدتها في ذلك قيادات طائفية ومذهبية وقومية وحزبية حرصا منها على مصالحها واستمرارها في السيطرة.
كان التمزق الطائفي والقومي والمذهبي خادما جيدا للزعماء الذين لم يكن ليكون لهم شأن لو كان الشعب موحدا متكاتفا ومتضامنا. وقد دفعت الشعوب العربية ثمنا باهظا في النفوس والممتلكات لقاء سياسات التمزيق، وعانت كثيرا من الأحقاد الداخلية والضغائن والثارات.


بوجود هذه الأنظمة العربية والقيادات الطائفية والمذهبية، لم يفشل العرب فقط في إقامة الوحدة القومية، وإنما فشلوا أيضا في وحدة الدولة القُطرية. لم تكن الأنظمة العربية معنية بالوحدة العربية لأن في ذلك ما يؤدي إلى زوالها، ولم تكن القيادات الاجتماعية معنية بوحدة الوطن لأن سلطانها سيتهدد.
رفع العرب شعارات الوحدة من المحيط إلى الخليج، وهتفوا من أجلها وتظاهروا، وتفاءلوا بتحقيقها، لكن قسوة الأنظمة كانت أبلغ من الآمال والطموحات، فاندحر الناس إلى حد البحث عن وحدة وطنية تتآكل مع الأيام.
ومع الأيام، وجدوا الوحدة الوطنية تتفكك في العراق والسودان ولبنان وفلسطين ومصر والجزائر والصومال واليمن، وتحول الهمّ من وحدة العرب، إلى وحدة الإقطاعيات.

أثار كل نظام عربي مع كل مأزق سياسي أو اجتماعي مرّ به الثارات القديمة بين القبائل والطوائف والمذاهب، وعملت أجهزة الأمن وعلى رأسها أجهزة المخابرات على بث الفتن والمنازعات والاقتتال من أجل أن يكون النظام السياسي هو المرجعية وهو الحكم، وهو الأب الحاني الساهر على راحة المواطن.
فظهرت في وجوه العرب مسألة السني والشيعي، والسني والعلوي، والسني والزيدي، والمسلم والمسيحي، والماروني والأرثوذوكسي، والعربي والكردي، والعربي والأمازيغي، والمسلم العربي والمسلم غير العربي، والفلسطيني والأردني، والشمالي والشرقي والغربي والجنوبي، والحارة الفوقية والحارة التحتية، والبدوي والمدني، إلخ.
أخذت شعوب الأرض تتخلص من النزعات العنصرية الداخلية، والعرب أمعنوا في تفتيت أنفسهم.

أمراء الفئوية الاجتماعية والسياسيةلم يختلف زعماء الطوائف والقبائل والمذاهب والأحزاب عن الحكام كثيرا. أحاط كل زعيم من هذه المكونات السياسية والاجتماعية والدينية بمجموعته، وأوهمهم بأنه يدافع عن مصالحهم وبقائهم، ويحفظ لهم حقوقهم.
ومن أجل تمكين إحاطته، لم يتورع عن صناعة أوهام العداء مع الفئات الأخرى في المجتمع، ولم يتوقف عن التحريض وزراعة الحقاد والبغضاء والكراهية حتى بات العداء الداخلي بين الفئات المختلفة أشد وأقسى من العداء مع العدو الخارجي.
لقد قسا اللبنانيون بعضهم على بعض في حربهم الأهلية، ولم يجبن الفلسطينيون في قتالهم الداخلي، واستنزف السودانيون من أنفسهم الدماء والأموال ووحدة البلاد، وهكذا فعل الجزائريون واليمنيون والمصريون والعراقيون.
هذه هي عقلية أمراء الطوائف والمذاهب والقبائل التي لا مكان لها في أجواء الحرية والعمل الجماعي والتعاون المتبادل والاحترام المتبادل بين الناس جميعا.
 لم تختلف قيادات الأحزاب العربية في تصرفاتها عن القيادات الاجتماعية البائسة. لقد ظهرت الأحزاب العربية من أجل أهداف عظيمة تتمثل في تحقيق العدالة الاجتماعية، أو السير في البلاد نحو النمو الاقتصادي، أو تحقيق الوحدة العربية، أو إقامة الدين السمح وتحقيق العدالة الإلهية، أو تحرير فلسطين، إلخ.
لقد رفعت الشعارات الجذابة، وألهبت الجماهير بخطاباتها الرنانة، لكنها انتهت محنطة مكتفية بمكتب هنا أو هناك، وببعض العناصر النشيطة التي لا تتقن سوى إصدار البيانات الباهتة التي لم تعد الجماهير تثق بها.
حتى أن أغلب قيادات الأحزاب السياسية قد تقربت من الحاكم العظيم لكي تنال رضاه، أو تحظى ببعض نعمه المالية والسياسية.
لقد تحولت الأحزاب مع الزمن إلى مجرد هياكل فارغة من المحتوى، تساهم مباشرة في تمزيق النسيج الاجتماعي والسياسي. وخير دليل على ذلك هو تخلفها عن الثورات العربية التي انطلقت دون درايتها.

الفتنة أشد من القتلهناك من يظن أن الفتنة تتعلق بفضح المستور، وأن الفتان أو المفتن هو الذي يبحث عن خطايا النظام أو الحاكم أو السلطان ويفضحها في العلن، ويطالب الناس بالوقوف في وجهها ومحاسبة المسؤول عنها.
هذه ليست الفتنة، وإنما هي أحد واجبات المسلم عندما يرى الظلم والاستعباد ونهب أموال العباد. من واجب المسلم أن يصحح الظالم، وذلك بالقوة إن لم تنفع معه الحسنى، وفي هذا ما يمنع الفتنة التي هي بالفعل أشد من القتل.

قد يقتل شخص شخصا آخر، وهذا ظلم كبير، لكن الظلم الأكبر والأشد هو فتنة الناس أجمعين وذلك بنهب أموالهم، ومنعهم من المشاركة في تقرير مصيرهم، والاستبداد في حكمهم، والحيلولة دون إقامة العدالة فيما بينهم، إلخ.
هذه هي الفتنة، والتي تعني وضع الناس في حالة كارثية تحول حياتهم إلى جحيم لا يطاق، وإلى ذل لا تطيقه النفوس. الحاكم المفتن هو الذي يقتل الناس جميعا من خلال الإذلال والإخضاع والتسخير، وتحويلهم إلى مطايا تدور كيفما دار هواه.

كنت من الذين واجهوا شعار الفتنة أشد من القتل عندما صدر بيان العشرين في فلسطين والذي انتقد الفساد الذي نشرته السلطة الفلسطينية. لقد أخرجت السلطة جماهيرها المؤيدة لها في مدينة رام الله عام 1998 تندد بالفضيحة التي تحدث عنها البيان، وتدعو الناس إلى عدم السير بالفتنة.
لقد استعملوا الدين للكذب على الناس ولإغراقهم بالمزيد من الفتن والفوضى والتيه والضياع، والناس لم يتحركوا دفاعا عن مصالحهم لأن رجل الدين الضال كان قد شرح لهم بأن مواجهة المسؤول الظالم والفاسد عبارة عن فتنة.

أخلاق الثائرين العرب
كانت أخلاق الثائرين العرب بارزة في مختلف الثورات العربية، ومتفوقة حضاريا على أخلاق آخرين يعيشون حالات من الاستقرار والرخاء.
ولا بد أن أداء وسلوك وتصرفات هؤلاء الثائرين قد شدت انتباه المهتمين على المستوى العالمي سواء كانوا من رجالات الفكر أو السياسة أو الإعلام، وأوقفتهم للتفكير في الأسباب التي تكمن وراء رقي الأداء وحكمة التصرف وحسن التدبير على الرغم من غياب قيادات للثورات، وعدم توفر التخطيط المسبق.
لقد انبثقت الثورات بهدوء وتؤدة ووقار وهيبة وعزيمة، وكان لها وقع مؤثر في نفوس العرب جماعات وفرادى، وفي نفوس المتابعين على المستوى العالمي، ولم يملك الآخرون إلا الانحناء أمام هذا الوعي العربي العميق.

(لو) عدنا في التاريخ إلى الوراء لنقارن الثورة الفرنسية بالثورة التونسية أو الثورة المصرية لوجدنا الفارق الهائل في الأداء والإدارة والتوجه.
لقد غيرت الثورة الفرنسية وجه أوروبا، لكن دما كثيرا قد نزف في فرنسا ودول غربية أخرى، واشتعلت حروب حصدت الأخضر واليابس.
وإذا نظرنا إلى إسبانيا وطريقتها في التغيير لوجدنا أن سفك الدماء كان عنوان المختلفين والمتصارعين. أما شباب العرب فتصرفوا بمسؤولية وحرص شديدين يندر أن يكون لذلك مثيل في التاريخ. وإذا كان الدم العربي قد نزف وخاصة في ليبيا فذلك ليس بسبب الشباب الثائرين، وإنما بسبب همجية ووحشية الأنظمة العربية.

وهنا من المهم رصد الرقي الأخلاقي العربي بالملاحظات التالية:

العلو فوق الطائفية والتمزيقمنذ اليوم الأول لمظاهرات تونس، وشباب العرب يصرون على الوحدة الداخلية ورفض التجزئة القبلية والطائفية وما شابه ذلك. لقد خرج الشباب متظاهرين بصوت واحد ينادي بحقوق للجميع بدون استثناء أو تمييز. وقد أكد شباب مصر على هذا عندما أقروا بأنهم جميعا مصريون لا يفرقهم مذهب أو دين. تظاهر المسيحيون والمسلمون، ولم تشكل صلاة أي مجموعة في ميدان التحرير أي تحفظ أو ضغينة، بل كانت الصلوات رمزا للوحدة.

وفي الأردن، تجاوز المتظاهرون ذلك المسلسل العفن الذي يمايز بين فلسطيني وأردني، ولم تتطور النعرة إلا على أيدي المخابرات الأردنية التي أرادت أن تضعف إرادة المتظاهرين من خلال سياسة "فرق تسد". وبالرغم من ذلك، وقف أردنيون ينددون بهذا المنحى التمزيقي الذي يسيء للفلسطينيين والأردنيين على حد سواء.
لكن الأسمى تمثل في العراق إذ اكتشف العراقيون أن جريهم وراء أمراء الطوائف والمذاهب والقبائل والأحزاب قد أذاقهم الويلات والفقر والذل والهوان، واكتشفوا أن ثرواتهم قد تبخرت، ووحدتهم قد تفككت، وزعماءهم ما زالوا يحرضون على الفساد والفتن.
لقد خرج العراقيون من شمال العراق حتى جنوبه ينادون بحقوقهم التي أضاعها أصحاب المصالح من القادة والزعماء.
ومن الوارد جدا أن يستعيد العراق وحدته ووئام أبنائه بفضل إصرار الشباب على طرد الاحتلال وإزاحة الفاسدين الذين لا ينتعشون إلا بسفك الدماء وبث بذور الفرقة والاقتتال.

لم يكن اليمن مختلفا على الرغم من أن الشعب اليمني مسلح بأسلحة خفيفة ومتوسطة، لكن السلاح بقي في البيوت ولم يظهر في الشارع إلا سلاح الطاغية.

التفوق على الزعماءمن الواضح أن الشعب العربي متفوق على قياداته في كل نواحي الحياة وبخاصة الناحية الأخلاقية. الحاكم العربي منحط وفاسد ومقترف للموبقات، بينما العربي مهذب وقور محافظ على المصلحة العامة، ويتصرف بمسؤولية.
الحاكم العربي يفتح النار على المتظاهرين المسالمين من أجل كرسي الحكم، والعربي يواجه الرصاص بصدر عار دفاعا عن الأمة. هذا زعيم عربي يبيع أمته وشعبه في سوق النخاسة، وهذا شاب عربي يصر على كرامة أمته وعزتها وتقدمها.

لقد حرص زعماء العرب على إفساد الشعوب، وتحويلها إلى مجرد حيوانات مستهلكة يبحث كل منها عن مصالحه الخاصة. وقد اتبع الحاكم العربي مختلف أنواع السياسات ليجعل من العربي انتهازيا وأنانيا وجشعا وشهوانيا لا تهمه عزة أو كرامة أو مصلحة عامة، لكن الصدور كما يبدو قد ضمت في داخلها عكس ما أراد الحكام، فما أن انطلقت المظاهرات في الشوارع العربية حتى رأينا العربي الحقيقي الذي زورته سنين القمع والطغيان.

الإصرار على المبدأ والموقفلم تشهد الساحة العربية إصرارا على مبدأ أو موقف على مدى سنوات طويلة، ولم يكن العربي يأخذ المبادئ المنطوقة مأخذ الجد لأنه كان يعي تماما أن المنطوق شيء والمفعول شيء آخر تماما.
لقد شبع العرب شعارات رنانة، ووعودا كاذبة، وتزيينا للقبح، وتشريفا للعهر. لكن الثورات أثبتت أن الشعوب إن قالت فعلت، وإن وعدت أوفت. لقد ثابر الشباب العربي في تونس ومصر واليمن وليبيا وغيرها على نشاطهم، وأصروا على مواقفهم، وعاهدوا الأمة على الاستمرار حتى تحقيق جميع مطالبهم.
لم يشهد التاريخ صبرا جماهيريا ومثابرة وإصرارا كما هو الحال في البلدان العربية. تمر الأشهر الطوال، وفي فصل الشتاء البارد، والشباب لا يبرحون أماكنهم، ولا يغادرون مطالبهم. وتضطر في النهاية الحكومات المؤقتة أن تلبي المطالب، وتكرر تأكيد حرصها على السير تدريجيا في تحقيق المطالب.

ويلاحظ هنا أن شباب العرب لم يبيعوا أنفسهم لنظام. لقد اعتدنا في الساحة العربية على قادة أحزاب وقبائل وطوائف يبيعون أنفسهم للنظام لقاء مال أو جاه أو منصب، وعلى حكام يبيعون أنفسهم لدول أخرى مثل أميركا وإسرائيل، لكن الثورات العربية لم تشهد شبابا يبيعون قضاياهم ومبادئهم للأنظمة العربية. لقد أنِفوا كل الإغراءات والمغريات، واستمروا ثابتين لا يهابون الانتقام والتنكيل.

الشجاعة تتقدم على الخوفلا يوجد في الأرض من لا يخاف، لكن العرب كانوا متهمين من قبل شعوب أخرى بالجبن بسبب الهزائم العسكرية التي منيت بها الأمة في ميادين الحرب، وبسبب سطوة الحكام واستبدادهم.
ظنت شعوب، ومعها نسبة لا بأس بها من العرب أن العرب أموات ولا خير فيهم، وسيبقون مستعبدين ومنهزمين إلى الأبد. لكن الثورات العربية قلبت كل الانطباعات والتصورات، وأكد العربي شجاعته وحكمته أمام الرصاص والدبابات.
لقد شاهد العالم بأم عينه إقبال العربي على المواجهة يقينا منه أن الحياة تتطلب التضحيات، وأن الحرية لا تستجدى وإنما تنتزع. لقد غلبت الشجاعة الخوف، وثبت أن هذه الفضيلة العظيمة لم تغادر قلوب العرب.

صناعة التاريخ

طالما قال المنهزمون إن الأعداء أقوياء والطامعين بالأمة أشداء، وإنه لا أمل للعرب في النجاة أو النهوض، وهم بالتأكيد سيبقون مطايا لأهل الغرب وإسرائيل.
لقد افترض هؤلاء انقراض العرب لأنهم قرروا البقاء في الماضي الذي يدوسه المستقبل. لكن شباب العرب أيقنوا أن التاريخ تصنعه السواعد القوية، ومن يقرر صناعة الحدث لا تعوقه قوى الأرض مهما عظمت. قرر شباب العرب أن يعيشوا حاضرهم، وأن يصنعوا مستقبلهم، فصنعوا للأمة تاريخا نراه الآن ينبثق تدريجيا على رؤوس الأشهاد.

النص الكامل لملخص تقرير لجنة تقصي الحقائق حول ثورة 25 يناير

أعلنت لجنة تقصي الحقائق حول أحداث العنف التي صاحبت ثورة 25 يناير، برئاسة المستشار عادل قورة، تقريرها النهائي صباح الثلاثاء، في مؤتمر صحفي.
كانت اللجنة قد سلمت تقريرها الذي جاء في 400 صفحة، صباح الاثنين، للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، والحكومة برئاسة الدكتور عصام شرف، والنائب العام المستشار عبد المجيد محمود، لإتخاذ اللازم من إجراءات فيما جاء بالتقرير.
وأكد التقرير الذي وزعت اللجنة نسخة مختصرة منه جاءت في 45 صفحة، أن الشرطة المصرية استخدمت «الرصاص الحي» ضد المتظاهرين في أحداث 28 و 29 يناير.
كما اتهم التقرير، كلاً من علاء وجمال مبارك نجلي الرئيس السابق، وصفوت الشريف، رئيس مجلس الشورى السابق، ومرتضى منصور، المحامي، ورجل الأعمال، إبراهيم كامل، بالضلوع في التخطيط لـ«موقعة الجمل»، والتي أصيب فيها وقتل العشرات من المتظاهرين بميدان التحرير، في الأربعاء 2 فبراير 2011 .
وتنشر «المصري اليوم»، ملخص التقرير«كاملاً»، والذي وزعته اللجنة على الصحفيين في المؤتمر الصحفي الذي عقد صباح الثلاثاء، للإعلان عن التقرير.
بشــأن الأحداث التي واكبت ثورة 25 يناير 2011

