الاثنين، 3 أكتوبر 2011

الإسلاميُّون بين الدعوة والدولة (ج2/3)…… د. طه جابر العلواني

الديمقراطيَّة وعائلتها المفاهيميَّة بين اجتهادات الإسلاميّين وتراجعهم:

 اجتهاد أم تراجع؟
 منذ أن تغيَّر النظام السابق في جمهورية مصر العربيّة والجدل شديد بين المثقفين والمعنيّين بالشأن العام حول «الدولة الدينيّة والدولة المدنيّة» أو «المواطنة والذمّة» وما إلى ذلك.
 يشتد هذا الجدل وتعلو فيه الأصوات ويشتد فيه صرير الأقلام أحيانًا وتضطرب فيه الأصوات وتختلط في الاعتصامات وأماكن التجمعات العامّة، ومن الواضح أنّ هناك رفضًا لا يستهان به لما يسمى «بالدولة الدينيَّة» أو «الثيوقراطيَّة»؛ بل إنّ هناك تخوفًا لا يهدأ من الليبراليّين على اختلاف مستوياتهم، وقد يلحق بهم بمستوى أو بآخر بعض المنتمين إلى الأقليّات الدينيّة المذهبيّة لأنّ الصورة المتبادرة إلى الأذهان صورة إنسان أو موظف حكوميّ يجلس على كرسي عالٍ يوحي بكل معاني التسلُّط وأمامه شخص آخر كل ذنبه أنّه لم يوفّق للانتماء إلى ديانة الأكثريّة فيكون جزاؤه أن يحكم عليه بأنّه إنسان طارئ على الوطن الذي ينتمي إليه وعليه أن يدفع «الجزية عن يد وهو صاغر ذليل»، ومن ذا الذي يرتضي لنفسه الذلة والصغار أو يختار مَا هُوَ أقسى على نفسه من ذلك، وهو تغيير الدين بالقوة؟!
 ولذلك فقد ارتفعت أصوات كثيرة تنادي بإلغاء الأحكام المتعلّقة «بالجزية» وجميع الأحكام المتعلقة بأهل الذمَّة، وإذابة الفوارق بين الناس على أيّ أساس قامت دينيّ أو مذهبيّ. وإعلان علمانيّة الدولة وليبراليّة الاتجاهات والاحتكام إلى الديمقراطيّة وقيمها وأعلاها قيمة «الحريّة»، ونجد المهمومين بهموم العمل السياسيّ بمرجعيّة إسلاميّة في موقف دفاع دائم وانسحابات وتراجعات؛ فمرة ينفون وجود الجزية، أو يئولونها ويحملونها على أضيق المحامل، ومرة ينادون بتجميد الحدود الشرعيّة، وأخرى وثالثة ورابعة، والذي نودّ أن، نوضحه للمتجادلين في الصفحات التالية قضيّة «المواطنة» مَا لها وما عليها، ونستلهم القرآن المجيد ليفتينا فيها([4]).!
 إنّ القرآن المجيد لم يتحدث عن «مفهوم المواطنة»؛ بل تحدث عن مفهوم الدار ومفهوم البيت وما إليها، وذلك انسجامًا مع رؤيته الكليّة للحياة ومراحلها العديدة، فالحياة الدنيا مَا هِيَ إلا مرحلة من مراحل الحياة الإنسانيّة الممتدة من بدء الخليقة إلى وصول الإنسان إلى الجنة أو النار، وبالتالي فما هِيَ بدار قرار متصل بالخلود؛ لأنّ الدار الآخرة هِيَ الحيوان وهي موقع الخلود لكن الدار الآخرة لا يمكن الوصول إليها بسلام والحصول على الجزاء الأحسن فيها إلا بعد المرور بمرحلة الحياة الدنيا وممارسة الدور الإنسانيّ فيها بخيره أو غيره.

 و«مفهوم الدار» فيه معنى الانتقال أو التغيير، كما يتضمن الإشارة إلى أنّ الأرض كلّها ميدان للإنسان ليمارس فيه دوره الاستخلافيّ.

