الأحد، 3 مارس 2013

ثقة الحوار‏..‏ وحوار الثقة .......... د. سيف الدين عبد الفتاح

مر علينا الزمن بعد ثورة يناير ونحن أمام حالة من الاستقطاب والانقسام السياسي بدت مؤشراته في مظاهر وشواهد كثيرة لتجعل من خطاب الاستقطاب وممارساته سيدة الموقف الحالي‏,‏ وغذت هذا الاستقطاب كتل كثيرة:
كتلة المخاوف, والهواجس, والقلق, وعدم الثقة والشك, وترافق مع ذلك كتل من الإحباط والشعور بأن الثورة قد حوصرت علي أفضل الوجوه, أو سرقت علي أقسي التفسيرات, تكونت وتراكمت هذه الكتل لتعبر عن أرضية مناسبة لمزيد من الاستقطاب وممارسات الفرقة والتنازع الذي وصل في أقصي صوره إلي التقاتل والتنابز بالحشود في حالة شبه مستعصية. 

هكذا يتضح للكل أن الاستقطاب ليس إلا معارك صفرية يخسر فيها الجميع ولا يكسب منه أحد; حيث اتخذ التعبير عن حال الاستقطاب تلك مظاهر من العنف والعصيان وحالات من الانفلات الأمني, مرة أخري عاد كتاب الانفلات الأمني ليقلب صفحاته في حياة الناس ما بين سرقة أموال وما بين خطف أشخاص وما بين أمور كثيرة تعلن كل يوم عن اختفاء هيبة الدولة في تعامل الناس اليومي, وحوصرت مقرات الحكومة في أكثر من مكان في المحافظات والأقاليم وكونت كل تلك المشاهد ما يمكن تسميته ببوادر صناعة فوضي حقيقية.

كل ذلك أدي إلي أمرين شديدي الخطورة علي المسار العام, وعلي مؤسسات الدولة المختلفة, وعلي شأن العلاقات ما بين القوي السياسية المتنوعة المختلفة والمتخالفة, برز ذلك في حال من تآكل الثقة, وفي عنوان آخر طال كل ذلك مؤسسة الرئاسة في سياق ماسمي بتآكل الشرعية, وأسهم كل ذلك في حالة من المواقف المغلقة وانسداد الأفق السياسي واختفاء البدائل الحقيقية واغتيال كل المبادرات التي يمكن من خلالها الخروج من تلك الأزمة المركبة والطاحنة, وصرنا ما بين معارضة انحبست في صندوق المواقف المغلقة, ورئاسة سجنت في إطار من العمل بالشكل التقليدي علي ما يتطلبه ذلك الوضع من ضرورة التفكير خارج الصندوق لمواجهة هذه المواقف الاستثنائية, وانحبس البعض ممن يجيدون لعبة الانتخابات في صندوق الانتخابات لا يغادرونه ويعتبرونه أصلا لكل شرعية, وبدت الرئاسة في هذا المقام وهذا الشأن رهينة المحبسين; المعارضة والإخوان, وقامت الرئاسة المرة تلو المرة بالدعوة للحوار ولكنه كان الحوار بعد القرار لا قبله.

ومن هنا افتقد الحوار ثقته وافتقد بناء الثقة الحوار الفعال القادر علي تمكين رصيد الثقة المجتمعي والسياسي بالتمهيد لحالة توافقية ضرورية تعبر في جوهرها عن الضرورة التأسيسية لبناء مجتمع جديد وفق عقد اجتماعي وسياسي جديد, الرئاسة ظلت رهينة محبسين من معارضة لم تعد تحسن إلا أن تقول' لا', أو تمارس المقاطعة والامتناع, وبين جماعة الإخوان التي ضيقت الطرق علي الرئاسة بفعل خطابها الضيق وممارستها الأضيق, فأورثت حرجا للرئاسة حينما تقوم بالتوصل لنتيجة حوار وتصل إلي ثمرة له فيأتي بعض من هؤلاء ليؤكد أنهم لا يلتزمون بنتائج هذا الحوار.

كل هؤلاء أغفلوا مقتضيات مرحلة الانتقال ومتطلباتها في إطار من الشراكة الحقيقية التي تحقق كل العناصر التي تمكن للحمة الجماعة الوطنية, وبدا كل هؤلاء يضيقون علي الوطن بخطابهم وممارساتهم من دون أي محاولة منهم أن ينتقل من حال التضييق إلي حال الاتساع والانفساح في المواقف السياسية التي يمكن أن تحقق تماسكا مطلوبا وجامعية لابد أن تكون في ظل هذه المرحلة التي تشكل بعد الثورة منعطفا حقيقيا يجب التعامل معه بالدقة الواجبة, والملائمة اللازمة,ولم يمارسوا القاعدة الذهبية إذا ضاق الأمر اتسع.
وللأسف الشديد برز في المشهد ثلاثة استدعاءات من الخطورة بمكان لتعبر عن منزلق خطر يجعل من أهداف الثورة ومساراتها في مهب الريح وكأن الأمر لم يصبه أي تغير أو تحول.
  • كان الاستدعاء الأول هو استدعاء الجيش للمشهد السياسي ومحاولات تحريضه تحت دعوي أنه يمكن أن يشكل بديلا لعملية تحول ديمقراطي تأتي بمؤسسات منتخبة, والتلويح بانقلاب للجيش يجعله في صدارة المشهد والسلطة وهو أمر يتنافي مع أي من أسس وقواعد ضبط العلاقات المدنية العسكرية والتي كانت واحدة من أهم ثمار ثورة25 يناير المباركة, إن معارضة تدفع بعضا من الجماهير لتذهب للشهر العقاري لتقوم بعمل تفويضات للمؤسسة العسكرية لإدارة البلاد هو من الهراء والمراهقة السياسية التي لا يجوز أن تمر من دون توقف يؤكد علي ثوابت ومكاسب هذه الثورة, وعلي هذه القوي التي تسمي نفسها بالمدنية أن تتوقف ومن غير إبطاء عن تلك المطالبات الفجة لتدخل الجيش بأي شاكلة تجعله في مربع الفعل السياسي وميادينه.
  • أما الاستدعاء الثاني فكان استدعاء الفلول في الحركة المضادة للسلطة من دون تمييز بين معارضة حقيقية, وبين ثورة مضادة لثورة الخامس والعشرين من يناير, واختلطت الأمور بين الفلول وغيرهم وبين العنف والسلمية لتعبر بذلك عن إحكام حالة من الفوضي في المدركات والمواقف.
  • أما الاستدعاء الثالث فإنه استدعاء الخارج والتنافس في اكتساب ثقته, وكأننا عدنا إلي سابق عهد كانت تقاس فيه الشرعية برضا الخارج لا رضا الشعب والجماهير في الداخل, وارتكبت المعارضة والسلطة في آن واحد هذا الخطأ ولوح كل منهما للآخر بأنه يرتمي في أحضان الخارج أو يعمل وفق مشورته, أو يحرض الخارج بتدويل قضايا الوطن.
ها هو جون كيري وزير الخارجية الأمريكي يأتي في زيارته لمصر ليكشف عن وضع خطير يعلن فيه أنه سيقوم بمقابلات عدة مع الجيش ومع المخابرات ومع المعارضة فضلا عن مقابلته للرئيس, وبعد جلسة من الحوار تصدر الرئاسة بيانا تقول إن أوباما قد اتصل بالرئيس, أيها القوم الشرعية ليست في الخارج, الشرعية في الداخل ترتبط بهذا الشعب العظيم, الشرعية لا ترتبط بالقوات المسلحة ولكنها ترتبط بعموم الناس الذين يمثلون في حقيقة الأمر ملح هذا الأرض وجوهر الشرعية في هذا الوطن.

ومن هنا وبعد تشخيص لأرضية الاستقطاب التي لم تثمر سوي الحنظل والأزمات التي تعصف بالوطن ومعاش الناس لم يكن لها من ذراري إلا الفوضي والانفلات والفرقة والانقسام, وعليه كان الحديث عن ضرورة بناء الثقة من خلال حوار حقيقي يبني أول ما يبني الثقة في عملية الحوار ذاتها بعد أن تآكلت المصداقية وتراجعت الثقة وصار الأمر يتعلق بمزيد من الانقسام أدي إلي عنف واقتتال وبرزت بعض المؤسسات في هذا المشهد لتعارض الأمر تارة بالعنف المفرط وتارة بالتباطؤ غير المفهوم.

إن الحوار المطلوب له من الشروط التي تجعل مفتتحه بناء لأرضية الثقة ثم ينطلق هذا الحوار ليمكن لعناصر توافق حقيقية محوطة بالقرارات والضمانات التي تجعل من ضرورة أن تشارك كافة القوي السياسية في العملية الانتخابية كخيار استراتجي يمكننا ومن كل طريق إلي بناء المؤسسات المنتخبة بناء حقيقيا لا بناء مشوها في كيانه أو مشوشا في أدائه, إن بناء المؤسسات غير تمريرها, وإن صياغة السياسات وارتباطها بمقصودها غير القيام بتبريرها, ليس أمامنا من طريق إلا أن نقدم استراتيجية متكاملة للمصالحة وبناء التوافق وتأسيس عقد للشراكة الوطنية في صناعة القرار وبناء المؤسسات هذا فقط هو الذي ينتج حوار الثقة والثقة في الحوار.