مقدمة :
• شهدت مصر – منذ 25 يناير 2011 – أحداثاُ جساماً، وضعت البلاد على بداية طريق يتمنى المصريون أن يصل بهم إلى الاستقرار والديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية. وقد صاحب ذلك ممارسات غير مشروعة ، أدت إلى استشهاد المئات وإصابة الألوف من المواطنين حال تجمعهم سلمياً في ميدان التحرير بالقاهرة وفى غيره من أماكن مشابهة في مدن أخرى نتيجة إطلاق النار عليهم ، بل إن عدداً كبيراً من المتظاهرين سلمياً قد لقوا مصرعهم بالدهس المتعمد من سيارات اتخذت أرقاماً دبلوماسية تارة ومن مصفحات الشرطة تارة أخرى كانت تتعمد مطاردة المتظاهرين ودهسهم ، وتزامن ذلك مع أعمال البلطجة واقتحام ميدان التحرير لإخلائه من المعتصمين المسالمين ، حيث أستعمل المقتحمون أنواعاً متعددة من الأسلحة البيضاء والجمال والخيول والطوب وقطع الرخام فضلا عن الرصاص الحي من قناصة فوق العمائر المطلة على ميدان التحرير وزجاجات المولوتوف ، كما ظهرت حالة من الإنفلات الأمني وانسحاب الشرطة واقتحام سجون عديدة في أنحاء الجمهورية وإطلاق المساجين منها والتعدي على أقسام الشرطة وبنايات بعض المحاكم والنيابات وغيرها من مصالح حكومية وخاصة .
• وحرصا من الحكومة على تقصى الحقائق بشأن هذه الممارسات غير المشروعة التي خرجت بالأحداث المشار إليها عن الوجه الحضاري للمظاهرات السلمية للشباب ، أصدر السيد رئيس مجلس الوزراء القرار رقم 294 لسنة 2011 بتشكيل لجنة التحقيق وتقصى الحقائق بشأن الأحداث التي واكبت ثورة 25 يناير2011 من كل من :
• المستشار الدكتور / عادل قورة الرئيس الأسبق لمحكمة النقض
• المستشار / محمد أمين المهدي رئيس مجلس الدولة الأسبق
• المستشار الدكتور / اسكندر غطاس مساعد وزير العدل الأسبق
• الأستاذ الدكتور /محمد سمير بدران الأستاذ المتفرغ بحقوق القاهرة
• الأستاذة الدكتورة/ نجوى حسين خليل مدير المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية
• و قد أرسل السيد المستشار / محمد أمين المهدي خطابا إلى اللجنة بتاريخ 7/3/2011 يعتذر فيه عن الاستمرار في عمل اللجنة.
• وقد استعانت اللجنة بعدد من الخبراء والمحققين والمعاونين لأداء هذه المهمة القومية ، و شكلت أمانة فنية و إدارية ، وكلفت المستشار / عمر مروان بالعمل أميناً عاماً للجنة.
• تنازل أعضاء اللجنة و الأمين العام عن أية مكافآت نظير العمل المسند إليهم.
• حدد قرار رئيس مجلس الوزراء المشار إليه في المادة الثانية منه اختصاص اللجنة بتقصي الحقائق واتخاذ ما ترى اتخاذه من إجراءات بشأن الأحداث التي وقعت على الساحة المصرية وواكبت الثورة منذ 25/1/2011 حتى الآن ( 9/2/2011 ) ، ولها على الأخص :
- وضع إطار ونظام عمل لتنفيذ مهمتها .
- تقصى الحقائق بشأن الممارسات غير المشروعة التي خرجت بالأحداث المشار إليها عن الوجه الحضاري للمظاهرات السلمية للشباب.
- اتخاذ ما تراه لازماً، من سماع شهود واستيفاء معلومات، واستدعاء من ترى استدعائه ممن اتصل بالأحداث المشار إليها .
- الإطلاع على الأوراق والمستندات والمحاضر وغيرها التي ترى الإطلاع عليها .
- تلقى المكاتبات من المواطنين ومنظمات المجتمع الوطني وغيرها، التي تتضمن بيانات أو معلومات عن الأحداث المشار إليها .
• كما ألزم قرار رئيس مجلس الوزراء المشار إليه في مادته الثالثة أجهزة الدولة والجهات المختصة بتزويد اللجنة بكافة المعلومات والبيانات التي تطلبها عن المهام المنوطة بها .
• ونصت المادة السابعة من قرار رئيس مجلس الوزراء المشار إليه على أن تقدم اللجنة تقريرها وما توصى به إلى النائب العام.
• ويمكن في عجالة بيان مقدمات و تطور الأحداث وفقا لتسلسلها الزمني خلال الفترة المعنية من 25 يناير 2011 إلى 11فبراير 2011 على النحو التالي:-
مقدمات الأحداث :إن ثورة 25 يناير 2011 ثورة اجتماعية كاملة بمعنى الكلمة إذ شكلت حدثا فاصلا بين عهدين ونقلة كبيرة بين نظامين. وكانت هناك عوامل بمثابة الوقود الذي أشعل هذه الثورة يمكن إيجازها في : الفساد السياسي وغياب شبه كامل للحريات العامة و الأساسية وصنع ديمقراطية ديكورية فقط لم يتفاعل معها الشعب المصري ، و غيبة العدالة الاجتماعية وبروز الفوارق الشاسعة بين الطبقات حتى صارت تقريبا طبقتين فقط وتخلى النظام السابق نهائيا عن مسئولياته السياسية و الاجتماعية تجاه المواطنين ، وانتشار الرشوة و المحسوبية حتى أصبحت لغة و ثقافة متعارف عليها يوميا فى حياة المصريين ، والقمع الأمني الذي استخدمه النظام في تمرير مشاريعه وإسكات الأفواه المعارضة له ، والتضليل الإعلامي وتفريغ الحقائق من مضمونها .
• و قرر الشباب الدعوة إلى التجمع و الخروج للتعبير عن أمانيهم في التغيير و الحرية
و العدالة الاجتماعية بشكل سلمي متحضر .
• وكان النداء إلى الاشتراك في مظاهرة احتجاجية يوم 25 يناير 2011 بميدان التحرير على شبكة المعلومات الدولية معبراً عن رغبة شعبية جارفة لم يتوقعها أكثر الداعين إلى هذه المظاهرة تفاؤلا ، وكان لافتا أنها تضم جميع الطبقات و الطوائف و الثقافات ،وانتشارها في ربوع البلاد .
• اتسمت هذه المظاهرات بالسلمية و الإصرار على إحداث التغيير ،وتواصلت عبر الأيام من 25 يناير 2011 إلى أن حققت هدفها يوم 11/2/2011 بتخلي رئيس النظام عن الحكم.
• لم يكن الطريق إلى تحقيق الهدف سهلا ميسوراً ، و لكنه كان مفروشاً بالدماء و الجروح و التضحيات :
- ففي يوم 25 يناير 2011 سارت المظاهرات سلمية في جميع مواقع التظاهر ، وقوبلت بالعنف في السويس حيث قتل ثلاثة و أصيب خمسة من المواطنين بإطلاق النار عليهم من قبل قوات الشرطة ، فكان ذلك بمثابة وقود تأجيج الثورة.
- استمرت المظاهرات في اليومين التاليين 27،26 يناير رغم محاولات تفريقها من الشرطة.
- كان يوم الجمعة 28 يناير " جمعة الغضب " يوماً فارقاً في تاريخ مصر بعد أن احتشد المتظاهرون في إصرار على تغيير النظام ، قابله عنف غير مسبوق من الشرطة ،فسقط المئات من الشهداء ، وأصيب الآلاف في جميع الأنحاء ، و انسحبت الشرطة عصر ذلك اليوم أمام الإصرار الشعبى ، ونزلت القوات المسلحة إلى الشارع ، و فرضت حظر التجول بعد أن تمت عمليات حرق ونهب و تخريب للممتلكات العامة و الخاصة.
- تواصلت المظاهرات أيام 29 ، 30 ،31 يناير وظهر الانفلات الأمني بصورة أوضح وعلى مدار أوسع.
- في يوم 1/2/2011 ظهرت دعوات لتأييد الرئيس مقابل المظاهرات التي تطالب برحيله .
- شهد يوم الأربعاء 2/2/2011 اعتداء مناصري الرئيس على معارضيه باستخدام الجمال و الجياد و بعض الأسلحة البيضاء - فيما عرف إعلاميا بموقعة الجمل - فوقع العديد من الضحايا و المصابين ، و كان لهذا الاعتداء نتيجة سلبية على دعم الرئيس ، بينما زاد المناهضون له قوة و إصرارا على تحقيق هدفهم .
- سطعت شمس يوم 3/2/2011 كاشفة عن تماسك المتظاهرين في ميدان التحرير وطرد مؤيدي الرئيس منه.
- وجاء يوم الجمعة 4/2/2011 معبرا عن رغبة الشعب الجامحة فى رحيل الرئيس وسميت " بجمعة الرحيل " .
- بدأ من السبت 5/2/2011 أسبوع الصمود لتحقيق المطالبة بالرحيل ،وواصلت المظاهرات ليلها بنهارها طوال الأيام .
- فى يوم الجمعة 11/2/2011التى سميت " جمعة الحسم " سارعت الجماهير إلى حسم الموقف و بدأ الآلاف فى التوجه من ميدان التحرير إلى قصر الرئاسة بمصر الجديدة لإجبار الرئيس على الرحيل ، فأعلن نائب الرئيس /عمر سليمان تخلى الرئيس/ محمد حسنى مبارك عن الحكم وصار الرئيس السابق.
• وقد بلورت اللجنة الممارسات غير المشروعة التي أشار إليها قرار رئيس مجلس الوزراء في مادته الثانية في المحاور الآتية :-
1- الأحداث التي تتعلق بقتل وإصابة المتظاهرين وغيرهم من المواطنين و دهس بعضهم بالسيارات.
2- اقتحام ميدان التحرير لفض اعتصام المتظاهرين بالقوة فيما سمى إعلاميا بمعركة الجمل.
3- الحبس و الاعتقالات غير القانونية.
4- انسحاب الشرطة والانفلات الأمني وما ترتب عليه من اقتحام و حرق ونهب بعض السجون والأقسام والنيابات والمحاكم وغيرها من المصالح الحكومية وغير الحكومية وسرقه الآثار من المتحف المصري.
5- دور الإعلام وقطع الاتصالات في الأحداث .
• وتطبيقا لقرار رئيس مجلس الوزراء سابق الإشارة إليه تتقدم لجنة التحقيق وتقصى الحقائق بتقريرها الماثل إلى السيد المستشار النائب العام .
ويتكون هذا التقرير فضلاً عن المقدمة و الإجراءات من ستة أجزاء على النحو التالي :
أولاً : تحقيق وتقصى حقائق إطلاق النار و الدهس بالسيارات و ما نتج من وفيات و إصابات.
ثانيا ً: تحقيق وتقصى حقائق أعمال البلطجة ( واقعة الجمل ) .
ثالثا : الاعتقالات غير القانونية.
رابعا : تحقيق وتقصى حقائق الانفلات الأمني وما ترتب عليه من أعمال حرق و نهب .
خامسا: الإعلام وقطع الاتصالات
سادسا: توصيات اللجنة .

