الاثنين، 19 سبتمبر 2011

إعلام هماز مشاء بنميم….. معتزبالله عبدالفتاح


 بعض إعلامنا ليس على مستوى الحدث، ليس على مستوى الثورة، بل أزعم أنه يعمل ضد الصالح العام بالمبالغة فى تصوير المشاكل والقضايا بل وأحيانا فى اختلاقها. والخطر الأكبر يأتى من البرامج الليلية. كلما رأيت مذيعا أو مذيعة بدأ حلقته بالنظر إلينا ثم يبدأ فى الحديث مُنظَرا لما يحدث فى مصر، أقول: «ربنا يستر».
لماذا؟ 
أولا: الكثير من مذيعينا ناس أفاضل، لكنهم يتكلمون فى موضوعات لا يجمعون فيها بين الرسوخ والإحاطة، ولكنهم يتحدثون وكأنهم كذلك. يتحدثون بآراء قطعية، هى بين أهل الاختصاص أمور خلافية للغاية. ولكنهم لأنهم لا يعرفون من القصة إلا بعضها، فيتصورون أن هذا البعض هو كل الحكاية وأن واجبهم يملى عليهم أن يحكوا كل ما يعرفون، مع أن كل ما يعرفون قد لا يزيد عن اليسير من الحقيقة. 
ثانيا: الكثير من مذيعينا ناس أفاضل، لكنهم فى سباق محموم من أجل لفت الأنظار إلى برامجهم وبعضهم يريد أن «يجيب النتيجة من الكنترول» بدلا من أن يسأل أهل العلم إن كان لا يعلم فيثير البلبلة فى الوقت، الذى ينبغى أن يكون فيه مصدر للمعلومات السليمة. البلد بالفعل ملئ بالشائعات والمعلومات غير الموثقة وينبغى أن يكون دور الإعلام دحض الشائعات وليس الترويج لها أو اختراع بعض تفصيلاتها. 
ثالثا: الكثير من مذيعينا ناس أفاضل، لكن عندهم السؤال أهم من الإجابة، فيجدون من الصعب عليهم أن يتركوا للضيف (الذى هو الهدف الأساسى للحلقة) أن يكمل كلامه أو أن يوضح رؤيته فتتم مقاطعته بشكل متكرر بأسئلة طويلة وكأن الإجابة غير مهمة، المهم هو أن السؤال كان «حلو». لارى كينج مقدم البرامج التليفزيونية الشهير كانت له مقولة جيدة: إن أفضل مقابلة تليفزيونية هى التى يتدخل فيها المذيع بأسئلة قليلة جديدة وقصيرة جدا، لا تزيد على بضع كلمات. 
رابعا: الكثير من مذيعينا ناس أفاضل، لكنهم يقررون أن يقوموا بدور المدافع عن مطالب الغلابة (عمال، فلاحين، موظفين)، ولكنهم بسبب غياب الخلفية الاقتصادية قد يضرونهم من حيث يدعون أنه يريدون أن ينفعوهم، فيبالغون فى الدفاع عن مطالبهم (التى هى فعلا مشروعة)، ولكن البلد سينهار اقتصاديا إن تمت الاستجابة لها كلها الآن، دون الاستعانة بالمختصين لتوضيح مخاطر أن تتحول مصر إلى ساحة إلى مطالب فئوية متعارضة بهذه الطريقة. 
خامسا: ليسامحنى من قد يجد فى كلامى بعض الحدة. لكن حجم البلبلة ودرجة التشكك الموجودة عند من يتصلون بى مشفوعة بما يشاهدونه وأشاهده معهم على هذه الفضائية أو تلك يؤكد أن بعض الإعلام أصبح عبئا على مصر والمصريين فى حين أنه من المفروض أن يكون أداة توعية وترشيد وتهدئة فى وقت الناس فتحت عيونها ولا ترى إلا الظلام. النور موجود لكن بعض الإعلاميين يرون أنه «ما بياكلش عيش». 
علشان خاطر ربنا، نلتزم المهنية لمدة ثلاثة أو أربعة شهور فقط.