صدق كلام كاثرين...... معتز بالله عبد الفتاح

سأحكى واقعة، كان الأصل أننى لا ينبغى أن أحكيها، ولكن سأفعل بلا أسماء حتى لا أصيب أقواماً بجهالة. جمعت إحدى الشركات المصرية العاملة فى مجال الاستثمار مجموعة من الأسماء الأبرز فى حياتنا السياسية للاجتماع مع عدد من خبراء وممثلى الشركات والمستثمرين الأجانب، وكان لكل من هؤلاء فرصة لأن يجلسوا مع الخبراء الأجانب فى حوارات مفتوحة للرد على أسئلتهم، ومعظم هؤلاء الأجانب أسماء بارزة جداً فى مجالاتهم على مستوى العالم، ويلتقون بقيادات دول العالم.
وبعد أن استمعوا لعدد من هؤلاء الأسماء الأبرز فى حياتنا السياسية، قالت واحدة منهم ولنطلق عليها اسم كاثرين بشكل شخصى لصديق ممن يقومون على تنظيم الاجتماع: «ستواجه مصر أزمة قيادة قريباً»، كان هذا الكلام منذ حوالى سنة ونصف. وبالمناسبة هذه السيدة تحديداً كانت تلفت أنظارنا قبل مقولتها هذه إلى أنها الأكثر ألمعية بين الضيوف الأجانب. ولما قالت ما قالت لصديقى هذا، جاء لى منزعجاً مكرراً لى ما قالت.
وحاولت طمأنته، رغم أننى لم أكن مطمئناً، بأن قلت إن الله سيرسل لنا من يستطيع أن يقودنا لما فيه الخير. وتمر الأيام، ويصدق كلام كاثرين وانتقل لى تباعاً الشعور الذى وصل إلى صديقى بعد أن سمع كلامها.
إذن نحن نعانى عجزاً فى القيادة على مستوى الجماعة الحاكمة وعلى مستوى الجماعة المعارضة.
لن أدخل فى النقاش الخاص بشأن مقاطعة أو عدم مقاطعة الانتخابات القادمة لكن سأقول بعضاً من الدروس المستفادة من خصائص القيادة فى المواقف الصراعية وسأتركها لكل طرف أن يقيمها وفقاً لما يريد:
  • أولاً، لا تستخدم القيادة الحقيقية خطاب التصعيد ما دامت ليست قادرة على الالتزام به لأنها لو فقدت مصداقيتها السياسية، فمن الصعب استرجاعها. وهذه نصيحة صعبة التطبيق لأن الكل يزايد على الكل على نحو أفقد المزايد قيمتها التهديدية. وبالتالى من الحكمة ألا نلجأ للتهديد أصلاً، ولكن من يهدد، فليهدد بما يستطيع.
  • ثانياً، لو وجد القائد نفسه منقاداً بواسطة الأطراف الأكثر تشدداً فى جماعته سواء الحاكمة أو المعارضة فليعلم أنه سيرضيهم وسيخسر دعم الأغلبية الكاسحة من المصريين الذين يرون التشدد فى أى اتجاه هو دليل على تغليب مصالح الجماعة سواء الحاكمة أو المعارضة على الصالح العام. المصريون يحترمون من يكون تشدده خروجاً على المألوف من طباعه وأن الأصل فيه هو البحث عن الصالح العام بلا تكلف وبلا استبعاد ولا إقصاء ولا تصيد.
  • ثالثاً، الديمقراطية ليست ديكتاتورية لابسة فستاناً مكتوباً عليه انتخابات. الديكتاتورية لها وجهان: مخالفة القانون العادل، أو صناعة قانون ظالم تكون طاعته هى الخنوع للاستبداد. وكما أن الجماعة الحاكمة مبالغة فى فرض واقع على الأرض ثم الدعوة لإجراء حوار حوله، فإن الجماعة المعارضة مبالغة فى تبنى خطاب غير عقلانى وغير مقنع، إلا لنفسها ومناصريها، بشأن شيطنة كل شىء يحدث فى البلد.
  • رابعاً، من يدعو للتظاهر أو الاعتصام أو الإضراب عليه أن يكون صاحب رسالة خير للمجتمع؛ إنما الإضراب من أجل الإضرار بالآخرين لا ينفع أن يكون رسالة، منطق «علىّ وعلى أعدائى» ليس رسالة وإنما هو نوع من تفريغ الطاقة السلبية وليس بناء مجتمع. الرسالة هى رسالة خير للمجتمع: ما الخير العائد على المجتمع فى وقف حركة القطارات؟ ما الخير العائد على المجتمع فى حرق مركبة أو منشأة عامة؟ ما الخير فى توجيه السباب والشتائم للآخرين؟ هل أى من هذا سيكون مجدياً؟ الإجابة يقيناً بالنفى.
  • خامساً، نحن بحاجة لتغيير جيلى حقيقى، نحن بحاجة لأن يتقدم مَن هم فى الخمسينات والأربعينات لتصدر المشهد السياسى بدلاً من القيادات التاريخية التى عاشت وتربت فى فترات كان شعارها: «أنا ما حدش يلوى ذراعى أبداً» كما كان يقول الرئيس مبارك لأن هذا هو ما أنتج: «نحن جلدنا تخين» التى قالها الرئيس مرسى. نحن بحاجة لجيل مختلف من السياسيين شعاره: «نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه».
ولأن هذا الكلام لا معنى له بين القيادات الحالية، إذن صدق كلام كاثرين.

(2) في لزوم ماكان يلزم .. عن الثورة «المضادة».... أيمن الصياد

بعد أيام من الإعلان الدستوري (٣٠ مارس ٢٠١١) الذي جرى التمهيد له باستفتاء شعبي شهد اقبالا غير مسبوق من المصريين الذين كانوا مازالوا في نشوة الثورة ساعين نحو وضع اللبنة الأولى في في بتاء دولتهم الجديدة.، كنت ضيفًا على حوار تلفزيوني مع أحد المحامين البارزين في جماعة الإخوان المسلمين. يومها أشرت الى ما تعرفه تجارب التاريخ من أن «الثورة التي لا تنجح في عزل أعداءها، يعزلها أعداؤها»، مشددا على ضرورة تفعيل قانون الغدر الذي صدر في أعقاب ثورة ٢٣يوليو لمواجهة الثورة المضادة، وكضمان ضروري لعدم إعادة انتاج النظام السابق؛ وذلك بوضع أساس قانوني لمحاسبة الذين أفسدوا الحياة السياسية، خاصة وأن مواد قانون العقوبات العادية ــ كما يعلم رجال القانون ــ  تخلو من أى مادة لتجريم الفساد السياسي. يومها، وقبل أن أنتهي من توضيح تفاصيل ما حسبته بدهيًا قاطعني «المحامي» بحسم مستنكرا ورافضا بشكل قطعي ما أسماه «استخدام قوانين عبد الناصر». لم أقف كثيرا عن الحادثة، بوصفها لا تعدو أن تكون «دردشة تلفزيونية»، إلى أن فاجأني ــ بعد أسابيع ــ محام «بارز» آخر ينتمي أيضًا للجماعة بترديد الحجة ذاتها، في مواجهة مطالباتنا التي لم تتوقف بتفعيل القانون، مستنكرا «أن يكون هناك من يطالب بتطبيق قوانين استثنائية». وكان ذلك الموقف غريبًا في حينه، إذ من المعروف أن القانون لا يكون استثنائيا، طالما كان ساريًا ولم يصدر من المشرع بأي صورة من الصور ما يفيد إلغاؤه.. كما كان ذلك الموقف أكثر غرابة بعد ذلك بعام كامل (٢١ أبريل ٢٠١٢)، عندما حاول البرلمان «المنحل» أن يستهدف «أشخاصًا بعينهم» بقانون للعزل السياسي شابه عوار دستوري بعد أن وصفه القانونيون بأنه «استثنائي» بامتياز. (!)

•••

قصة العداء، أو على الأقل التجاهل المتعمد لقانون الخمسينيات القديم هذا، يعكس شيئا من فصول الارتباك في ادارة المرحلة الانتقالية على مدى العامين الماضيين، غيابًا للإرادة السياسية أحيانًا، وعجزا عن التحرر من «إسار الثأرات القديمة» أحيانًا أخرى. وقبل هذا وذاك عدم إدراك حقيقي لخطورة الثورة المضادة.