إطــــلاق النـــار والدهس بالسيارات
1/1 تبين للجنة أن رجال الشرطة –أطلقوا أعيرة مطاطية و خرطوش وذخيرة حية ،في مواجهة المتظاهرين أو بالقنص من أسطح المباني المطلة على ميدان التحرير ، خاصة من مبنى وزارة الداخلية و من فوق فندق النيل هيلتون و من فوق مبنى الجامعة الأمريكية ، وقد دل على ذلك أقوال من سئلوا في اللجنة و من مطالعة التقارير الطبية التي أفادت أن الوفاة جاءت غالبا من أعيرة نارية وطلقات خرطوش ، في الرأس و الرقبة و الصدر علما أن إطلاق الأعيرة النارية لا يكون إلا بموجب إذن صادر من لجنة برئاسة وزير الداخلية وكبار ضباط وزارة الداخلية، يسلسل- بالتدرج الرئاسي إلى رجال الشرطة الذين يقومون بتنفيذه.
وقد بدأ إطلاق الأعيرة النارية يوم 25/1/2011 في مدينة السويس ثم تواصل إطلاق الأعيرة النارية و الخرطوش فى سائر محافظات القطر سيما في القاهرة و الجيزة و الإسكندرية و الإسماعيلية و الدقهلية و القليوبية والغربية و الشرقية الفيوم و بني سويف و أسيوط و أسوان و شمال سيناء .
1/ 2 كما تبين للجنة – كذلك- أن سيارات مصفحة للشرطة كانت تصدم المتظاهرين عمدا، فتقتل و تصيب أعداداً منهم ، فقد شوهدت في وسائل الإعلام المرئية و سجلت على شبكة التواصل الاجتماعي إحدى هذه السيارات تنحرف نحو احد المتظاهرين و تطرحه أرضا و أخرى تسير للخلف لتصدم متظاهرا أخر ،و ترديه قتيلا.
كما شوهدت أيضا سيارة حراسة مصفحة بيضاء عليها لوحة أرقام دبلوماسية، متجهة من شارع القصر العيني نحو ميدان التحرير ،تسير بسرعة فائقة وسط حشود المتظاهرين ، فصدمت من صادفته منهم و قتلت و أصابت العديد. وقد عثرت اللجنة على سيارتين من هذه السيارات وجدت إحداها خلف نقطة شرطة فم الخليج و الأخرى عند نقطة شرطة ساحل الغلال حيث جرى تفكيكهما . و قد تمكنت اللجنة من رفع بصمة الشاسيه ، و بالاستعلام من المرور ومن الجمارك لم يستدل على مالكهما ، غير أن ضابط نوبتجى نقطة شرطة فم الخليج أفاد أن مندوب السفارة الأمريكية حضر إلى النقطة و ذكر له أن هذه السيارة إحدى السيارات التي أبلغت السفارة المشار إليها عن سرقتها ، و جارى تحقيق الواقعة بمعرفة النيابة العامة - التى طلبت ندب قاض للتحقيق فيها .
2- أعداد الوفيات و الإصاباتأرسل رئيس قطاع الطب العلاجي بوزارة الصحة بيانا بأعداد الوفيات و الإصابات المؤرخ 20/2/2011 ثابت به أن عدد الوفيات 384 حالة و عدد الإصابات 6467 حالة ، بينما قدم احد مسئولي وزارة الصحة ما يفيد أن عدد حالات الوفيات 846 حالة حتى 16/2/2011 وفقا لما ورد من إحصائيات من المحافظات المختلفة و الموقع عليها من رئيس القطاع المذكور بما يعنى أن العدد المقدم من رئيس قطاع الطب العلاجي غير صحيح رغم وجود البيان الحقيقي أمامه ، وأما عدد حالات الإصابات فهو صحيح وفق الثابت في ذات البيان و قد اطلعت اللجنة على صور الكشوف التى قدمها الشاهد و الصادرة من مديريات الصحة فى المحافظات ، ومن ثم ترى اللجنة أن الرقم الصحيح لحالات القتل حتى 16/2/2011 هو 846 حالة على الأقل .
• وردت مذكرة وزير الداخلية بشأن شهداء هيئة الشرطة ثابت بها استشهاد عدد 26 ضابط ومجند شرطة خلال الفترة من 25/1/2011 وحتى 9/2/2011 .
• و قد أوضح كتاب مصلحة السجون المؤرخ 3/4/2011 أن عدد الوفيات من المساجين 189 سجينا و عدد الإصابات 263سجينا و عدد الوفيات بالقوات 4 حالات و الإصابات 30 حالة.
3-استخلاص اللجنة
و يثار في شأن استعمال الشرطة القوة فى مواجهة المتظاهرين ثلاثة أسئلة :
الأول: هل كان استعمال الشرطة للقوة لازما فى مواجهه المتظاهرين؟
والثاني :هل استعملت الشرطة القوة المفرطة فى تفريق المتظاهرين؟
والثالث : هل صدر أمر من سلطة عليا باستعمال الأسلحة النارية لتفريق المتظاهرين ؟
و نتناول – فيما يلي – الإجابة على هذه الأسئلة:-
اولا: هل كان استعمال الشرطة للقوة لازما فى مواجهه المتظاهرين ؟يتعين بادىء الأمر أن نقرر أن حق التجمع السلمي يعتبر من الحريات الأساسية المعترف بها عالميا ، حيث نصت المادة الخامسة من قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 53/144 بتاريخ 9 ديسمبر سنة 1988 الخاص بحماية الحريات الأساسية المعترف بها عالميا على مايلى :-
" لغرض تعزيز و حماية حقوق الإنسان و الحريات الأساسية يكون لكل شخص الحق ، بمفرده أو الاشتراك مع غيره على الصعيدين الوطني و الدولي في :
أ- الالتقاء أو التجمع سلميا
ب- تشكيل منظمات غير حكومية أو رابطات أو جماعات أو الانضمام إليها و الاشتراك فيها
جـ- الاتصال بالمنظمات غير الحكومية أو بالمنظمات الحكومية الدولية
و قد أرست المادة 21 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية حق التجمع السلمي و ضماناته و التزام الدول بالاعتراف به و بمراعاته ، حيث نصت على أن " يكون الحق فى التجمع السلمي معترفا به ، ولا يجوز أن يوضع من القيود على ممارسة هذا الحق إلا تلك التي تفرض طبقا للقانون ، و تشكل تدابير ضرورية ، فى مجتمع ديمقراطي لصيانة الأمن القومي أو السلامة العامة أو النظام العام أو حماية الصحة العامة أو الآداب العامة أو حماية حقوق الآخرين و حرياتهم " و كانت المادة 54 من دستور سنة 1971 تؤكد ذلك إذ نصت على أن الاجتماعات العامة و المواكب و التجمعات مباحة فى حدود القانون و هو ذات ما نص علية الإعلان الدستوري الصادر- حاليا- من المجلس الأعلى للقوات المسلحة . و يوفر حق التجمع السلمي الحق في التعبير و الحق فى مواجهه الإفراط فى استعمال القوة المسلحة لإجهاض التجمع السلمي ، على نحو يضمن التزام الإطار الشرعي المقرر لممارسة هذا الحق ، و يكفل فى الآن ذاته عدم استعمال القوه فى مواجهته بما يهدد حياة المتظاهرين و سلامتهم .
وقد نصت المادة 102 من القانون رقم 109 لسنة 1971 في شأن هيئة الشرطة على ان "لرجل الشرطة استعمال القوة بالقدر اللازم لأداء واجبة إذا كانت هي الوسيلة الوحيدة لأداء هذا الواجب وواضح من العرض السابق أن المظاهرات كانت سلمية في أنحاء متفرقة من القطر و كان المتظاهرون يبدون ذلك في هتافاتهم ، خاصة بميدان التحرير في أيام 25 حتى يوم 28 يناير ، إلا أن الشرطة بادرتهم بإطلاق خراطيم المياه ، ولما لم تفلح في تفرقهم أطلقت عليهم وابلا من الأعيرة المطاطية و الخرطوشة و الذخيرة الحية ،فأصابت وقتلت الكثيرين ، بدءاً من محافظة السويس في 25 يناير ثم في سائر المحافظات.
ثانيا :-إفراط الشرطة فى استعمال القوة:
تحتوى المنظومة التشريعية و اللائحية على عدة نصوص تتناول قواعد و أحكام حالات استعمال الشرطة القوة في تفريق المظاهرات و فض الشغب ، خاصة قواعد استعمال الأسلحة النارية فقد وردت فى القانون 109 لسنة 1971 في شأن هيئة الشرطة قرار وزير الداخلية رقم 139 لسنة 1955 بتقرير الأحكام الخاصة بالاجتماعات العامة و المظاهرات فى الطرق و قرار وزير الداخلية رقم 156 لسنة 1964 فى شأن تنظيم استعمال الأسلحة النارية و ترسم المادة 102 من القانون رقم 109 لسنة 1971 استعمال القوة بمعرفة رجال الشرطة وتنص على أن " لرجل الشرطة استعمال القوة بالقدر اللازم لإجراء واجبه إذا كانت هي الوسيلة الوحيدة لأداء هذا الواجب " . وتذكر الفقرة ثالثا حالة " فض التجمهر أو التظاهر الذي يحدث من خمسة أشخاص على الأقل إذا عرض الأمن العام للخطر وذلك بعد إنذار المتجمهرين بالتفرق ويصدر أمر استعمال السلاح في هذه الحالة من رئيس تجب طاعته . "
• وعلية فأن المادة المشار أليها تشترط أن يكون إطلاق النار هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق الإغراض السالفة ويبدأ رجل الشرطة بالإنذار بأنه سيطلق النار ثم يلجأ بعد ذلك إلى إطلاق النار . ويحدد وزير الداخلية بقرار منه الإجراءات التي تتبع في جميع الحالات وكيفية توجيه الإنذار وإطلاق النار .
• وقد صدر قرار وزير الداخلية رقم 286 لسنة 1972 بسريان قرار وزير الداخلية رقم156 لسنة 1964 في شأن تنظيم استعمال الأسلحة النارية الذي يوجب أن يكون استعمال الأسلحة النارية بالقدر اللازم لتفريق المتجمهرين وان يكون هو الوسيلة الوحيدة ، لذلك وبعد استنفاد جميع الوسائل الأخرى كالنصح واستخدام العصي أو الغازات المسيلة للدموع وانه ينبغى عند إطلاق النار في الفضاء مراعاة الحيطة التامة حتى لا يصاب احد الأبرياء ويجب أن يكون التصويب عند إطلاق النار على الساقين .
• وغنى عن القول أن وقائع إطلاق النار وما نجم عنها من وفيات وإصابات خلال أحداث ثورة 25 يناير قد خلت من الالتزام بالضوابط المقررة قانونا على النحو المستفاد من العرض المتقدم لتلك الإحداث .
• و قد دل على أن الشرطة استعملت القوة المفرطة فى مواجهه المتظاهرين . مايلى:-
1- كثرة الوفيات و الإصابات ، إذ بلغ عدد القتلى حوالي 840 قتيلا و تعدت الإصابات عدة آلاف من المتظاهرين ، وذلك جراء إطلاق الأعيرة النارية و القنابل المسيلة للدموع التي كانت تستعملها الشرطة.
2- أن أكثر الإصابات القاتلة جاءت في الرأس و الصدر بما يدل أن بعضها تم بالتصويب و بالقنص ، فأن لم تقتل الضحايا فقد شوهت الوجه و أتلفت العيون ، فقد كشفت الزيارات و أقوال الشهود و الأطباء- خاصة في مستشفى قصر العيني- أن المستشفيات قد استقبلت عددا هائلا من إصابات العيون خاصة فى يومي 28 يناير ،2 فبراير 2011 بلغ المئات و أن حالات كثيرة فقدت بصرها.
3- أصابت الطلقات النارية و الخرطوش التي أطلقتها الشرطة أشخاصا كانوا يتابعون الأحداث من شرفات و نوافذ منازلهم المواجهة لأقسام الشرطة . و غالبا كان ذلك بسبب إطلاق النار عشوائيا أو لمنعهم من تصوير ما يحدث من اعتداءات على الأشخاص.
4- طالت الأعيرة النارية أطفالا و أشخاصا تواجدوا مصادفة فى مكان الأحداث.
5- سحقت سيارات الشرطة المصفحة عمدا بعض المتظاهرين.
ثالثا :- صدور أمر باستعمال الأسلحة النارية من شخص تجب طاعته:–نصت المادة 102 من القانون رقم 109 لسنة 1971 فى شأن هيئة الشرطة أن أمر استعمال الشرطة السلاح لفض التظاهر يجب أن يصدر من رئيس تجب طاعته متى تعرض الأمن العام للخطر وذلك بعد إنذار المتجمهرين بالتفرق.
و اللجنة – من جانبها- ترى أن أمرا صدر من وزير الداخلية و قيادات وزارة الداخلية إلى رجال الشرطة باستعمال السلاح الناري في تفريق المتظاهرين و قد أسلسه هذا الأمر- بالتدرج الرئاسي- إلى رجال الشرطة المسلحين ، في موقع الأحداث. و قد دل على ذلك ما يلى:-
1-أن إطلاق الأعيرة النارية من الشرطة على المتظاهرين عم معظم محافظات القطر بما ينبئ عن أن أمرا صدر لهم من سلطة مركزية بوزارة الداخلية تجب طاعتها و هو الأمر الذي لا يتسنى إلا لوزير الداخلية الذي يملك السلطة المركزية فى الشرطة.
2- أن صرف الأسلحة النارية و الذخيرة الحية لرجال الشرطة فى كافة المحافظات لاستعمالها فى فض المظاهرات لا يكون إلا بأمر من السلطة العليا في وزارة الداخلية.
3- ورد تقرير وزارة الداخلية المؤرخ 27/2/2011 أن اصدر التعليمات إلى قوات الشرطة بالتعامل مع إحداث الشغب تتم بالتنسيق بين قيادة الأمن المركزي و مديري الأمن في المحافظات و مدير الأمن العام و مدير مباحث امن الدولة.
4- ورد كتاب السيد اللواء مساعد أول وزير الداخلية ، مدير الإدارة العامة للمكتب الفني بتاريخ 27/ 2/2011 متضمنا أن التعليمات الدائمة تحظر استخدام الأسلحة النارية و الخرطوش أو حتى اصطحاب السلاح الشخصي وانه توجد لجنة الإدارة الأزمة لكل مديرية امن منوط بها إصدار أمر تعامل القوات بالقوة لفض المظاهرات 0000
5-قرر وكيل جهاز مباحث امن الدولة الأسبق أن استعمال الأسلحة النارية لا يكون إلا بناء على أمر صادر من وزير الداخلية و أن عليه إخطار القيادة السياسية. و انه إذا استمرت الشرطة في استعمال الأسلحة النارية لأكثر من يوم فلا بد أن تكون القيادة السياسية على علم بذلك.
6- قرر أحد مساعدي وزير الداخلية الأسبق أن استعمال الشرطة للقوة لا يكون إلا لفض الشغب و التجمهر و أن ذلك يتم على خطوات تدريجية ترفع أولا بأول من قواد التشكيلات إلى رؤسائهم حتى تصل إلى مساعد الوزير للأمن المركزي الذي كان اللواء احمد رمزي أثناء إحداث ثورة 25 يناير- الذي علية أن ينقل هذه التقارير إلى الأقدم من مساعدي وزير الداخلية- و كان فى القاهرة آنذاك اللواء إسماعيل الشاعر- ليقوم بعرضها على وزير الداخلية الذي يملك- وحده- إصدار أوامر باستخدام الرصاص الحي و كان على وزير الداخلية إصدار الأوامر إلى مساعديه بتسليم المواقع الشرطية إلى الجيش طالما تقرر نزوله و إجراء التنسيق اللازم معه ، وهو ما لم يحدث.
7-أرسلت اللجنة كتابا إلى وزارة الداخلية لموافاتها بدفتر أحوال مخازن الأسلحة الموجودة بقطاعات قوات الأمن المركزي خلال الفترة من 25/1/2011 حتى 31/1/2011 للوقوف على كمية الذخيرة المستخدمة في الأحداث ، و كذلك اطلاع اللجنة على محتوى جهاز تسجيل الإشارات الموجودة بالوزارة و بغرفة عمليات الإدارة العامة لرئاسة قوات الأمن المركزي خلال ذات الفترة ، غير أن اللجنة لم تتلق راد حتى تحرير هذا التقرير.
4- تصرفات النيابة العامة
• أرسلت اللجنة إلى النيابة العامة أولا بأول مذكرات متضمنة الوقائع التي تشكل جرائم جنائية للتحقيق فيها وذلك بتواريخ 23/2/2011، 26/2/2011 ،5/3/2011 ،7/3/2011 17/3/2011 ،14/4/2011 .
• قدمت النيابة العامة وزير الداخلية الأسبق وكبار مساعديه و عدد من ضباط الشرطة إلى المحاكمة الجنائية في محافظات القاهرة و الجيزة و6 أكتوبر و السويس و الإسكندرية و البحيرة و الغربية و القليوبية و الدقهلية و الشرقية و دمياط و بني سويف باتهامات : القتل العمد للمتظاهرين مع سبق الإصرار و اقتران هذه القتل بجنايات أخرى و الشروع في القتل و الاشتراك في هذه الجرائم فضلا عن جريمة التسبب بأخطائهم في إلحاق ضرر جسيم بأموال و مصالح الجهة التي يعملون بها و أموال و مصالح الغير المعهود بها إلى تلك الجهة بأن أهملوا في جمع المعلومات عن حجم المظاهرات و حقيقتها كثورة شعبية لا يتم التعامل معها امنيا و التصدي لها بالحشد و القوة و العنف لتفريقها ، فأدى ذلك إلى إنهاك القوات و هبوط الروح المعنوية لديها وانسحابها من مواقعها و حدوث فراغ أمنى ، فشاعت الفوضى و تعرضت حياة الناس و صحتهم و أمنهم للخطر ، مما الحق أضرارا بالممتلكات العامة و الخاصة ، و ترتب عليه حدوث أضرار بمركز البلاد الاقتصادي.
البلطجة ( واقعة الجمل )• في صباح يوم الأربعاء الموافق 2/2/2011 وحتى فجر الخميس 3/2/2011 وقعت أحداث دامية في معظم محافظات مصر خاصةً في ميدان التحرير ، الذي أصبح رمزاً لثورة 25 يناير ، ومكاناً لتجمع الثوار من كافة أنحاء القطر ، وقد أطلق على ذلك اليوم " الأربعاء الدامي " و نرصد في هذا الجزء ما حدث في ميدان التحرير . فمنذ الصباح تجمعت أعداد من مؤيدي النظام في ميدان مصطفى محمود بشارع الجامعة العربية ، و ذلك بناءً على توجيهات من بعض قادة الحزب الوطني حسبما جاء في مداخلة لقيادة من قيادته في أحد البرامج في قناة تلفزيونية ، كما تجمع آخرون من مؤيدي الرئيس السابق ، توافدوا من بعض أحياء القاهرة و تمركزوا في الشوارع المؤدية إلى ميدان التحرير يسدونها بهدف منع المتظاهرين المناهضين للنظام من الوصول إلى الميدان ومحاصرة المتظاهرين داخله ، بينما أندس بعض مؤيدي النظام من الشرطة السرية بين المتظاهرين داخل الميدان ، واعتلت طائفة أسطح المنازل المطلة على الميدان و في منتصف اليوم بدأت أعداد غفيرة منهم في اقتحام الميدان خاصةً من ناحية ميدان عبد المنعم رياض و كوبري 6 أكتوبر ومن مدخل ميدان التحرر من شارع طلعت حرب ، وألقوا الحجارة وقطع الرخام وزجاجات حارقة ( المولوتوف ) على المتظاهرين وفي ذات الوقت أطلقت الشرطة الأعيرة النارية و المطاطية و الخرطوش و القنابل المسيلة للدموع على المتظاهرين وقام بعض القناصة بإطلاق الأعيرة النارية من أعلى الأبنية المطلة على الميدان وبعدها هجم على الميدان مجموعة من الرجال يركبون الجياد و الجمال ومعهم العصي وقطع الحديد والتي حضرت معظمها من منطقة نزلة السمان و اجتمعت في ميدان مصطفى محمود واتجهت إلى ميدان التحرير واخترقوا الحواجز الحديدية التي وضعها الجيش لتأمين المتظاهرين و انهالوا ضرباً في جموع المتظاهرين ، فأحدثوا بهم إصابات أدت بعضها إلى الوفاة و ظل هجوم المؤيدين للنظام بإلقاء الأجسام الصلبة وقطع الحجارة والرخام على المتظاهرين . ولم يجد المتظاهرون سوى الدفاع عن أنفسهم بتكسير أرصفة الميدان وتبادل قذف الحجارة مع المعتدين ، وظل الوضع على هذا النحو حتى الصباح الباكر من يوم 3/2/2011 .
• وقد تمكن المتظاهرون من التحفظ على بعض راكبي الجمال ومن المندسين بينهم من مؤيدي النظام السابق – الذين كانوا يعتدون على المتظاهرين – وتبين من الإطلاع على هوياتهم الشخصية أنهم من رجال الشرطة بالزى المدني ومن المنتمين للحزب الوطني ، وتم تسليمهم للقوات المسلحة لاتخاذ الإجراءات القانونية حيالهم . وقد خاطبت اللجنة القوات المسلحة للاستعلام عن هوياتهم وعن الإجراءات التي اتخذت قبلهم ، ولم تستقبل اللجنة رداً .
• ولما كانت اللجنة قد حققت في الأجزاء السابقة لوقائع اعتداء الشرطة على المتظاهرين بالأسلحة النارية والمطاطية و الخرطوشة والقنابل المسيلة للدموع وبالقنابل ، وبالدهس بالسيارات ، فقد رئي أن يقتصر البحث في هذا الجزء على أعمال البلطجة بما فيها من استعمال الخيول والحجارة في إرهاب المتظاهرين و الاعتداء عليهم .