 إشكاليّة الهُوِيَّة:
 إنّ موضوع «المواطنة» قد مثّل جزءًا من مشكلة «الهويّة» والمفاهيم المختلفة التي ارتبطت بها منذ احتكاكنا الفكريّ والثقافيّ والسياسيّ والعسكريّ بالغرب في القرن الماضي.
 وإذا كانت المسألة قد حسمت على صعيد الواقع منذ أن تمزقت الدولة العثمانيّة وتحولت أشلاؤها العربيّة وغيرها إلى دول وحكومات قوميّة وإقليميّة فإنّ المسألة لم تنتهِ على المستوى الفكريّ والثقافيّ بل بقيت سؤالا كبيرًا يُطرح بشكل تحدٍّ أحيانا وبشكل عذر أو ذريعة أحيانًا، كما يطرح بشكل تساؤل أحيانا أخرى، وأيًّا كان الشكل الذي يطرح الموضوع به فقد بقي موضوعًا شديد الحساسيّة كبير الخطر. حتى إذا بدأت مظاهر الشيخوخة والكبر والفشل تبدو على قواعد الدولة القوميّة والدولة الإقليميّة الوطنيّة في بلاد المسلمين بدأ البحث يشتد حول صيغ جديدة للهُويّة والانتماء وأفضل أساليب تنظيم العلاقات بين شعب كل قطر من ناحية، وبينهم وبين الحكومات المهيمنة على مقدراتهم حزبيّة كانت أو عسكريّة أو غيرها من ناحية أخرى وتضاعف حجم ذلك السؤال كثيرًا ونما بشكل هائل.
 وحين بدأ الاتجاه الإسلاميّ في الأمّة يتحرك، وترشح بعض فصائله نفسها بديلا سياسيًّا وتؤكد أنّ «الإسلام هُوَ الحل» حُوِّل السؤال إلى مشكلة كبرى تطرحها بوجه العاملين في الحقل الحركيّ والسياسيّ الإسلاميّ على اختلافهم سائر الفصائل الليبراليّة العلمانيّة والدنيويّة الأخرى، وأصبحت هذه القضيّة أداة من أدوات الصراع السياسيّ في العالم الإسلاميّ الحديث. وكثير من الحكومات السائدة في بلاد المسلمين تحتج بوجود أقليات غير مسلمة لحرمان الأكثريّة المسلمة التي قد تبلغ 98% أو تزيد من حقها في اختيار الشريعة التي تتحاكم إليها، وكثير منها تتهم الحركات الإسلاميّة بأنّ وجودها -وحده- فضلا عن مبادئها ومطالبها وأهدافها يعتبر تهديدًا «للوحدة الوطنيّة» يقتضي سن «قوانين طوارئ» وتعطيل القوانين المدنيّة.
 لقد كانت «المواطنة» أساس الانتماء الذي أكد على «الوطنيّة» هويّة للدولة الحديثة. و«المواطنة» انتماء إلى تراب تحده حدود جغرافيّة، فكل من ينتمون إلى ذلك التراب مواطنون يستحقون مَا يترتب على هذه المواطنة من الحقوق والواجبات التي تنظم بينهم (بمقتضى هذه النسبة) لا بشيء آخر سائر العلاقات. فالرابطة بينهم رابطة علمانيّة دنيويّة. وكذلك الرابطة بينهم وبين حكوماتهم رابطة علمانيّة دنيويّة تخضع لمقاييس النفع والضرر، نفع الوطن ونفع المواطن، ولا بد من انصهار المواطنين -جميعًا- بكل أديانهم ومذاهبهم ومللهم ونحلهم وجذورهم العرقيّة في هذه الرابطة الترابيّة النفعيّة، وكذلك تنازلهم عن أيّة خصوصيّات تتعارض مع هذا الإطار. ولأنّ هذه الرابطة تهن وتقوى بمقدار مَا يتحقق من نفع لشركاء التراب الواحد ولا تمثل للإنسان ميزة يختص بها، بل هِيَ نزعة مشتركة بين الإنسان وكثير من فصائل الحيوانات والطيور. فقد أوجد نوع من التلازم بين «المواطنة والعلمانيّة أي الدنيويّة لتكون العلمانيّة الدنيويّة مضمونها الفكريّ». فالمواطنة بمفهومها المذكور لا تتحقق عند أهلها إلا في ظل العلمانيّة الدنيويّة وفي إطار سيادة مفاهيمها ونظمها ومنهجها في الحياة. ومن هنا ظنّ العلمانيّون الدنيويّون في العالم الإسلاميّ أنّ هذه الحجّة المتمثلة بوجود أقليات غير مسلمة عصا موسى القادرة على لقف ومصادرة كل مَا ينادي به أصحاب المشروع السياسيّ الإسلاميّ. فتعالت الأصوات برفض المشروع الإسلاميّ والتنديد به والتأكيد على وجوب بناء «المجتمع المدنيّ» الذي هُوَ نقيض المجتمع الدينيّ في نظرهم([5]).
 ولقد حاول كثير من قادة «المشروع السياسيّ الإسلاميّ» احتواء ذلك الضجيج والتأكيد على أن المشروع الإسلاميّ كفيل بتحقيق «المجتمع المدنيّ» المطلوب –في إطار إسلاميّ- وأنّهم مستعدون لتأصيل كثير من دعائم المجتمع الغربيّ الذي يصر العلمانيّون الدنيويّون على أنّه النموذج الأوحد «للمجتمع المدنيّ»، ولكن ذلك كلّه لم يقنع الفصائل العلمانيّة الدنيويّة بذلك ولم يعانوا محاولة قبولهم أو رضاهم، أو تركهم «المشروع السياسيّ الإسلاميّ» يمر في أقل تقدير ولا يزال القادة والمفكّرون الإسلاميّون يجتهدون ويواصلون اجتهاداتهم في كل مَا طرحه العلمانيّون على المشروع السياسيّ الإسلاميّ من إشكالات لكن بعض العلمانيّين يرفضون الاستماع إليهم أو تصديقهم، فلقد اجتهد كثير من قيادات «المشروع السياسيّ الإسلاميّ» في مفهوم «الديمقراطيّة» وأعلنوا قبولهم لها وأصّلوا لها دون تحفظ، وشاركوا فيها. كما اجتهدوا في «التعدديّة السياسيّة» وأعلنوا قبولها كدعامة من دعائم الديمقراطيّة. وأعلنوا قبولهم لفكرة ومفهوم «الحريّات العامّة» كما أعلن بعضهم ذلك بدون تحفظ وقبلها بعضهم بتحفظ بسيط.
 وقد أعلن جل القادة السياسيّين من الفصائل الإسلاميّة اتساع الإسلام لقبول مفهوم المواطنة كما هُوَ في الوعي المعاصر ويدلّل لهذا القبول ويعلّل له ويؤصله ليكون اجتهادًا معتبرًا شرعًا تستجيب له القلوب المسلمة وتقبله العقول.
 ومع ذلك فلا تزال العديد من الفصائل العلمانيّة الدنيويّة على مواقفها من رفض المشروع السياسيّ الإسلاميّ وتخوفها منه، وشكها في أصحابه. بل إنّ بعضهم يفضل العيش في ظل الاستبداد والدكتاتوريّات السافرة والمقنَّعة على قبول أيّ مشروع سياسيّ إسلاميّ مهما أدخلت عليه من تعديلات.
 ولذلك فقد أردت أن أبدي رأيي في هذا الموضوع الخطير وفي هذه المرحلة الحرجة لعلّ الله –جلّ شأنه- يهدي قلبي ولساني وقلمي لقول التي هِيَ أحسن في هذا المجال.
 المفاهيم وخطورة استعارتها دون وعي:
 إنّ استعارة مفاهيم من نسق حضاريّ مختلف له جذوره وأصوله الوثنيّة وقواعده المغايرة ليس كاستعارة ألفاظ عاديّة أو ترجمة مصطلحات ميكانيكيّة، زراعيّة أو صناعيّة أو وسائل وأدوات حضاريّة وإن كنّا نرى أنّ في هذه المصطلحات -أيضًا- هناك أمور لا بدّ من ملاحظتها؛ لأنّ وراء كل من الآلة والأداة والمصطلح الذي يعبر عنها أفكارًا لا يسعنا تجاهلها أو إهمال دورها في التأثير الفكريّ والعمرانيّ، لكن الأمر في هذه قد يكون أهون خطرًا أو أقل شأنًا من عمليّة استعارة مفاهيم مشحونة بجملة من الأفكار والتحيزات متصلة بكثير من القواعد ومؤدية إلى كثير من الآثار في مختلف جوانب الحياة مثل «المواطنة» و«الديمقراطيّة» ونحوها.
 ولعلّ في الملاحظات القليلة التالية مَا ينبه إلى بعض مخاطر استعارة المفاهيم الحضاريّة من الأنساق المغايرة بحيث يتنبه المستعيرون إلى وجوب وضع الضوابط المناسبة، والمعايير الضروريّة لهذا النوع من الاستعارة، لئلا تنهدم السدود بين الثوابت والمتغيِّرات في إطار الحوارات السياسيّة التوافقيَّة.
 أولا: إنّ كلمة «مواطن» تعبير لم يظهر ولم يجر تداوله إلا بعد الثورة الفرنسيّة (سنة: 1789م)، أمّا قبلها فالناس ملل وشعوب وقبائل لا تعتبر التراب –إلا تبعًا لشيء من ذلك- وسيلة من وسائل الارتباط.
 ثانيًا: إنّ العلمانيّة الدنيويّة –بعد ظهورها وبروزها- كتيّار فكريّ ومنهاج حياة يقابل الدينيّة بالتقاطع أحيانًا، والتلافي والتحجيم والتجاوز أحيانًا أخرى، استهدفت فيما استهدفته إذابة الفوارق والخصوصيّات والفوارق دينيّة كانت أو عنصريّة أو إثنيّة، ولا تسمح لها أن تعرقل مسيرتها، أو أن تحدَّ من فاعليّتها في إذابة الفوارق وإقامة النظم الشاملة القائمة على المصلحة واللذّة والمنفعة الدنيويّة لا غير؛ لأنّها كرّست هذه الأمور باعتبارها البديل عن القيم الدينيّة والخلقيّة.
 ثالثًا: إنّ نصوص القرآن العظيم المتعلقة بهذا الموضوع وما ورد تطبيقًا لها وتنزيلا لأحكامها على الواقع مثل «ميثاق المدينة»([6]) وما بني عليه من تصرفات الخلفاء الراشدين وقيادات الصحابة والتابعين في الميادين المختلفة كانت تشير كلّها –بوضوح شديد- إلى حرص الإسلام البالغ على مساعدة سائر أولئك الذين لم يقتنعوا بعد بالدخول في حظيرة الإسلام، على حماية خصوصيّاتهم الدينيّة والعرقيّة والمحافظة عليها. فبالإسلام يستحق المسلم حماية ضروريّاته الخمسة وحاجاته وكمالياته. وبعقد الذمَّة يستحق غير المسلم ذلك كلّه مع الاعتراف له بخصوصيّته المليّة والعرقيّة وحمايتها والدفاع عنها إلى حد القتال إذا هددت من مسلمين أو غيرهم. وبذلك يأخذ غير المسلم نصيبه الكامل من حريّة التفكير والتدبّر والتأمّل والمقارنة، فيأخذ قراره بالبقاء على مَا هُوَ عليه أو التحول إلى الإسلام بحريَّة تامَّة، بل إنّ الإسلام قد نظر إلى غير المسلم من منظور رسالة عالميَّة تنفي الإكراه بكل أشكاله وترفضه في الأصول والفروع )لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ… ( (البقرة:256). فالتشريع الإسلاميّ قام بحماية غير المسلمين مرتين: مرة حين بسط عليهم ظله الوارف كبقيّة المسلمين ومنحه مثل مَا منحهم من حقوق، ثم نظر إليه مرة أخرى لحماية خصوصيّاته المليّة والعرقيّة من الذوبان أو الإذابة والدفاع عنها بالقوة نفسها التي يحفظ فيها للمسلم ذلك. فكأن لغير المسلم ميزة على المسلم في هذا الإطار فكيف ينظر إلى الميزة أنّها امتهان لمن مُنِحَها؟! إنّه لا غرابة في أن يمنح الإسلام «الذميَّ» هذه الميزة وهذه الكرامة، فإنّ الإسلام دين عالميّ ينظر للبشر نظرة واحدة وينظر إلى مستقبل البشريّة –كلّها- نظرة تفاؤل وأمل بأنّ يومًا مَا آت لا محالة، تتحد فيه هذه البشريّة وتدرك أنّها -كلّها- لآدم وآدم من تراب، وأنَّ كل الخصوصيّات المتمايزة إنّما هِيَ خصوصيّات تنوّع وتعارف، ولذلك فإنَّ من أهم خواص هذا الدين تلك الأرحام والقرابات والصلات التي يحاول الحفاظ عليها بين الأديان السماويّة من ناحية، وبينها وبين سواها من ناحية أخرى، حتى يأتي الوقت المناسب ليجعل من كل هذه الأمور التي تبدو متناقضات أشكال تنوّع يحتويها في إطاره، ويضمها تحت جناحيه، ويهيمن عليها باعتباره «الهدي الكامل، ودين الحق»، الحق المحتم ظهوره على الدين كله، بعد أن توجد الصيغ الفكريّة النابعة من منهجيَّة القرآن العظيم المعرفيّة، والتي تمكن البشر بشعوبهم المتنوّعة وعروقهم المختلفة وسائر وحدات الانتماء الأخرى لديهم من إيجاد الصيغ والقنوات المستوعبة لحركة البشريّة، وتحويل ذلك التنوّع إلى وسيلة تعارف وتأليف بين أبناء آدم –أبناء التراب.
 رابعًا: لا مانع يمنع أهل الاجتهاد من علماء المسلمين من أن يجتهدوا في كل أمر من الأمور التي يجوز الاجتهاد فيها ولا بد من أن يبدع علماء الاجتماعيّات المسلمون في سائر المجالات ليسهموا في بناء «المشروع الحضاريّ الإسلاميّ». فالاجتهاد في الشرعيّات والإبداع في الاجتماعيّات هما طرفا الديناميكيّة في حركة الإسلام وعمليّة بناء مشروعه الحضاريّ، لكنّنا شديدو التوجس من قبول أفكار لا يضبطها منهج وقانون كليٌّ صارم ولا تقوم الحجة والبرهان على مشروعيّتها، أو التساهل في إطلاق اجتهادات المواءمة بين الإسلام وسواه، واعتبار أي اجتهاد بشريّ مهما كان، ممثلا لجوهر الإسلام أو معبرًا عنه بشكل لا يحتمل سوى ذلك، فسائر الاجتهادات البشريّة يمكن أن يعتريها من النقص مَا يعتريها، وذلك لنسبيّة الإنسان وقصور أدواته ووسائله، ولذلك فإنّ من الخير لعلماء المسلمين ومفكّريّهم التأكيد الدائم على هذه النقطة، وقد بينا في أكثر من دراسة أنّ مَا يجتهدون فيه لمواجهة متطلبات العمل السياسيّ اليومي المتحرك المتغيّر لا يلغي مَا استقر من أحكام أو فقه سابق، بل هُوَ إضافة له وإنماء وبناء عليه إذا كان مستوفيًا لشروطه وهو قبل ذلك وبعده قابل للتصويب وللتخطئة والله أعلم.
 كما أنّه في الوقت نفسه لا يصادر على من يأتي بعدهم، ولا يحول بينهم وبين أن يجتهدوا لزمانهم في إطار تلك الثوابت وانطلاقًا من تلك الأصول.
 خامسًا: إنَّ من أكثر الأحكام التي تعرضت لسوء الفهم ولسوء القراءة في عصرنا هذا، وفي الماضي، أحكام «أهل الذمة» والأحكام المتعلقة بتقسيم العالم في النظرة الإسلاميّة في إطار عالميّة الإسلام الأولى: ففي الماضي أساء الكثيرون فهم تلك الأحكام وخرجوا من النصوص الواردة في هذا المجال بما لم يأذن به الله، خاصّة مَا يتعلق بفهم البعض قوله تعالى: )… وَهُمْ صَاغِرُونَ ((التوبة: 49)، حيث أخرجها بعض الفقهاء المتأخّرين من معناها البسيط الذي يشير إلى الالتزام بالنظام والخضوع لما تبنّته الجماعة، إلى ربطها بنوع من الإذلال قد يكون هُوَ الذي أوجد كثيرًا من تلك الرواسب التي بعثت على كثير من التساؤلات المتعلقة بهذا النوع من التشريع في عصرنا هذا.
 وفي الحاضر تعرضت هذه الأحكام لسخط العلمانيّة الدنيويّة بكل فصائلها وتوجهاتها، فرمتها تلك الفصائل بكل مَا لديها من تهم التمييز والتجنّي، ولو أنّ هذه الأحكام أعيدت قراءتها قراءة متأنية واستفيد في هذه القراءة بمعطيات العلوم الاجتماعيّة المعاصرة لوجد أنّها يمكن أن تكون ضالّة البشريّة التي تنشدها، وأنّها هِيَ أو نحوها التي قد تحقق للبشريّة اليوم الانسجام بين التوجيهات نحو بناء الكتل والقوى الكبرى، والمحافظة على خصوصيّات محترمة تتحول إلى مصدر قوة وتنوّع في إطار المجموع، دون أي تهديد بانفجار كالذي تعرضت له الولايات المتحدة بين السود والبيض قبل عدة عقود ويمكن أن تتعرض له في أيّ وقت بين العروق والأديان والمذاهب الأخرى التي ألّفت هذه الأمّة الكبرى في ضوء أفكار فيها من الثغرات الشيء الكثير([7]).
 فإنّ هذا السلام والاطمئنان الذي نلحظه في نموذج الولايات المتحدة وكندا وهذا التعايش الملحوظ بين الجذور المختلفة والأديان والمذاهب المتباينة التي تعتمد على مفهوم أنّ حريّة الفرد تنتهي عند بداية حريّة الآخرين.. وأن احترام الخصوصيّات من خلال القناعة والتسليم بأن لكل إنسان خصوصيّته أو خصوصيّاته وله أن تُحترم خصوصيّاته كجزء من حقوق الإنسان؛ لكن تصور الحريّة بهذا المفهوم خاطئ، وكذلك تصوّر أو تجاهل «حقوق الإنسان» بهذا الشكل فيه من الثغرات مَا فيه. كما أنّ تصوّر انعدام هذا التمايز خطأ آخر. كذلك تصور أن عدم تقنينه كفيل بإنهائه وأنّه أفضل من تقنينه يمثل خطأ آخر. فالتوازن القائم في المجتمع الأمريكيّ وأمثاله من المجتمعات توازن يمكن أن نسميه (بتوازن النمور)([8])، وتوازن النمور هذا يصلح لأنّ يكون مدخل تحليل وتفسير لكثير من القضايا الموجودة في المجتمع الغربيّ.. فطبيعة الفكر الغربيّ والفلسفة الغربيّة طبيعة ثنائيات صراعيّة جدليّة، تقوم على نفي الآخر والقضاء عليه، فعمليّة التوازن حين توجد تعتبر عمليّة طارئة لا تتحقق إلا في حالة وجود قوىً متعادلة أو مصالح متعادلة، فالأبيض في بادئ الأمر قد نفى الهنديّ الضعيف وأباده وحلَّ محله([9])، واتبع سياسة التمييز مع الملَّون والمرأة وسائر الأقليّات الأخرى.. وحين يقيم توازنًا أو يفكر فيه فذلك في إطار الحلول الآنية التي تفرضها مصالح راجحة مؤقتة، وبالتالي فهذا التوازن مهدَّد على الدوام بالاختلال والاضطراب.. وإذا كان مَا عرف بالاتحاد السوفيتيّ قد انهار وعاد إلى دول عديدة، ولا تزال عمليّات الانشطار جارية وفسر ذلك بأن الإطار الفلسفيّ الماركسيّ القائم على الصراع الطبقي والضغط ودكتاتورية (البروليتاريا) لم يستطع أن يكبت المشاعر الإنسانيّة في التطلع إلى تحقيق الذات، فإن النموذج الغربيّ الآخر يحمل (ميكروبات) مماثلة، وأن «فكرة الحريّة» وحدها سوف تتحول إلى مجرد نموذج للتوازن المؤقت القابل للانهيار في حالات الضغوط والاحتقان التي قد تجعل الحريّة وسيلة سلبيّة تُسخَّر في تدمير التوازن في الفئآت المختلفة التي تكون حصيلة تآلفها، ووسيلته الأساسيّة إحساسهم بأنهم قوم اجتمعوا من سائر بقاع الأرض ليتوازنوا ويشكلوا رابطة فيما بينهم هِيَ عبارة عن عقد اجتماعيّ أو رابطة تقوم على كونهم جميعًا (دافعي الضرائب)، وأن «صفة المواطن» الصالح هِيَ أن يكون ملتزمًا بدفع ضريبته في وقتها ودون نقصان.. وفي الوقت نفسه هناك مستفيدون من هذه الضريبة تجمعهم صفة الاستفادة بها..