الخبر بين الصـدق والكـذب .. يُبقي التحقيق غـــير مُنسجم


 بقلم / محمد صلاح الدين
تعليقاً حول خبر إحالة الإخوان لـ 40 من قياداتها للتحقيق بسبب إفطار أبو الفتوح

 حقيقة إن خبر إحالة الإخوان لـ 40 من قياداتها للتحقيق بسبب إفطار أبو الفتوح، القيادي البارز والسابق في جماعة الإخوان المسلمين والمرشح الحالي المحتمل للرئاسة المصرية في شهر رمضان الماضي، قد جاء صادماً للمتابعين والمهتمين بالشأن العام، لذا فقد حظى بما لم يحظى به أي خبر آخرعن جماعة الإخوان المسلمين في مصر، الأمر الذي يعبر عن مدى اهتمام المجتمع بالجماعة وأعمالها ومواقفها، لما لها من تاريخ كبير وبخاصة بعد البلاء الحسن الذي أبلته في ثورة 25 يناير، كذلك بما ينتظرها من مستقبل واعد بالمشاركة في الحكم بعد الثورة وتقديم رؤيتها في شتى المجالات للشعب المصري، تلك الرؤية التي ظلت حبيسة العقول و الأوراق لعقود طويلة، الأمر الذي يضع عليها مسئوليات أكبر من غيرها.

ولسنا اليوم بصدد مدح الإخوان للتغطية عن الحدث، أو البحث عن مدى صحة أو كذب الخبر، لأن المصدر معروف ومُعلن عنه من جهة يمكن الرد عليها والرجوع إليها وتحميلها المسئولية، كما أنه ليس علينا أن نُحمّل القارئ العادي مهام تقصى حقائق الأخبار، ليتحول من قارئ إلى محقق إعلامي، فتلك هي خطورة الإعلام واللعبة الإعلامية، ولا نُحمّل القارئ أكثر مما يجب أن يحتمل ، ولكن في ذات الوقت علينا أن نُحمّله مهمة رئيسية تجاه الأخبار وهي أن يبدي أكبر قدر من ضبط النفس الإيجابي تجاه التعاطي معها حتى تثبُت أو تُبرر، وذلك بغض النظر عن جنسية أو انتماء الوسيلة المنشور فيها الخبر، واتجاهاتها الفكرية أو الأيديولوجية للقائمين عليها، وإن اختلفت مع مبادئها الفكرية أو الأيديولوجية إلا الوسائل التحريضية التي ثبت عليها الكذب كما هو الحال في وسائل الإعلام التي تتحدث بإسم أنظمة بعينها أو أحزاب مؤدلجة وتابعة لدولة كهانوتية.

وما دام الخبر له طرفان فعلينا أن نرى ونتابع ردة فعل الطرف الآخر والمعني بالخبر، فإن صدر عنه ما يفيد التكذيب أو التوضيح أو التحفظ على بعض أجزاءه مثلاً ، فعندها يمكن للقارئ أخذ وجهة النظر التي يريد بحسب ما يتفق مع ميوله واتجاهاته الفكرية والثقافية.

ولكن وعلى فرض أن الخبر خطأ، فعلى الطرف المتضرر وهم " الأخوان " أن يبادروا بنشر تكذيب فوري، بل ورفع دعوى قضائية على الصحيفة التي نشرت الخبر، وذلك وفق القانون الذي لايسمح بنشر أخبار كاذبة دون دليل أو بينة.
وهذا هو الأصل، وبما أن الخبر كما علمت ليس بالجديد، ولم يخرج عن جماعة الإخوان تكذيب أو توضيح له بأكثر مما ذكر في الخبر على لسان المتحدث الرسمي للجماعة، وبما أنه يتعلق بمواقف سلوكية هامة في حياتنا اليومية ، إذاً وجب علينا قراءة الموضوع من خلال المحاور الثلاثة التالية:
أولاً : محور الإدارة والتنظيم.
ثانياً : محور الإتصال والعلاقات.
ثالثاً : محور الإختلاف.

أولاً : محور الإدارة والتنظيم:
بالنسبة للخبر والذي تمت صياغته بصورة استفزازية من قبل الصحفي، إلا أنه أثار تساؤلات عدة متعلقة بالعملية الإدارية والإتصالية العامة والخاصة، ومنها على سبيل المثال: أن العرف الإداري العام هو أن محاسبة العناصر البشرية المنتمية لأي كيان تنظيمي سواء يهدف للربح أو لايهدف للربح ، دعوي أو سياسي ، اجتماعي أو رياضي لا يتأتى إلا من خلال نظام ولائحة تنظيمية تنظم سلوكيات المنتمين إليها، وأن أي قرارات أو إجراءات يجب أن تراعي تلك اللائحة ولا تتجاوزها ، إذاً فكيف نقرأ مسألة إحالة الأربعين قيادياً للتحقيق؟