• وقد سمعت اللجنة عدداً من الشهود يكفي للقول بأن بعضاً من رموز الحزب الوطني وأعضاء مجلسي الشعب والشورى المنتمين للحزب وبعض رجال الشرطة – خاصةً من المباحث الجنائية – وبعض رجال الإدارة المحلية قد دبروا للمظاهرات المؤيدة للرئيس السابق في 2/2/2011 والتي انطلقت من أحياء القاهرة والجيزة صوب ميدان التحرير ، وهي مزودة بالعصي والحجارة والمواد المشتعلة والأسلحة البيضاء ، وأن عدداً من أعضاء الحزب الوطني ورجال الشرطة بالزى المدني قد شارك مع البلطجية المأجورين وراكبي الجياد والجمال في الاعتداء على المتظاهرين في ميدان التحرير ، على النحو المبين سلفاً .
• تلقى البريد الالكتروني الخاص بلجنة التحقيق و تقصى الحقائق رسالة من شخص يدعى محمد سقا من البريد الالكتروني خاصته و الذي يحمل عنوانه mm_sakka@hotmail.com تفيد أنه قد استلم رسالة نصية على الموبايل خاصته موقعة باسم أحباء مصر ( Egypt lovers ) تضمنت دعوة المصريين لتنظيم مظاهرات تأييد لمبارك تنطلق من ميدان مصطفى محمود و تم استلام هذه الرسالة في تمام الساعة الحادية عشر مساء يوم الثلاثاء 1/2/2011 كما قررت تليفونيا سلوى أبو النجا ، من تليفون رقم 0101100480 ، أنها تلقت ذات الرسالة فى ذات التاريخ علما بأن خدمة الرسائل النصية كانت مقطوعة عن مصر كلها حتى ذلك الوقت ، و أرسل الشاهد المذكور مع تلك الرسالة فيديو بمطالعة ما تضمنه من أحداث تبين انه مصور أمام البنك الوطني المصري في ميدان مصطفى محمود المهندسين وذلك يوم 2/2/2011 حيث ظهر حشود من المتظاهرين المؤيدين للرئيس المصري السابق محمد حسنى مبارك ملتفين حول أحد الشخصيات المعروفة الذي تحدث إليهم من خلال مكبر صوت مقررا لهم أن المأجورين أمثال البرادعى و المزور أيمن نور هم الذين افسدوا البلد و أن المتظاهرين المتواجدين بميدان التحرير غير محترمين و خونه و أنهى حديثه إلى المتظاهرين في ميدان لبنان طالبا منهم التوجه فورا إلى ميدان التحرير لان ميدان التحرير للشرفاء و ليس للمرتزقة محرضا المتظاهرين على ضرورة تحرير الميدان من الخونة الذين يريدون الخراب لمصر .
• أرسل إلى الصفحة الرئيسية للجنة التحقيق و تقصى الحقائق بموقع facebook فيديو بمشاهدته تبين انه يتضمن قيام بعض الأشخاص بالتعدي على آخرين بالأسلحة البيضاء أمام بوابة أحد القصور و يبين من الحوار الذي دار بين هؤلاء الأشخاص أن سبب التعدي عليهم هو تحذيرهم من ذكر واقعة استئجارهم من قبل أحد الأشخاص ــ والذي ظهرت صورته بنهاية التسجيل ــ للتعدي على المتظاهرين في ميدان التحرير وورد بالتعليق على ذلك الفيديو أن الشخص الذي ظهر بنهايته أحد أعضاء مجلس الشعب السابق.
• مرفق بالمذكرة تسجيلات لبعض أحداث 2/2/2011 و المقدمة إلى اللجنة على اسطوانة (CD) ، تبين من خلال مشاهدتها أنها تحتوى على ستة أفلام فيديو الأول يبدأ بتصوير مجموعة من المتظاهرين المؤيدين للحزب الوطني بجوار مركز التجارة العالمي و فندق كونراد متجهين إلى ميدان التحرير بعضهم يستقل سيارات و البعض مترجل و هم يحملون عصى و أسلحة بيضاء . الفيديو الثاني يبدأ بتصوير لمجموعة من المتظاهرين المؤيدين للحزب الوطني الديمقراطي أسفل تمثال عبد المنعم رياض و في مواجهتهم سيارة مصفحة محترقة يعتليها احد الأشخاص و يقومون بإلقاء الحجارة على المتظاهرين مما أدى إلى انسحاب عدد من المتظاهرين . الفيديو الثالث و الرابع يظهر فيهما تبادل إلقاء الحجارة بين المتظاهرين بميدان التحرير و الموجودين بميدان عبد المنعم رياض. الفيديو الخامس و السادس للمتظاهرين المؤيدين للحزب الوطني و المتواجدين بميدان عبد المنعم رياض يحثون بعضهم على البقاء بالميدان و صورة لعدد من الأشخاص اعلي العقارات المواجهة للمتحف المصري يلقون بالحجارة على المتظاهرين بميدان التحرير.
• مرفق بالمذكرة صور لبعض أحداث 2/2/2011 و المقدمة إلى اللجنة على اسطوانة (CD) بمشاهدتها تبين أنها تحتوى على صور لبعض أنصار الرئيس السابق محمد حسنى مبارك يقومون بإلقاء كميات كبيرة من الطوب تجاه المتظاهرين بالتحرير و صور أخرى لسالفي الذكر يحملون عصى و أسلحة بيضاء و سيوف و صور لاشتباكات ما بين أنصار الرئيس السابق القادمين من ميدان عبد المنعم رياض في اتجاه ميدان التحرير و بين المتظاهرين المتجهين من ميدان التحرير في الاتجاه المعاكس .
انتقل فريق من الامانه الفنية للجنة التحقيق و تقصى الحقائق من المنتدبين من المركز القومي للبحوث الاجتماعية و الجنائية إلى منطقة نزلة السمان للتقصي عن حقيقة الأحداث التي وقعت يوم 2/2/2011 وذلك في ضوء امتناع العديد من اهالى نزله السمان من الإدلاء بشهادتهم خشيه إيذائهم .
• قدم للجنة صورة ضوئية لوثيقة – لم يتسن للجنة التحقق من صحتها – معنونه"وزارة الداخلية مكتب الوزير " وعليها الشعار الخاص بوزارة الداخلية ، ثابت بها عبارة سرى و هام للغاية تحمل رقم تعميم 1-60 /ب/م ت، تضمنت أمرا بتوظيف عدد من البلطجية ، و إعطائهم مبالغ مجزية ، مع إبلاغهم بوقت التحرك لإشاعة الفوضى .
• كانت اللجنة قد أرسلت فى 13/3/2011 مذكرة إلى النيابة العامة للتحقيق في هذه الوقائع ، ثم جرى انتداب مستشارين للتحقيق فيها.
( حالات الاحتجاز )
• قامت الشرطة بالقبض على بعض المتظاهرين والإعلاميين و حجزتهم في عدد من أماكن الاحتجاز دون وجه حق ، ورصدت اللجنة بعض من هذه الحالات .
الانفلات الأمني
حدث الانفلات الأمني نتيجة إطلاق البلطجية على المتظاهرين لإخراجهم بالقوة من ميدان التحرير – على النحو السابق بيانه- و انتشارهم في كافة أنحاء القاهرة و الجيزة يدمرون و يسلبون و يحرقون خاصة بعد انسحاب الشرطة وحرق مقارها بمعرفه هؤلاء البلطجية وبعض الاهالى الغاضبين.
وقال أحد قيادات الشرطة السابقين أن أمرا صدر لقوات الأمن المركزي بالقاهرة من احد قيادات الشرطة فى 28/1/2011بالانسحاب وصدرت أوامر للضباط بارتداء الزى المدني و الانصراف ثم انقطعت الاتصالات بهم عقب صدور هذا الأمر ، وقد تأيد ذلك بما قرره بأحد أطباء قصر العيني من انه في حوالي الساعة الخامسة مساء لاحظ حرس المستشفى يخلعون ملابسهم الرسمية و يرتدون ملابس مدنية ، وذلك بناء على أوامر صادره إليهم بذلك .كما شوهد فى احد شرائط الفيديو المذاعة في القنوات الفضائية انسحاب قوات الأمن المركزي بشكل منتظم يومى بصدور أمر بالانسحاب .
وقد رصدت اللجنة- سرقة وإتلاف بعض القطع الأثرية من المتحف المصري وسرقة محتويات بعض المحال ، كما تم رصد سيارة رقم ( ف و 8516 ) بها بعض البلطجية وشخص ظهرت صورته جليا يشتبه أنهم هم الذين احرقوا مبنى الحزب الوطني الذي كانت تلتهمه النيران حينئذ.
وزاد من الانفلات الأمني خروج او هروب بعض المسجونين من الليمانات و السجون المتاخمة للقاهرة ، قامت الأمانة العامة للجنة بزيارة السجون الآتية :-
1- منطقة سجون وادي النطرون 2- منطقة سجون طرة
3-منطقة سجون أبو زعبل 4- سجن المرج
5- سجن القطا الجديد
وبعد أن قامت اللجنة بالزيارات الميدانية وسؤال إدارات هذه السجون و بعض المساجين و بعض الاهالى المجاورين للسجون انتهت إلى احتمال تصورين :-
وقد ذهب أصحاب التصور الأول إلى أن ذلك يدخل في نطاق ما حدث من إنهيار فى أداء الشرطة في كافة القطاعات ، و رغبة البعض في ترويع المواطنين ، ويستند هذا التصور على الدلالات الآتية :
1 ـ ظهر في أحد أشرطة الفيديو – التي أطلعت عليها اللجنة – مجموعة من الأشخاص يرتدون زياً أسود اللون متشابه الشكل يماثل الزى الذي يرتديه أفراد الأمن المركزي ويقومون بفتح غرف السجن التابع لأحد مراكز مديرية أمن الفيوم ويطلبون من نزلاء تلك الغرف سرعة الخروج والعودة إلى منازلهم .
2 ـ مشاهد شريط فيديو أخر يظهر فيه المساجين – الهاربين من أحد سجون وادي النطرون ويحملون أغراضهم الشخصية تحت تواجد أفراد من قوات الأمن المتمركزين بالزى الرسمي وهم يحثون المساجين على سرعة الخروج من السجن . وخروجهم من السجن وهم يحملون أغراضهم الشخصية و في حضرة رجال الشرطة يدل أنهم خرجوا نتيجة ترتيب أفسح لهم الوقت لجمع أغراضهم الشخصية ،وذلك أن هروب السجين في حاله العصيان الجماعي و احتمال إصابته بعيار ناري يثير لدية حالة من الفزع تجعله يسرع لينجو بنفسه دون أن يلتفت لجمع أغراضه.
3 ـ شهادة عدد من المساجين في سجن وادي النطرون وسجن طره من أن إدارة السجن قطعت المياه والكهرباء عنهم قبل تمرد المساجين بعدة أيام وهو ما يؤدي – بطبيعة الحال – إلى هياجهم وتذمرهم ، و يعطى المبرر الكافي لاصطناع الاضطراب و المقاومة الظاهرية ثم الانفلات الأمني.
4 ـ قرر بعض المساجين – في سجون لم يهرب منها أحد – أن الشرطة أطلقت الأعيرة النارية والخرطوشية في إتجاه العنابر والزنازين بالرغم من عدم وجود تمرد ، وأن عدداً من المساجين قتلوا أو أصيبوا أثناء وجودهم داخلها .
5-كما قرر عدد من المساجين - في سجون مختلفة- أن رجال الشرطة العاملين في السجن أطلقوا في اتجاه العنابر و الحجرات قنابل مسيلة للدموع مما اشعر نزلاء السجن بالاختناق ومحاولة الخروج من العنابر ، وهو ما يشير إلى تعمد إثارة المسجونين و دفعهم إلى التمرد و الظهور بمقاومة التمرد حتى تبدو الصورة بأن خروجهم كان نتيجة إخفاق الحراسة في منعهم.
6- قرر العميد/ عصام القوصى وسائر رجال الشرطة القائمين على إدارة السجن انه في يوم 29/1/2011 حدث تمرد داخل السجن واكبه هجوم عدد من الأشخاص المسلحين على السجن ،أطلقوا أعيرة نارية من مدافع جرينوف و غيره من الأسلحة النارية فى اتجاه السجن و أن الحراسة المعينة على الأبراج بادلوهم إطلاق الأعيرة النارية حتى نفذت الأخيرة غير انه بمعاينة سور السجن تبين عدم وجود أية أثار لطلقات نارية على السور أو الأبراج، مما يدل على عدم صحة ما قرره رجال الشرطة المشار إليهم.
7- قرر سجين بليمان وادي النطرون أن سيدة اتصلت بأحد البرامج التليفزيونية و قالت أنها تسكن بجوار سجن وادي النطرون ، وان السجن تم اقتحامه و إخراج المساجين ، و بعد وقت قصير قامت قوات السجن بإطلاق قنابل مسيلة للدموع في اتجاه العنابر دون مبرر ثم في الساعة الثالثة سمع صوت أعيرة نارية لمدة عشرين دقيقة أعقبها خروج المساجين ، وقد دل ذلك أن ما أذيع في التليفزيون كان سابقا على ادعاء الاعتداء على السجن بما يثير شبهه وجود تخطيط مسبق لإخراج المساجين من سجن وادي النطرون.
8- ثبت من المعاينة بسجن وادي النطرون أن أعمال التخريب و نزع الأقفال ونشر حديد الهوايات بالغرف يستغرق وقتا أطول كثيرا مما قرره ضباط السجن.
9- قرر وليد حسن حسين المسجون بسجن المرج انه في يوم 29/1/2011 توجه إلى العيادة الطبية بصحبه الحراسة رأى المخبر عبد الفتاح الشهير بأبوعميرة يتجه صوب الغرفةرقم(6 ) المتواجد فيها المساجين المتهمين في قضايا إعلامية و يخرجهم من حجرهم إلى ممر العنبر ، و سمع بعض ضباط السجن يتبادلون الحديث، واحدهم يقول "يظهر أنها بدأت " ثم فوجئ بإطلاق قنابل مسيلة للدموع داخل ممرات العنابر دون داع ، مما أصاب السجناء بحاله اختناق أدت إلى هياجهم ، و تناهى إلى سمعه قول احد المخبرين عبارة " حرام الضباط يفتحوا لهم وبعد كده يضربوا عليهم النار " .
10- قررت الدكتورة منال البطران أن شقيقها المرحوم اللواء محمد البطران حادثها تليفونيا قبل مقتله وقال " حبيب العادلى احرق البلد و أن هناك ثمانية عشر قسم شرطة تم فتحها و خرج منها المساجين وإن تكرر الأمر في السجون فستكون كارثة ، و انه لن يسمح بذلك ".
11- أن السجون التي خرج منها المسجونون هي السجون المتاخمة للقاهرة و التي بها عتاة المجرمين بما يشير أي أن ذلك تم عن قصد ليثيروا الذعر و الفزع لدى المواطنين في العاصمة و ما حولها ، ضمن خطة الفراغ الأمني.
وذهب أصحاب التصور الثاني إلى انه تم تهريب المساجين بعد اعتداءات مسلحة على السجون و استندوا في ذلك على الدلائل الآتية:
1- عدد السجون في جميع ربوع الدولة 41 سجنا وهرب السجناء من 11 سجنا فقط بنسبة 26% هي سجون ابوزعبل ( 4 سجون ) و وادي النطرون (4 سجون ) والمرج و الفيوم و قنا.
2- لم يهرب مسجون واحد من سجون القاهرة ( طره 4 سجون و سجن الاستئناف بباب الخلق ) وهى الأقرب إلى موقع الأحداث في ميدان التحرير.
3- ثبت بمعاينة منطقة سجون ابوزعبل ( تضم أربع سجون ) تعرضها لهجوم خارجي مسلح تظهر آثاره واضحة في الأعيرة النارية المطلقة على ببوابة السجن الرئيسية و على السور الشرقي المجاور لسجني ابوزعبل 1 ، 2 كما تظهر على هذا السور وجود أثار لإطلاق أعيرة ثقيلة ( جرينوف أو متعدد )
4- ثبت استعمال نوع من الذخيرة لا يتداول في محيط قوات الشرطة و الجيش في الهجوم على سجن أبو زعبل ( طلقات سلاح آلي خضراء اللون ) تم التحفظ على بعض فوارغها أثناء المعاينة و كذا على فوارغ طلقات أعلى من عيار الأسلحة الآلية.
5- شهد الدكتور سعيد محمد عبد الغفار المقيم بالاستراحة المجاورة للسجن بوجود هجوم مسلح من الناحية الشرقية باستخدام أسلحة آلية بمعرفة مجموعات من البدو وصياح بعضهم بالدعاء لحماس.
6- ثبت وجود هدم بسور السجن من الناحية الشرقية وهدم بعض أجزائه من الخارج باستخدام معدة بناء ( لودر) .
7- ثبت أن سجون أبو زعبل تضم المحكوم عليهم بأحكام جنائية من اهالى منطقة شمال وجنوب سيناء .
8- ثبت بأقوال ضباط منطقة سجون أبو زعبل تعرضهم لهجوم مسلح خارجي واكبه حالة هياج داخلي من السجناء و تحطيم أبواب و حوائط السجن باستخدام طفايات الحريق الكائنة بداخل كل زنزانة و هو ما تم معاينته من أثار للتلفيات يتصور حدوثها وفقا لهذه الرواية .
9- ثبت وجود عدد خمس مسجونين من حركة حماس بسجن أبو زعبل 1 ، إضافة إلى عدد 24 آخرين من ذات الحركة و من خلية حزب الله بالسجون التي تم اقتحامها و الذين أبانت وسائل الأعلام سرعه وصولهم إلى ديارهم خارج البلاد بعد الهرب بساعات قليلة بما يؤكد التخطيط لتهريبهم عن طريق الهجمات الخارجية على السجون.
10- بسؤال عينات عشوائية من مساجين سجن القطا " لم يهرب منه احد " أجمعت أقوالهم على أن هناك حالة هياج داخلي انتابتهم نتيجة متابعتهم أحداث الثورة بوسائل الإعلام حيث رغب بعضهم في المشاركة في أحداث الثورة ، كما أن تواتر الأخبار عن هروب المساجين من سجن ابوزعبل أدى إلى رغبتهم في الهرب .
11- ثبت بأقوال ضابط القوات المسلحة المكلف بتأمين سجن القطا أن السجن تعرض لهجوم خارجي و تعاملت معه القوات المسلحة و نجحت في صده كما شهد ثلاثة من اصطحاب المزارع المجاورة للسجن أنهم نجحوا في رد مجموعات مسلحة حاولت التوجه للسجن و اقتحامه لتهريب أبناءهم المسجونين .
12- أن الوضع الذي شاهدته اللجنة من حالة الانفلات الامنى بسجن القطا و هياج المساجين وعدم انصياعهم للتعليمات الأمنية يتنافى مع وجود مخطط لتهريب المساجين في هذا السجن لاسيما و أن الثابت عدم هروب أي مسجون منه بل وفاه قيادة أمنية بداخله أثناء أحداث تمرد المساجين - وهو اللواء محمد البطران رئيس مباحث السجون - الذي شهد زملاؤه و ممثلان عن السجناء أنه توفى أثناء محاولة خروج المساجين وراءه للهرب فتم إطلاق النار نحوهم فقتل عدد منهم كان من بينهم اللواء محمد البطران الذى ذكر لهم عدم صدور أمر له بإخراج السجناء و أصيب آخرون من بينهم المقدم / سيد جلال ، و هذا ما يؤكد عدم وجود مخطط مسبق لتلك الأحداث .
13- أن شهادة المسجون بشأن إطلاق غازات مسيلة للدموع علية بالزنزانة دون مبرر يتعين أخذها وتقديرها في نطاق اعتبارين احدهما هو أن السجين لا يرى خارج الباب المغلق و بالتالي تقييمه للحالة في محيط السجن هو تقييم قاصر و الثاني أن الغاز بطبيعته ينتشر دون توجيه وتبعا لاتجاه الهواء و من ثم فيمكن أن ينتشر في محيط يجاور مكان الإطلاق أو التصويب.
14- عدم ثبوت صدور أي تعليمات بشأن تخفيف الاحتياطات الأمنية في غضون فترة لأحداث على السجون بل صدرت تعليمات بتكثيف إجراءات الحراسة و أن الثابت فقط هو تحقق واقعات هروب جماعي من السجون و هو ما لا يستدل به - كنتيجة - على السبب.
15- إنه من غير المتصور إقرار السجين بالهرب دون أن يورد تعليلا لذلك يلقى فيه بالمسئولية على غيره إذ هو معرض للعقوبة وفقا لنص المادة 138 من قانون العقوبات. كما انه من غير المتصور إجماع جميع ضباط السجون التي تم الانتقال إليها على عدم صدور تعليمات بفتح السجون ، وعدم تخفيف الإجراءات الأمنية أثناء الأحداث .
16- نجحت الشرطة في إجهاض محاولات هروب السجناء في 15 سجن ( القطا ، دمنهور، طره، الزقازيق ، شبين الكوم00000 ) .
نخلص مما تقدم إلى تعرض بعض السجون لهجمات مسلحة من خارجه أدت إلى هروب بعض المساجين ، وإشاعة حالة من الفوضى بين المساجين في السجون الأخرى ، اقترنت بهياج داخلي اثر متابعتهم لأحداث الثورة عبر وسائل الإعلام طمعا في الخروج .
إلا انه يجب التوقف عند منطقة سجون وادي النطرون إذ أن الآثار التي رصدتها اللجنة عند المعاينة لا تنم عن حدوث اعتداء تعجز أمامه الشرطة عن المواجهة ومن ثم لا يوجد مبرر قوي لحدوث الانفلات
و هروب السجناء من سجون وادي النطرون.
و إزاء وجود هذين التصورين للانفلات الأمني في السجون فإن اللجنة ترى أن الأمر في حاجة إلى مزيد من التحقيق القضائي لتحديد المسئولية في كل حالة من حالات الانفلات داخل السجون المعنية .
( الجزء الخامس )
الإعلام و قطع الاتصالات