 إنّ الماركسيّة كانت محاولة تصحيح لأمراض الفكر والحضارة الغربيّين وقد سقطت، فإذا سقط العلاج فذلك لا يعني أن المريض قد صح وعوفي، بل يعني أنّ المريض قد تفاقمت علته وأصبح في حاجة إلى منقذ آخر وعلاج جديد وإلاّ كان الهلاك مصيره.
 أمّا الإسلام فمن خلال النظام الملِّي، وتقنين وضع كل فرد في إطار المجموع، فقد لبَّي الحاجات النفسيّة والتطلعات والأشواق الروحيّة لكل مقيم على أرضه، فليس للأكثريّة الحق في أن تمحو شخصيّة الأقلية أو أن تزيل مزاياها وتذيب خصائصها.. وفي الوقت نفسه ليس للأقلية أن تعمل على إثبات خصوصيّاتها من خلال الانتقاص من حقوق الأكثريّة أو تدمير خصائصها أو استنكار تمتعها بخصوصيّاتها ومزاياها. فالتوازن في المجتمع الإسلاميّ يقوم على عمليّة الاعتراف بالخصوصيّات والمزايا لسائر المنتمين إلى هذا الكيان، وتقنين هذه المزايا والخصوصيّات بشكل يسمح للأكثريّة والأقليات بالنمو والازدهار، لتتحول المزايا والخصوصيّات المختلفة إلى وسائل تنوّع إيجابيّة في الكيان الاجتماعيّ.
 في حين نجد العلمانيّة الدنيويّة المعاصرة تستهدف إذابة كل الخصوصيّات لصالح فلسفتها ولذلك فإنها تنتهي عادة بإذابة كل الخصوصيّات لصالح فلسفتها وتنتهي عادة لصالح الأكثريّة المتصوَّرة التي يمكن أن تتحقق بأيّ جزء فوق النصف (فتصويت فرد بعد الخمسين في المائة) يسقط شرعيّة وقانونيّة مَا يذهب إليه الباقون في هذا الأمر.. ذلك لأنّ العمل السياسيّ في إطار هذه –العلمانيّة- يقوم على فكرة الحزبية التي انبثقت في بادئ الأمر عن نظم الشركات التي كانت تستخدم عمليّات التصويت لتعالج بعض مشكلاتها، وتحتوي عوامل الصراع بين العمال وأصحاب رءوس الأموال. كما تستخدم الشخصيّة المعنويّة كوسيلة وأداة لحفظ حقوقها في صراعها مع الشخصيّة الحقيقية، أو للتوازن معها.
 إن نظام أهل الذمة في الإسلام حينما يوضع في إطاره الصحيح ولا يساء استعماله، فإنّه باعتباره فكرة يمثل حلا لكثير من الأزمات الكامنة في المجتمعات المعاصرة وخاصّة في مثل المجتمع الأمريكيّ فهناك أزمات كامنة لن يستطيع النظام الغربيّ حلّها بشكل سليم بدون تقنين التنوّع بصيغة من الصيغ المناسبة، ووضعه في إطاره الإنسانيّ الصحيح في وقت قريب. إنّ الأقليّات في العالم الإسلاميّ استطاعت أن تبقى وتستعصي بكل ثقافاتها وخصائصها على الإذابة؛ لأنّ هذا النظام قنَّن لها هذه الخصوصيّات وحفظها فاستطاعت أن تعيش كل هذه القرون بل واستطاعت أن تؤدي أدوارًا هامة في سائر البلاد التي عاشت فيها، ووصل أبناؤها في بعض الفترات إلى مراكز مرموقة جدًّا، وقل أن تجد مدينة إسلاميّة ليس فيها وجود متميّز ملحوظ لأقليّات دينيّة تتمثل في أحياء كاملة تحمل كل السمات الدينيّة والاجتماعيّة لتلك الأقليات مثل «حارات أو أحياء اليهود والنصارى وسواهم». أمّا في الغرب فهناك هجرات كثيرة ومهاجرون كثيرون قد ذابت خصوصيّاتهم الدينيّة وغيرها في ظل العلمانيّة الدهرية التي خلعت القداسة عن كل شيء([10]).
 إن الهجمة الاستعمارية على العالم الإسلاميّ استطاعت أن تغزو أفكار الناس مسلمين وغيرهم، وأن تعطي قراءتها الخاصّة لكثير من المفاهيم، وتُلبِّس على الناس دينهم، فاعتبرت هذا التقنين الملّي في داخل المجتمع قضيّة مهيمنة، وتفريقًا بين المواطنين، واندفع بعض أبناء الأقليات في العمل على هدم هذا النظام؛ لأنهم تصوروا أن هدمه سوف يضر بالأكثريّة وحدها. ولكن ها هُوَ الضرر قد عم الأكثريّة والأقليات في بلاد المسلمين، فأذيبت خصائص الجميع لصالح المشروع (العلمانيّ الدنيويّ) وما أفرزه من أطر عرقيّة وترابية، وتسلط الحاكمون واستبدوا بأمور الجميع فتساوى الكل في البؤس والشقاء في هذه الوضعيّات البشريّة.
 ولذلك فإننا ندعو جميع الأقليات والأكثريّة إلى مراجعة هذه الحقائق قبل رفع العقائر برفض هذه التشريعات الحكيمة أو التنديد بها دون وعي على طبيعتها وأهدافها.
 أخيرًا فإننا نشكو من تصدع هائل في حياتنا الفكريّة والثقافيّة وتشتُّت في رؤانا الحضاريّة وحرب فكريّة بين فصائل الحداثة والعلمنة والدهريّة وبين فصائل التراث والمحافظة والأصالة. والأمّة –إذا كان من الجائز أن نقول: إنّ هناك أمّة –ليست بحاجة إلى الانحياز لهذا الفصيل من أبنائها أو ذاك، أو تراجع هذا الفصيل عن بعض مَا يدعو إليه أو ذاك لتحقيق موازنات سياسيّة آنيّة، بل هِيَ بحاجة إلى إدراك ذاتها المتميزة، وتحديد إطارها المرجعيّ الذي تستمد منه كل فصائلها أصولها الفكريّة وشرعيّتها ومعايير التحكم لديها، وكيفيّة تحديد الخطأ والصواب، والصالح والضار لدى الجميع، فقد تتفق سائر فصائل الأمّة سياسيًّا على ضرورة «الحريّة» و«الديمقراطيّة» و«النهضة» و«المواطنة» وغيرها ثم تختلف حول التصورات التي تستدعيها هذه المفاهيم والوسائل والأدوات. ألا ترى كيف رُفضت «الديمقراطيّة» في كل من تونس والجزائر حين جاءت صناديق الاقتراع بنتائج لصالح الإسلاميّين في الماضي؟ لاختلاف المقاييس وتعدد الموازين. وظاهرت على هذا الرفض قوى علمانيّة دنيويّة كثيرة مفضلة الدكتاتوريات العسكريّة على حكم الإسلاميّين، ولذلك فإنّ حاجة قوى الأمّة إلى الاتفاق على مقياس واحد، وإطار مرجعيّ واحد، وإصلاح مناهج الفكر، وتصحيح القراءة، وإصلاح الأسس الفكريّة والثقافيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، أكثر من حاجتها إلى مقاربات وموازنات سرعان مَا تنتهي بعدم وجود مَا يسندها ويقويها من البنى الفكريّة والثقافيّة الموحدة والرؤى الحضاريّة المشتركة([11]).
 إنَّنا لا نريد أن تضغط علينا متطلّبات الحوار بين المتقابلين السياسيّيّن الدينيّ والقومي أو الإسلاميّ والوطني الذين يريدان الاتفاق على حل وسط يأخذ الإسلاميّ فيه شيئًا من القومي أو الوطني، ويأخذ القوميّ أو الوطني فيه شيئًا آخر من الإسلاميّ.
 فنحن ندرك أن هذه المحاولات تجري في إطار سيادة ثقافة دنيويّة غربيّة فرضت نفسها عالميًّا بكل خلفيّاتها وظلالها وانعكاساتها، ومواقفها من الدين كلا وتفاصيل. ثقافة علمانيّة دنيويّة استبعدت الدين تمامًا من فلسفة العلم ونظريّاته وقوانينه ومعالجاته، وهذه الثقافة تحظى بتعميم وتكريس عالميّين، والمركز العالميّ الجديد (الولايات المتحدة) يرى أن سيادة هذه الثقافة واكتساحها لكل مَا عداها شرط ضروريٌّ ودعامة أساسيّة لما سمّاه «بالنظام العالميّ الجديد» الذي أقامه على «قواعد تفكير مشتركة» أفرزتها الحضارة المهيمنة الآن.
 ولو أنَّ هذه الاجتهادات في «المواطنة» و«الديمقراطيّة» والقضايا الأخرى المماثلة جرت في إطار عالميّة إسلاميّة أو مركزيّة حضارة إسلاميّة أو تكافؤ حضاريّ وثقافيّ على أقل تقدير لأمكن تجاوز كثير من الملاحظات أو لوجدنا على كثير منها جوابًا ملائمًا. أمّا الوضع بالشكل الذي نعرف فإن الحذر ضروريٌّ. حيث إنّ طوائف العلمانيّين الدهريين الدنيويّين الفكريّة في العالم الإسلاميّ والعالم العربيّ بصفة خاصّة هم مجرد مجموعة من المترجمين للنقد الغربيّ للفكر الدينيّ اللاهوتي ّ في أوربا، وهم يعيدون صياغة ذلك النقد بلغة عربيّة ويسقطونه على النصوص القرآنيّة والأحاديث النبويّة والأحكام الفقهيّة، ولا إبداع لديهم في شيء مما يقولون. فليس من المناسب أن تشغل القيادات الإسلاميّة الفكريّة نفسها وثمين أوقاتها عن بناء منهجيّة القرآن العظيم المعرفيّة والمشروع الحضاريّ الإسلاميّ العالميّ المتكامل المنبثق عنها والتقدم به إلى الدنيا كلّها بمناقشة ترجمات أطروحات هؤلاء اللاهوتية.
 فمثل الإسلاميّين والرفاق والعلمانيّين الدنيويّين كمثل قول القائل:
 بِكلِّ تَدَاوَيْنا فلم يَشْفِ مَا بنا             لأنَّ الذي نهواه ليس بذي وُدِّ
 فهؤلاء الدنيويُّون العلمانيُّون حين يأخذ الإسلاميّون هذه المواقع الاجتهاديّة التأويلية المتقدمة يسارعون هم إلى احتلال مواقع الماضوييّن والتمترس بذات النصوص التي يتمترس الماضويُّون وراءها، يقول أحدهم: «… كنّا نعرف بالطبع أن المساواة المطلقة التي يتحدث عنها التيار الإسلاميّ الثوريّ غير صحيحة شرعًا، والآيات والأحاديث تتحدث بوضوح عن تفاوت الدرجات.. »([12]).
 وحين حاول الشيخ نديم الجسر –رحمه الله- إيجاد علاقة (تصورية) بين نظريّة الضوء ووجود الملائكة والجن في مقالة نشرتها صحيفة «النهار» اللبنانية في ملحقها الأسبوعي في بيروت (12/3/1967) رد عليه د. صادق جلال العظم في كتابه «نقد الفكر الدينيّ» مؤكدًا على أنّ نصوص القرآن ومعانيه غير قابلة لأيّ تأويل عصريّ يسحب معانيها إلى خارج عصر التنزيل والمفاهيم السائدة فيه، وأكّد على حصر مفهوم العلم الذي أمر الكتاب الكريم به، وجاءت السنة بحث الناس على طلبه في العلم الشرعيّ مستشهدًا بتعريف الغزالي المتوفي سنة 505هـ الموافق (1111م) للعلم في كتابه «الإحياء»([13]). ولو تتبعنا هذه النماذج من مواقف الدنيويّين العلمانيّيّن لاحتجنا لدراسة خاصّة بها، ولذلك فلا نتوقع أن يقابل هؤلاء مثل هذه الاجتهادات التي يقدمها الإسلاميّون بما تستحقه من اهتمام، لكن ذلك كلّه لا يقلل من أهميّة هذه الاجتهادات والحاجة إلى مثلها إذا وضعت في سياقها ووظفت في نسق منهجيّ معرفيّ يهدف لإخراج العقل المسلم من دوائر التقليد وتدريبه على الاجتهاد والإبداع ولكل مجتهد نصيب إن شاء الله تعالى.
 سادسًا: وملاحظة أخيرة أودّ ذكرها في هذا البحث هي:
 أنّ فكر المقاربات الذي عمل منذ بدأ احتكاكنا بالغرب حتى عقود قليلة على ردم الهوة بين فكر المسلمين ومعطيات الفكر والحضارة الغربيّين قد أدى دوره وانتهت مرحلته وعبر عن عمق الصدمة الحضاريّة الأولى التي تعرضنا لها بدء احتكاكنا بالثقافة والحضارة والفكر الغربيّ. وقد غلب جانب السلب فيه على الإيجاب، وتجاوزت الأمّة مرحلته بفضل الله، وثبت فشله.
 كما أن فكر المقارنات بين قضايا الفكر الإسلاميّ ومعطيات الفكر الآخر في القضايا نفسها ومَا شابهها قد تجاوزت الأمّة مرحلته بما له وما عليه. وإذا كان فكر المقاربات قد ساعد على ثلم شخصيّتنا وتهيئة نفوس الملايين من أبنائنا لحالة الاستلاب الفكريّ والثقافيّ والحضاريّ في جانب منه، فإنّ فكر المقارنات قد ساعد وهيأ نفوس الكثيرين للاستلاب إلى الماضي، وتحقيق حالة ارتجاع إليه يمكن تسميتها بحالة (التقدم إلى وراء)، أو «استلاب إلى التاريخ»، وتوسيع الهوة بيننا وبين عصرنا، وبيننا وبين معاصرينا كذلك.
 وكل فكر لا يؤدّي إلى تحقيق تقدم في إطار إيجاد حالة «الاجتهاد والإبداع» لدى الأمّة وإخراجها من حالة الجمود والجحود والتقليد فإنّه فكر لا يضيف الكثير إن لم يحكم عليه بالفشل بقطع النظر عن أيّة إنجازات يمكن أن يحققها في أطر جزئيّة.
 إن المرحلة التي نحن فيها –الآن- هِيَ مرحلة «المنهجيّة المعرفيّة القرآنيّة»([14]). وأهم خصائص هذه المرحلة أنّها تجعل من مجرد محاولة العودة إلى فكر المقاربات والمقارنات محاولة تراجعية تجرى خارج إطار «المشروع الحضاريّ الإسلاميّ» الكامل، وإن كان من الممكن إدراجها في «إطار مشروع سياسيّ محدود إقليميّ أو قومي» والفرق كبير بين قواعد وأطر وتطلعات المشروعيّن.
 لا يظنَّن ظان أنّي فيما ذكرت من جوانب إيجابيّة للفقه المتعلق بقضايا «أهل الذمة» كنت أدافع عن فقه قديم موروث أو أحاول تكريس ذلك الفقه، كلا فذلك مما لم أقصده ولم أرم إليه حتى لو أفاده بعض مَا ذكرت لأول وهلة، لكنني قصدت إلى التأكيد على وجود مداخل منهاجيّة أخرى للإبداع والاجتهاد في هذا المجال وغيره يمكن سلوكها لبيان قدرة الإسلام الفائقة على استيعاب التعدديّات، وبناء قواعد عالميّة الهدى والنور والرحمة ودين الحق القادرة على استيعاب التعدديّات على مستوى المعمورة كلها لا على مستوى إقليم معين أو قوميّة محدّدة. وهذه القدرة والقابليّة الكامنة في كتاب الله وفيما صح عن رسول الله (ص) من سنته وهديه وسيرته وبيانه تتمثل في منهاجيّة معرفيّة قرآنيّة نبويّة تشكل القاعدة الأساس لإعادة بناء الأمّة المسلمة الخيرة الوسط الشاهدة لتكون قطبً ونموذجًا للبشريّة كافّة بمنهج قرآنيّ يؤدّي إلى ضبط الأفكار وحمايتها من التوجهات الانتقائيّة والتوفيقيّة.
 وهذه المنهجيّة هِيَ التي مكنتْ الإمام الرازي من تبني القول: تجاوز تقسيمات الفقهاء الأقدمين للأرض إلى دارين: دار إسلام ودار حرب أو ثلاثة ديار بإضافة دار ثالثة هِيَ دار العهد ليقرر عليه رحمة الله أن الأرض مرحليًّا داران (أي في المرحلة التي كان فيها) «دار إسلام ودار دعوة» وكأنّه بذلك أراد أن ينبه إلى أنّ البشريّة قد تتجاوز حالة الصراع الدموي والإكراه الإنسانيّ إلى حالة التدافع الحضاريّ لتتم حماية دين الحق والهدى والنور أو الاحتماء به في إطار تدافع حضاريّ يحمي الصوامع والمساجد والبيع والصلوات معًا في ظل قيم دين الحق والهدى الظاهر لا محالة على الدين كله، البالغ مَا بلغ الليل والنهار، المستوعب لكل التعدديات، الداخل لكل بيت، على نحو إنسانيّ مهتد مناقض لمناهج الحضارات السابقة واللاحقة في إبادتها لشعوب بأسرها أو إجبارها على قبول قيم وأفكار المتسلطين عليها تحت مختلف الأسماء وشتى المسميات، ومنها مَا سمي «بالنظام العالميّ الجديد». ولتكون الحوارات الإنسانيّة المتصلة وسيلة لنقل الأفكار وتبادلها.
 ولعلّ هذه المنهجيّة المعرفيّة هِيَ التي أملت على شيخ الإسلام ابن تيمية تصنيفًا للعلوم لعلَّه انفرد به عن أهل زمانه حيث صنفها إلى علوم «عقليّة وشرعيّة ومليّة»، و«حدّد من خلال ذلك التصنيف للعلم مواضع الإطلاق والعموم في العلوم التي يمكن أن تتناقلها الأمم دون حرج أو إخلال بهويتها كتلك التي يمكن أن تشكل رصيدًا حضاريًّا مشتركًا ووضَّح الفرق بين النسبيّة والخصوصيّة ووجَّه النظر إلى قاعدة معرفيّة وفكريّة تتيح قدرًا معلومًا من التنوّع والتمايز بين جماعة وأخرى حيث إن التنوّع من سنن الله في خلقه، ولها مَا لها من حكمة ونفع تمامًا. كما أنَّ الوحدة من تلك السنن، وما بين الإطلاق والنسبيّة، والعموم والخصوص في تحديد قاعدة العلوم وتصنيف محاورها ودوائرها. كما توجد أيضًا المساحات المتداخلة والمتشابكة بين تلك التي لا هِيَ بالعقليّات المحضة ولا بالمليّات كليّة، والتي يمكن أن تتمثل في الشرعيّات من حيث مَا تجمعه من وحدة الأصول وتعدد وتنوّع في الفروع».
 «وهنا نلحظ المرونة والإحاطة والدقة والشمول ووضوح الرؤية ونفاذها في المجال المعرفيّ الذي يستمده صاحبه من تمثله للإطار المرجعيّ القرآنيّة، وإلمامه بمقدمات وأولويّات البيئة الاجتماعيّة الحضاريّة الإسلاميّة التي تتسع للتعامل مع الظواهر الاجتماعيّة والإنسانيّة والظاهرة الحضاريّة والعمرانيّة بكل مَا تتسم به من تعقد وتعددّ في أبعادها وعمقها»([15])، مقدّمة حتى تصل إلى بناء عالميّتها المباركة.
 إنَّ الالتزام بـ «منهجيّة الوحي المعرفيّة» سيقدم لنا الوسائل الضروريّة لضبط مناهج التفكير، وتقنين الأفكار وينقل معالجتنا من الأطر الجزئيّة إلى الإطار الكليّ ومن ساحات الخصوصيّات الضيقة إلى ميادين المأزق الحضاريّ العالميّ. ويخرجنا من حالة الدفاع عن النفس أمام تحديّات الحضارة المعاصرة العالميّة بالتعامل مع الظواهر الجزئيّة المنعكسة عن الحضارة العالميّة فيما يتعلق بالأشكال الدستوريّة لأنظمة الحكم أو المؤسّسات الاقتصاديّة أو مظاهر السلوك الاجتماعيّ والأخلاقيّ([16]).
 كما أنّ ذلك سيمكننا من إنتاج الأفكار المنضبطة منهجيًّا والمفاهيم والنظريّات الإبداعيّة الاجتهاديّة التي نواجه بها متطلبات شهودنا الحضاريّ، وعالميّتنا المرتقبة.