 وللتذكرة فقط ــ ولعله للتاريخ أيضا ــ كانت حكومة عصام شرف قد نجحت في أيامها الأخيرة، وبعد محاولات مضنية «أعرف تفاصيلها» في دفع المجلس العسكري الى اصدار القانون رقم ١٢١ لسنة ٢٠١١ بتعديل بعض مواد قانون الغدر خاصة فيما يتعلق باسمه وبتشكيل المحكمة. إلا أنه، وللتاريخ أيضا لم يحاول أحدٌ قط تفعيل القانون، رغم مرور أكثر من عام على إصداره. لماذا..؟ لأننا ــ كما ذكرنا مرارًا ــ ننظر في الاتجاه الخطأ، فنخطئ تحديد خصومنا السياسيين. أو بالأحرى خصوم هذه الثورة.

وللتاريخ أيضا، وربما لنتعلم كيف تصان الثورات، وتلبية لطلب متابعين على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، هنا بعض من نصوص المرسوم بقانون رقم ٣٤٤ لسنة ١٩٥٢ المعدل بالقانون رقم ١٧٣ لسنة ١٩٥٣، والمسمى بقانون الغدر، والذي وضعه في حينه لجنة من شيوخ القضاة ترأسها المستشار عبد الرازق السنهورى، وهو القانون الذي اعترض عليه محامي الإخوان في الحوار التلفزيوني الذي أشرت اليه مستنكرا العودة الى قوانين عبد الناصر:
  
مادة ١:
فى تطبيق احكام هذا القانون يعد مرتكبا لجريمة الغدر كل من كان موظفا عاما وزيرا او غيره وكل من كان عضوا فى احد مجلسى البرلمان أو احد المجالس البلدية او القروية او مجالس المديريات وعلى العموم كل شخص كان مكلفا بخدمة عامة أو له صفة نيابية عامة وارتكب بعد أول سبتمبر سنة ١٩٣٩ فعلا من الأفعال الآتية :

(أ) عمل من شأنه افساد الحكم أو الحياة السياسية بطريق الاضرار بمصلحة البلاد او التعاون فيها أو مخالفة القوانين .
(ب) استغلال النفوذ و لو بطريق الايهام للحصول على فائدة او ميزة ذاتية لنفسه او لغيره من اية سلطة عامة او أية هيئة او شركة او مؤسسة.
(ج) استغلال النفوذ للحصول لنفسه أو لغيره على وظيفة فى الدولة أو وظيفة او منصب فى الهيئات العامة او اية هيئة او شركة او مؤسسة خاصة او للحصول على ميزة او فائدة بالاستثناء من القواعد السارية فى هذه الهيئات.
(د) استغلال النفوذ بإجراء تصرف او فعل من شأنه التأثير بالزيادة او النقص بطريق مباشر او غير مباشر فى اثمان للعقارات والبضائع والمحاصيل وغيرها او اسعار اوراق الحكومة المالية او الاوراق المالية المقيدة فى البورصة او القابلة للتداول فى الاسواق بقصد الحصول على فائدة ذاتية لنفسه او للغير.
(هـ) كل عمل او تصرف يقصد منه التأثير فى القضاه أو فى اعضاء اية هيئة خولها القانون اختصاصا فى القضاء او الافتاء.
(و) التدخل الضار بالمصلحة العامة فى اعمال الوظيفة ممن لا اختصاص له فى ذلك او قبول ذلك التدخل.
ويعتبر التدخل من غير المذكورين فى هذه المادة فى حكم الغدر اذا كان المتدخل قد استغل صلته بأية سلطة عامة.
ويحكم بالجزاءات ذاتها عل كل من اشترك بطريق التحريض او الانفاق او المساعدة فى ارتكاب الجريمة سالفة الذكر ولو لم يكن من الاشخاص المذكورين فى المادة الاولى .

مادة ٢:
مع عدم الاخلال بالعقوبات الجنائية او التأديبية يجازى على الغدر بالجزاءات الاتية :

(أ) العزل من الوظائف العامة.
(ب) سقوط العضوية فى مجلسى البرلمان او المجالس البلدية او القروية او مجالس المديريات .
(ج) الحرمان من حق الانتخاب او الترشيح لاى مجلس من المجالس سالفة الذكر لمدة اقلها خمس سنوات من تاريخ الحكم .
(د) الحرمان من تولى الوظائف العامة لمدة اقلها خمس سنوات من تاريخ الحكم.
(هـ) الحرمان من الانتماء الى اى حزب سياسى مدة اقلها خمس سنوات من تاريخ الحكم .
(و) الحرمان من عضوية مجالس ادارة الهيئات او الشركات او المؤسسات التى تخضع لاشراف السلطات العامة ومن اية وظيفة بهذه الهيئات لمدة اقلها خمس سنوات من تاريخ الحكم .
(ز) الحرمان من الاشتغال بالمهن الحرة المنظمة بقوانين او المهن ذات التأثير فى تكوين الراى او تربية الناشئة او المهن ذات التأثير فى الاقتصاد القومى مدة اقلها خمس سنوات من تاريخ الحكم.

•••

وبعد…
فعلى مدى الأسابيع الثلاثة الماضية، حاولنا أن نستكشف كيف كان التباين في تعريف ما جرى في ٢٥ يناير مسؤولا عن ما وصلنا اليه (١٧ فبراير ٢٠١٣) ، ثم كيف غابت العناصر الخمس الأساسية اللازمة لضمان التحول الديموقراطي السليم والآمن (٢٤ فبراير ٢٠١٣)، فتاهت بنا السبل وتعثرت بنا الطرق. وقبل ذلك كله كيف ضاعت أمنياتنا وسط غبار المعارك «الحمقى» بين رفاق السلاح (١٠ فبراير ٢٠١٣)، فغفلنا «بعد أن أعيت من يداويها» عن أن المعركة الحقيقية تتلخص في نقطتين:

١- كيف نتخذ من السبل مايضمن عدم اعادة انتاج النظام القديم، مسترشدين بتجارب من سبقونا المؤسِّسة لمفهوم الـ Transitional Justice
٢- كيف نرسم طريقا «متفقًا عليه» ــ أضعها بين قوسين ــ لبناء مصر التي نريد؛ بلدًا حديثًا معاصرًا يليق بما أعطته له الجغرافيا، وبما منحه له التاريخ.

… ولله الأمر من قبل ومن بعد

حلم أن نفكر جيدًا ..... فهمي هويدي

وقعت على وصفة تسهم فى علاج أعقد مشكلاتنا، وهى: كيف نفكر على نحو أفضل. وقد ذكرتنى بالنكتة التى تقول إن متجرا كبيرا خصص جناحا لبيع العقول، ووضع أعلى سعر لنموذج للعقل المصرى، وحين سئل مديره عن السبب فى ذلك كان رده أن العقول الأخرى الأقل سعرا سبق استعمالها وتشغيلها. أما العقل المصرى المعروض من خامة جيدة حقا إلا أنه لم يستخدم قط من قبل، لذلك فإن عداده لا يزال «على الزيرو»!

الوصفة تعتمد على منهج مستحدث لتعليم التفكير. وهو مستحدث عندنا فقط لأن مثل هذه المناهج بدأ تطبيقها فى عام 1967، عام «النكسة» عندنا الذى جسد أزمة الحاجة إلى التفكير والتدبير. إلا أن خطاها تسارعت منذ عام 1985 حتى أصبحت معتمدة ومطبقة فى 57 دولة، آخرها جمهورية الدومينيكان (إحدى دول البحر الكاريبى). الفكرة نقلها إلى مصر خبير حصل على شهادة من جامعة اكسفورد بإنجلترا، باعتماده مدربا فى مناهج تعليم التفكير، هو الدكتور مهندس شريف الهجان، الذى أشهر مؤسسة فى مصر لهذا الغرض. وعرض المشروع على وزير التربية والتعليم فى مصر، ورئيس الأكاديمية المهنية للمعلمين. وقد تحمس الاثنان له، وهو الآن بصدد ترجمة مادته العلمية إلى اللغة العربية.

فكرة المشروع ترتكز على المنطلقات والمعطيات التالية:

• هناك حاجة ملحة إلى تعليم التفكير الجيد. ذلك أن التفكير الذى نمارسه كل يوم كالمشى العادى الذى يقوم به كل فرد. أما التفكير الجيد فهو مثل الجرى لمسافة مائة متر أو مثل السباحة أو قيادة السيارات، بمعنى أنه إنجاز تقنى يتسم بالبراعة. صحيح أن التفكير غريزة فطرية لدى الناس جميعا، إلا أن ذلك لا يعنى بالضرورة أن كل تفكير جيد فى محصلته. علما بأن التفكير الجيد لا يتوافر للفرد بصورة تلقائية وإنما لابد من تعلمه واكتسابه المهارة فيه. وإذا كان كثيرون لا يحسنون التفكير فإن ذلك لا يرجع إلى أنهم يفتقرون إلى الذكاء. ولكن لأنهم لم يتعلموا التقنيات الخاصة بطرق التفكير الجيد.