الإعلام
لم تكن أحداث ثورة 25 يناير وتفجر طاقات الغضب المصري هى المسيطر الوحيد فى المجال العام المصري ، وإنما وضح جلياً أن ظاهرة الانفلات الأمني وما ارتبط بها من تداعيات ودلالات قد أحدث واقعاً مخيفاً بافتقار الأمن والأمان للأسرة المصرية بخاصة ، والوطن بعامة .
• وازداد الإحساس العام بالخوف وعدم الأمان – سواء للمصرى المقيم على أرض الوطن أو المغترب عندما تقطعت سبل معرفة أخبار البلاد والأهل ، وبخاصة حين تم عزل مصر من 28 يناير إلى 1 فبراير ، بقطع خدمات الاتصالات الهاتفية الخلوية (الهواتف المحمولة) ، بالإضافة إلى خدمات الانترنت.
• وقد نتج عن منع الاتصالات وقطعها عن مصر والمصريين ، اندفاع الكافة نحو الإعلام ووسائله الجماهيرية كفاعل أساسي يعكس أحداث الثورة وأحوال البلاد.
هذا بدوره دفعنا إلى تحليل موقف الإعلام المصرى ممثلاً فى : الإعلام الجماهيري (صحافة وتليفزيون) ، والإعلام البديل (باستخدام شبكة الانترنت ) ، وتحديد دوره السلبى والإيجابى دون إغفال أو مواربة ، من خلال التركيز على محورين رئيسيين ، هما :
• المحور الأول: مدى اهتمام الإعلام المصرى بأحداث الثورة والانفلات الأمنى الذى صاحبها.
• المحور الثاني: الأدوار الإعلامية التي مارسها الإعلام المصري.
أولاً: مدى الاهتمام بظاهرة الانفلات الأمنى خلال ثورة 25 ينايريأتي اهتمام الإعلام بظاهرة الانفلات الأمني مرتبطاً بأهمية الحدث من ناحية ، وأهمية الدور الإعلامي فى المجتمع من ناحية أخرى. وقد تقاربت معدلات الاهتمام بطرح ظاهرة الانفلات الأمني وأسبابها ، والآثار المترتبة عليها ، وطرح مجموعة من الحلول لها ، ما بين الإعلام الرسمي ، والإعلام المصري الخاص ممثلاً فى القنوات الفضائية. كما تقاربت معدلات الاهتمام بطرح الظاهرة بين برامج القنوات الفضائية محل الرصد .
وقد ساد التنوع والتعدد فى الأبعاد التي طرحت من خلال المعالجة الإعلامية الصحفية والتليفزيونية ، وتم رصدها على النحو التالي:
البعد الأمني : ممثلاً فى تركيز المعالجات الإعلامية على غياب الأمن فى ظل اختفاء الشرطة من مواقعهم ، وهروب العديد من المساجين ، وترويع المواطنين ، وانتشار الشغب والجرائم والبلطجة ، إضافة إلى بعض الحلول التى تم تفعيلها والمقترحة لإعادة الأمن بالشوارع المصرية .
الأبعاد السياسية: ممثلة فى حالات الصدام والبلطجة بين مؤيدي ومعارضي الرئيس السابق ، وعلاقة فلول النظام الحاكم ورموز الفساد بالتدبير لحالة الانفلات الأمني .
البعد الاجتماعي : والذي ارتبط بالآثار المجتمعية لظاهرة الانفلات الأمني ، وبعض الحلول التى تم تنفيذها لمواجهة الانفلات الأمني:  ومنها على سبيل المثال : تكوين اللجان الشعبية .
البعد الاقتصادي: ممثلاً فى التركيز على رصد الخسائر الاقتصادية التى وقعت جراء أحداث الانفلات الأمني .
البعد الإعلامي: من خلال استعراض صور العنف ضد الإعلاميين الذين حاولوا تغطية أحداث العنف والشغب فى المظاهرات.
وبالمثل برز اهتمام صحافة المواطن بظاهرة الانفلات الأمنى ، ممثلاً فى تناول الظاهرة بأبعادها وتداعياتها عبر أطروحات حركات الاحتجاج الاجتماعى "جماعة كلنا خالد سعيد" ، "حركة 25 يناير" ،إضافة إلى أطروحات الشبكات الإخبارية على موقع Face book مثل : أطروحات "شبكة رصد الإخبارية" ، وأطروحات "وكالة أنباء تحركات الشارع المصرى" ، إضافة إلى أطروحات أعضاء صفحة "ضباط الشرطة المصرية" . كما ظهر الاهتمام برصد الظاهرة وتتبعها ونشرها على مستوى عالمى عبر مواد الفيديو التى سجلها المواطنون ، وانهالت على مواقع الفيديو التشاركى على شبكة الانترنت ، وأبرزها موقع Youtube ، إضافة إلى مواقع الصحف المصرية التى استضافت أقسام خاصة لصحافة المواطن ، مثل : "موقع صحيفة المصرى اليوم على الانترنت ". إلا أن مراكز الاهتمام بظاهرة الانفلات الأمنى تنوعت فى صحافة المواطن ما بين التركيز على طرح أحداث ووقائع محددة ترصد حالة الإنفلات الأمنى ومظاهرها ، وتصدرت هذه الفئة المركز المتقدم فى خريطة اهتمام صحافة المواطن بالانفلات الأمنى ، تلاها الاهتمام بطرح أفكار ورؤى معينة بشأن ظاهرة الانفلات الأمنى ، وظهر ذلك بشكل رئيسى فى تبنى منطق تدبير خطة الإنفلات الأمنى لإجهاض الثورة المصرية، أما المركز الثالث فكان للاهتمام بالتركيز على شخصيات بعينها أو جهات محددة رأت الأطروحات تورطها فى ظاهرة الانفلات الأمنى.
ثانياً: الأدوار الإعلامية التى مارسها الإعلام المصرى فى تناوله لظاهرة الإنفلات الأمنى:أظهرت نتائج الرصد الإعلامي لظاهرة الإنفلات الأمني فى الإعلام المصري – الجماهيرى والبديل - تنوع الأدوار الإعلامية التي مارسها الإعلام المصري فى طرحه للظاهرة. وتمثلت هذه الأدوار فيما يلى:
- الدور الراصد والواصف للظاهرة.
- الدور الشارح والمفسر للظاهرة.
- الدور التعبـوى.
وهنا تجدر الإشارة إلى أمرين على قدر كبير من الأهمية عند استعراض مستويات الأدوار الإعلامية التي مارسها الإعلام المصري.
أولهما: أن تنوع هذه الأدوار الإعلامية حقق نوعاً من التكامل فى طرح ظاهرة الإنفلات الأمنى على الجمهور العام، وهو ما يعبر حالة اللهاث الإعلامي فى محاولة التواكب مع أحداث الثورة المتلاحقة وما ارتبط بها من ظاهرة الإنفلات الأمني وغيرها من الظواهر الإجتماعية والسياسية التى مثلت عناصر جذب إعلامي بدرجة كبيرة جداً.
ثانيهما: أن تنوع الأدوار الإعلامية لا يشير بالضرورة إلى إيجابية أداء الإعلام المصرى لهذه الأدوار. ذلك أن رصد المعالجة الإعلامية لظاهرة الإنفلات الأمنى كشف عن وجود أوجه سلبيات مختلفة فى الأداء الإعلامي أثناء الثورة جنباً إلى جنب مع أوجه التميز والكفاءة التى نجح الإعلام المصري فيها.
قطع الاتصالات
كان لافتا قطع خدمة الاتصالات من شركات المحمول الثلاثة في وقت واحد ، مما ينم عن وجود تنسيق سابق ومتفق عليه مع الجهات الأمنية . وقد لعب قطع الاتصالات دورا مهما في الأحداث فهو من ناحية دفع الكثيرين إلى النزول للشارع ، ورفع أعداد المتظاهرين لافتقاد وسيلة التواصل مع غيرهم ، ومن ناحية أخرى قد يقال بأن هذا القطع أثر على الاتصالات بين رجال الشرطة و القيادات و أدى ذلك إلى انفرادية القرارات و عشوائية التصرفات ، و كثرة الانسحابات ، فحدث الفراغ الامنى و شاعت الفوضى ، إلا أن ذلك ليس مؤكدا:
• بسؤال الدكتور عمرو بدوى محمود الرئيس التنفيذي للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات قرر أن يوم 23/1/2011 دعاه ممثلو الجهات الأمنية لاجتماع ضم ممثلي شركات المحمول الثلاثة و تم تشكيل غرفه طوارئ لإعطاء الأوامر الخاصة بتشغيل وقطع خدمات الاتصالات تطبيقا للمادة 67 من قانون الاتصالات لوجود حالة ضرورة قصوى تمس الأمن القومي ، و أصدرت الغرفة أمرا بقطع خدمات الاتصال يوم 27 يناير في الساعة العاشرة صباحا و إعادتها يوم 29 يناير 2011 في حوالي الساعة 9.30 صباحا أما خدمة الانترنت فتم وقفها يوم الجمعة 28/1 وعادت صباح يوم 5/2 /2011 و أوضح أن هذا القطع لا يؤثر على الاتصالات الخاصة بالشرطة لان لها تردد و نظام مستقل خاص بها ، و أضاف انه تحت الضغط الشعبي أعيدت الخدمات إلى وضعها الطبيعي و مؤكدا أن هذا القطع لم يسبق حدوثه في أية دولة في العالم وكان له تأثير سلبي على سمعه مصر الدولية ، و أضيرت شركات المحمول من جراء ذلك.
وورد للجنة خطاب رئيس مجلس إدارة شركة اتصالات للتليفون المحمول ثابت به :
أن خدمة الاتصالات بالشركة قد تأثرت بعاملين خارج سيطرتها خلال الفترة من 25 يناير و حتى 9 فبراير 2011 هما :
1-صدور تعليمات للشركة من غرفة الطوارئ( لجنة الأمن القومي) بالاستعداد لتنفيذ خطة الطوارئ بقطع الخدمة بحسب تعليمات غرفة الطوارئ وذلك لدواعي أمنية و قد كان ذلك في الاجتماع الذي عقد بتاريخ 23 يناير 2011 في مقر الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات و قد صدرت التعليمات المذكورة بحضور ممثلي شركات المحمول الثلاثة و الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات و ممثل وزارة الاتصالات و تقنية المعلومات و ممثلي الجهات السيادية و ممثلي الجهات الأمنية و قد صدرت التعليمات للشركة من غرفة الطوارئ بتنفيذ تلك الخطة بقطع خدمة الاتصالات في بعض محافظات الجمهورية و قد انصاعت الشركة لتلك التعليمات بموجب التزاماتها بموجب أحكام الباب السادس عشر و خاصة المادة (67 )من القانون رقم 10 لسنة 2003 و الترخيص رقم (3 ) لسنة 2006 الصادر لها من الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات.
2- تعرض العديد من محطات شبكة التليفون المحمول الخاصة بالشركة للتحطيم و السرقة و الحريق أثناء الأحداث في تلك الفترة.
كما ورد خطاب العضو المنتدب و المدير التنفيذي لشركة فودافون مصر ثابت به :
أ‌- الفترة من 25/1 و حتى 31/1/2011
فان خدمة الاتصالات بالشبكة كانت تعمل بشكل متوسط بسبب انقطاع الخدمة جزئيا عن بعض مناطق الجمهورية تنفيذا للتعليمات و الأوامر المتعددة و المتعاقبة التي صدرت إلى إدارة الشركة من غرفة العمليات المكلفة بإدارة الأزمة استنادا لنص المادة 67 من القانون رقم 10 لسنة 2003 بتنظيم الاتصالات بأن "للسلطة المختصة في الدولة أن تخضع لإدارتها جميع خدمات و شبكات اتصالات أي مشغل أو مقدم خدمه و أن تستدعى العاملين لديه القائمين على تشغيل و صيانة تلك الخدمات و الشبكات وذلك في حالة حدوث كارثة طبيعيه أو بيئية أو في الحالات التي تعلن فيها التعبئة العامة طبقا لأحكام القانون رقم 87 لسنة 1960 المشار إليه وأيه حالات أخرى تتعلق بالأمن القومي" .وكذلك بسبب أعطال ناتجة عن أعمال السلب و الحريق و عدم توافر الوقود لتزويد المولدات في بعض المحطات.
ب‌- الفترة من 1/2/2011 حتي يوم 9/2/2011
يمكن القول أن خدمة الاتصالات بالشركة كانت تعمل خلال هذه الفترة بكفاءة عالية تقترب من التشغيل في الظروف العادية .
و نوه الخطاب إلى أن غرفة العمليات بما توافر لديها من معلومات كانت قد استبقت الأحداث ووجهت الدعوة لاجتماع على مستوى عال عقد بتاريخ 23/1/2011 بمبنى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات برئاسة السيد الدكتور رئيس الجهاز المذكور و بحضور السادة ممثلي أجهزة الأمن القومي المشار إليهم في المادة الأولى من قانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003 ، كما حضر أيضا ممثلون لجميع شركات التليفون الثابت و المحمول و شركات الانترنت العاملة في مصر. و في هذا الاجتماع قام السادة ممثلوا أجهزة الأمن القومي باستعراض الظروف التي تمر بها البلاد في ذلك الوقت ، وركزوا على الدور الذي يتعين على شركات الاتصالات و الانترنت أن تضطلع بها خلال تلك الأزمة وفقا لأحكام الباب السادس من قانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003 .
كما ورد بالخطاب انه قبل انتهاء الاجتماع حرص السادة ممثلو الأمن القومي على التأكيد على الأمور الآتية:
1- أن الأجهزة و الهيئات الممثلة في الاجتماع هي الأجهزة المكلفة بإدارة ما أسموه بـ " الأزمة " و إنها لهذا الغرض قد شكلت من بين أعضائها غرفة عمليات اتخذت من مبنى وزارة الاتصالات مقرا لها ، وشددت على أن كافة الأوامر و التعليمات سوف تصدر للشركات من هذه الغرفة دون غيرها من خلال آليات ووسائل محددة.
2- ضرورة التزام جميع الشركات العاملة في مجال الاتصالات و الانترنت بتنفيذ كل ما قد يصدر عن غرفة العمليات من تعليمات و أوامر بكل دقة و بطريقة فورية تطبيقا لأحكام الباب السادس من قانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003 .
3- أن الأجهزة الممثلة في الاجتماع ، إذ تضطلع بمهمة إدارة " الأزمة " فأنها تستمد سلطاتها من قانون الطوارئ ومن قانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003 و على الأخص أحكام الباب السادس من ذلك القانون الأخير " الأمن القومي و التعبئة العامة".
4- حرص السادة ممثلو أجهزة الأمن القومي على التأكيد على أن أي مخالفة لأي من الأوامر أو التعليمات التي قد تصدر من غرفة العمليات في شأن إدارة الأزمة سوف يعد مخالفة قانونية جسيمة من شأنها أن توقع من يرتكبها تحت طائلة العقوبات المنصوص عليها في قانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003 .
و ورد إلى اللجنة كتاب رئيس مجلس إدارة الشركة المصرية لخدمات التليفون المحمول ( موبينيل) ثابت به :
انه بالنسبة لأسباب انقطاع الخدمة عن أربعة محافظات بعض الفترات من المدة 28/1 و حتى 31/1/2011 فإن ذلك يرجع إلى سببين هما:-
1- صدور تعليمات و أوامر من غرفة العمليات " لجنة الأمن القومي" بقطع الخدمة لحوالي 24 ساعة عن بعض محافظات الجمهورية ، و قد قامت الشركة شأنها شأن الشركات الأخرى بقطع الخدمة بناء على التعليمات المذكورة ، و في إطار الترخيص الممنوح للشركة و التزامها بالمادة 67 من القانون 10 لسنة 2003 بشأن تنظيم الاتصالات.
2- تعطيل العديد من المحطات بسبب أعمال الحرق أو التخريب بدء من يوم 28/1 و تعذر سرعة إصلاحها.
ويبدو للجنة أن قطع الاتصال عن طريق المحمول و الانترنت ، و التشويش على القنوات التي كانت تبث من قلب الأحداث أنباء و أقوالاً تشجع الثائرين و تحفز المتابعين، كان مقصودا لحجب الأخبار عن المواطنين و عن العالم ، و لإعاقة التواصل بين المتظاهرين حتى يحد من توافدهم على أماكن التجمهر ويقلص التنسيق فيما بينهم.
( الجزء السادس)
التوصيـــات
بعد نجاح الشعب المصري في تغيير نظام الحكم الذي استمر أكثر من ثلاثين عاماً و بعد قيام لجنة التحقيق وتقصى الحقائق بإتمام أعمالها ،تجيء لحظات الحساب مع النفس ، لمعرفة ، كيف يمكن لمصرنا الحبيبة أن تسمو فوق جراحها و أن تجنى من تضحيات أبنائها ، مستقبلا عريضا مليئا بالآمال و الطموحات . و هناك سؤالان أساسيان ستدور إجابة و توصيات لجنة تقصى الحقائق حولهما وهما ، لماذا حدث ما حدث ، و ما هي التوصيات المقترحة.
و قبل سرد مرئيات اللجنة القومية لتقصى الحقائق تود اللجنة التنويه إلى أن ثورة 25 يناير أعطت الأمل لكافة المصريين في المستقبل و بأن الآتي أفضل من الفائت و أن بإمكان شباب مصر النهوض بها إلى أعلي عليين. ولقد تبدى ذلك في السلوك المتحضر للمتظاهرين في ميدان التحرير ، من شباب و شيوخ و رجال و نساء ، في تحمل الصعاب و الإصرار على تحقيق مطالبهم و إسقاط النظام وذلك بعزم لا يكل وبشكل سلمى وفى تلاحم الجميع مسلمين و مسيحيين وكذلك في تنظيم المعيشة و تنظيف المكان و العمل على إزالة المخلفات و في علاج المصابين و إنشاء المستشفيات الميدانية التي تطوع لها خيرة أطباء مصر أكد كل ذلك على أننا قادرون على فعل الأفضل. لقد كانت ثورة 25 يناير في ميدان التحرير وطنا مصغرا يسير إلى الأمام حاملا تراث هذه الأمة الحضاري و الثقافي و الروحي و مداعبا آمال المصريين في النهوض مرة ثانية كما فعلوها في السابق.
لقد أكد هؤلاء الثائرون تلاحم عنصري الأمة و أرسوا المواطنة فكرة و تطبيقاً في أرقي درجاتها بحيث يكون الولاء مؤسسا على الوطن. ولقد ابرز من تواجدوا مع الثوار في ميدان التحرير كيف كان الأقباط المسيحيون يشكلون سياجا حول المسلمين ، ليتمكنوا من تأدية الصلاة في هدوء نظرا لشدة الزحام وروى البعض أنهم رأوا شابا يصب الماء على ذراع آخر يتوضأ، و تكون المصادفة التي لم تكن مفاجأة للراوي أن يلاحظ صليبا طبع على رسغ الشاب الذي يصب الماء.
و لقد جاءت ثورة الشباب في لحظة استرخاء كانت الدولة تتحسب إلى أن بعض الممانعة من الممكن أن تعلن عن نفسها لو أن النظام طبق التوريث كما كان متوقعا في شهر نوفمبر القادم ، ورغم ذلك فلم يكن احد يتوقع هذه المساحة من الغضب الشعبى الكامن في قلوب الجماهير . و لا شك أن القراءة الخاطئة للرأي العام و عدم الاستجابة له في الوقت الملائم من الأسباب الهامة لثورة 25 يناير 2011 ومن هنا تبرز أهمية الرأي العام في إرشاد القيادة السياسية إلى مطالب الجماهير المشروعة.