أحمد عبدالجواد يكتب عن "وثيقة عنان"..... افيقوا يرحمكم الله



تشهد الحالة المصرية نموذجاً مكرراَ من الاستقطاب السياسي شاهدناه مرات ومرات خلال الشهور الماضية، وللأسف الشديد تبتلع الطعم القوي والأحزاب السياسية لتساهم في تعزيز وتعميق تلك الحالة .فبعدما ظهرت بوادر توافق وطني وشعبي حول رؤية ومطالب محددة وواضحة لا خلاف عليها وشاهدنا نموذجا رائعا يجمع كافة مرشحي الرئاسة البارزين ، وخرجت إلي النور مبادرة التوافق الشعبي والتي وقعت عليها العديد من القوي والاحزاب والحركات والائتلافات والشخصيات العامة والتي تضمنت رؤية ومطالب واضحة توافقية تم تعزيزها والمطالبة بها في جمعة 30-9 "جمعة استرداد الثورة.

أبت مجموعة من الأحزاب إلا ان تضعنا في مشهد مغاير لتلك الحالة التي سعت إليها مبادرة التوافق الشعبي أملاً في استعادة لحمة الشارع المصري واستعادة روح واخلاق ميدان التحرير التي يفتخر بها المصريون جميعا ، فكان ذلك القرار المتسرع العفوي من بعض الأحزاب بإعلانها مقاطعة الانتخابات اعتراضاً علي بعض مواد قانون الانتخابات وتأكيداً لبعض المطالب، والمشكلة لم تكمن فيما طالبت به هذه الأحزاب وإنما المشكلة تمثلت في أنهم هددوا بما لن ينفذوه.

وبالتالي جائهم الفرج عبر دعوة من المجلس الأعلي للتفاوض معهم والسماع لشروطهم. ورغم أن الجميع يعلم تماما أن هذه الأحزاب غير جادة في تهديدهم بمقاطعة الانتخابات إلا أنهم كانوا في موقف قوة يستند علي الأقل علي ضغط ثورى قد يكون ضعيفا نسبيا ولكن علي الأقل هو نواة لضغط شعبي ليس بالقليل حال عدم الوصول لتصور واضح يرتقي لطموحات الشارع والثوار.

وهنا حدث ما لم يتوقعه الكثيرون من تنازل كبير لهذه الأحزاب أمام اصرار المجلس الأعلي علي رفض العديد من تلك المطالب فما كان لهم إلا القبول بالفتات منها او وعود غير جادة في دراسة البعض الآخر وتحقيق لبعض المطالب التي لا تتعلق بشكل مباشر بمطالب الثورة بل متعلقة بشكل ما بتلك الأحزاب وتصوراتها في المشاركة في الانتخابات المقبلة .

وحتى تتضح الصورة بشكل متكامل علينا أن نرجع إلي محصلة هذا اللقاء وما نتج عنه والذي كان أكثر ما يميزه ذلك البيان المعلن الذي حرص المجلس الأعلي علي صياغته في شكل اتفاق واضح موقع من قبل الأحزاب.

المادة الأولي :
توصلت الأحزاب لتحقيق مطلب لا أعرف الفائدة منه وهو انعقاد المجلس بعد إعلان النتيجة ولم افهم علي أي اساس ينعقد المجلس وكيف سيمارس دوره دونما دستور يوضح صلاحياته  وآلية تشكيل الحكومة والمعلوم ان المجلس لن يمارس دوره الحقيقي إلا بعد الانتهاء من انتخابات مجلس الشورى واجتماعهما لتشكيل لجنة صياغة الدستور. النقطة الأخطر في هذا البند هي اقرار الأحزاب بفتح باب الترشح للرئاسة بعد اعلان نتائج الموافقة علي الاستفتاء علي الدستور وبناءا عليه لن تتم انتخابات الرئاسة قبل عام ونصف علي الأقل .

المادة الثانية :
الاستجابة لمطلب الاحزاب الموقعة بتعديل المادة الخامسة من قانون الانتخابات والتي حظرت علي الأحزاب الترشح علي المقاعد الفردية أو حظر تحويل صفة اي مرشح مستقل لصفة حزبية وهي ما كنا نعاني منه ايام المخلوع .وحتى لو اعتبرنا ان الغاء هذه المادة ضمن المطالب التي طرحتها الأحزاب فالاستجابة لها لا تنسحب بشكل اساسي علي مطالب الثورة ، فالمستفيد الوحيد منها الأحزاب التي كانت تأمل ان ترشح مرشحيها علي المقاعد الفردية .

المادة الثالثة :
اعتبر البعض فكرة طرح دراسة الغاء حالة الطوارئ وتفعيل قانون العزل السياسي في حق رموز الحزب الوطني مكسباً كبيرا ، والحقيقة هي ان مجرد الاقرار بدراسة الغاء حالة الطوارئ هي أزمة في حد ذاتها حيث أن ذلك يعتبر موافقة ضمنيه علي استمرارها بعد انقضاء الستة اشهر المحددة سلفا في الاعلان الدستوري وتعتبر التفافاً علي الاستفتاء الذي وافق علي تعديلاته أغلبية الشعب المصري. والمحزن أن اهم مطلبين في مطالب الثورة يتم وضعهما في بند واحد تحت الدراسة ولم يتم اتخاذ قرار واضح بتلبيتهما بل بشهادة الحضور لمح رئيس الاركان الي صعوبة تحقيقهما وظهر ذلك جليا في وضع شرط استثنائي (إلا في بعض الجرائم)

المادة الرابعة :
احتفي كذلك البعض بالاستجابة إلي مطلب عدم تحويل المدنين إلي محاكم عسكرية وتناسوا أمرين في غاية الأهمية ، الأول هو أن المجلس أعلن سابقا عن ذلك الأمر وهو ليس جديداً والمشكلة تكمن في المحالين اساسا الي محاكم عسكرية أو الحاصلين علي أحكام عسكرية. الثاني ان الاستجابة لهذا المطلب تضمنت استثناءا ينقضه بالأساس وهو عدم تحويل المدنيين إلي محاكم عسكرية إلا في الجرائم التي ينص عليها قانون القضاء العسكري، والذي لا يعلمه الكثيرون ان قانون القضاء العسكري يعطي الحق المطلق للقضاء العسكري في تحديد ما هي الجرائم التي تقع تحت طائله، وبالتالي لا توجد أدني فائدة من هذا المكسب الواهم.

المادة الخامسة: 
ليست جديدة وهي ضمن اطار القوانين التي في خطة المجلس والحكومة .

المادة السادسة :
وهي مادة في غاية العجب حيث الزمت الأحزاب بما لا تملكه ألا وهو التزامها بالحفاظ علي الاجراءات الأمنية !!!وكأن هذه الاحزاب اداة في يد جهاز الأمن الوطني أو جهاز من أجهزة الشرطة تحافظ علي الأمن، ومن الطبيعي ان يفهم من هذه المادة التزام هذه الأحزاب بعدم النزول للشارع بل ومقاومة من يعمل علي الاخلال بتلك الاجراءات.

المادة السابعة :
حتى فيما يتعلق بمراقبة الانتخابات لم يهن علي المجلس الاستجابة لمطلب بديهي وطبيعي ، بل جعل مراقبة الانتخابات في حدود المتابعة والمشاهدة وحتى وان اعتبر البعض ان هذا هو الطبيعي وفق القواعد والاعراف الدولية فقد وضع شرطا وهو وفق ما تراه اللجنة المشرفة علي الانتخابات.

المادة الثامنة :
وهي محور الاتفاق بشكل اساسي وبالتأكيد لا يختلف أحد انه لم يرد علي لسان أحد ما او حتى متظاهر ما في خلال الشهور الماضية أي مطالبة بوضع مباديء فوق دستورية او قواعد لتشكيل لجنة صياغة الدستور، وحتى وإن كان هذا المطلب في مرحلة ما محل طرح لبعض القوي و فيه بعض المنطق، المدهش ان توافق عليه أحزاب نزلت في مليونية حاشدة لم يشهد مثلها ميدان التحرير حتى في ظل الاعتصام الأول اعتراضا منهم علي مجرد طرح هذا المطلب واعتبروا ان هذا الطرح التفافا علي الاستفتاء الأخير .
والسؤال موجه ليس لكل الأحزاب الموقعة علي هذه المادة وانما لتلك الأحزاب التي تسببت في استقطاب حاد وشديد اعتراضا علي هذا المطلب ورفضت مجرد التفاوض حوله والخروج بأي صيغة توافقية فقد رفضته جملة وتفصيلا والسؤال لها:  لم وافقتم علي التوقيع علي وثيقة شرف ملزمة لكم أنتم وليس لغيركم ؟!!