1-     غياب القاعدة الصوابية التي يقاس عليها خطأ أو صواب الفعل:
من المسلمات في القواعد الإدارية أن الأصل وجود " قاعدة صوابية " للفعل ليتم محاسبة الناس على أساسها، بمعنى أن يكون هناك توجيه أو تعليمات واضحة ومحددة لا لبس فيها " بفعل أو بعدم فعل " قال تعالى لتحديد التوجيه الإلهي لآدم وحواء (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَـٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴿٣٥﴾ البقرة فأصبحت القاعدة الصوابية هنا هي " عدم القرب من الشجرة أو الأكل منها " إلا أن الآيات قد أوضحت التعامل الرباني بقوله تعالى (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ ﴿٣٦﴾ فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴿٣٧﴾ البقرة وحقيقة نجد الرب يلتمس العذر لعصيان آدم ويحيل زلته للشيطان، وأنه السبب في هبوطه من الجنة، ثم تيسير الله التوبة لآدم بعد أن تلقى الكلمات، فهل حدث ذلك مع أعضاء الجماعة؟ هل كانت لديهم تعليمات واضحة وصريحة؟ بالطبع لا، والجزم بلا قد أتى من الخبر نفسه على لسان المتحدث الإعلامى بإسم الجماعة السيد/ محمود غزلان فقال لـ«الشروق» ( إن الغالبية العظمى ممن تم التحقيق معهم قالوا إنهم لم يكونوا «فاهمين» إن مقاطعة الجماعة لترشيح أحد أعضائها للرئاسة تعنى أيضا مقاطعة أحد المرشحين، مضيفا: لم يكونوا يعلمون أن ذلك فيه مخالفة، وبالتالى قلنا لهم «عفا الله عما سلف» ) أما إن لم تكن هناك تنبيهات أو توجيهات صريحة بهذا الصدد فهذا يعني عدم إلزام الآخرين بأي سلوك مستقبلي تتم المحاسبة عليه، لعدم وجود القاعدة الصوابية أو التوجيهية المتفق عليها والتي يقاس عليها الفعل أوالسلوك، وإن تم العفو عنهم بقول الأستاذ غزلان: "عفا الله عما سلف".

2-      غياب مبدأ التدرج في اتخاذ الإجراءات الإدارية
إن التحويل للتحقيق على أثر مسألة ما يتطلب من المنظمة اتخاذ إجراءات تصاعدية أو تدريجية قبل اللجوء لمسألة التحقيق الذي يكون فيه ما فيه من الإحراج النفسي والأدبي لبعض الأعضاء، خاصة إذا ما تم الإعلان عنه أو تسرب بهذه الصورة، لذا كان يُمكن أن يكتفى بالتنبيه الشفوي أو حتى الملاحظات الكتابية للـ 40 عضواً عن طريق رؤسائهم في التنظيم لتوجيه رسالة مفادها أن فعلهم مخالف للقرار رقم كذا الخاص بكذا، ويُتاح للأفراد حق إبداء الرأي والتعليق دفاعاً عن أنفسهم بالصورة التي يرغبون في إطار ودي هادئ، وبهذا يكون قد تم تغليب الجانب التربوي والتوجيهي على الجانب الإداري، أو بمعنى أدق تم ممارسة العمل الإداري بصورة تربوية تحافظ على صورة الأفراد الذين هم جزء لا يتجزأ من صورة المنظمة أياً كانت.
أما أن يتم اللجوء للتحقيق مباشرة فهذا أمر أعتقد بأنه يحتاج إلى مراجعة من أصحاب الشأن خاصة فيما يتعلق بمواد ونصوص اللائحة التي تقر ذلك، والتي يجب أن توضح الحالات التي بموجبها يحال أحد للتحقيق على أثرها، لأن الأمر بهذه الصورة قد يكون فيه تخويف بصورة أو بأخرى وبطريقة تكون غير مقصودة وذلك بإعمال مبدأ إحسان الظن.

ثانياً : محور الإتصال والعلاقات
لا يختلف أحد على أن الجماعة والدعوة هي دعوة ربانية ومباركة كما يتحدث جميع الأعضاء عنها، ولكن هذا لا يمنع من أن يخطئ أي فرد فيها في تصوراته أو أحكامه أو سلوكياته الشخصية لأنه غير معصوم، ولكن دعونا نحكم على الحدث من خلال مفهوم الإتصال والعلاقات في إطار الحقوق والواجبات الإسلامية العامة بل والخاصة، إن قراءة تلبية الدعوة التي قام بها الأعضاء الـ 40 مع إعمال " مبدأ إحسان الظن " السابق ذكره يأتي في إطار تلبية الدعوة الواجبة على إفطار رمضاني " فهي دعوة شخصية وإنسانية وإسلامية بامتياز" لا دخل فيها لعملية الترشح الإنتخابي إلا إذا كانت تحت شعار " الطريق إلى الرئاسة " أو نحو ذلك من الشعارات الإنتخابية، لذا لا أجد غضاضة في قبول تلك الدعوة الواجبة شرعاً و التي يماثلها دعوة عشاء أو شاي أوغيرها بين أناس لهم من المعرفة والعشرة السابقة بل والإحترام والحب الكثير، حتى وإن كان كل منهما في طريق أو اختلف مع الأخر في منهج أو سياسة أو أسلوب، فالخلاف في الرأي لايفسد للعلاقات الودية قضية خاصة إذا ماقامت هذه العلاقات لله ولم تلتقي لدنيا أو هوى أو مصلحة معلومة أو حتى مظنونة.