إن من أبرز الأسباب المتراكمة التي أدت لثورة 25 يناير ، إهمال الحكومات المصرية المتعاقبة الرأي العام و قراءة منحنياته وقياسه و اتخاذه هاديا و مرشدا لها في وضع سياساتها العامة و تحديد القواعد الدستورية التي تتسم و الروح السائدة للنظام السياسي، وكيفية مشاركة الجماهير في العملية السياسية ، إذ أن نتائج تلك المشاركة تعكس - عادة - آراء شرائح المواطنين الذين لديهم الرغبة و القدرة على المشاركة الفعلية ، ويكون الرأي العام مرشداً للقيادة السياسية ، ومؤشراً للتأييد الشعبي أو الرفض الشعبي ، وهاديا للساسة نحو الطريق الذي يحقق للشعب السعادة و الرفاه. ولذلك تعمل الأنظمة الديمقراطية المعاصرة على تمكين الجمهور من الاطلاع على الوثائق و المستندات الحكومية و قواعد البيانات و المعلومات المتاحة لديها، ما لم تكن في ذلك خطورة على الأمن القومي للدولة . و يعانى النظام المصري من حجب المعلومات بدون سبب واضح ، مما أدى إلى عزوف المواطنين عن المشاركة السياسية ، و تعرض الدولة لحركات سياسية مفاجئة كالذي حدث في 25 يناير.
ومع ارتفاع الأسعار و ضعف الأجور زادت الوقفات الاجتماعية و المطالبة بزيادة الأجور لمواجهه المتطلبات الضرورية للحياة ، فكانت مؤشرا صادقا لسخط الجماهير التي سارعت إلى المشاركة في الثورة حتى و أن كانت قد بدأت لأسباب سياسية .
و يمكن تقسيم الأسباب الدافعة إلى ثورة 25 يناير 2011 - حسبما تداولته وسائل الإعلام المرئية و المقروءة و المسموعة - إلى أسباب اجتماعية / اقتصادية و أخرى سياسية / إعلامية.
أولا : الأسباب الاجتماعية- الاقتصادية لثورة 25 يناير
لا شك أن الجماهير المصرية لم تتحرك بوحي من مطالب التغيير السياسي فقط ولكن بإلحاح من ظروفها المعيشية ووضعها الاقتصادي الصعب أيضا . و يرجع الاقتصاديون أسباب تنامي الفجوة بين الأغنياء و الفقراء إلى التوزيع غير العادل للناتج القومي فقد توسع دور القطاع الخاص كبديل عن القطاع العام ، لكن الملاحظ أن القطاع الخاص أهمل تماما البعد الاجتماعي للتنمية و قصر نشاطه على القطاعات الخدمية و التسويقية و أنشطة الاستيراد و ظهرت طبقة اجتماعية مصالحها تتعارض مع وجود صناعات وطنية ، ولقد حصل القطاع الخاص على ما يعادل 75 % من إجمالي إقراض البنوك المصرية علاوة على الاستثناءات و الإعفاءات الضريبية . و انحسر دور القطاع الحكومي في أن يكون دورا تكميليا أو تسهيليا أو تخديمياً للقطاع الخاص، إذ لم يزد الإنفاق الاستثماري الحكومي عن 10 % من إنفاق الموازنة.
بخصوص هذه الطائفة من الأسباب يلاحظ أن الاقتصاد المصري نما بشكل جيد إلا أن أغلب المصريين لم يشعروا بأنهم قد نالوا حصتهم العادلة من نتيجة هذه النمو. بدلا من ذلك رأوا رجال أعمال أثرياء لهم علاقات بالحزب الحاكم تخولهم اغتراف ثروات البلاد وساد الفساد الحياة المصرية فقضى على كل بارقة أمل. و لا ينكر منصف انه في عهد الرئيس الأسبق اتسعت الهوة أو الفجوة بين من يملكون ومن لا يملكون اتساعا مهولا. و لو أن أموال الأثرياء صرفت في داخل مصر لخلق وظائف جديدة أو منتجات جديدة لهان الأمر. لكنها للأسف كانت تنفق على المظاهر و الأبهة في الوقت الذي يقف المواطن الشريف في طابور الخبز ، و في الوقت الذي يجنى فيه عدد كبير من النخبة الرأسمالية دخولاً ضخمة دون عنت ، لا يجد الموظف العام أو العامل العادي قوت يومه أو قوت عياله فهل هناك ما يبعث على الثورة أكثر من ذلك؟ فضلا عن أن معظم هذه الأموال قد هربت إلى بنوك أوروبا و الشرق الأوسط ، فحرمت الجماهير من فرصة عمل تقيم أودهم ، بإعادة استثمار هذه الأموال داخل الدولة.
و قد ساعد على اتساع الهوة بين من يملكون و من لا يملكون عدة عوامل أهمها:
1- سوء توزيع الناتج القومي.
2-انتشار الفساد الاقتصادي و الادارى.
3- بيع القطاع العام وما صاحبه من إهدار المال العام.
4-البطالة التي تزايدت بتزايد عدد السكان و ضعف الاستثمار.
5-ضعف التعليم و انخفاض إعداد العمالة المهنية المدربة و استبدال عماله مدربة غير مصرية بالمصريين.
و في تقدير اللجنة أن ثورة 25 يناير لها أسباب ترتبط بمظالم حقيقية يعيشها قطاع عريض من الشباب بسبب البطالة و الفساد و التفاوت الحاد في الدخول و الثروات و لم تكن تلك الأسباب بحاجة إلى سبب مباشر و هو أن يعرف الشعب أن النظام – أي نظام - لن يستطيع قتل كل مواطنيه و انه ليس مجديا في شئ قتل معارض أو أكثر لأن خلفهم الآلاف من المتظاهرين الذين سيزدادون شراسة لو قتل أحد منهم ، و هذه القاعدة البسيطة هي جوهر انتصار أي حركة شعبية تسعى للتغيير على أرض ٍالواقع( لأنها تحمل عدة دلالات ): فالعنف له حدود و لم يعد يصلح أداة لقهر الشعوب .
ثانيا : الأسباب السياسية - الإعلامية لثورة 25 يناير
أما عن المجموعة الثانية من الأسباب و هي الأسباب السياسية والإعلامية لثورة 25 يناير ، فأبرزها :
1- قانون الطوارئ و انتهاك حقوق الإنسان و المواطن
دأبت الحكومة على مد العمل بقانون الطوارئ . فكل عامين يأتي الموعد السنوي المحدد بتمديد حالة الطوارئ و تخرج مصر إلى الشوارع لتقول لا لمد حاله الطوارئ ومع ذلك يصر الرئيس و نظامه و مجلس شعبه على مخالفة رأى الشعب و تمديد حالة الطوارئ و كأن شعبا بأكمله لم يعترض أو لا وجود له. و ربما يكون قانون الطوارئ هو السبب الأكبر لسخط الناس . فعلى أساسه تتم الاعتقالات و يشعر المواطن المصري دائما بأنه تحت رحمة ضباط أمن الدولة ، و أباطرة الحكم وحملة مباخره. فلقد عاشت مصر تحت قانون الطوارئ رقم 162 لعام 1958 منذ 1967 ، باستثناء فترة انقطاع لمدة 18 شهرا في أوائل الثمانينات . و بموجب هذا القانون توسعت سلطة الشرطة، و علقت الحقوق الدستورية، و فرضت الرقابة . وقيد القانون بشدة أي نشاط سياسي غير حكومي مثل: تنظيم المظاهرات و التجمعات السياسية (غير المرخص بها)، و حظر رسميا أي تبرعات غير مسجلة . و بموجب هذا القانون احتجز كثير من المواطنين و لفترة غير محددة لسبب أو بدون سبب واضح ، و بمقتضى هذا القانون أيضا لا يمكن للمواطن الدفاع عن نفسه و تستطيع الحكومة أن تبقيه في السجن دون محاكمة .و تعمل الحكومة على بقاء قانون الطوارئ بحجة الأمن القومي ، و تستمر الحكومة في ادعائها بأنه بدون قانون الطوارئ فإن جماعات المعارضة يمكن أن يصلوا إلى السلطة في مصر . ويرى مؤيدو الديمقراطية في مصر أن هذا يتعارض مع مبادئ و أسس الديمقراطية و التي تشمل حق المواطنين في محاكمة عادلة و حقهم في التصويت لصالح أي مرشح أو الطرف الذي يرونه مناسبا لخدمة بلدهم.
2- ضعف الأحزاب السياسية و النقابات و منظمات المجتمع المدني و سيطرة الدولة عليها
تعد الأحزاب السياسية الحقيقية – لا الورقية- خير معبر عن اتجاهات الرأي العام فالأحزاب السياسية تعمل جاهدة على تكوين قاعدة للمعلومات الصحيحة عن القضايا الجماهيرية المثارة . و لا شك أن تنافس الأحزاب السياسية ، يؤدى إلى كشف الحقائق ، حتى و لو حاول المسئولون إخفائها . و من ثم فان النظم السياسية التي لا تسمح بتكوين الأحزاب السياسية –أو تسمح بتكوين أحزاب صورية - تفقد كثيراً من حيويات و فعاليات المنافسة ، و بذلك يتكون فيها رأى عام مضلل ، أو مغرر به ، يكون في المحصلة النهائية و بالا على النظام السياسي نفسه . و إذا كان للأحزاب السياسية هذا الدور المؤثر في تكوين الرأي العام و تحديد اتجاهاته فلا شك أن هناك منظمات أخرى لها تأثير كبير أيضا في تشكيل الرأي العام من بينها النقابات على شتى أنواعها و قد نالها الوهن هي الأخرى فالنقابات العمالية سيطرت عليها الحكومة و الحزب الحاكم بكافة الوسائل ، و النقابات المهنية أضعفها القانون رقم 100 لسنة 2000- الذى قضى بعدم دستوريته مؤخراً- كما أضعفها التشاحن بين قياداتها فتقلص أداء بعضها ووضع البعض الآخر تحت الحراسة ، و أصبحنا لا نسمع إلا صوت الحزب الوطني . و بعد الانتخابات الأخيرة لمجلسي الشعب و الشورى و استبعاد القوى المعارضة - مهما كانت شكلية أو رمزية - تحولت مصر- واقعيا- إلى نظام الحزب الواحد كما أصاب الضعف أيضا منظمات المجتمع المدني بالتضييق عليها ووصمها بالعمالة للخارج و الحيلولة بينها و بين رصد الحقائق عن النظام السياسي المصري.
لقد قامت هذه الثورة بسبب انسداد القنوات الشرعية للتعبير عن الرأي الأمر الذي يعنى ببساطة أن أي غضب على أوضاع مصر لا مجال أمامه إلا أن تخرج الناس إلى الشارع للتعبير عن غضبها لان جميع آليات التعبير السياسي الفاعلة الأخرى لم تعد مجدية ، كل ذلك في ظل ثورة المعلومات ووسائل الاتصال التي أصبح بإمكان هذه الجماهير الغفيرة أن تجيش أعدادا هائلة من الشباب عن طريق" الفيس بوك" شبكة التواصل الاجتماعي و من ثم أصبحت هي البديل عن الأحزاب السياسية وهى المكون الفاعل فى تكوين الرأي العام خاصة المنصف منهم . وهو ما قاد إلى التقاء الرؤى و توحدها في ثورة 25 يناير .
3- التوريث
يعد هذا السبب من أهم أسباب ثورة 25 يناير 2011 فلقد قامت هذه الثورة في وقت كان التحضير فيه لتوريث منصب رئاسة الجمهورية على قدم وساق و الظروف كانت تنبئ بتمرير تلك الخطة ببساطة و يسر لكون مفاتيح التشريع مضمونة وكلها تدين بالولاء لأسرة الرئيس . فالأغلبية الكاسحة لمجلسى الشعب و الشورى بتكوينيهما قبل الانتخابات بيد الحزب الوطني . و الرأي العام العالمي يبدو انه لا يعارضه، إذن فقضية التوريث محسومة إلى حد كبير و لم يكن يبقى عليها سوى الخطوة الأخيرة و هي تعيين الابن رئيسا الجمهورية خلفا لوالده في انتخابات شكلية كتلك التي دأبت عليها مصر في الحقب الفائتة .
و المشكلة الأساسية كانت هي أن مشروع التوريث مرفوض جماهيريا ومن النخبة المثقفة و المهتمة بالشأن العام بالإضافة إلى أن مشروع التوريث لا يلق ترحيبا من المؤسسة العسكرية لعلمها اليقيني بحالة الفساد المذهلة التي استشرت في جميع أوصال الوطن كناتج لزواج السلطة مع الثروة و هو إفراز طبيعي لوزارة غالبية وزرائها من رجال الأعمال قام رئيس لجنة السياسات بنفسه باختيارهم ووضع كل منهم في منصبه المناسب، فدانت له الحكومة باعتباره صاحب الفضل في اختيار معظم أعضائها.
و الملفت للنظر أن النظام المصري الحاكم بدأ يفقد توازنه ورشده حينما تم تفويض الكثير من صلاحيات الرئيس إلى أمانة السياسات بالحزب الوطني التي يقف على قمتها نجل الرئيس .ثم بدأت مقولات الفكر الجديد تزدهر ليدير شئون مصر أشخاص عاشوا حياتهم كرجال أعمال ، طبيعتهم و طريقة تفكيرهم وليدة السوق وليست وليدة إرضاء الجماهير . ولقد وفر ذلك المناخ فرصة واعدة للاحتكار الاقتصادي إلى جانب الاحتكار السياسي فى انتخابات مجلس الشعب الماضية فضلا عن احتكار اتحاد الطلبة و لم يكن هناك بد من كسر هذه الحلقة الجهنمية بالقوة لأنها كانت الخيار الوحيد و الأخير أمام شعب محبط ، لم يقدر رجال الحكم نتائج غضبه ورد الفعل لأهانته بتوريث الحكم من رئيس اقسم أمام شعبه على الحفاظ على النظام الجمهوري.
وزاد الأمر سوءً، تنامي خطة توريث الحكم وما تطلبه من تعديل دستور 1971 مرتين الأولى في سنة 2005 بتعديل المادة 76 و وضع شروط تعجيزية ، تحول دون منافسة احد لأبن الرئيس في تولى رئاسة الجمهورية ، و الثانية في سنة 2007 لإلغاء الإشراف القضائي الكامل على الانتخابات بما يمكن النظام من التحكم في الانتخابات التشريعية و هو ما أدى إلى تزوير الانتخابات التشريعية الأخيرة بشكل فاضح افقد المواطنين الثقة في جدوى إبداء رأيهم في الانتخابات و قاد المجتمع إلى مجالس نيابية لا تمثل إرادة المواطنين و إنما تحقق رغبة النظام و تضعف رقابته على الحكومة .
4- السلطة التي لا تقابلها مسئولية
يعطى دستور 1971 رئيس الجمهورية سلطات واسعة و فضفاضة أدت إلى ضعف سائر سلطات الدولة أمام الرئيس ، بل و ألقت عليه أمام الرأي العام عبأ مضاعفا بحيث بدا كأنه الأمر الناهي ، المعز المذل المانح المانع بيده وحده حل المشاكل التي عجزت الحكومة عن حلها فاختزلت مؤسسات الدولة فى شخصه ، و أصبح اللجوء إلى شخصه لدى الجمهور يمثل الملاذ الأخير لتحقيق طلباتهم . كل ذلك بغير أن يكون الرئيس مسئولا أمام احد . فإذا كان الرئيس الأمريكي يمارس صلاحيات دستورية واسعة ، فأنه مقيد بالانتخابات التي تجرى كل أربع سنوات و برأي عام و بقضاء لا يتدخل فيه احد، و بمجلس نواب و مجلس شيوخ قد لا يكون من حزبه ، فان الرئيس المصري قد اختزل نظام الحكم في شخصه . فهو يسود و يحكم على عكس نظرائه فى العالم المتقدم و الرئيس المصري ذاته مصونة لا تمس ، ولا يجوز محاكمته ألا بإجراءات خاصة أمام محكمة خاصة لم ينظمها القانون حتى تاريخه فمن ذا الذي يقاوم كل هذه السلطات لكي لا يكون دكتاتورا ؟ إن دستورنا المصري يدفع رؤساء مصر دفعا نحو الاستبداد . و إذا كانت السلطة المطلقة مفسدة مطلقة، فيجب مراعاة هذه المبادئ عند وضع الدستور الجديد ليأخذ بمبدأ لا سلطة بدون مسئولية ولا حصانة لأحد ارتكب جرما ما ، مهما كانت صفته أو وظيفته.
5- تزوير الانتخابات وإهدار كل من أحكام القضاء و رأى محكمة النقض.
أجريت انتخابات مجلس الشعب قبل شهرين من اندلاع الاحتجاجات و حصل الحزب الوطني الحاكم على 97 % من مقاعد المجلس أي أن المجلس خلا من أي معارضة تذكر ، مما أصاب المواطنين بالإحباط . و تم وصف تلك الانتخابات بالمزورة نظراً لأنها تناقض الواقع في الشارع المصري. بالإضافة إلى انتهاك حقوق القضاء المصري في بسط الرقابة على إجراءات الانتخابات من خلال الدعاوى إلا أن النظام أطاح بأحكام القضاء في عدم شرعية الانتخابات فى بعض الدوائر الانتخابية و منعت القوى السياسية المختلفة بأطيافها المتنوعة من المشاركة في هذه الانتخابات بشكل غير قانوني و لم ينجح مرشح لها.
و لم تتم هذه الانتخابات تحت الإشراف القضائي الكامل على عكس ما حدث في انتخابات عام 2005 كما رفض الحزب الحاكم و الحكومة فكرة الإشراف الدولي على الانتخابات بحجة أنها مهينة للدولة ذات السيادة و بأن الدول التي تسمح بذلك بها دول غير مستقرة و ناقصة السيادة و نظامها الدستوري و الأمني قلق و أن بلدا مثل مصر لها سيادتها التي لا تسمح أبدا بالرقابة الدولية على الانتخابات.
و قبل إجراء الانتخابات أبدت المنظمات الحقوقية التي تتولى مراقبة الانتخابات قلقها من عدم وجود نوايا لدى الحزب الوطني لإجراء انتخابات نزيهة و أشارت إلى وجود مؤشرات تؤكد أن الحزب الحاكم يعد العدة لتزويرها وقد صدق ظنهم . فقد أصبح تزوير الانتخابات واقعا تدركه الأبصار و بالرغم من ذلك دأب الإعلام الرسمي وقادة الحزب الوطني على الترويج لنزاهة الانتخابات .
أن تزوير الانتخابات و إهدار أحكام القضاء الخاصة ببطلان الترشيح لبعض الدوائر أدى إلى أن يتولى المؤسسة التشريعية أشخاص مطعون في عضويتهم بغير أن يكون هناك أمل في تصحيح هذه الأوضاع . لقد أغلقت الاستهانة بأحكام القضاء الأمل الوحيد للإصلاح السياسي في مصر خلال تلك الفترة مما جعل المواطن يفقد الثقة في إقدام قيادات الحزب الوطني الحاكم على إصلاح سياسي من أي نوع و من ثم فقد تلاشت فرص التطور السلمي في مصر. في الوقت الذي كان فيه الشعب يتطلع إلى نقله ديمقراطية حقيقية. و تعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة القشة التي قصمت ظهر البعير .فقد بينت أن الحزب الحاكم يستأثر بـ أكثر من 97 % من مقاعد مجلس الشعب الأمر الذي قضى على ما تبقى من أمل لدى المعارضين للنظام في أن يتم هذا الإصلاح تدريجيا و بطريقة سلمية من خلال انتخابات نزيهة . و لقد ترتب على خروج المعارضة من اللعبة السياسية أن انتفى عن البرلمان أي صفة سياسية شعبية وحوله إلى مجرد منتدى يلتقي فيه أعضاء الحزب الوطني . و من ثم لم يعد أمام الشعب إلا اللجوء إلى العمل السري أو مناشدة الجيش للتدخل أو النزول إلى الشارع وهو ما حدث بالفعل و أصبح ميدان التحرير بديلا عن مجلسي الشعب و الشورى.