واخيرا جائت خاتمة البيان وسقطته المروعة عبر مبايعة غير مبررة للمجلس العسكري في مشهد غاب عن الشارع المصري مدة ثمانية أشهر وكان يتأذي منه عموم الشارع المصري بل كان ضمن المسببات الأساسية لخروج جماهير الشعب المصري اعتراضا علي المخلوع حسني مبارك  وحقيقة حاولت ان افهم مبرر هذه المبايعة في هذا التوقيت ولم أجد لها ما يبررها نهائياً.

في الختام أردت بهذا التوضيح التأكيد علي ان هذا الاتفاق ليس له ما يبرره بل ولم يقدم أو يؤخر شيئا في مسار مكتسبات الثورة والمستفيد الوحيد منه هو المجلس الاعلي عبر تمكين قراراته وصلاحياته التي انتهت بشكل دستوري بمرور الستة أشهر ، والخاسر الأساسي من هذا الاتفاق هي الأحزاب الموقعة فهي الوحيدة الملتزمة بما ورد في هذا الاتفاق والشعب المصري غير ملزم بما ورد فيه .

ومع ذلك لا أرى مبررا لحملات التخوين والتشكيك في تلك الأحزاب والمبالغة في  التهويل من تبعات هذا الاتفاق وكأن هذه الأحزاب هي الوصية علي الشعب المصري واتفاقها كان نيابة عن الشعب المصري.

علي القوي والكيانات والأحزاب التي ترى غير ما توصلت إليه تلك الأحزاب ان تعمل جاهدة في تحقيق وتمكين ما تراه مناسبا للشارع المصري لا تنشغل بالهجوم والتشكيك في قوي اخري فالشارع المصري سئم من ذلك الاستقطاب الذي ساهم بشكل رئيسي في رجوع الثورة للوراء .

دامت مصر حرة أبية ... ودام المواطن المصري عزيز كريم

الإسلاميُّون بين الدعوة والدولة (ج1/3)…… د. طه جابر العلواني

فى مرحلة الشباب الأولى من (18-35) من العمر كنت مثل كثيرين من أترابي شديد الحماس لرؤية «دولة إسلاميّة»، أي دولة يرأسها خليفة، تطبق الأحكام الفقهيّة وتقيم الحدود (العقوبات)، التي يطلق عليها «الحدود الشرعيّة». لقد صورت لنا ثقافة المسلمين في تلك المرحلة أنّ العيش في ظل نظام يحمل هذه الصفة يمثل طريقًا يبسًا إلى الجنة لا يخاف سالكه دركًا ولا يخشى؛ لتداول خبر شائع يحتاج سنده ومتنه إلى جهودٍ بحثية للتأكد من مستوى الثقة به سندًا أو متنًا من عدمها، ألا وهو «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهليّة»([1])، وهذا الخبر شاع واشتهر لاتخاذه أصلا استندت إليه أنواع كثيرة من البيعات للحكام وللمشايخ وللمراقبين والمرشدين وأئمة الدعوة، وعززت تلك الثقافة بحديث «التأمير»: «إذا كنتم ثلاثة فأمِّروا عليكم أحدكم»([2]).
لقد كنَّا نرى أنَّ العيش في ظل أمير للمؤمنين من «الموقعين عن رب العالمين» يضمن لنا سبعين في المائة أو أكثر من الجهود المطلوبة لدخول الجنة. وأتذكر أيضًا ذلك الحديث الذي جعلتنا كثرة ترديدنا له نستغني بها عن النظر في صحة سنده أو متنه، وهو: «المرأة نصف الدين فاتق الله في النصف الآخر»([3])، فإذا رزق الإنسان «الودود الولود» وخليفة يطبق الأحكام ويقيم الحدود فقد ضمن لنفسه الجنة!! 

ولقد دخلت في الرابعة والعشرين من عمري في جدال مع عبد الكريم قاسم، الذي حكم العراق بعد انقلاب ناجح قاده ضد الملكيَّة مع عبد السلام عارف، صيف ( 1958م ) حول النظام الإسلاميَّ استغرق عدة ساعات، وكدت أفقد فيه حياتي بمسدس عبد الكريم لولا عناية الله ثم الأجل، فالرجل كان يهاجِم بشدة النظام الذي أسسه المسلمون في واقعهم التاريخي، وكنت أدافع عنه دفاع المستميت معتبرًا أسوأ مَا فيه أحسن وأعدل مما أفرزه أيُّ نظام آخر، ومنها نظامه الجمهوري. ثم بدأت السن تتقدم والتجارب والخبرات تكثر وتتراكم، والقراءآت تزداد، والعقليَّة تتحول من حالة «التلقي المستسلم» لكل مَا يقرأ إلى حالة «النقد والتحليل» والتفكير بما يعرض من جوانب عديدة فبدأت الطريقة المتسائلة والمنهج ينموان فإذا بى أعيد النظر في كثير من تلك الأفكار وأراجع الكثير من تلك المسلَّمات، فاكتشفت الظلم الفادح الذي أوقعته «الدولة بالدعوة»، وذلك أنَّ الإسلام دين عالميّ يشتمل على الحنيفيَّة السمحاء كلها يحمله خطاب عالميّ شامل للبشريَّة كلها، لم يستثن ولا يستثنى أحدًا منها فالبشريَّة كلها مخاطبة به مدعوة لتلقيه بشموله وعمومه وعالميّته، فآفاق الدعوة لا تحدها حدود ولا تقيدها قيود إلا مَا يتعلق بحقيقتها وخصائصها وآفاقها الرحبة الواسعة.

 أما الدولة أو الحكومة أيَّا كان نوعها فإنَّها أخص في حقيقتها ومقاصدها وأهدافها واهتماماتها من الدعوة، ويمكن للدولة أن تتبنَّى قيم دعوةٍ وأهدافًا منبثقة عنها دون أن تمزج بين الاثنين أو ترفع الفروق بين الجانبين، فذلك أمر يضر بالدعوة ويضيق ميادينها ولا يقدم للدولة الكثير وحينما يمزج بين الأمرين فلن يمضى زمن طويل حتى يجد رجال الدعوة أنفسهم في حالة حرب أو عداء أو مواجهة مع رجال الدولة، فالدولة بمثابة جهاز استهلاكي ضخم ودولاب يحتاج إلى أن لا يتوقف عن الدوران أو النشاط ولو للحظة، ويغلب أن تجد الدولة نفسها شاءت أم أبت في حاجة إلى تجاوز بعض مَا لا تستطيع الدعوة أن تتساهل فيه أو تتهاون، وهنا يحدث التصادم الحتمي بين الدولة والدعوة.

 وحين ننظر في تاريخنا نظرةً فاحصةً بدءًا من الفتنة الكبرى واستشهاد ذي النورين، ثم اغتيال على بن أبي طالب، ثم انتشار الفرق، وحروب الصحابة كمعارك الجمل وصفِّين، ثم ثورة أبي عبد الله الحسين رضي الله عنه وأرضاه، ومحمد ذي النفس الزكية، ثم ثورة القراء بقيادة عبد الرحمن الأشعث والصراع بين أهل السيف وأهل القلم، ثم بين أهل السيف أنفسهم، ثم أهل القلم في ميادينهم ومجالهم يتبيّن لنا أنَّ من أهم مداخل الفهم والتفسير لأجل مَا حدث من أحداث جسام يعود إلى ذلك الصراع بين حملة الدعوة ورجال الدولة، ولعلّ من آخر مَا عُرف، صراع الملك عبد العزيز والإخوان الوهابيَّة بقيادة الدويش. 

ثم تلك الصراعات التي بدت بعد الثورة في إيران بين رجال الدعوة والدولة، خاصّة حين كان رجال الدعوة يرون أنَّ لديهم فرصة مواتية عليهم أن يستغلوها لنشر الدعوة في حين كان رجال الدولة يراعون مواقف سياسيّة معينة ويحاولون أن يدرأوا عن سمعة الدولة الإيرانيَّة تهمة العمل على تصدير الثورة إلى الخارج، وكان ذلك الاختلاف بداية الانقسام إلى محافظين وإصلاحيّين، وقد جرت مع جميع الاحتياطات الضروريَّة التي اتخذتها الدولة بتعدّد المجالس الضابطة لحركة الدولة والدعوة احتكاكات لا يمكن إنكارها واستبعاد آية الله حسين على منتظري وإبعاده عن موقع الولي الفقيه مع أنّه كان المرشح الوحيد لذلك بعد الخميني نموذج لتلك الصراعات التي لم تكن في نظرنا سوى أمور عادية لا بد أن تظهر إذا وضعت الدعوة مع الدولة في موقعٍ واحد.

 كما أنَّ القلق الذي اتسمت به حركة الدولة أو الدول التي عملت على تبنّى توجهات المزج بين الدعوة والدولة نستطيع رصدها في سائر التجارب وفي مقدمتها التجربة الباكستانيّة، ومن أواخرها التجربة السودانيّة مرورًا بتجارب الدولة السعوديَّة الأولى مع الدعوة السلفيَّة، والدولة الليبيّة مع الدعوة السنوسيَّة، والمهديّة في السودان وغير ذلك كثير.
 وقد يكون لجوء بعض الحركات الإسلاميَّة إلى تأسيس أحزاب إلى جانب حركاتها وتيَّاراتها محاولةً لفك الارتباط بين الجهتين، «جهة الدعوة وجهة الدولة»، وإعطاء كل منهما الأفق الذي تحتاجه والمجال الخاص بها تلافيًا لأيّ صدام ومنعًا للوقوع في محذور تحجيم أي منهما للآخر.

 إنَّ النموذج الوحيد الذي التقت فيه الدعوة مع الدولة –بشكل سليم- هُوَ نموذج الخلافة الراشدة، والخلافة الراشدة نجحت في عهد الشيخين وسنوات من عهد كلٍ من عثمان وعلى رضي الله عنهم أجمعين لأنَّها كانت خلافة علىّ منهاج النبوة يجتمع فيها عنصرا الدولة والدعوة في حاكم واحدٍ قادر على تجسيد الوظيفتين في مرحلة انطلاقٍ وإقلاعٍ لها ظروفها الزمانيَّة والمكانيَّة والمحليَّة والخارجيَّة؛ ولذلك مَا كان من الممكن أن يتكرر ذلك النموذج في أيّة مرحلةٍ من مراحل التاريخ الإسلاميَّ.

 إذا تبيّن مَا تقدم وفهم مَا أريد، فإنَّني أود أن أقول لرجال الدعوة في كل حركة إسلاميّةٍ، إنَّ لهم الحق في أن يلتزموا بمتطلَّبات الدعوة وبسقوفها المعرفيَّة مهما كانت عالية، لأنَّها والحالة هذه تقدم السقف الذي ينبغي أن يحاوله الدعاة، فهي مثل قوله تعالى: ]إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ[(الأنفال: 65) فذلك السقف العالي الذي يمكن للداعية أن يحض المجاهدين أو المقاتلين على أن يرتقوا إليه ويحاولوا بلوغه ويصبحوا وهم ينادون به بمثابة الخزانة التي ترفد معنويّات أبناء الأمّة بالسمو والطموح الذي تشتد حاجتهم إليه.

 أما العسكري في الميدان فإنه لا يستطيع أن يتجاوز الطاقة الواقعيَّة لجنده كثيرًا ليبلغ إلى المثال أو إلى السقف الأعلى مع وجود طاقة بشريّة محدودة فيأخذ بقوله تعالى: ]الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ[ (الأنفال: 66)، وذلك يعني: أنَّ من هُوَ في الميدان في مجال سياسي أو عسكري في حاجة إلى مرونة وقواعد تقربه إلى الواقعية بشكل شديد ليستطيع أن يستجيب للحاجات الدوارة السريعة المتجددة للدولة، في حين أنَّ الداعية يستطيع أن يرسم الآفاق العليا انطلاقًا من مثاليَّة الدعوة وقواعدها المذهبيَّة، في هذه الحالة لن يقع تصادم بين الداعية والسياسي، فالداعية سوف يتفهم موقف السياسي والعوامل التي تحكمه، والسياسي سوف يتفهم موقف الداعية والعوامل التي تحكمه، فلا يضغط على الداعية ليبحث له عن رخص وتأويلات وتنازلات لا شك أنَّها ستعود بكثير من الأفكار السلبيَّة على الدعوة وقد تعرّض كثيرًا من الثوابت لمحاولات الإلحاق بالمتغيِّرات تحت ضغوط الممارسات اليوميَّة، في الوقت نفسه سوف لن يجد الداعية نفسه مضطرًا إلى الضغط على رجل السياسة الذي هُوَ شقيقه وأخوه، لا يفصل بينهما إلاَّ اختلاف طبيعة العمل ليضغط عليه باسم الدعوة لتبنِّى أو تمثيل أو اتخاذ سياسات قد تؤدى إلى إحراج الدولة ورجال السلطة.

 لو نجحت هذه المعادلة فإنَّ الفريقين سيسيران في خطين متوازيين إلى الهدف المشترك والمقاصد العليا المشتركة دون أن يحرج أيٌّ منهما الآخر ودون أن يقعا في حالة تصادم.
 هذه المقدّمة ضروريّة لتناول مَا سنتعرض له من اجتهادات معاصرة مرت أو محاولات اجتهاد منتظرة نسمع فيها ونقرأ اختلافات كبيرة بين دعاة وسياسيّين أو رجال حكم كثير مَا نجد الناس منقسمين حولها على مستوى الحزب الواحد والحركة الواحدة.