• إحدى أبرز أوجه القصور فى نظامنا التعليمى أنه لا يحرك عقول التلاميذ ولا ينمى لديهم ملكة التفكير. فهم غالبا ما يتخرجون، وهم لا يملكون سوى ما ادخل إلى عقولهم من أوامر وتعليمات. ولذلك فإنهم يظلون بحاجة إلى اكتساب مهارات التفكير من خلال إدخالها ضمن مناهج التعليم.

• الأسباب التى تدفع إلى تعلم تحسين التفكير متعددة. أبرزها المنفعة الذاتية للمتعلم نفسه، حيث يزود بما يساعده على خوض مجالات التنافس بشكل فعال فى عصر ارتبط فيه التفوق بمدى القدرة على التفكير الجيد. منها أيضا المنفعة الاجتماعية العامة. ذلك أن اكتساب مهارات التفكير الجيد يجعلنا ننظر بعمق إلى مشاكل المجتمع، كما أنها تساعد على التقارب بين الأفراد والتفاعل معهم. كما أن التفكير الجيد يساعد على تحسن الصحة النفسية لأن الذين يكتسبون مهاراته تصبح لديهم قدرة أكبر على التكيف مع الأحداث والمتغيرات التى تحيط بهم.

• البرنامج المعد يغطى مظاهر التفكير المختلفة، كالتفكير الإبداعى والنقدى، ويركز على التدريب على استخدام أدوات خاصة تساعد على تنمية القدرات الذهنية. وقد بينت الدراسات التى أجريت على نتائج تطبق فى المدارس أفاد المعلمون أنهم لاحظوا تطورات إيجابية فى حلقات المناقشة بين التلاميذ، منها:
  1. زيادة الرغبة فى الإصغاء للآخرين ــ
  2. نقص التمركز حول الذات ــ
  3. زيادة القبول التسامح مع الآخرين ــ
  4. تناقص الابتعاد عن صلب الموضوع ــ
  5. زيادة الرغبة فى التفكير فى الموضوعات الجيدة بدلا من رفضها ــ
  6. التوجه نحو الاستكشاف بدلا من نقص الأفكار أو الدفاع عنها.

 فى التقارير التى أعدت عن المشروع تبين أن الذين استفادوا منه أشخاص من مختلف درجات الذكاء، ومن مختلف الأعمار، من سن ست سنوات إلى 90 سنة. كما استفاد منه عمال أميون فى جنوب أفريقيا وعدد من مديرى الشركات العالمية الكبرى. وبعض من فازوا بجائزة نوبل، إضافة إلى فرق لكرة القدم وعازفون فى أوركسترا موسيقية.

سألت الدكتور شريف الهجان عن الخطوات التنفيذية للمشروع، فقال إنه بعد الانتهاء من ترجمة المادة العلمية سيقوم بتدريب 40 مدرسا. وسيتولى هؤلاء تدريس المنهج فى 40 مدرسة، كما سيقوم كل منهم فى نفس الوقت بتدريب 30 مدرسا، ليصبح العدد الكلى فى نهاية العام الدراسى 2013 ــ 2014 حوالى 1200 مدرس. وفى هذه الحالة يفترض أن تدخل المناهج كل مدارس مصر فى غضون سنتين أو ثلاث.

حتى إذا كان الرجل يحلم فلا غضاضة فى ذلك، لأن الكثير من حقائق العصر بدأت أحلاما. لا أستطيع أن أختم قبل أن أبوح بسؤالين يلحان علىّ هما: كيف يمكن أن نلزم بعض كبار المسئولين فى البلد بحضور دروس فى التفكير الجيد؟ ثم هل سيمتد بنا العمر حتى نشهد ثمار ذلك الجهد؟

السبت، 2 مارس 2013

اخرجوا من حبس الصناديق ..... سيف الدين عبدالفتاح

ذات مرة وقبل قيام الثورة كانت هناك حلقة فى أحد البرامج التليفزيونية تتعامل مع ظاهرة الغش فى الامتحانات، وكنت قد قررت أن أقوم بالتدخل لأؤكد على مقولة مهمة أن الغش فى الامتحانات كتزوير الانتخابات، الأمر هنا يتعلق بالانتخابات باعتبارها حالة موسمية تحاول فيها القوى السياسية دخول امتحان انتخابى لتقييم أدائها وتعظيم أدوارها. يبدو لى هذا الأمر صادقا وصحيحا فى إطار خطاب يدور الآن حول الانتخابات والامتناع عن خوضها أو مقاطعتها، وبين طرف آخر يؤكد على ضرورة الاحتكام للصناديق والانتخابات، وفى هذا السياق يظهر للقاصى والدانى ضرورة أن توضع الانتخابات فى مقامها الصحيح سواء للمعارضة التى تريد أن تحسن من أوضاعها أو السلطة التى تريد أن تزيد من تمثيلها وتمكينها.

 وغاية الأمر فى هذا المقام أن ترتبط عملية الانتخابات بإمكانية حقيقية فى التداول السلمى للسلطة يتحقق من خلاله قواعد الرقابة والمتابعة والمحاسبة الشعبية لهذه القوى الداخلة فى خضم العملية الانتخابية، ومن هنا نشير إلى أن الانتخابات كما أكدنا فيما سبق لا تصلح وحدها أو تكتفى بذاتها للتعبير عن حقيقة الشرعية ومكنوناتها ذلك أنها  تعتبر أهم مفتتح فى مسار الشرعية ولكنه ليس بنهاية المطاف، الشرعية فى هذا الإطار مسار ممتد يبدأ بالانتخابات ويمر بالسياسات والقرارات ويقاس بالأداءات والإنجازات.

•••

ومن هنا يحمل ذلك العنوان رسالة متعددة الأبعاد، الأولى أوجهها إلى جبهة الانقاذ ومن لف لفهم فى مقاطعة الانتخابات والامتناع عن المشاركة فيها، والثانية تتجه إلى الإخوانيين الذين يرتكنون إلى الانتخابات فى كل وقت وحين.
  • أقول فى رسالتى الأولى للإنقاذيين: لا تلعنوا الصناديق، ولا الانتخابات، ولا تتهموا هذا الشعب بأنه فى حالة من عدم الوعى والأمية لا يقوم بالتصويت الملائم أو يتمتع بالوعى التصويتى اللازم، هذه الرؤية تعبر فى النهاية عن رؤى متناقضة تطالب فيها جبهة الإنقاذ بضرورة تأجيل الانتخابات التى تتعلق بتأسيس البرلمان بينما تطالب فى ذات الوقت بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة لتكشف عن مقصودها لكونها فى حقيقة ممارستها لا تهتم بانتخابات تتعلق بشكل مباشر بالجماهير ومصالحها وبالشعوب ومعاشها، فى كل مرة طلبت هذه القوى تأجيل الانتخابات حتى يكون الظرف السياسى مواتيا ولم تقدم المرة تلو المرة أى مسوغ أو أى معايير يمكن أن نستند إليها فى إطار تعيين الوقت المناسب لإجراء انتخابات حقيقية يمكن أن تدخلها هذه القوى من غير طلب للتأجيل ومن غير أى تأويل.

 ظلت هذه القوى تأتى بالحجج تلو الحجج وبالتبريرات والمعاذير حتى تعتذر عن دخول الانتخابات وكأنها مثل الطالب المقصر الذى حينما يحين استحقاق الامتحانات فإذا به يراوغ ويبحث عن التبرير الذى لا يجعله فى موضع اختبار أو تقييم، ويصاحب هذا خطاب أن فى إمكان هذه الجبهة أن تحصل على ما يقرب من ثلثى المقاعد وفق التصريحات لبعضهم فى هذا الشأن، وكأن تقييم الأمور يأتى من مجرد تكهنات وادعاءات، بينما لا يرغب هؤلاء أن يدخلوا على محك الانتخابات حتى تظهر التقييمات الحقيقية لتعكس أوزان القوى المختلفة على أرض الواقع.

قد يكون من المشروع أن تطالب هذه القوى بالضمانات الكافية لنزاهة الانتخابات وضمان الشفافية المتعلقة بإجراءاتها وعمليات تسييرها وضمان مطابقة نتائجها لواقع الحال فى تصويت حر وتمثيل حقيقى، وقد يكون من المشروع أن تعبر هذه القوى عن ضرورة ضمان المناخ الملائم والمواتى لإجراء انتخابات تتسم بالمصداقية والنزاهة والشفافية، ولكن ليس من المنطقى أن نأتى كل مرة عند أعتاب الاستحقاق الانتخابى ونراوغ ونلعن الصناديق ونمتنع عن الانتخابات ونقاطع الامتحانات(الانتخابات)، ونطالب المرة تلو المرة بتأجيل بعد تأجيل، ذلك أن هذه القوى يبدو أنها استمرأت أوضاعا تشير إلى ممارسة فضائية من خلال إعلام فضائى صارت تجد الفرصة فيه للتعبير عن موقفها وآرائها وتضغط من خلاله وتتصور أنها تكتسب بعض النقاط، بينما لا تريد الاشتباك الفعلى فى إطار انتخابات برلمانية واجبة الاستحقاق وترتب حقوقا للهيئة الناخبة على من انتخبوهم.