6- الفساد السياسي و المـــالي:أعلنت منظمة الشفافية الدولية و هي منظمة دولية لرصد جميع أنواع الفساد بما في ذلك الفساد السياسي مؤشر الفساد لسنة 2010و تبين أن مصر تحتل المرتبة 98 من أصل 178 بلدا مدرجا في التقرير. وبحلول أواخر 2010 كان حوالي 40 % من سكان مصر يعيشون تحت خط الفقر أي يعتمدون على دخل قومي يعادل حوالي 2 دولار في اليوم لكل فرد ويعتمد جزء كبير من السكان على السلع المدعومة.
كما أثير في وسائل الإعلام قضايا أثارت الرأي العام مثل قضية الانحرافات التي شابت قرارات العلاج على نفقة الدولة و المبيدات الزراعية المسرطنة و ما نشر في خلال نظر قضية مقتل إحدى الفنانات وما نشر عن بزخ في الإنفاق عليها تجاوز عدة ملايين ، من رجل أعمال شهير و أخيرا قضية " مدينتي" التي فجرت هي و غيرها استيلاء رجال الأعمال على أراضى الدولة بدون وجه حق و بالتواطؤ مع الحكومة في كثير من الأحيان.
و بخصوص اغتصاب أراضى الدولة و إحساس المصريين بأن أراضيهم قد تناهبها الانتهازيون و المحيطون بالنظام فحدث عنها ولا حرج ، إذ لم يحدث في تاريخ الدول الحديثة من يشترى أراضى الدولة بأبخس الأثمان ليعيد تدويرها و بيعها بعد ذلك بأسبوع أو بشهر بثمن يعادل ألف ضعف ؟ لم يحدث ذلك إلا في مصر . و من ثم فان سرقة أراضى الدولة باعتبارها أحد أسباب ثورة 25 يناير في حاجة إلى تشكيل لجنة لتقصى الحقائق لتضع الأمور في نصابها و تقترح الحلول التي تضمن حق الدولة و حق المواطن حسن النية و لتضع حدا فاصلا بين زواج السلطة و المال . ففي النظم المقارنة، حينما يتولى رجل أعمال منصبا سياسيا ، فان عليه أن يترك أعماله الخاصة تماماً ، لشركة أخرى تديرها ، و في كل الأحوال لا تتعامل شركات هذا السياسي مع الدولة طوال بقاء رجل الأعمال في السلطة ويا حبذا لو أخذت مصر بهذا الحل ، مع تفعيل مواد الدستور التي تمنع أعضاء الحكومة أو مجلسي الشعب أو الشورى خلال مدة عضويتهم أن يشترى أو يستأجر شيئا من أموال الدولة أو أن يؤجرها أو يبيعها شيئا من أمواله أو أن يقايضها عليه أو أن يبرم مع الدولة عقداً بوصفه ملتزما أو موردا أو مقاولا .
7- التضليل الاعلامىظل الإعلام الرسمي يروج لديمقراطية النظام الحاكم ، و انحيازه إلى الفقراء ومحدودي الدخل ، على الرغم مما يشهد به الواقع من مظاهر وإجراءات تقييد الحياة السياسية ، و تدهور في الحياة الاجتماعية .يضاف إلى ذلك ضعفه في الأداء المهني ، وإقصاء الكفاءات وذوى الرأي من العمل أو الظهور فيه لأسباب سياسية قد يكون أهمها أنهم لا يمالئون النظام و اختارت من يغالون في الثناء عليه و تمجيده ، مما افقده مصداقية ، و اصبح عاجزا عن تكوين رأي عام صحيح ، و انقلب إلى بوق للنظام . كما كان للإعلام الرسمي اثر في إذكاء الانفلات الأمني ببث رسائل الفزع و التخويف ونشر حالة الذعر خاصة مع التعتيم الاعلامى على الأحداث وقطع الاتصالات ، لذلك يمكن القول أن أداء الإعلام القومي كان احد العوامل التي ساعدت في إشعال نار السخط في صدور المصريين ضد نظام مبارك . فقد تقدم عدد من أعضاء نقابة الصحفيين المصريين ببلاغ إلى النائب العام مطالبين بفتح ملف الفساد في المؤسسات الصحفية المصرية و خاصة الصحافة القومية بجانب الدعوة لعقد جمعية عامة لنقابة الصحفيين لإسقاط المجلس الحالي للنقابة و طالب البيان النائب العام بفتح ملف الفساد و إهدار المال العام في الصحافة المصرية وخصوصا القومية منها و التي يتولى أعضاء الحزب الوطني الحاكم غالبية المواقع القيادية فيها وتابع البيان أن الصحفيين الذين تقدموا في البلاغ لاحظوا مخالفة هذه الصحف نص القانون بالامتناع عن نشر ميزانيات الصحف و المؤسسات الصحفية خلال ستة أشهر من انتهاء السنة المالية.
كما تعرض المسئولون بالتليفزيون المصري لانتقادات مريرة بسبب تغطيته المنحازة للنظام خلال ثورة 25 يناير و التي دفعت المتظاهرين لمحاصرة مبنى التليفزيون المصري في ماسبيرو و شجعت عددا كبيراً من العاملين فيه على إعلان التمرد، و أدى ذلك في النهاية إلى إقالة وزير الإعلام بينما استمرت الدعوات لتطهير الإعلام المصري من كل العناصر التي تتهمها الجماهير المصرية بالنفاق و الفساد.
وقد كشفت الأيام القليلة التي أعقبت تنحى رئيس الجمهورية عن الكثير من أوجه التردي و الانهيار في الإعلام الحكومي المصري .
التوصيـــاتوإذا كان الأمر كذلك فما هي معالم الطريق وما هي توصيات اللجنة؟
ترى لجنة التحقيق وتقصى الحقائق أن المشكلات التي يعانى منها الشباب المصري و المجتمع بصفة عامة لن تحل بالأساليب الأمنية وحدها فالعنف لا يولد إلا عنفا، ولا يجوز استخدام صلاحيات الشرطة إلا في حماية الأمن العام و السكينة العامة و الصحة العامة.
و السبيل الواضح لحل هذه المشكلات يعلمه الجميع . فهناك الكثير من وثائق الإصلاح التي وضعتها النخبة المصرية في السنوات الأخيرة بدءاً من وثيقة الإسكندرية حتى تقارير الأمم المتحدة عن التنمية البشرية في المنطقة العربية . و أهم مفرداتها :
1- وضع دستور جديد يقيم بنيان حكم ديمقراطي عن طريق لجنة تأسيسية.
2- إعادة النظر في كافة القوانين المقيدة للحريات في مصر بما يشمل قانون مباشرة الحقوق السياسية لضمان انتخابات نزيهة و حقيقية يشرف عليها القضاء إشرافا فعليا، كما يعاد النظر في قانون الأحزاب و جميع القوانين المنظمة للحقوق و الحريات العامة .
3- إعادة النظر في الإعفاءات الضريبية المقررة لرجال الأعمال مع فرض ضرائب تصاعدية على الدخل تلزم الأغنياء أن يؤدوا ما عليهم من فروض لصالح تنمية الوطن .
4- أن يعاد النظر في النظام التعليمي لصالح نظام كفء يخرج أجيالا يطلبها سوق العمل و جديرة بالنهوض بالوطن.
5- أن يصدر قانون لمكافحة جميع صور التمييز الديني أو العرقي أو الاقتصادي أو الاجتماعي بين المواطنين .
6- تأمين استقلال القضاء استقلالا حقيقيا و إلغاء جميع صور تدخل السلطة التنفيذية في عمل القضاء و إلغاء جميع صور القضاء الاستثنائي ، و تيسير وصول العدالة الناجزة الفعالة إلى مستحقيها .
7- تحديث الجهاز الامنى بما يضمن كفاءته المهنية و احترامه للقانون و حقوق الإنسان . كما يجب ألا يترك الأمر بيد الأمن وحده لحل مشاكل المواطنين و يجب تأهيله مهنيا و نفسيا.
8- تحديث الجهاز الادارى للدولة لزيادة كفاءته و القضاء على الفساد فيه و فتح منافذ الشفافية للحفاظ على المال العام .
9- وضع نظام التامين الصحي بمد الرعاية الصحية المجانية لكل أبناء الوطن ، و ربط السياسة التنموية بالعدالة الاجتماعية .
10- أن تتسع مؤسسات المشاركة بجميع أشكالها و صورها لاستيعاب الشباب .
11-أن يتم الفصل بين منصب رئيس الجمهورية وقيادة الأحزاب السياسية .
12- إنشاء جهاز قومي لمكافحة الفساد يتمتع بالحصانة .
13- تأكيد مبدأ احترام القانون و إخضاع كل المواطنين لأحكامه و احترام أحكام القضاء خصوصا من الحكومة .
14-إطلاق حرية تكوين الأحزاب و فتح الأبواب على مصراعيها أمام هذا الحق. و الحكم في النهاية للمواطنين أمام صناديق الاقتراع. فالأحزاب تستمد قوتها و شرعيتها منهم بالأصوات التي تحصل عليها تلك الأحزاب .
و تنوه اللجنة إلى ضرورة الاهتمام بالمسائل الآتية على وجه الخصوص:-
1- تطوير علاقة الشرطة والشعب : -
من المسلم به أنه لا توجد دولة بدون شعب ولا يتصور دولة بدون شرطة ، فالعلاقة متلازمة بين الاثنين . وقد تمر هذه العلاقة بفترة جفاء تصل إلى العداء أحياناً ، ومع ذلك فلا يمكن الاستغناء عن وجود الشرطة كمؤسسة من مؤسسات الدولة . و ينبغي التفرقة في هذا المقام بين الشرطة كمؤسسة والشرطة كأفراد : فالشرطة كمؤسسة لا غنى عنها وهي ركن أصيل من أركان الدولة أما الشرطة كأفراد ففيها الصالح والطالح ، فالصالح نأخذ بيده والطالح نأخذ على يده ونبعده عن شرف الانتساب إليها ، فلا يؤخذ أحد بجريرة الآخر .
وإذا كانت هناك خطايا وأخطاء من بعض رجال الشرطة في الحقبة الماضية فهذا يحتم مجازاتهم ، وأن يقول القضاء فيهم قولته ، إلا أنه لا يجوز تعميم الانطباع السلبي الذي خلفه سلوك هؤلاء على جميع رجال الشرطة ، فمنهم قطاع كبير من الشرفاء الذين أحسنوا العمل والمعاملة مع المواطنين .
وينتظر من الشرطة المصرية في العهد الجديد تطبيق شعار ( الشرطة في خدمة الشعب ) تطبيقاً واقعياً ملموساً تعيشه الجماهير العريضة من الشعب المصري ، و إعادة هيكلة أجهزتها لملء الفراغ الأمني الذي حدث أثناء ثورة 25 يناير ، والتطلع إلى تحديث أساليب العمل البشرية والتقنية .
ومطلوب من الشرطة المصرية أيضاً إدراك التفرقة بين حماية النظام وحماية الدولة أو أمن النظام وأمن الدولة إذ ما زال الكثير لا يميز بين الدولة والحكومة ، ويستخدم مصطلحات كثيرة على غير مقتضاها . فأمن الدولة في عهده السابق لم يكن أمن دولة بل أمن نظام حكم ، وينبغي دائماً على الأجهزة الرسمية أن تتحرى مشروعية السلوك وألا تبرر التجاوزات بدعوى لزوميتها للمهمة الموكولة إليها .
وهذا يتطلب إعادة تأهيل رجال الشرطة وزيادة معلوماتهم الثقافية والقانونية و الاجتماعية وأن تتفرغ لعملها الأصيل وهو الأمن بمعنى منع ارتكاب الجريمة وكشف الجرائم وملاحقة المجرمين وكذلك الحفاظ على السكينة العامة والصحة العامة، والعناية بالتدريب والتحديث ومن ثم يجب أن تتصدى الشرطة أولاً قبل أي جهة أخرى لمحاولات إقحامها في أعمال ليست من صميم اختصاصها حتى لا تتحمل أوزار غيرها .
ومن ناحية أخرى ينبغي أن تعود الثقة لتحكم العلاقة بين الشرطة والشعب . فالشرطة لن تستطيع أن تقوم بمهامها في صيانة أمن المجتمع إلا إذا سادت الثقة في العلاقة بينهما وهو الأمر الذي لن يتأتى إلا بإعادة النظر في الممارسات غير المشروعة التي كانت ترتكب في بعض مقار وأقسام ومراكز الشرطة قبل المواطنين من تعذيب واعتقال بدون سند قانوني .
صحيح أن القانون يجرم استعمال القسوة والتعذيب في المادتين 126 ، 129 من قانون العقوبات فقد نصت المادة 126 على عقوبة السجن المشدد أو السجن ثلاث سنوات إلى عشر سنوات لكل موظف أمر بتعذيب متهم أو فعل ذلك لحمله على الاعتراف فإذا مات المجني عليه يحكم بالعقوبة المقررة للقتل العمد . ونصت المادة 129 على معاقبة كل موظف استعمل القسوة مع الناس اعتمادا على وظيفته " بحيث اخل بشرفهم أو احدث إيلاما بأبدانهم وذلك " بالحبس مدة لا تزيد عن سنة أو بغرامة لا تزيد على مائتي جنيه " غير أن الأمر يحتاج إلى إعادة النظر في هاتين المادتين بتوسيع نطاق " النموذج التشريعي للجريمة المنصوص عليها في المادة 126 لتشمل الموظف الذي يقبض على أحد غير المشتبه فيه ويقوم بتعذيبه للإدلاء بمعلومات عن المشتبه فيه الهارب للقبض عليه أو لإجباره على الاعتراف على نفسه أو تعذيب شاهد لإجباره على الشهادة على نحو معين . فتلك لا تقل جسامه عن النموذج التشريعي المنصوص عليه في المادة 126 وتتفق مع اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب .
ومن ناحية أخرى تشديد العقوبة لجريمة استعمال القسوة سالفة الذكر. وكذلك من المعلوم انه لا يجوز احتجاز أو حبس أي إنسان إلا بإذن قضائي وفى الأماكن المحددة قانونا لذلك إلا انه تردد انه توجد أماكن غير تلك المحددة قانونا يسجن فيها مواطنون خاصة في مقار جهاز مباحث امن الدولة ويتعين بكل حزم احتراما لحقوق الإنسان وحتى تعود ثقة المواطنين في جهاز الشرطة أن تزول هذه الممارسات غير القانونية من عمل الشرطة .
2- الانتخابات بالقائمة :
تهيب اللجنة الأخذ بنظام الانتخاب بالقائمة وهذا ما قاله المجلس القومي لحقوق الإنسان في توصياته ففي المفاضلة بين نظامي الانتخاب الفردي و الانتخاب بالقائمة يلاحظ أن لكل من النظامين ميزاته وعيوبه ، فنظام الانتخاب الفردي
يتميز بسهولة تطبيقه حيث لا يختار الناخب إلا مرشحا واحدا ثم أن الناخب – نظرا لصغر الدوائر الانتخابية – يمكنه معرفة المرشحين و تقدير كفاءتهم و بسبب صغر الدائرة أيضا يكون النائب اقدر على معرفة رغبات الناخبين و تحقيق صوالحهم وفضلا عن ذلك يتيح نظام الانتخاب الفردي الفرصة لتمثيل أحزاب الأقليات التي قد يكون لها أغلبية في دائرة معينة و من ثم يتسنى لمرشحها الفوز أما لو كان الانتخاب بالقائمة فان فرص تمثيل أحزاب الأقلية في المجلس النيابي تكون ضئيلة في هذه الحالة و أخيرا في ظل الانتخاب الفردي يتقلص دور الأحزاب السياسية فى اختيار المرشحين ومن ثم تتاح الفرصة لتمثيل المستقلين و الشخصيات ذات الثقل الجماهيري التي لا تنتمي لحزب معين وعلى العكس من ذلك فى نظام القائمة يجهل شخصية المرشحين بسبب ضخامة الدائرة الانتخابية و كثرة عدد المرشحين فى كل قائمة الأمر الذي يصعب معه المفاضلة بين المرشحين فى القوائم المختلفة ويؤخذ على نظام الانتخاب بالقائمة أن الأحزاب السياسية هي التي تضع القوائم وكثيرا ما تلجأ وضع ابرز مرشحيها على رأس القائمة لجذب الناخبين و تعقبه بأسماء لمرشحين اقل منه كفاءة أو معدومي الكفاءة الأمر الذي يترتب عليه خداع الناخبين فضلا عن أحكام الأحزاب السياسية رقابتها على المرشحين و التقلقل من فرص المستقلين في الفوز في الانتخابات بالقائمة.
والحقيقة أن نظام الانتخابات بالقائمة هو الذي له الغلبة في النظم الانتخابية المعاصرة ويرجع ذلك إلى عدة أسباب فنظام الانتخاب بالقائمة يعمل على تقوية الأحزاب السياسية وتأكيد دورها في المعترك السياسي فالمفاضلة في الانتخابات بالقائمة ليست بين أشخاص بل بين البرامج الحزبية وفضلا عن ذلك فالانتخاب بالقائمة يحرر النائب من قيود المجاملة والخدمات الشخصية للناخبين ويمنح النواب حرية أكبر في التركيز على كبريات الأمور ثم أن نظام الانتخاب بالقائمة يعطى الفرصة للأحزاب السياسية في أن تضع على قوائمها الكفاءات الفنية التي لا يمكن أن تفوز في الانتخابات الفردية رغم كفاءتها العالية وأخيرا يضاعف نظام القائمة من أهمية الناخب إذ يشركه في اختيار عدد من النواب بدلا من نائب واحد والحقيقة أن المفاضلة بين هذين النظامين تتوقف على طبيعة كل دولة وطبيعة شعبها ففي بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية مازال النظام الفردي هو المطبق فيهما وما ذلك إلا لان المواطنين قد تعودوا عليه وألفوه وفهموا آلياته وفى مصر توصى لجنة تقصى الحقائق بالأخذ بنظام الانتخاب بالقائمة لأنه أقدر الأنظمة على تمثيل الرأي العام المصري.
3- الحق في التجمع السلميالحق في التجمع السلمي هو حق الإفراد في اجتماعهم حول رأى أو تيار فكرى أو سياسي يتبادلون في إطاره أفكارهم وإعلانها للغير مهما كانت طالما لم تمثل تهديدا أو إرهابا للمجتمع أو أمنه أو خطرا على سلامه أفراده أو مؤسساته .
وتكرس المادة 54 من الدستور المصري لعام 1971 هذا الحق حيث تقضى بأن " للمواطنين حق الاجتماع الخاص في هدوء غير حاملين سلاحا دون حاجة إلى إخطار سابق ولا يجوز لرجال الأمن حضور اجتماعاتهم الخاصة والاجتماعات العامة والمواكب والتجمعات مباحة في حدود القانون " وتكرر النص ذاته في المادة 16 من الإعلان الدستوري الصادر عن المجلس الأعلى للقوات المسلحة ويوفر حق التجمع السلمي الساحة لممارسة العديد من الحقوق السياسية الأخرى منها حرية التعبير والحق في الانتماء إلى الجمعيات وحق المشاركة في تسيير الشأن العام فضلا عن امتداده إلى الحق في الحياة في حالة مواجهة الإفراط في استعمال القوة المسلحة لإجهاض التجمع السلمي