 مثل من تجربتي السياسيّة:
 لقد اشتركت في مقتبل العمر في تجربة سياسيّة، وذلك حين سمحت ظروف العراق في عهد عبد الكريم قاسم في ستينات القرن الماضي بتشكيل أحزاب سياسيّة، وقام عدد من حملة الدعوة والهم الإسلاميَّ بتأسيس «الحزب الإسلاميَّ العراقي»، الذي أُعلن أنَّه سيؤسسه عدد من الإسلاميّين المستقلين، وكنت من بين هؤلاء المستقلين، واتضح فيما بعد أنَّ من روجوا لتأسيس هذا الحزب في بادئ الأمر كانوا «الإخوان المسلمون في العراق» الذين كانوا يعملون في إطار تنظيم سرىّ، فقرروا تأسيسه ليكون واجهة علنيَّة لهم، ووضع المستقلون أمثالي في إطارٍ جعلهم يشعرون بأنّهم أهل هذا الحزب وأصحابه ومؤسّسوه وأنَّ الآخرين هم إخوان قرروا تجاوز العمل السري إلى العلن، فأصبح كل منهم لا يختلف عن أيّ إسلاميَّ مستقل يمارس التحرك والعمل السياسي؛ انطلاقًا من مرجعيَّة الإسلام ولتحقيق مقاصده وغاياته. وبعد قيام الحزب وبدءه ممارسة نشاطه العلني فوجئ المستقلون أمثالي بأنَّ القيادة الحقيقيَّة للحزب إنَّما هِيَ القيادة السرية لجماعة الإخوان العراقيّين، أمَّا قيادة الحزب فلا تستطيع أن تمرر قراراتها أو تنفذها إلا إذا صادقت عليها قيادة الإخوان السريَّة، وكان ذلك أول الوهن وبداية الفشل التي أدت بعد ذلك إلى توقف نشاط الحزب تمامًا إلى أن قام قادة الحزب المعاصرون بعد انضمامهم إلى المعارضة العراقيَّة بنفض الغبار عنه وتنشيطه في إطار المعارضة العراقيّة التي تسلمت السلطة بعد أن أسقط الأمريكان نظام صدام وأعوانه من «البعثيّين اليمنيّين» كما كان يطلق عليهم.

 هنا أود أن أقول إنَّ علماء الدعوة ورجال الفكر الدعوىّ ليسوا بحاجة إلى أن يسارعوا في الاجتهادات التي نسمع الجديد منها في كل يوم حول «الديمقراطيّة والتعددية الليبراليَّة والحزبيَّة» إلى آخر المنظومة، والمتصدون للفتوى من مشايخ تلك الجماعات لا ينبغي أن يسترسلوا في ذلك النوع من الاجتهادات التي كانت لها آثار سلبيّة في عصر بروز فكر «المقاربات والمقارنات» في القرنين التاسع عشر والعشرين، وقد تكون لها آثار سلبيّة في مقبل الأيام وسأستعرض فيما يلي شيئًا من هذه الاجتهادات محاولا بيان مَا فيها من استعجال لأؤكد أنَّ الأولى هُوَ أن نفصل بين مؤسّسة الدعوة ونحافظ على مثاليَّتها والمؤسّسة السياسيَّة لنحافظ على مرونتها وعمليَّتها.

العزل الساسي….. د/ عمرو الشوبكي


تزايد الحديث عن قانون العزل السياسى، وطالب البعض بضرورة منع أعضاء الحزب الوطنى المنحل من الدخول فى الانتخابات المقبلة، وحدد البعض الآخر نوعية من أعضاء الحزب لمنعها من الترشح فى الانتخابات المقبلة وعدم ممارسة العمل السياسى.
والحقيقة أن موضوع العزل السياسى من أخطر المواضيع التى يمكن أن تواجه مجتمعاً من المجتمعات فى مرحلة التحول الديمقراطى، فرغم أنه فى بعض بلدان أوروبا الشرقية طبقت قوانين العزل السياسى على عدد من قيادات الأحزاب الشيوعية الحاكمة، كما حوكم فى أمريكا اللاتينية بعض القادة العسكريين الذين ارتكبوا جرائم تعذيب وقتل فى عدد من هذه البلدان ــ فإن تطبيق العزل فى تجارب النجاح ظل مشروطاً بالتأكد من أن هؤلاء الناس ارتكبوا فعلاً هذه الجرائم، وبأن المحاسبين هم القادة الكبار الذين خططوا للفساد والإفساد وليس البسطاء من ضحايا النظام حتى لو كانوا جزءاً منه.
إن النموذج الفج الذى عرفة العراق باجتثاث البعث أدخل البلاد فى حرب أهلية بعد أن عزلت الحكومة كل أعضاء حزب البعث الذين قدروا بالملايين من حق ممارسة الحياة السياسية، وتحولت البلاد إلى ساحة حقيقية للصراع الدموى تحت سمع وبصر القوات الأمريكية.
فى كل تجارب التحول الديمقراطى الناجحة تم وضع ضوابط لعملية العزل السياسى، بحيث لا تُترك للانتقام العشوائى وتصفية الحسابات، كما جرى فى العراق، وكما يمكن أن يجرى فى أى بلد آخر يفتح الباب على مصراعيه للانتقام الشخصى دون أى رادع قانونى أو سياسى، فكثير من التجارب الفاشلة فتحت الباب لتصفية الحسابات بين أشخاص اختلفوا فى العمل أو كانت بينهم كراهية شخصية، فكان الاتهام السياسى على أنه عضو فى الحزب المنحل والنظام القديم أو فلول أو ثورة مضادة ــ معداً سلفاً لتصفية هذه الحسابات، ودخلت هذه المجتمعات فى مآس حقيقية وضعتها فى مصاف الدول الفاشلة بامتياز.
إن الحالة المصرية تمتلك فرصة ذهبية للعبور من تلك الأزمة، إذا أحسنت التعامل مع قانون العزل السياسى، فالتغيير جاء عبر ثورة شعبية وليس غزواً أجنبياً أو انقلاباً عسكرياً، كما أن هذا التغيير أسقط النظام ولم يسقط الدولة، كما جرى فى الثورات التقليدية التى لم تعرفها تجارب النجاح فى الـ«40» سنة الأخيرة، وبالتالى فمصر فى حاجة إلى قانون جراحى يحدد أولا العناصر التى يجب عزلها، وأولها العناصر المتهمة بتزوير وإفساد الحياة السياسية من المحبوسين أو المحكوم عليهم بالسجن من قيادات الحزب الوطنى، وهناك أيضا الناجحون بالتزوير فى الانتخابات الأخيرة لمجلسى الشعب والشورى، أما ما عدا ذلك من الأعضاء العاديين، الذين دخلوا الحزب الوطنى أسوة بآبائهم وأجدادهم الذين دخلوا أحزاب الحكومة بصورها المتعددة من هيئة التحرير والاتحاد القومى والاتحاد الاشتراكى وحتى حزب مصر والحزب الوطنى ــ فهؤلاء يجب ألا يطبق عليهم قانون العزل السياسى، لأنهم ضحايا النظم المصرية المأزومة وليسوا صانعيها.
على الشعب المصرى أن يفخر بأنه لأول مرة منذ عهد مبارك يطبق القانون على كبار الفاسدين فى نظامه كأحمد عز، ومن هم على شاكلته، ويتسامح مع البسطاء وصغار المخطئين، فهؤلاء يجب ألا نحاسبهم كما فعلنا مع الكبار، وهؤلاء يجب ألا نطبق عليهم قانون العزل ولا الغدر، لأن العواقب ستكون وخيمة حين سنكتشف أننا نصيب مئات الآلاف من البشر ومعهم ملايين المتضامنين من أسرهم وأهلهم وأبناء أحيائهم وقراهم، فحذارِ من الوقوع فى هذه الخطيئة.

الأحد، 2 أكتوبر 2011

مصر تحتاج الى ممر آمن…. بلال فضل

طيب، إلى متى سنقضيها هكذا؟ نستبق يوم الجمعة بإعلان مسؤولية الثوار عن تأمين المنشآت الحيوية لأن الدولة ستأخذ إجازة لكى يذهب الأولاد إلى النادى، ونقضى نهار الجمعة فى إحصاء الأعداد الموجودة فى التحرير، وهل هى مليونية أم ألفية، ثم نستقبل حلول الليل بالنقاش المتشنج حول جدوى الاعتصام وفائدة التوجه بمسيرات إلى وزارة الدفاع وتحذير الذاهبين من الاصطدام بأبناء المجلس العسكرى، ثم نقضى ساعات الليل الأولى بمناشدة المجلس العسكرى عبر الفضائيات بتوفير ممر آمن لكى يخرج منه المتظاهرون، ونختم ساعاته الأخيرة بتبادل أسماء المعتقلين وطمأنة أهاليهم عليهم لكى نستعد ليوم جديد من الصراع العبثى حول مطالب مشروعة دفع الشهداء ثمنها غاليا وفقد خيرة أبناء مصر نور عيونهم من أجلها؟
وإذا كنا سنحتمل هذا الغلب كثيرا، فهل ستحتمله مصر؟ وإلى متى؟ ومن الذى سيدفع فاتورة هذا العبث سوى الفقراء والبسطاء الذين أناخ عليهم عهد مبارك ونوينا أن نكمل نحن عليهم؟ باختصار أقولها بالفصحى: إلامَ الخلفُ بينكمو إلاما، وهذِى الضجّة الكبرى علاما؟ وأقولها بالعامية: ليه يا مشير ماسبتناش أبرياء.. وواخدنا ليه فى طريق مامنّوش رجوع؟

لا، أموت وأفهم، ما المشكلة فى أن تنتقل السلطة إلى المدنيين فى أسرع وقت ممكن قبل أن يحلو المقام فى كرسى الحكم وينجح المنتفعون والأفاقون فى أن يزينوا للمشير ومن معه أن البلاد لن تعيش من دونهم يوما واحدا، وأنهم لو سلموها لفلان أو علان ستخرب وتروح فى خبر كان؟ هل يتوقع بعض مستشارى السوء الأمّارين بالالتصاق بالكرسى من أجل مصلحة الوطن أن هناك عملا سفليا سيقومون بوضعه فى صينية ميدان التحرير فيتحول كل من يتظاهر فيه إلى ضفادع غير مرئية لا يفهم الناس نقيقها الذى يهتف ضد الحكم العسكرى والمحاكمات العسكرية؟ هل يتصور هؤلاء أن الرهان على اصطدام المواطنين العاديين المرهقين من عناء الحياة، بالثوار الغاضبين، يمكن أن يفيد الوطن؟ هل تريدون أن تخدعكم الأرقام كما خدعت مبارك الذى كانوا يصورون له أعداد الواقفين على سلم نقابة الصحفيين لكى تكون مثارا لدعاباته وقفشاته؟ ولماذا بدلا من أن نتحد لنبنى وطنا وقد عرفنا رأسنا من رجلنا فيه، أصبحنا نتفرغ لكى نتنابز بالمليونيات ونفرقع بالونات الاختبار ونفجر براكين الطاقة السلبية فى بلد ليس حمل ذلك على الإطلاق؟

لا، أموت وأفهم، لماذا لا يطلع على الناس لواء من قادة المجلس العسكرى ليكلم الناس بأسلوب غير الشخط والانفعال، فيقول لهم مثلا إن هناك مصلحة وطنية عليا هى كذا وكذا تكمن وراء إصرار المجلس على جعل الثورة وجهة نظر وجعل الثوار طرفا؟ نريد أن نعرف والله وبصدق ودون مزايدات هل ستخرب الدنيا لو حددنا موعدا ناجزا للانتخابات الرئاسية يقرر فيه المصريون مصيرهم ويعود فيه الجيش إلى ثكناته معززا مكرما؟ ما الذى يستفيده الوطن من حالة طوارئ لم تنفع أمنه ببصلة، ومن محاكمات عسكرية للمدنيين لم تجلب للجيش إلا الصداع ولنا إلا الأسى؟ هل كفر الذين يطالبون بالعزل السياسى لقيادات فاسدة أخذت فرصتها كاملة فى تخريب الوطن وإفقاره ونهبه؟

وإذا كان هناك بعض من يتحلق حول المجلس العسكرى ليحذره من عدم قدرة الشعب على الاختيار، فلماذا سكت المجلس العسكرى ثلاثين سنة على أسوأ اختيار فى البشرية، اسمه حسنى مبارك؟ هل يُعقل أن يختار المصريون حاكما أسوأ منه؟ وإذا كنتم قد صبرتم على مبارك لأنكم كنتم تحمون الشرعية الدستورية وتحملتم تخريبه للبلاد وإفساده فيها، فما المانع أن تواصلوا صبركم على رئيس سينتخبه الشعب بمحض إرادته؟ لعلك تعلم أننى من الذين بُحّت أصواتهم وهم يطالبون القوى الثورية بالتعقل والتوحد وتفويت الفرصة على من يرغبون فى جر الوطن إلى التصعيد الممهد للطغيان، كنت أفعل ذلك بدأب وإصرار لأننى كنت أرى مخرجا لما نحن فيه، هو الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التى ستتيح للشعب المصرى أن يقرر مصيره ويختار سلطة تحقق مطالبه فى الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية ويحاسبها إن أخفقت.