••• 
  • أما الرسالة الثانية فهى تتجه إلى الإخوانيين ومن لف لفهم وتعاطف مع مسارهم الذى يصدع فى كل مرة إنها الانتخابات! فلنحتكم إلى الصناديق، ولسان حالهم يقول أليست هذه هى الديمقراطية؟ أليست الانتخابات هى التمثيل الحقيقى للعملية الديمقراطية واستثمار آلياتها؟!، أليست الانتخابات والنتائج المتعلقة بها هى الفيصل فى تحقيق القوى السياسية وتمثيلها البرلمانى؟، فى كل مرة سنصل إلى العتبات الانتخابية فنجدهم يهللون إنها الانتخابات!! إنها الانتخابات!!
أقول لهؤلاء الذين احترفوا الانتخابات وجعلوها وثنا يعبدونه وليست وسيلة كاشفة عن حقائق التمثيل السياسى، وعن قدرات تنظيمية يحاولون من خلالها أن يثبتوا بأنهم هم أجدر بالتمثيل، لا تركنوا إلى الانتخابات، ذلك أنها كوسيلة إذ تعبر عن مؤشرات التمثيل فإنها فى حقيقة الأمر يجب أن تقترن بمسارات الرضا الذى يمكن أن يستدل عليه بغير الانتخابات فى إطار من تقييم الأداءات وتحقيق الإنجازات وتدشين السياسات وإصدار القرارات ضمن عملية فاعلة حقيقية تجعل منها إذنا بل إيذانا لهذه القوى أن تمارس أقصى فاعليتها لتحقيق أهداف هذه الشعوب فى ترقية معاشها والنهوض بحياتها وتلبية مطالبها ومواجهة تحدياتها.

إن الركون إلى الانتخابات تلو الانتخابات والتلهى بها لا يمكن بأى حال من الأحوال أن يكون عوضا عن أداءات مكينة وسياسات رصينة تعبر عن مصلحة الوطن والحفاظ على هذه الثورة، فإن كانت الانتخابات مصحوبة ببعض الصفقات والمساومات فإن ذلك على المدى المتوسط لا يمكنه أن يقيم حكما، ولا أن يعدل مسارا، ولا أن يحدث رضا، إن الركون إلى الانتخابات عملية محفوفة بالمخاطر لأنها قد لا تنتهى خاصة فى حال البناء وفى فترات الانتقال، ولا يمكن بأى حال من الأحوال الارتكان إلى أن الانتخابات هى الطريق الوحيد لبناء مؤسسات الدولة المنتخبة.
ذلك أن الفكرة الوثن (الانتخابات) حينما تتمكن من صاحبها تعميه عن كل غاية ومقصود، فهنالك فارق كبير ما بين بناء المؤسسات وتأسيسها وتمرير المؤسسات وتفريغها من مضمونها ومن حقائق وظيفتها التكوينية والتمثيلية والرضائية التى تتعلق بعموم الناس وبمصالحهم، إن إقامة هذه المؤسسات من باب التمرير إنما يخرجها مشوهة المبنى ومشوشة المعنى ومزيفة الوظائف، ويصير صناعة المناخ السياسى الذى يتعلق بقدرة هذه المؤسسات لإبراز حقيقة التمثيل وفاعلية التأهيل وقدرات العمل والتفعيل إنما هو الفيصل فى تكوين مؤسسات حقيقية.

•••

 مر الزمن الذى يمكن أن نقبل فيه مرة أخرى مؤسسات «كأن» أو مؤسسات «الزينة» أو مؤسسات «سد الخانة» علينا أن نعرف للمؤسسات جوهرها وأن نحدد لها وظائفها وأن نعين لها أدوارها وأن نحدد لها مناط فاعليتها وكفاءتها وأهليتها وأن نؤصل معانى تكافؤ هذه المؤسسة مع متطالبات مصالح الوطن العليا، وضرورات وحاجيات الشعوب الكبرى، وحقائق وأهداف الثورة المثلى، هنا فقط تكون المؤسسات مؤسسات حقيقية لا مؤسسات تمرير أو مؤسسات تبرير أو مؤسسات تفريغ أو زينة أو إلهاء.

إذا أيها الإنقاذيون لا تلعنوا الصناديق.. أيها الإخوانيون لا تركنوا إلى الصناديق.. إنها كلمة ورسالة ألقيها عليكم حتى يكون ذلك ضمن مسار تأسيس لوطن جديد، وثورة لا تستحق منا إلا المواقف الحقيقية التى تكافئها وتباركها وتمكنها.

 وحتى يمكننا أن نكسر حلقة المواقف المغلقة والدائرة المفرغة فإن على الرئاسة أن تعمل خارج الصندوق، وعلى جبهة الإنقاذ أن تخرج من صندوق المواقف المغلقة والمتصلبة، وعلى الإخوان أن يبرأوا من أسر الصناديق وغوايتها، كل يجب أن يخرج من الصندوق الذى انحبس فيه، إن سعة الوطن لا تحتمل إنحباس كل منكم فى صندوقه، الوطن لم يعد يحتمل ضيق الأفق أو تصلب المواقف، أو عمليات التمرير أو التبرير.

ألا هل بلغت اللهم فاشهد.

ملاحظات حول قرار المقاطعة........ رباب المهدى

منذ أعلن التيار الشعبى عن مقاطعته الإنتخابات البرلمانية المقبلة ثم تبعه إعلان موقف حزب الدستور، ومن بعده جبهة الإنقاذ وهناك جدل حول الموقف السياسى الأنسب فى هذه اللحظة. والحقيقة أن الانتخابات ما هى إلا واحدة من آليات التغيير، وما هى إلا لقطة من مشهد سياسى أكثر تعقيدا يضم فى جنباته أشكال مختلفة من الاحتجاج الشعبى، وبالتالى المقلق ليس قرار المقاطعة فى حد ذاته (لأن الانتخابات برمتها ليست اللحظة الفاصلة فى مسار الثورة)، لكن ملابساته التى تنبئ عن مأزق تاريخى لغياب القيادة حتى هذه اللحظة. هناك أربع ملاحظات فى هذا الصدد تبدأ من موقف المقاطعة لكنها ــ فى تقديرى ــ تتخطاها لما هو أبعد من ذلك لتشمل الأداء السياسى لجزء كبير من المعارضة.
•••
  • أولا، نزعة التطهر الثورى ومحاولة إلباس الموقف السياسى الخالص ثوبا أخلاقيا. فنرى التيار الشعبى وعلى رأسه الأستاذ حمدين صباحى يعلن المقاطعة منفردا ثم يليه الدكتور محمد البرادعى، فى تسابق على تسجيل مواقف حتى دون التنسيق مع شركائهم فى الجبهة وهو ألف باء العمل المشترك.
التسابق على تسجيل هذا الموقف وتبيانه على أنه الموقف «الأخلاقى» الوحيد وليس فقط الموقف السياسى الصحيح يحمل عدة مخاطر للأداء السياسى لأحزاب المعارضة. فبينما البعض يزايد ويتمسح فى عباءة الدين لإكساب مواقفه السياسية شرعية زائفة تنزلق المعارضة للمزايدة بالأخلاقية بدل تأسيس الموقف على منطق سياسى، وهو ما يضعف منطق المقاطعة خاصة وإن أحزاب جبهة الإنقاذ وبعض قياديها قد شاركوا سابقا فى انتخابات ٢٠١٠ تحت حكم مبارك وبضمانات أقل كثيرا، ثم فى انتخابات ٢٠١١ تحت حكم العسكر والتى تزامنت مع مذبحة محمد محمود فى نوفمبر من العام نفسه.
وبالتالى محاولة بناء موقف المقاطعة على أساس أخلاقى يفتح الباب لتساؤل حول مدى اتساق مواقفهم، فالأجدى هنا هو محاولة شرح الفرق فى الموقف السياسى وبالتالى فى مناسبة تكتيك المقاطعة من عدمه.
  • ثانيا، لم تبذل الجبهة المجهود الكافى فى محاولة بناء مقاطعة قوية فبينما أعلنت موقفها كانت بعض الأحزاب من أعضاء الجبهة تناقش بشكل منفرد نزول مرشحيها بشكل مستقل للالتفاف على قرار الجبهة التى من الواضح أن بعض الأحزاب لا تستطيع الالتزام به.
فهناك إشكالية أن الأحزاب على خلاف الحركات السياسية ومنظمات المجتمع المدنى والنشطاء هى بالتعريف أوعية للمنافسة السياسية مجالها الأساسى هو مضمار الانتخابات، وبالتالى فإن قرار المقاطعة يطرح عليها السؤال الصعب حول آلية عمل أعضائها فى ظل هذا القرار ومدى إمكانية تواصلهم مع الجماهير وما سوف تكون الآليات البديلة لعمل ذلك وكيفية تعويضهم للخبرة المتراكمة من المشاركة فى الانتخابات.
  • ثالثا، لم تطرح الجبهة سيناريو متكاملا لتصورها عن ما بعد المقاطعة، أو الإجابة عن سؤال ماذا بعد؟ البعض يرد ولكن ماذا بعد المشاركة أيضا. والحقيقة أن هناك فارقا كبيرا، ففى ذهن قطاع واسع من الجماهير المشاركة فى الانتخابات تتيح التغيير وتطرح بدائل، فحينما تشارك تستطيع تشكيل برلمان متوازن وربما حكومة تأتى بالسياسات التى تدافع عنها، وتستبدل بها سياسات خصمك التى ترفضها، فى حين أن عدم المشاركة يحرمك من هذه الفرصة وعليه فمن واجب جبهة المقاطعة إيضاح بدائل آليات التغيير فى هذه الحالة.
أزعم أن جزءا مهما من فوز «نعم» فى استفتاء مارس ٢٠١١ كان مرتبط بوجود خارطة طريق واضحة لهذا المسار (برغم عواره)، وبالتالى فإن عبء الإثبات يقع على المطالبين بالمقاطعة ليس لخطأ موقفهم بشكل مبدئى، لكن لأنه يستلزم طرح بدائل ليست بوضوح بديل المشاركة وليست معلومة للرأى العام بالضرورة.
  • رابعا، جاء جزء من تأسيس موقف المقاطعة بوضعه فى الثنائية الخاطئة التى تصور أن هناك مسارا سياسيا تمثله الانتخابات وبناء المؤسسات ومسار «ثورى» يتمثل فى الاحتجاج الشعبى من مظاهرات واعتصامات إلى آخره، وأن علينا الاختيار بين المسارين. والحقيقة أن هذا الفصل التعسفى بين المسارين لا يجوز وليس حقيقيا فى اللحظة الثورية الممتدة منذ يناير ٢٠١١. 
فالمساران مرتبطان شئنا أم أبينا، فالانتخابات لا تغنى عن ضغط الشارع وأشكال التعبير السياسى الأخرى، كما أن التواصل السياسى مع الجماهير عن طريق الحملات الانتخابية يجوز أن يكون محفزا لأشكال الاحتجاج الأخرى وإعادة بناء المؤسسات بشكل جذرى، وليس إصلاحيا كما تراه السلطة الحاكمة. وليس من قبيل العبث السياسى أو التواطؤ مثلا أن شارك البلاشفة بقيادة لينين فى انتخابات برلمانية فى أوج الثورة الروسية فى ١٩١٧.
والمدهش فى الأمر أن قبول هذه الثنائية المفتعلة بين ما يسمى المسار «السياسى» و«الثورى» هو بالأساس فى هذه اللحظة نفس المنطق الإصلاحى المحافظ الذى تتباه جماعة الإخوان المسلمين لمحاولة إسكات أشكال الاحتجاج الشعبى بدعاوى بناء المؤسسات.