وبمراجعة قانون الاجتماعات العامة والمظاهرات في الطرق العمومية رقم 14 لسنة 1923 الذي وضع إبان الاحتلال البريطانى ومازال ساريا حتى الآن نجد أن المشرع المصري انحاز تماما لنظام الترخيص وهو ما يخالف طبيعة حرية التظاهر التي تستلزم الأخطار وليس الترخيص فضلا عن أن الاعتبارات التاريخية التي قام عليها هذا القانون لم تعد قائمة في الوقت الحالي إذا أن البلاد تحررت من الاستعمار البريطاني منذ زمن بعيد فضلا عن أن مطالعة الدستور المصري القائم تفيد عدم مناسبة آلية الترخيص لتنظيم حرية التظاهر .
وبتأمل قانون الاجتماعات العامة – السابق ذكره - يلاحظ أن المشرع المصري لم يكتف بالإذن السابق قيدا على ممارسة حق التظاهر ولكنه أوجد رقابة محكمة ذات بعدين (سابقة ومعاصرة) على المظاهرة المزمع قيامها بل أن محاكمة المتظاهرين تفتقد إلى الضمانات المعروفة في المحاكمات الجنائية فبمقتضى المادة 11 من قانون الاجتماعات العامة المصري فأن الاجتماعات أو المواكب أو المظاهرات التي تقام أو تسير بغير إخطار عنها أو رغم الأمر الصادر بمنعها يعاقب الداعون إليها أو المنظمون لها بالحبس لمدة لا تزيد على ستة شهور وبغرامة لا تتجاوز مائة جنية مصري أو بإحدى هاتين العقوبتين ويحكم بهذه العقوبات أيضا إذا كان الداعون أو المنظمون لاجتماع أو لموكب أو لمظاهرة سواء أخطر عنها أو صدر الأمر بمنعها أو يعصى الأمر الصادر إلى المجتمعين بالتفرق بالحبس مدة لا تزيد عن شهر وبغرامة لا تزيد على عشرين جنيها مصريا أو بإحدى هاتين العقوبتين وفى الحالة المشار إليها في الفقرة الثانية من هذه المادة يحكم بالعقوبات المذكورة في الفقرة السابقة على الأشخاص الذين يشرعون في الاشتراك في تلك الاجتماعات أو المواكب أو المظاهرات أما المخالفات الأخرى لهذا القانون فيعاقب عليها بالحبس لمدة لا تزيد عن سبعة أيام وبغرامة لا تزيد على مائة قرش أو بإحدى هاتين العقوبتين ولا يحول تطبيق أحكام هذه المادة دون توقيع عقوبة أشد من الأعمال ذاتها مما يكون منصوصا عليه في قانون العقوبات .
وبمقتضى المادة الأولى من أمر رئيس الجمهورية الصادر في 22 أكتوبر سنة 1981 تحيل النيابة العامة إلى محاكم امن الدولة طوارئ المشكلة طبقا لقانون الطوارئ الجرائم الآتية : (رابعا)الجرائم المنصوص علنها في القانون رقم 10 لسنة 1914 بشأن التجمهر وفى القانون رقم 14 لسنة 1923 بشأن الاجتماعات العامة المظاهرات .
وفى ضوء هاتين المادتين يمكن القول بأن المتظاهرين حرموا من بعض الضمانات التي كان يتعين أن يأخذ بها القانون المصري وذلك للأسباب الآتية :
(ا) ساوى المشرع – بدون سند من المنطق – في العقوبة بين الاشتراك في مظاهرات لم يخطر عنها أو صدر الأمر بمنعها وبين مجرد الشروع في الاشتراك فيها .
(ب) أحال القانون المتهمين في الجرائم المتعلقة بالتظاهر إلى محكمة امن الدولة "طوارئ دون المحاكم العادية الأمر الذي من شأنه أن ينقص من الضمانات التي يتمتع بها الفرد أمام المحاكم العادية لأسباب عديدة أبرزها :
- دور السلطة التنفيذية في تشكيل محاكم امن الدولة طوارئ وإمكانية اشتراك عنصر عسكري في دوائرها يولد الشك في افتقادها للحياد كضمانة أسياسية ولصيقة بالسلطة القضائية .
- ومن اغرب الأحكام التي تضمنها قانون الطوارئ المادة 12 والتي قضت بأنه " لا تكون هذه الأحكام ( أي الأحكام الصادرة من محاكم امن الدولة طوارئ ) نهائية إلا بعد التصديق عليها من رئيس الجمهورية " فأين هي ضمانة الحجية المقررة للأحكام القضائية الصادرة من القضاء العادي إذا كانت السلطة التنفيذية ممثلة في رئيسا الجمهورية تملك من خلال التصديق على الأحكام الصادرة من محاكم أمن الدولة طوارئ عرقلة تنفيذها ؟ زد على ذلك أن القانون لم يتعرض لفرض صدور حكم بالبراءة و رفض رئيس الجمهورية التصديق عليه وهذه الحالة على فرض حدوثها تفرغ حق التقاضي من مضمونة وتجعل النص الدستوري المقرر له مجرد كلمات جوفاء لا معنى لها
- بمقتضى المادة 12 من قانون الطوارئ " لا يجوز الطعن بأي وجه من الوجوه في الأحكام الصادرة من محاكم امن الدولة" هذا يحرم المتظاهر الذي عاقبته محكمة امن الدولة طوارئ من الطعن أمام محكمة أعلى درجة ومن ثم يفقد حقا من حقوقه المستمدة من المبادئ العامة وهو حق التقاضي على درجتين .
ومن مجمل ما سبق يتضح إصرار المشرع المصري على احتفاظ السلطة التنفيذية باليد الطولي لرسم السياسة الجزائية لمعاقبة المتظاهرين بالرغم من مثالبها المنوه عنها سلفا وهو ما يخالف المبادئ العامة لحقوق الإنسان وتنادى لجنة تقصى الحقائق بالأخذ بنظام الأخطار سبيلا لممارسة حرية التظاهر التي تبين أنها تضاهي كثيرا من الحريات المعهودة كحرية الصحافة أو الإعلام وغيرها .
4- تأمين الآثـــار :
ولعل أسوأ النتائج السلبية للانفلات الأمني هو سرقة تاريخ مصر الحضاري فلا نظير للتاريخ المصري في فراداته وتنوع مكوناته من عناصر حضارية وثقافية .
ولقد تعارضت تصريحات المسئولين عن القطع الأثرية التي سرقت أثناء هجوم قوات الأمن على المتظاهرين في يوم 28 يناير 2011 فاختلف عدد القطع في البيانات الصادرة عن وزارة الداخلية وعن وزارة الآثار وأيا كانت حقيقة العدد المسروق من القطع الأثرية فلقد ظهر جليا أن هذا المتحف في حاجة إلى تأمين إضافي فضلا عن ضرورة التأمين على مقتنياته الثمينة ويمكن تمويل هذا التأمين من عائد الرسوم المفروضة على زيادة المتحف ولا يجوز أن يظل المتحف عرضة لمثل هذه الاعتداءات في المستقبل .
وذكر تقرير رسمي أن 54 قطعة أثرية سرقت من المتحف المصري يوم 28 يناير الماضي حينما اقتحمه مجموعة من اللصوص والبلطجة عقب الانفلات الأمني وانسحاب قوات الشرطة من مواقعها يوم (جمعة الغضب) وأشار التقرير الذي أعدته اللجنة المسئولة عن جرد محتويات المتحف إلى أن معظم القطع المسروقة تماثيل صغيرة من البرونز وانه تمت استعادة أربع قطع منها من بينها تمثال الملك اخناتون يحمل مائدة قرابين وهو من أهم القطع التي سرقت من المتحف الذي يضم 160 قطعة كما عثر على جعران القلب للمدعو "يويا وجزء من تمثال المعبودة "منكريت" تحمل تمثالا صغيرا للملك توت عنخ أمون في حديقة المتحف بالقرب من بازار المتحف وتمثال شاوبتى للمدعو "يويا" أسفل إحدى فتارين العرض .
وصرح مدير المتحف المصري بأنه تم إرسال قائمة بالقطع المسروقة إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم و الثقافة " اليونسكو " وكذلك إلى المتاحف العالمية والانتربول . وأبدى مدير المتحف اعتقاده بأن هذه القطع لم تخرج من مصر وانه يصعب التصرف فيها لأنها مسجلة وسيتم إبلاغ المتحف المصري إذا ظهرت أي منها في أي مكان في العالم مؤكدا أن المصريين أحرص ما يكونون على الحفاظ على تراثهم وأضاف أن ما يحدث حالياً من سرقات للآثار الموجودة بسقارة وأبيدوس والهرم والمناطق الأثرية الأخرى بشكل ممنهج وخطير ويجب التصدي له فضلا عن نشر ثقافة المحافظة على الآثار بين المواطنين .
5- محاربة البلطجة
تظهر أقوال الشهود الدور السلبي لما سمى بالبلطجة في أحداث الثورة منذ اليوم الأول لاندلاعها ، وذلك باستخدامها من قبل عناصر من الحزب الوطنى وقوات الشرطة لمواجهه المتظاهرين بالجنازيرو العصي الكهربائية و الشوم وزجاجات المياه الغازية و الحجارة ، وهو ما يظهر في ميدان التحرير ، وفى منطقة العتبة بجوار سنترال الأوبرا مع قوات شرطة قسم الموسكى ، كما يظهر دورهم في اعتقال المارة و المتظاهرين في منطقة وسط القاهرة وخاصة بجوار نقابة الصحفيين وكذلك دورهم في إرهاب المصابين و التعدي على المستشفيات القريبة من ميدان التحرير وفى تحطيم سيارات الإسعاف للحد من نجدة الجرحى ، و بعد نزول القوات المسلحة إلى الشارع مساء يوم 28/1/2011 بعد انسحاب قوات الشرطة جرى إحراق 18 قسم شرطة في وقت واحد ، و تعاصر ذلك مع إحراق العديد من مقار الحزب الوطني والمنشآت الحكومية والممتلكات الخاصة .
ويتصدر البلطجية المشهد وبأعداد كثيفة يوم الأربعاء الدامي 2/2 المعروف بواقعة الجمل ليظهر بوضوح مخطط تآمري لتجميع هؤلاء البلطجية من عدة محافظات للهجوم على المتظاهرين بميدان التحرير اشترك فيه رموز من الحزب الوطني مع بعض قيادات من الأمن ومن أعضاء مجلس الشعب والشخصيات العامة .
وهناك صدى لمشهد البلطجة فيما ورد من الورقة المتداولة و المنسوبة لوزارة الداخلية مكتب الوزير" سرى وهام للغاية " التي تضمنت أمراً بتوظيف عدد من البلطجية و الدفع لهم بمبالغ مجزية لإشاعة الفوضى .
كما كانت الصحف قد نشرت تحقيقات صحفية تفيد استخدام بعض المرشحين في الانتخابات التشريعية لمجموعات من البلطجية في جولاتهم الانتخابية وفى يوم الاقتراع نظير مبالغ مالية نقدية و إذا كانت هذه الظاهرة قد تفشت في العمل السياسي و أفسدت الحياة الديمقراطية وكانت المادة 44 من القانون رقم 73 لسنة 1956 بتنظيم مباشرة الحقوق السياسية و تنص على أن " يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين كل من استخدم أيا من وسائل الترويع أو التخويف بقصد التأثير في سلامة سير إجراءات الانتخاب أو الاستفتاء و لم يبلغ مقصده فإذا بلغ مقصده تكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تزيد على خمس سنسن " و نصت المادة 45 منه على أن " يعاقب بالحبس مدة لأتقل عن سنه وبغرمه لا تقل عن ألف جنية ولا تجاوز ثلاثة آلاف جنية أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من هدم أو أتلف عمداً شيئا من المباني أو المنشات وسائل النقل أو الانتقال المستخدمة أو المعدة للاستخدام في الانتخابات أو الاستفتاء بقصد عرقلة سيرة و ذلك فضلا عن الحكم بدفع قيمة ما هدمه أو أتلفه " وفى هذا الصدد تقترح اللجنة مايلى:
1- تشديد العقوبة على أعمال البلطجة المنصوص عليها في المادتين المشار إليها.
2- إذا ثبت أن المرشح لعضوية المجالس النيابية قد دعا أشخاصا أو دفع بهم للقيام بالأعمال المبينة في المادتين المشار إليها يشطب إسمه من كشوف المرشحين أو تبطل عضويته ، حسب الأحوال على النحو الذي ينظمه القانون .
6- قانون لتقصى الحقائق:
في كثير من الدول المتقدمة ، تتم صياغة قانون ينظم تقصى الحقائق Public Inquiries و يستهدف هذا القانون دراسة الحوادث أو الجرائم أو أوجه التقصير ذات الآثار العامة من الناحية الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية التي تقع ، و تنبئ عن وجود مشكلة تجب معالجة أسبابها ، و الحيلولة دون تكرارها مستقبلا.
و يتناول مثل هذا القانون في النظم المقارنة : الجهة التي تملك إصدار الأمر بتقصي الحقائق بخصوص واقعة معينة ، و كيفية اختيار أعضاء اللجنة و المؤهلات و الخبرة المطلوبة فيهم، و نوعية الوقائع التي يجوز تقصيها ، وسلطات اللجنة المكلفة بتقصي الحقائق ، وطرق جمعها للمعلومات ، وحقها في الاستعانة بذوي الاختصاص والخبرة في عملها ، وحقها في سماع أقوال أصحاب الشأن و الشهود وحمايتهم وطرق تلقى الشهادة ومدى جواز الشهادات الخطية و الجهة المختصة بدراسة نتائج الدراسة ، والتزام الجهات المعنية بتزويدها بالمعلومات المطلوبة .
كما تلجأ الدول التي تأخذ بهذا النظام إلى لجان تقصى الحقائق لدراسة الظواهر الاجتماعية و الاقتصادية عندما يراد وضع قانون بشأنها حيث تتاح الفرصة لكل ذي شأن لإبداء رأيه، حتى تتم صياغة القانون على أساس ومعلومات صحيحة. وتوصى اللجنة بصياغة وسن قانون لتنظيم تقصى الحقائق في هذا العهد الجديد.
7-كفالة حقوق الضحايا وذويهم فى الحصول على تعويض عادل: 
تقترح اللجنة سن قانون لتعويض ورثة المتوفين ومن أصيبوا في أحداث 25 يناير حتى 11 فبراير 2011، تعويضا عادلا. وذلك على سند من القول بأن هؤلاء الأفراد قد الحق بهم أو بورثتهم ضرر من جراء أحداث عامة يجب أن يتحمل المجتمع ككل تبعاتها ، ولا يجوز أن تقع تلك التبعات على عاتق من تحملوها دون غيرهم من المواطنين.
إن احترام كرامة الإنسان و حماية حقوقه يجعلان من الضروري الاهتمام بضحايا الانتهاكات الجسيمة لتلك الحقوق، و التي تشكل بدورها أفعالا مؤثمة بموجب القانون الجنائي الوطني و المواثيق الدولية النافذة في مصر . وقد تضمن الإعلان الأول الصادر عن المجلس الأعلى للقوات المسلحة التزام مصر باحترام تلك المواثيق، كما أعلنت السلطات المصرية عن اتخاذها الخطوات اللازمة لجبر الأضرار الناشئة عن الأفعال التي شهدتها أحداث 25 يناير و التي انطوت على انتهاكات جسيمة لحقوق الضحايا من المواطنين .
و تنوه اللجنة في هذا السياق ، بالجهود الدولية المبذولة في مجال تعويض ضحايا الجرائم و انتهاكات حقوق الإنسان ، و التي توجت بصدور الإعلان بشأن المبادئ الأساسية لتوفير العدالة لضحايا الجريمة و إساءة استعمال السلطة الصادر بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (40/ 34 ) بتاريخ 29/11/1985 . و يهدف هذا الإعلان إلى تفعيل ما تنص عليه المادة الثانية من العهد الدولي للحقوق المدنية و السياسية من تعهد الدول الأطراف ( ومنها مصر) بأن تكفل التعويض المناسب في حالة وقوع اعتداء على الحقوق و الحريات المقررة في هذا العهد حتى لو ارتكب هذا الاعتداء من أشخاص يعملون بصفة رسمية.
وطبقا للقواعد المتقدمة ينشأ التزام على الدولة بكفالة المعاملة المنصفة للضحايا وذويهم ، و يكون متعينا معاملة الضحايا برأفة و احترام لكرامتهم و تمكينهم من الوصول إلى آليات العدالة و الحصول على الإنصاف الفوري عن الضرر
الذي أصابهم و سن التشريعات و اللوائح اللازمة لذلك ، إذا لزم الأمر.
وتوصى اللجنة بتمكين ضحايا ثورة الخامس و العشرين من يناير 2011 و ذويهم من الحصول على تعويض عادل من خلال إجراءات عاجلة و ميسرة ، و العمل على تعريف الضحايا بهذه الحقوق وتلك الآليات. ويكون لزاما أن يتلقى الضحايا ما يلزم من مساعدة مادية و طبية و نفسية و اجتماعية من خلال القنوات الحكومية و التطوعية و المجتمعية و إبلاغ الضحايا بمدى توفر الخدمات الصحية و الاجتماعية و غيرها من المساعدات ذات الصلة ، وان يتاح لهم الحصول
على هذه الخدمات بسهولة، و تشجيع إنشاء و تعزيز الصناديق الوطنية المخصصة لتعويض الضحايا.
إحصائية عن عدد الزائرين للموقع الخاص بلجنة التحقيق وتقصى الحقائق http://www.ffnc-eg.org/ وعلى شبكة التواصل الاجتماعى facebook twitter
على موقع اللجنة والبريد الخاص به :
1- عدد الزوار خلال فترة أربعة أسابيع من بداية تشغيل الموقع : 9942
2- عدد الزوار من جميع دول العالم :
- اكبر عدد من الزائرين وجد فى الولايات المتحدة وهو : 3363
- ومن مصر : 3321
- وباقي الدول التي قامت بزيارة الموقع خلال أربعة أسابيع : السعودية ، الأمارات ، بريطانيا ، شمال أفريقيا ، كويت ، كندا ، قطر ، فرنسا ، الأردن ، عمان ، بنان ، كوريا ، بولندا ، برازيل ، يونان ، سودان ،نيوزلاندا، يمن ، الصين ، ايطاليا ، ودول أخرى .
3- البريد الاليكتروني الخاص باللجنة : 477 بريد اليكتروني
على الـ facebook :
1- عدد المشتركين في الموقع من 1 مارس 2011 وحتى الأن 6853 مشترك
2- عدد الصور التي تم وضعها على الموقع 62 صورة
3- عدد الفيديوهات التي وضعت على الموقع 43 فيديو
على الـ twitter :
1- عدد المشتركين فى الموقع 263
انتهى ملخص التقرير ،
14/4/2011م
أمــين عـــــام اللجنة                                                  رئيــــس اللجــــنة
المستشار/                                                              المستشار الدكتور/
" عمــــر مــــروان "                                               " عــــــادل قـــــورة "
أضف الى مفضلتك