بالطبع سأظل أطالب بالتعقل والهدوء والرزانة والتوقف عن الممارسات الانفعالية ما دام ذلك المخرج ماثلا أمام عينى، لكن كيف يمكن أن يكون للتعقل مكان ونحن نرى أن هناك من يسعى بغموضه وتباطئه وعقم سياساته لإغلاق هذا المخرج أمام المصريين؟ أستطيع بملء الفم أن ألوم ثائرا لأنه يشعل الأرض نارا فى حين أن لديه ممرا آمنا للعبور هو الانتخابات التى يمكن بها وحدها أن نترجم شعار «الشعب يريد» ليصبح واقعا معيشا، وأستطيع أن أتحمل مزايدته وغضبه وتخوينه لى بصدر رحب، لكن ماذا يمكن أن أقول له ولنفسى قبله، وأنا أرى إصرارا على تحويل الانتخابات إلى مهزلة، وتصميما على اختيار برلمان لا يشكل حكومة ولا يجتمع لمدة شهرين كاملين كأنه فى فترة العدة، وسعيا لتتويه مصير رئاسة الدولة فلا نعرف هل ستكون فى نوفمبر القادم أم فى نوفمبر الذى يليه أم ذات نوفمبر لا يعلمه إلا خالق نوفمبر.

ما المطلوب الآن بالضبط؟ أليس عيبا علينا أن نذكّر قادة المجلس العسكرى بوعودهم للشعب المصرى بأن ينقلوا السلطة إلى المدنيين فى ستة أشهر، ووعد الحر دين عليه؟ هل نقضى الوقت فى التذكير بمانشيتات وبرامج ولقاءات قيلت فيها هذه الوعود بدل المرة مئة مرة، وكنا من أجلها وحدها، لا مخافة من صاحب سلطة أو جاه، نقف ضد كل من يحاول أن يوقع بين الشعب والجيش ويجر البلاد إلى فتنة لا يعلم مداها إلا الله؟ هل سنكتفى بتذكير الناس بأن لدينا اقتصادا متهاويا وأمنا على شعرة وسياحة منهارة، ونحن نتخذ كل لحظة قرارا يزيد كل ذلك خبالا وبلّة؟ أما آن الأوان لأن نتخذ قرارات حاسمة تقطع الطريق على هواة إنعاش الاستبداد، وتنهى خدمات رابطة صناع الطغاة، وتبطل مفعول هواة التصعيد والانفلات؟

يا قادة يا كرام، افتحوا لمصر ممرا آمنا إلى المستقبل فى ظل حكم مدنى منتخَب، وتذكروا أن هذا الوطن لن يبنيه إلا التوافق، وإياكم ومن يصور لكم أن أحدا يمكن أن يكسر إرادة أحرار المصريين، قلّ عددهم أو كثر، فلا يزال الناس يحسنون بكم الظن، ويرجون خيركم ويسألون الله أن يكفيهم ويكفيكم شر من يصور لكم أن الاستقرار يمكن أن يحققه العناد، ولتكن لكم فى حامل دكتوراه العند أسوة حسنة.
ألا هل بلغت.. اللهم نِخلَص.

رؤية في استراتيجية حرب الأســد على الشعب السوري….. محمد صلاح الدين

الحـــرب القـــذرة
رؤية في استراتيجية  حرب الأســد على الشعب السوري
بقلم / محمد صلاح الدين

(إن الحرب التي لا تستند لقيم أخلاقية تُفقد الجندي روحه الإنسانية وشرف الجندية فيتحول إلى مرتزق يقتل من أجل المال)

          
1-   استراتيجية فن الحرب   

لقد حدّد الفيلسوف العسكري الصيني "صن تزو" (512 ق م) في كتابه فن الحرب معنى "الإستراتيجية Strategy" بأنها: فن تنظيم الجيوش وتنسيق القوى ووضع الخطط العسكرية في المعركة، وهي الخطة الشاملة؛ ولكن ما هو الغرض من الإستراتيجية العسكرية؟ ربما يمكننا القول بأن الهدف من الإستراتيجية هو تحقيق ميزة عسكرية استراتيجية على العدو في الميدان قبل بدء المعركة، وهنا نجد أن صن تزو لم يذكر شيئاً قبل نحو 2500 سنة ق م عن حرب بين جيش وشعب، بل حرب بين جيشين بغض النظر عن موازين القوى العسكرية لكلا الجيشين، لذا نراه يتحدث ويصف الجيوش التي تنفذ استراتيجيتها العسكرية في مواقع وأماكن تسمح بتجمع أعداد الجيوش الكبيرة والمعدات الثقيلة المرافقة للجيش والتي غالباً ما تكون خارج المدن وأماكن تجمع السكان، أما اليوم وبعد مشاهدتنا لما يحدث في سورية مما يمكن وصفه بالردة العسكرية على الإنسانية رغم استمرار الثورة السلمية ينبئ بفساد العقيدة القتالية والروح العسكرية لدى الجيش البعثي السوري الأمر الذي أثار حفيظة البعض ممن حافظوا على عقيدتهم القتالية والعسكرية الصحيحة فانشقوا عن ذلك الجيش الفاقد لقيم العسكرية وروح الإنسانية. 

2-   الحــــــرب القــــذرة   
 إن استرتيجية الحرب القذرة  dirty war تهدف إلى تحقيق الهدف العسكري بغض النظر عن الخسائر والضحايا الأبرياء، حيث لا تأخذ هذه الأنواع من الحروب في حسابها الخسائر الإنسانية أو الحضارية، ولكنها تركز على سحق العدو لإخضاعه باستخدام القوة التدميرية المفرطة التي تهدم المكان وبنية الإنسان بل وحتى الحيوان والحياة، بما في ذلك دور العبادة والمقدسات، لإرسال رسالة للعدو مفادها بأننا جئنا لسحقكم وماضون في ذلك إلى النهاية حتى لو تم استسلامكم كما كان التتار يفعلون في حروبهم مع أعدائهم، ويبدو أن الأسد وجيشه قد تبنى تلك الإستراتيجية القذرة، فما تؤكده التقارير الإخبارية من تصاعد مستمر ودون توقف لحدة العمليات العسكرية باستخدام الدبابات والمدرعات والزوارق البحرية والطائرات إلى غير ذلك من الأسلحة،الأمر الذي يؤكد أن هذه المعركة لا يُمكن حسمها بأية تسويات على قاعدة " لاغالب ولا مغلوب " بل ستُحسم بانتصار طرف على آخر، وأن الأسد وجيشه المفترس ماضون في تلك الحرب حتى نهايتها بالحسم العسكري الساحق للثورة وكسر شوكة الثوار كما يأملون .
 
3-     سيناريو الحسم    

وربما نتفق في التوجه مع رؤية الأسد أنه لابد من حسم عسكري للثورة في سورية، ولكن لن يكون هذا الحسم في صالح الأسد الذي لم يتعلم الدرس رغم تكراره لثلاث مرات متتالية خلال ستة أشهر من تونس إلى ليبيا مروراً بمصر، الأمر الذي يثبت تمتع النظام بحالة من حالات العته السياسي الذي خسر بسببه الدبلوماسية الدولية وعلى رأسها الحليفة تركيا، وكذلك العته الأمني والعسكري الذي خسره بسببه تعاطف من تبقى من الصامتين من الشعب السوري. إذاً فالسيناريو الليبي مع بعض التعديلات الطفيفة التي تناسب الخصوصية السورية بات هو الأقرب بل وربما هو الحل الوحيد للإطاحة بالنظام الذي يُدرك أن خسائره تزداد بشكل متضاعف وأنه لم يبقى له سوى مخرج واحد عبر تصدير الأزمة للمنطقة من خلال اللعب بالورقة الطائفية و إشعال حرب إقليمية " شيعية سنية " بدعم من حزب الله، ودون مشاركة من إيران التي أبدت بعض الإرهاصات التي يمكن أن تُقرأ على أنها غير مُستعدة للتورط بشكل مباشر في هكذا حرب كما يُمكن للبعض أن يعتقد، حيث يرجح أن تتصرف إيران ببرجماتية سياسية مفادها إذا سقط نظام حليف فيمكن بناء غيره دون إضعاف قوتها العسكرية والسياسية والإقتصادية والروحية فتخسر معها ماتبقى لها من تعاطف في العالم العربي والإسلامي الأمر الذي يحولها إلى دولة عدو، ولكن هذا لا يمنع من دعم النظام بصورة غير مباشرة في تلك الحرب إذا ما قُدر لها أن تقوم.

4-      الحرب الإعلامية القذرة  

وبالطبع يواكب هذه الحرب العسكرية القذرة " حرباً إعلامية قذرة " تهدف لإضعاف وتدمير الروح المعنوية لدى الثوار من خلال اتباع استراتيجية إعلامية بعدة تكتيكات منها:

1-      تكتيك صناعة العدو : بإدعاء وجود مُندسين ومخرّبين بين المُتظاهرين، وببث اعترافات وعرض أسلحة لإثبات وجودهم.

2-      تكتيك الصدمة والرعب : من خلال تصوير وبث عمليات التكفير و القتل والتعذيب الوحشية لإرهاب الثوار وذويهم.

3-      تكتيك تحشيد الرموز : لتبرير حملته العسكرية من خلال الترويج لفكرة المؤامرة الكونية على النظام في سورية.

4-      تكتيك التهوين من الثورة : حيث يطلق عليها مصطلحات إعلامية من قبيل أزمة أو احتجاجات أو مظاهرات إلى غير ذلك من الألفاظ.

  وعموماً وبالرغم من كل موجات التضليل الإعلامي للسيطرة على الرأي العام السوري، الأمر الذي دفع النظام لتوجيه رسالة إلى الشعب مفادها عودوا إلى مساكنكم حفاظاً على أمنكم وسلامتكم، فلقد وصلت رسالتكم ودعونا نقاتل المندسين ونقضي على المخربين وبعدها نقوم بعمليات الإصلاح التي تحتاج إلى وقت " في إشارة ضمنية إلى أن أحد عشر عاماً لم تكن كافية " غير أن كل هذه الحيل الإلتفافية لم تفلح في الإقناع بمصداقية رسالتها الإعلامية فخرج الثوار يقولون " الإعلام السوري كاذب .. كاذب .. كاذب.. " ولعلّ وهذا ما أكده استطلاع الرأي الذي قامت به قناة الجزيرة من خلال نتيجة الإستفتاء على سؤال جاء فيه:

هل تصدق وجود جماعات مسلحة ومخربين في سورية؟

 حيث صوتت الأغلبية الساحقة من المشاركين " بلا " بنسبة 84.2 %  ، مقابل إقتناع نسبة 15.8 % ، مما يعني أن النظام قد فشل فشلاً ذريعاً في إدارة حربه الإعلامية، ومع ذلك لا زال مصراً على استكمالها بمزيد من عمليات التضليل الإعلامي عن عدم وجود ثورة في مُعظم من المدن السورية، لأنه يفسر الإعتراف بالثورة على أنه خسارة النظام لماتبقى من كبرياء الحكم من جهة حيث سيضطر لإظهار المعارضة الحقيقية الموجودة على الأرض الأمر الذي سيحدث تحولاً استراتيجياً في إدارة الثورة يتحول معه النظام إلى مُدافع بدلاً من مهاجم ويضفي مزيداً من المشروعية السياسية للثورة والثوار، لذا فهو يحرص على أن يؤكد قوته وتماسكه باتباع عدة وسائل منها مايلي :

1-      التأكيد على أن الأمور تحت السيطرة وأنه يحقق نجاحات عسكرية لن يُعلن عنها في معركته الوهمية ضد المخربين.

2-      الحرص على الظهور بمظهر الواثق الثابت "على عكس الحقيقة" للفت من عضدد الثوار في الداخل والعمل على كسب معركة الخارج بإجبار المجتمع الدولي على إعادة التعامل معه.

3-      الحرص على الظهور الإعلامي مع رموز المجتمع وبخاصة رجال الدين التابعين له والذين فقدوا الشرعية الأخلاقية قبل الدعوية في نفوس الناس.

4-      الإمعان في التضليل من خلال خلق حوارات مع المعارضة المستأنسة التي صنعها النظام خلال حكمه للإلتفاف على الداخل والخارج بتمرير رسالة الإستجابة للإصلاحات بهدف كسب الوقت لتدمير الثورة بالقضاء على أبرز القيادات والنشطاء الميدانيين.

5-      السعي لتشويه صورة المعارضة الخارجية التي فرت من سورية في ظل نظام الأسد وسحب مشروعيتها من المشاركة في الحوار.

6-      نشر الفيديوهات التي تصور أعمال القمع والقتل والمداهمات التي يقوم بها الجيش والشبيحة بهدف إثارة الفزع والرعب لدى أهالي الثوار وعائلاتهم لثنيهم عن الإستمرار من جهة، وإحباط أي تحرك لدى الأغلبية الصامتة من جهة أخرى.

7-        التهديد بالفتنة الطائفية والحرب الأهلية وتقسيم البلاد كما فعل صديقه "الهارب" معمر القذافي.   