•••

هذه الملاحظات لا تندرج فقط تحت مناقشة قرار المقاطعة ولكنها إشكاليات أوسع تتطلب منا التفكير والعمل سريعا على بناء شكل معارضة جديد. نحن فى مأزق تاريخى بين سلطة رجعية لا تختلف كثيرا فى مضمون سياساتها عن النظام السابق، ومعارضة لا تملك رؤية كلية حول بدائل وسبل التغيير بعيدا عن سياسة رد الفعل وانتقاد مثالب الإخوان التى أصبحت من المعلوم بالضرورة.

------------------------------------------------------- 

أستاذة العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية

آيه وخاطرة... الرحمة قبل العلم.. محمد عريضة

"فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا" (الكهف 65)

الكثير يلتفت الى "علم" العبد الصالح الخضر ولا يلتفت الى "الرحمة" التى أعطاه الله إياها، وجاءت سابقة في العطاء على العلم...
فالعلم وحده لا يكفي عند القول أو الفعل بين الناس ولكن لابد أن يغلفه الرحمة..‎

الرماديـون ...... مصطفى النجار


فى المجتمعات التى تعانى من مناخ الاستقطاب وعدم النضج فى ممارسة الديموقراطية بما يحمله ذلك من تعصب للآراء وإقصاء للمختلف والتشكيك فيه يتحول المجتمع ظاهريا إلى معسكرين، كل منهما يعبر عن طرف من أطراف الصراع بينما تظل الكتلة الأكبر من المجتمع خارج هذا الصراع ولا تميل لأى من طرفيه وتعلو أصوات المتصارعين حتى يحسبها البعض معبرة عن عموم المجتمع والحقيقة أنها لا تعبر إلا عن أصحابها بينما لا نسمع صوت الشريحة الأكبر من المجتمع التى تظل بعيدة عن المعسكرين ولا تجد من يعبر عنها ويوصل صوتها.

من السهل أن تنحاز لأحد المعسكرين ولكن الصعب أن تتخذ لنفسك طريقا بين هؤلاء وخطا فاصلا يجعلك لا تفقد موضوعيتك وعقلانيتك، فالوسطية طريق يدمى قدمى سالكه.

•••

الوسطية ليست موقفا عابرا بل هى منهج حياة يرفض الإفراط والتفريط والغلو والتشدد، الوسطية اعتدال بين تطرفين وعدل بين ظلمين، وهى تجمع يشمل عناصر العقل والعدل من الأقطاب المتقابلة لتكون موقفا جديدا مغايرا للقطبين المختلفين والمتصارعين، كما أن الوسطية منزلة بين طرفين كلاهما مذموم، فالشجاعة وسط بين الجبن والتهور، والسخاء وسط بين التبذير والتقتير.

البحث عن الوسطية الآن فى مصر صعب المنال بعد أن ضرب الاستقطاب بآفاته ليصيب النخب السياسية التى صارت تشبه فريقى الكرة المتنافسين بجماهيرهما المتطرفة التى تشجع فريقها بضراوة وترفض النيل منه ولا تتخيل أنه يخطئ أبدا ولا تفكر فى مراجعة نفسها لتحسين أدائها بل تركز جل جهدها فى الهجوم على الفريق الآخر وإبراز عيوبه ونقائصه.

•••

الصراع السياسى فى مصر تحول إلى صراع صفرى وليس تنافسيا، إما أن تحصل على كل ما تريد وإما أن لا تحصل على شىء، وإذا حاول البعض تقريب المسافات والوصول لقواسم مشتركة يتهم بأنه قد فرط وباع وخان وتنازل وضيع الحقوق.

بين معسكرى الاستقطاب يحاول البعض التمسك بوسطيتهم وموضوعيتهم بعيدا عن اللاعقلانية التى يصنعها العداء والكراهية المتأصلة بين المعسكرين ولكن يدفع هؤلاء الثمن لأنهم لا يرضون أحدا من الطرفين، ربما تكون من هؤلاء الوسطيين إذا كنت من الذين تتجسد فيهم الصفات الآتية:

• إذا بحثت عن الإنصاف وتحليت بالموضوعية فلم تمل إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء وتمسكت بالمبادئ المجردة وجعلتها بوصلتك التى تدور معها أينما دارت.

• إذا رفضت الانصياع للأمواج الهادرة التى تريد إجبارك على تغيير اتجاهاتك لتقف تحت راية من رايات المعسكرين.

• إذا وجدت المزايدة والتخوين والتشكيك المستمر فى مواقفك ونواياك من كل الجانبين، إذا وجدت التهليل والاحتفاء بأحد مواقفك التى رآها احد المعسكرين لصالحه وفى اليوم الثانى وجدت السب والهجوم من نفس المعسكر لأنك تحدثت بموضوعية عن أخطائه وهم لا يريدون إلا عزفا لهم فى اتجاه واحد يبرؤهم من الخطأ ويقدس أفعالهم.

• إذا اتهموك بالتلون والبحث عن المصالح الشخصية، إذا تركوا نقاش أفكارك وانشغلوا بالهجوم على شخصك، إذا امتهنوا الكذب لتشويهك والطعن فى تاريخك واختلاق الإفك بعد أن عجزوا عن مواجهة حجتك ومنطقك.

• إذا انشغلوا بهدمك بدلا من انشغالهم بالبناء ومنافستك فيما تتقدم فيه، إذا كان يؤلمهم ويوجعهم أنك صاحب رأى لا تنقاد ولا ترضى أن تنضم لجموع القطعان المنقادة.

•إذا وجدت كل هذا فاعلم أنك على طريق الوسطية فتمسك به ولا تأبه لهم وما يقولون، ولا تجعل الحرب النفسية التى يمارسونها ضدك تضعفك وتجعلك تتشكك فى سلامة الطريق، أنت على الصواب وهم قد بعدوا عنه ومالوا.

سيسخرون منك ويتهمونك بالرمادية والغموض والتقلب ولكن لا يفت هذا فى عضدك فبضاعتك التى تحملها تستحق أن تصبر وتحتمل الحماقات والسخافات وهؤلاء السائرون فى دروب الاستقطاب والغلو على اليمين واليسار سيتعثرون كثيرا وسيتذكرون حديثك ويقولون فى قرارة أنفسهم: لو سمعنا وعقلنا ما يقوله ما انتهى هكذا بنا الطريق.

•••

أنت لا تعبر عن نفسك بل عن الملايين الصامتة التى ترفض المبالغة والتطرف والغوغائية وغياب العقل والموضوعية، أنت تعبر عن كل الذين لا يرون أنفسهم متطابقين مع هذين المعسكرين ويبحثون عن طريق آخر يجب أن تكون أنت حاديه ودليله.

ربما لا يكون منهجك الوسطى براق وجذاب للذاهبين إلى صناديق الانتخابات الآن وربما يميلون إلى أحد طرفى الاستقطاب ولكن هذا لا يعنى أن بمنهجك عوار، بل أن المجتمع به علة مؤقتة ستزول عن قريب لتسقط كل أطراف الاستقطاب ويتصدر صوت العقل والوسطية.

اثبت على دربك واعتز برؤيتك ووسطيتك، لا تنكسر مهما حاولوا كسرك، لا تتراجع مهما توالت الضربات عليك، أنت مستهدف من الجانبين لأنك تمثل خطرا حقيقيا عليهم، ثبت ثوابتك ولا تساوم عليها، وتحرك فى دوائر متغيراتك وابحث عن مصلحة الناس قبل أى شىء، وإن اتهموك بأنك رمادى فقل لهم بفخر، نعم الرمادية إذا كانت تعبر عن الوسطية والمجد للرماديون.

هل ستوقف المقاطعة الأخونة؟..... مصطفى النجار

«ما أشبه اليوم بالبارحة»، يحضرنى هذا المثل المعبر عن حال المعارضة مع كل استحقاق انتخابى اذ يصيبها فجأة دوار الانتخابات وتدخل فى حالة التخبط وفقدان البوصلة لتسمع أحاديث عن المقاطعة لا تعتمد على أى قراءة منهجية وعلمية لواقع تم تشكله ومنظومة سياسية جديدة صارت أكبر من خيالات البعض الذى يصر على تعاطى حبوب التغييب السياسى والابحار فى عالم الأحلام والأوهام التى لا تلامس الواقع.
 كل من يتساءل الآن عن جدوى المقاطعة وماذا بعدها هو متهم لدى هؤلاء بأنه صاحب غرض ويبحث عن مصلحته الشخصية وهذا تزيد لا معنى له ولا يستحق الالتفات اليه لتهافته وضحالته لذا فما أكتبه فى هذا المقال قد لا يعجب البعض ولكنها الحقيقة التى أراها وأعتقدها ويفرض علىّ ضميرى أن أصارح الناس بها.

•••

أقلب فى صفحات التاريخ وأبدأ من الانتخابات الرئاسية فى أفغانستان عام 2009 حين قام المرشح المعارض عبدالله عبدالله بالانسحاب من جولة الإعادة متهما السلطة باستخدام وسائل التزوير فى نتائج انتخابات الجولة الأولى معتبرا أن الانتخابات لم تكن سوى مسرحية هزلية لم تمنع كلمات عبدالله تلك من إعلان «قرضاى» رئيسا وحاكما للبلاد ولم تفلح اتهاماته للرئيس المنتخب وحكومته بفقدان الشرعية أو تغيير نتائج الانتخابات.

أما فى انتخابات «بيرو» عام 2000 فانسحب أليجندروا توليدو من الانتخابات الرئاسية معترضا على عمليات التزوير مما سمح لخصمه ألبرتو فيوجمورى بالبقاء رئيسا للمرة الثالثة.

لكن المختلف أن توليدو لم يقرر بعد انسحابه الاختفاء والنضال بالكلام من منزله أو عبر الفضائيات، لكنه استثمر تواجده الشعبى وحركته الجماهيرية المتراكمة التى سبقت الانتخابات وقام ببناء جبهة معارضة سياسية وشعبية مؤثرة كان لها دور كبير فى استقالة فيوجمورى بعد ستة أشهر وفى الانتخابات التالية استطاع أن يصبح رئيسا للبلاد فى انتخابات عام 2001.

الدرس الذى نستخلصه من هذه التجربة أن دعوة الجمهور لمقاطعة الانتخابات دون أن تكون هناك حركة مقاومة شعبية منظمة لن يكون فى نهاية الأمر سوى إعلان لنجاح الخصم بالتزكية.

ومن لبنان والعراق تجارب مهمة تستحق النظر، فدعوة المقاطعة التى قام بها المسيحيون اللبنانيون فى انتخابات عام 1992 احتجاجا على النفوذ السورى فى لبنان وانتهت بزيادة عدد أعضاء حزب الله الشيعى فى البرلمان بعد أن كان المسيحيون يسيطرون على ثلث عدد البرلمان وكانت هذه المقاطعة سببا فى تمكين حزب الله على الساحة اللبنانية بعد ذلك.

وفى العراق عندما قررت المعارضة السنية مقاطعة الانتخابات عام 2005 وانتهى الأمر بكارثة سياسية كبيرة لهم لا تزال آثارها موجعة للسنة فى العراق.

•••

فى كل هذه التجارب كان الرهان على نزع الشرعية عن النظام واسقاطه عبر ذلك ولكن الحقيقة أن هذا المسلك ساعد هذه الأنظمة فى البقاء أطول وترسيخ أقدامها، اذن فالدعوة العشوائية للمقاطعة دون وجود الرؤية الواضحة والسيناريو البديل القابل للتحقق قد تكون إيذانا بنهاية الزعيم السياسى الذى يدعو لها وخفوت وذوبان الأحزاب والقوى التى تبنتها بعد أن تفشل فى تحقيق ما تريد كما حدث فى حالة «عبدالله» فى أفغانستان. وكما حدث أيضا فى حالة «كينيث كاوندا» زعيم حزب المعارضة الأول فى زامبيا والذى كان قد انسحب وطالب بمقاطعة الانتخابات عام 1996 فكان هذا الخطأ هو بداية النهاية العملية لتاريخه السياسى وأدى إلى كارثة للحزب الذى كان يقوده.

على من يدعو للمقاطعة أن يجيب عن هذه الأسئلة:
  • أولا: هل يمتلك رؤية واضحة وقابلة للتنفيذ لما بعد المقاطعة وهل تتلاءم مع قدراته؟

  • ثانيا: هل ستجد الدعوة للمقاطعة استجابة شعبية واسعة تشكك فى مصداقية الانتخابات وتجبر النظام على تأجيلها أو اعادتها؟

  • ثالثا: هل ستتوحد القوى السياسية الفاعلة على قرار المقاطعة أم سيخوض بعضها ويقاطع البعض الآخر مما سيجعل فكرة المقاطعة أضحوكة لتكون نتيجتها النهائية تعزيز نسبة الحزب الحاكم وحلفاؤه للسيطرة على مفاصل الدولة عبر عرض مجانى من المعارضة المنقسمة؟

  • رابعا: هل الدعوة للمقاطعة بسبب أوضاع حزبية داخلية تخشى من خوض الانتخابات لعدم الجاهزية وحدوث فرز جديد كاشف فى الأوزان النسبية لمن يدعون الشعبية والتأثير؟

 ثمة حجج يدفع بها هؤلاء عن الخوف من تزوير الانتخابات وكل من مارس العملية الانتخابية يعرف ان تزوير الانتخابات البرلمانية يكاد يكون مستحيلا الآن بعد جعل الفرز فى اللجان الفرعية ويمكن منع التزوير تماما بوجود مندوبين لكل مرشح فى كل اللجان فى عملية التصويت والفرز مع الاشراف القضائى الكامل والرقابة الدولية والمحلية مع العلم أن المشاركة فى الانتخابات هى التى تفضح التزوير فى حالة وقوعه وليس المقاطعة لأن النظام الذى يرغب فى تزييف ارادة الناخبين لن يحتاج للتزوير فى حالة مقاطعة منافسيه للانتخابات واذا خاطر النظام ومارس التزوير فستكون هذه شرارة الثورة الشعبية الحقيقية التى سيشارك فيها الملايين.

صمموا على تحقيق مطالب الثورة وضمانات النزاهة وشاركوا أو قاطعوا ولكن لا تهربوا من معارككم التى يجب خوضها وتأخرتم فيها، لا تتحدثوا الا بما تملكون من قدرات، لا تلوموا الشعب على اختياراته فأنتم لم تقدموا له بديلا اذا أكملتم على نفس الطريق فهذه نهاية سيضيفها التاريخ لسجل الفاشلين.