وتأتي كل هذه الخطوات في إطار عمليات الحرب القذرة لإخماد الثورة السورية التي تزداد توهجاً وإلهاماً يوماً بعد يوم، حيث يثبت السوريين أنهم لديهم عزيمة جبارة وإرادة لا تلين وأنهم ماضون وحدهم وبمعية الله للنهاية حتى إسقاط النظام، فهل هناك من يسمع أو يجيب؟ 

إن هذا يذكرنا بقوله تعالى ( والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) إنها سنّة  كونية وليست مؤامرة كونية، هي سنّة التغيير ومن يدركها يعلم بأن الشعوب إذا أرادت أراد الله فهم شهداء الله في أرضه، نعم إنهم لايفهمون أو يشعرون بأن الثورة عندما تقوم لا يمكن أن تخمد بالقوة لأنها تمتلك قوة الدفع الرباعية لعجلات التاريخ الذي يدفعها بقوة للتغير والإنتقال من مكان لمكان ومن موضع لآخر، حتى مع استمرار محاولة عرقلتها لأنها ستزيد من سرعتها رويداً رويداً فترتفع فوق كل المعوقات لتدوسها بسرعة، مُخلفةً ورائها ركام النظام وفلوله التي ستحاول ستر سوئتها المفضوحة بعباءة الثورة الواسعة، فيتحولوا عقب انتصار الثورة من مناهضين إلى مؤيدين بين عشية وضحاها، وما المذيعة هالة المصراتي في ليبيا من هؤلاء ببعيد، وهؤلاء من يطلق عليهم في مصر المتحولون، إن ظهور المتحولون علامة على نجاح الثورة الشعبية، ولكن لماذا لا يفكر المتحولون المُساندون للنظام الأن في التحول وإغتنام شرف الفرصة الأخيرة قبل انتصار الثورة واختيار الشعب على الأسد، أليس من الأشرف لهم أن ينضووا تحت عباءة الثورة والثوار الذين ضحوا بالغالي والنفيس من أجل الحرية، بدلاً من الإصطفاف حول النظام الفاني.
لقد وردت مقولة رائعة عن الحرب نقلاً عن روائي أمريكي غير معروف في كتاب رواد الإستراتيجية الحديثة - الفكر العسكري من ميكافيللي إلى هتلر حيث يقول : ( عندما تقوم الثورة فإنها تسود أرواح الناس كلهم ، تهب عليهم كالعاصفة، تقدم من كل مكان وتسير في كل اتجاه، تختلط بنغمات الأرغن في الكنائس وتملأ طرقات المدن والقرى بالصفير، تتسرب إلى نيران المواقد في داخل الدور وتجتاح غرف الدراسة في المدارس والجامعات، يقف لها شعر رؤوس السياسيين، وتضطرب بسببها كل الروابط الإجتماعية فلا يعيش فرد أو جماعة بمنجاة منها ومن تأثيرها سواء أكان هذا التأثير قريباً مباشراً أم بعيداً غير مباشر) لضبط كلام الروائي الأمريكي بين قوسين إرفع كلمة ثورة وضع كلمة حرب. ولكم التقدير

السداسية المرعبة فى مصر ما بعد الثورة….. معتزبالله عبدالفتاح

أضلاع العملية السياسية فى مصر ستة، وداخلها وبينها الكثير من التفاعلات التى تحتاج الكثير من النقاشات الموسعة. ولكن لنعتبر التعرف على الأضلاع الستة وتطورها نقطة البداية لفهم أوسع لما نحن فيه ومن ثم لما نحن مقدمون عليه.
الضلع الأول هم الشباب الثائر الذين دخلوا الميادين على غير اتفاق وخرجوا منها على غير اتفاق؛ فلا كانت لهم قيادة ولا كان له تنظيم يعبر عنهم. ولكن عند خروجهم تركوا لنا ثلاثة مكونات:
  • المكون الأول هو شعار «الجيش والشعب إيد واحدة» والذى ترجم رغبتهم فى ألا يصطدموا بالجيش وثقتهم فى أنه وقف إلى جوارهم بدءا من يوم 3 فبراير لأن بياناته والكثير من تصرفاته كانت تؤكد أنه اختار أن يكون بجوار الثورة وليس بجوار مبارك وحاشيته. ولكن كانت هناك ثغرة، وهو أنهم لم يتفقوا معه على كيفية إدارة شئون الدولة فى مرحلة ما بعد إخلاء الميادين وبأى سقف وبأى سرعة، ولهذا عادوا للميادين مع كل جمعة وجدوا فيها تناقضا بين توقعاتهم وأدائه.
  • والمكون الثانى هو عدة أشخاص رشحهم قطاع من الثوار على أمل أن يكونوا رجال الحكومة القادرة على ترجمة مطالبهم إلى إجراءات، وشعاراتهم إلى قرارات. اختاروا مثلا ثلاثة أسماء كى يكون أحدهم رئيسا للوزراء، وكذا للمناصب العليا فى الوزارة بمن فيهم وزير الداخلية، الذين ظنوا فيهم أنهم من النزاهة والوطنية ما يجعلهم الأفضل لهذه المهمة «الثورية». وكانت دهشتى، وكنت آنذاك لم أزل خارج مصر، أننى لم أجد بين الأسماء المرشحة للمناصب السيادية العليا قيادات المعارضة سواء الحزبية أو الشعبية من قيادات كفاية والجمعية الوطنية للتغيير والحركات الاحتجاجية التى دفعت الثمن غاليا فى مرحلة ما قبل الثورة بكل شجاعة ووطنية تحسب لها. ورغما عن اندهاشى هذا، لكن أنا لم أكن فى الميدان كى أعرف التفاصيل وتصورت أن حكمة ما قادت الثائرين لهذا الاختيار حتى تبين لى أن هذه الحكمة ليست أكثر من استجابة مباشرة لانطباعات سادت لحظيا تحولت إلى ندم عند الكثير منهم لاحقا.
  • والمكون الثالث هو ذكريات جميلة عن تلاحم إنسانى بديع يتسم بثلاثية إنكار الذات، وحب الوطن، وكراهية الاستبداد. ولكن هى ذكريات طيبة لم يحتضنها كيان مؤسس يضمن وحدة الجميع أو التنسيق بينهم. وهذا ليس غريبا عن معظم الثورات الكبرى (تذكروا الانقسام الذى دب بين رفقاء ثورة 1919 وأشهرها سعد فى مواجهة يكن، ثم انقسام نجيب وناصر فى ثورة 1952، ولينين وتروتسكى فى الثورة البلشفية، وروسبيير ودانتون وسان جوست فى الثورة الفرنسية، والخومينى وبنى صدر فى الثورة الإيرانية).

الضلع الثانى كان المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذى وجد نفسه مطالبا بإدارة شئون الدولة والقيام بمهام تأمين المنشآت الحيوية بعد غياب معيب لقوات الشرطة فى مساء 28 يناير ثم «حوسة» إدارة دولة «لابسة مزيكا» أى شكلها شكل دولة، ولكنها كانت تدار بمنطق العصابة. وكان عليه أن يقوم بثلاث مهام متداخلة:
  • أولا الحفاظ على تماسك القوات المسلحة كمؤسسة تقوم على احترام الأوامر والالتزام بها فى لحظة ثورية هى بطبيعتها تقوم على رفض الأوامر والخروج عليها.
  • وثانيا، حماية حدود الدولة فى ظل منطقة تشهد كل يوم أخبارا جديدة غير سارة من الشرق ومن الغرب ومن الجنوب؛ لاسيما أن نجاحنا قد يغرى بعض الشعوب المحيطة بنا بأن تحذو حذونا وبالتالى يصبح فشل ثورتنا أو تعثرها هدفا لبعض القوى الإقليمية.
  • وثالثا، إدارة المرحلة الانتقالية بدون خطة مسبقة وبرؤية تقوم على التغيير فى حدوده الدنيا لأنها تدربت على مهام القتال والحرب، ولم تتدرب على مهام المساومة والبحث عن الحلول الوسط مع السياسيين، لاسيما أن قياداتها هم أنفسهم كانوا جزءا من «ماكينة إنتاج الاستقرار» التى كانت سائدة فى مرحلة ما قبل الثورة. ولغياب التوافق بين المجلس العسكرى وبين الثائرين، عادت العلاقة وكأنها معركة بين من يريد إعادة إنتاج النظام القديم (المجلس العسكرى) ومن يريد وأد هذه العملية (الثائرين).

الضلع الثالث، وزراء دخلوا إلى السلطة وهم غير مستعدين للمفاجآت غير السارة التى وجدوها والتى وصفها أحدهم بأنها «دى خرابة، والله لو أعرفها كده لما عمرى كنت قبلتها». حكومة دخلت بلا أجندة واضحة إلا الأمنيات الطيبة وبلا تصور واضح لعلاقتها بالمجلس العسكرى إلا تنفيذ الأوامر ولا بالقوى الوطنية الأخرى بما فيها شباب الثورة الذين فتحت لبعضهم «مكاتب اتصال» ليهاجمها الآخرون بمنطق «اشمعنى دول واحنا لأ»، وبرفض واضح من قبل الكثيرين من الكفاءات الذين رفضوا التعاون معها أو الاشتراك فيها لأسباب بعضها شخصى، وبعضها حزبى، وبعضها وطنى، وبوعود كثيرة غير قادرة على تلبيتها بسبب ضيق اليد (وكانت تريد الاقتراض من الخارج، ووُعِدت بمساعدات ومنح لم تصل) وكذلك بسبب غياب القيادة والإرادة والرؤية أو لكل هذه الأسباب مجتمعة. ولم يعد أمامها الآن إلا أن تتحمل هذا الكم المهول من الانتقادات وصولا إلى انتخابات هى المخرج الوحيد الممكن لها بشرط أن تكون حرة ونزيهة على الأقل بمعايير انتخابات 2005. حكومة على غير وفاق مع الشارع الذى انفجر فى توقعاته أو الثائرين الراغبين فى أن تكون حكومتهم التى اختاروها ترجمة لإرادتهم فى استكمال الثورة ومجلس عسكرى يرى أن اتجاه الثورة وسرعتها كما يريد الثائرون فوق طاقته وطاقة المجتمع الذى عاش لسنوات طوال على الفساد وتوحد معه. وعليه فإن الطهر الثورى الذى ينطق به الثائرون لن يطهر فقط ميكروبات النظام السابق، وإنما سيهدم المعبد على الجميع من وجهة نظر الحكومة والمجلس العسكرى.

الضلع الرابع، هم شبكة من الأشخاص الذين أُطلق عليهم فى مرحلة سابقة «الثورة المضادة» وفى مرحلة لاحقة «الفلول» الذين يرفضون أن يستسلموا لفكرة أن انتماءهم للحزب الوطنى يعنى أنهم أعداء للوطن، ويريدون أن يشاركوا فى تحديد مصيره لأنهم إن لم يفعلوا فسيفقدون قدرتهم على الدفاع عن مصالحهم (المادية والمعنوية). وهؤلاء وجدوا ضالتهم، جزئيا فى القلعة المنيعة التى أنتجها المجلس العسكرى كمنطقة عازلة بين الثوار وبين «الفلول» بأن منع إصدار قانون الغدر وغيره من إجراءات.

الضلع الخامس، هم أعداد غفيرة من أهلنا الطيبين الذين لم يشاركوا فى الثورة فى بدايتها لأن بديل الثورة لم يكن جزءا من خيالهم السياسى، وإنما كل ما كانوا يتمنونه هو وقفات احتجاجية لزيادة الرواتب أو التثبيت. ولكن ارتفع سقف توقعاتهم بسبب وعود غير منضبطة من الحكومة وإخفاق واضح فى إدارة توقعات الناس مع رسالة واضحة من المجلسين (العسكرى والوزارى) بأن «الاعتصام مفتاح الفرج». وتباعا ترعرت ثقافة أن الحرية تعنى الخروج على القانون باعتبار أن القانون نفسه من بقايا النظام السابق لأنه كان قانونا ناتجا عن نظام فاسد، إذن فهو فاسد. 

الضلع السادس، القوى السياسية التى كانت مكبوتة لعقود تحت وهم الجيوش الجرارة التى كان يملكها النظام (بما فى ذلك أكذوبة أن جهاز الشرطة يتكون من مليون ونصف المليون جندى فى حين أن كل جهاز الشرطة لا يزيد عدد أعضائه على 300 ألف جندى بمن فيهم المجندون والذين يكون ثلثهم فى إجازة كل شهر كجزء من ترتيبات ما بعد أحداث الأمن المركزى فى عام 1981). لكنها كانت إدارة بالهيبة الخادعة، أما وقد اختفت الهيبة فقد خرج الجميع ليعلن بوضوح أنه طرف وأنه صاحب صوت عال وقوى ومؤثر ويريد أن يشارك فى صناعة المستقبل وفقا للقواعد التى تعمل لمصلحته. وهذا مفهوم فى عالم السياسة لأنها صراع إرادات وتنافس قيادات وتصعيد شعارات.

كل هذه الأضلاع ليست ساكنة، وكل ضلع يتحرك منتجا سلسلة من ردود الأفعال غير المنضبطة فى كل اتجاه، مع سيادة لمناخ التشكك الذى يبدو معه كل طرف متربصا بالآخر. وهذا هو ما يجعلها سداسية مرعبة لأن أطرافها لا يظنون خيرا ببعضهم البعض، بل يتبارون فى الاستخفاف أو التوجس من توجهات كل طرف واختياراته، وكأنهم لا يجيدون أهم الفنون السياسية وهو البحث عن المشترك، واعتماد جزء ولو يسيرا من الثقة المتبادلة. ومع ذلك يظل البديل الوحيد المتاح أمامنا هو سرعة إنشاء مؤسسات تهذب الأضلاع وتجمعها من خلال أطر للتفاوض الجماعى والمساومة السياسية التى تؤدى إلى حلول وسط على أساس من التوافق الوطنى؛ بعبارة أخرى وأخيرة: الانتخابات هى الحل.