•••

إذا لم تكن تستطيع القيام بثورة وحشد الجماهير لإسقاط النظام واذا لم تؤد واجبك فى التواصل مع الناس وبناء تيار شعبى حقيقى يخوض معك معركة المسار الانتخابى أو الثورى ومع ذلك تدعو للمقاطعة وافساح الساحة أكثر للإخوان وحلفاؤهم دون أن تعلم ما هى الخطوة القادمة فأنت شريك للنظام وداعم له ومقاطعتك لن توقف مسلسل التمكين والأخونة.

الجمعة، 1 مارس 2013

الدين والدولة ..................... إبراهيم الهضيبى

يبدو تقسيم الأطراف السياسية إلى «إسلامى» و«مدنى» عبثيا، لا بسبب عدم تناوله الأسئلة الرئيسة المفروضة على المجتمع (والمتعلقة بالموقف من الثورة والتغيير، والتوجهات العامة فى الاقتصاد وعلاقة الدولة بالمجتمع والعلاقات الدولية) فحسب، وإنما بسبب عجزه عن تفسير مواقف الطرفين إزاء ذات القضية التى يجرى التقسيم على أساسها، إذ لم تزل الأحداث تكشف اضطراب مواقفهما المتعلقة بسؤال علاقة الدين بالدولة.
••• 

كانت مناقشات مجلس الشورى فى الأسابيع الماضية كاشفة، فمشروع قانون «الصكوك الإسلامية» (الذى قدمه الإسلاميون) ووجه بالرفض من قبل الأزهر (الذى نصت المادة الرابعة من الدستور على أخذ رأى كبار علمائه فى الشئون المتعلقة بالشريعة)، لا لاصطدامه بأحكام شرعية، وإنما لأنه منع الطعن على القرارات الناتجة عنه، ولأنه أعطى الأجانب حق التملك (وهى أسباب سياسية أقرب منها للشرعية)، وقابلت الأطراف المدنية (المتخوفة من تدخل المؤسسات الدينية فى الحكم) هذا الموقف بالترحاب.

وبعد أسابيع معدودة كان المجلس ذاته يناقش طلبا للاقتراض من الاتحاد الأوروبى، وقد ووجه مشروع القرض بمعارضة بعضها لأسباب سياسية واقتصادية وبعضها لأسباب دينية، سببها عدم اطمئنان المعترضين لخلو القرض من الربا، فطلبوا ــ استنادا للمادة ذاتها من الدستور ــ عرضه على الأزهر، فرفض زعيم الأغلبية «الإسلامى» معتبرا اللجوء للأزهر انتقاصا من السيادة الشعبية التى تقصر حق التشريع على نواب الشعب.

هذان الموقفان يمكن النظر إليهما على أكثر من مستوى، فهما ــ من جهة ــ يكشفان عدم جدية جل الأطراف الحاملة لألوية «المدنية» و«الإسلامية» فى دفاعها عما تنادى به، واستعدادها للتنازل عنه مقابل مكاسب سياسية صغيرة، وهو ما ينبغى أن يدفع ــ بدوره ــ لتعرية الصراع من غطائه الهوياتى، والنظر إلى حقيقته المتعلقة بالتوجهات والمصالح السياسية والاقتصادية. 

غير أن الموقفين ــ من جهة أخرى ــ يعبران عن قصور الطرفين المتنازعين فى تقديم رؤية جادة لعلاقة الدين بالدولة، واكتفائهما بشعارات (سواء الإسلامية أو المدنية) تركز على مساحات التباين بينهما، مع لجوئهما ــ عند طلب التفصيل ــ لخطاب عام يقر بوجود مساحات من التماس بين عمل الدولة والأحكام الشرعية، ثم لا يحاول إيضاح حدود هذا التماس، وكيفية تنظيمه، وهو ما يجعل الخطاب ــ على الجانبين ــ شعبويا مفتقدا للجدية.

•••

والتنظيم الجاد للعلاقة بين «الدين» و«السياسة» يحتاج للإجابة عن ثلاثة أسئلة، أولها يتعلق بماهية الشريعة، وثانيها بماهية الدولة، وثالثها بعلاقتهما، ولم يقدم طرفا النزاع (بل وغيرهما من الأطراف المؤثرة) أى جهد ظاهر فى اتجاه الإجابة عن تلك الأسئلة.
  • فأما السؤال عن ماهية الشريعة فمن الملفت أن أهم الأطراف الإسلامية (الإخوان والدعوة السلفية) لم تجب للآن عنه، فلم تقدم تعريفا للشريعة لا من حيث التعريف الكلى، وما من حيث مناهج استنباط الأحكام، ولا من حيث الآراء الفقهية الراجحة والتى يسعون لإعمالها، وهو ما يبقى مفهوم الشريعة مبهما، صالحا للاتساع أو التضييق بحسب المصلحة السياسية، ويعطى شرعية للمزاعم القائلة بأن هذه التيارات إنما تستخدم الشريعة لتحقيق مصالح سياسية وتنظيمية.

 ولا يختلف الأمر كثيرا فى الأزهر، إذ نصت المادة 219 من الدستور (والتى صاغها الأزهر) على أن «مبادئ الشريعة تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة فى مذاهب أهل السنة والجماعة»، وهو توصيف شديد العمومية يسمح بالشىء ونقيضه، خاصة فى ظل التنازع على لافتة أهل السنة بين مدارس دينية مختلفة، وفى ظل تزايد القطيعة بين واقع الأزهر وماضيه الذى كان أكثر وضوحا فى أشعريته وتمذهبه وتصوفه حتى مطلع القرن المنصرم.

وغنى عن البيان أن الأطراف «المدنية» لم تقدم هى الأخرى تصورا لماهية الشريعة، وليست هذه مسألة ترفية، إذ أنها تقدم تعريفا لنفسها باعتبارها «مدنية» تؤمن بتحكيم «مبادئ الشريعة» ثم تعترض على تعريف غيرها لتلك المبادئ من دون أن تقدم هى ما يصلح كبديل للنقاش.
  • وأما السؤال عن ماهية الدولة فهو مطروح منذ نشأة مصر الحديثة فى عهد محمد على، مع امتلاك الدولة لأدوات لم تكن تمتلكها من قبل ــ مكنتها منها الثورة الصناعية ــ صارت بها قادرة على إدارة المجتمع و«ترشيده» والتدخل فى مساحات من الحياة الخاصة لم تكن قادرة قبل ذلك من الوصول إليها، على نحو جعل حنا أرندت تعتبر الوظيفة الرئيسة للدولة الحديثة هى تحويل التدبير المنزلى لمهمة وطنية، والأسئلة عن حدود الأدوار الرئيسة للدولة (سياسيا واقتصاديا واجتماعيا) تظهر التناقضات فى مواقف جل التيارات السياسية، التى يكون دعمها لتدخل الدولة أو انسحابها فى قضية معينة مبنيا لا على تصورات لطبيعة دور الدولة ووظيفتها، وإنما على نوع التوجه المفروض بهذا التدخل أو عدمه، والشخص القائم عليه.

  • وأما السؤال عن علاقة الدين بالدولة ففيه إشكاليات لم تقدم الأطراف المختلفة إجاباتها عنها:
  1. منها ما يتعلق بكيفية استجابة الفقه لأسئلة الواقع (خاصة فى ظل عقود طويلة من انقطاع الإنتاج الفقهى بطريقة التفريع على المذاهب، واللجوء للمنهج «السلفى» القافز على التراث المعرفى إلى النص الأصلى)،
  2. وحدود «الضرورة» التى يستند إليها الساسة فى تبرير مواقفهم السياسية،
  3. وكيفية تحقيق معانى الصحة الشرعية والصلاحية السياسية فيما يطرح من سياسات،
  4. وكيفية تنظيم العلاقة بين المؤسسات الدينية والمؤسسات السياسية بما يضمن عدم جور أيهما على الأخرى،
  5. والمعايير المفترض التزامها للارتقاء بكفاءة تلك المؤسسات (بعض القوى الإسلامية فى مناقشتها لاختيار المفتى الجديد لم تتطرق لأى معايير تتعلق بالكفاءة العلمية للمرشح، وإنما اقتصرت مطالباتها بألا يكون من الفلول).
•••

مثل هذه الأسئلة تحتاج الإجابة عنها للوقت والبحث وإعمال الفكر من قبل أهل البحث والتخصص فى المجالات المختلفة، وأكثر ما يضرها تعجل الإجابات قبل أوانها، والاستخدام السياسى للشعارات الخالية من المضامين، والاستجابة لضغوط الواقع الدافعة لتقديم إجابات تفتقر إلى الصحة العلمية فتزيد من ضبابية القضايا محل البحث وتؤخر بالتالى الإجابات عنها.

وإدراك هذه الحقائق (الحاجة للوقت والتخصص، وخطورة الاستخدام السياسى) ينبغى أن يدفع الأطراف المتباينة للانشغال بواجب الوقت، وبالقضايا الحالية المطروحة، مع توجيه أهل الاختصاص جهودهم البحثية لإنتاج إجابات أكثر جدية عن أسئلة الدين والدولة.