ثالثاً: محور الإختلاف
وبالعودة للمسألة مرة أخرى نجد أن مبدأ مقاطعة أحد المرشحين على خلفية الترشح لا تعني مقاطعة المرشح من الناحية الإنسانية والشخصية، لوجود حقوق كثيرة لا يختلف عليها اثنان بين الناس، ومنها حق تلبية الدعوة وحق حسن وحفظ العشرة "…وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّـهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿٢٣٧﴾ البقرة  " بين الناس وهذا مبدأ عام بين البشر" ، وقوله تعالى ( فَاتَّقُوا اللَّـهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّـهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿١﴾ الأنفال ، فكيف تستقيم تقوى الله في نفس المؤمن وتطبيقه لمبدأ إصلاح ذات البين من جهة وبين قطيعة دعوة لمسلم أياً كان مبدأه أو فكره أو توجهاته السياسية والإجتماعية من جهة أخرى بعدم تلبية الدعوة، أعتقد أن من لبى دعوة الدكتور عبد المنعم كانت هذه المشاعر والمفاهيم في قلبه قبل عقله.

وهنا نتذكر قوله تعالى ( وَأَطِيعُوا اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّـهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴿٤٦﴾ الأنفال إن اتخاذ مثل هذه المواقف المُتشددة من شأنه أن يجعل للشيطان على المؤمنين سبيلاً ويحرك نوازع النفس الأمارة بالسوء لدى البعض فتختلف القلوب بعد أن اختلفت العقول فيحدث ما لا يحمد عقباه، والحل الصبر نعم الصبر، بأن يصبر بعضنا على بعض ويحتمل بعضنا بعضاً ولنتذكر قوله تعالى (…. فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّـهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّـهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّـهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴿٥٤﴾إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴿٥٥﴾ المائدة.   وإلا لحلت القطيعة بين الناس بسبب اختلاف الأفكار والتوجهات والخيارات السياسية ولحل محلها العداوة والبغضاء، لذا دعونا نتعاون معاً فيما اتفقنا عليه وليعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه.

حقيقة إن جماعة الإخوان المسلمين في موقف لا تحسد عليه فهي قد قطعت على نفسها عهداً ووعداً تاريخياً للشعب المصري بأنها لن ترشح أحداً للرئاسة المصرية مغلبة المصلحة العامة لمصر على المصلحة الخاصة للجماعة، ولكن ترشح الدكتور عبد المنعم للرئاسة  جاء ليقلب لها الأوضاع رأساً على عقب ليثير التساؤلات لدى بعض المناوئين وغيرهم من جموع الشعب المصري الذي بدأ ينظر للمسألة على أنها لعبة سياسية في إطار المسموح، وهذا ربما ما يفسر غضب الإخوان وتشددهم تجاه أعضائهم بصورة معلنة أو غير معلنة حتى يدفعوا عن أنفسهم تهمة التحايل على الوعد الذي قطعوه للشعب المصري من جهة، ولتثبت الجماعة للشعب مصداقية وحزم تجاه من يخالف إجماعها من أتباعها حتى لو كان من كبار قياديها أو كان بقامة ووزن الدكتور عبد المنعم نفسه، لأن مصر أعز من أي إنسان، أعتقد أن هذه هي الرسالة التي يريد الإخوان إيصالها للشعب المصري وقد وصلت بوضوح، ولكن وبعد كل ما تقدم أعتقد أنه " ليس هكذا تورد الإبل" والله أعلى وأعلم.

الجمعة، 16 سبتمبر 2011

ساسة الأيادى المرتعشة…… ابراهيم الهضيبى

ارتعشت أيادى الساسة فى الأسبوع السابق لخلع مبارك، ففى حين أصر الشارع على أنه (لا تفاوض قبل الرحيل)، قبل الساسة بفكرة تفويض السلطات لنائب الرئيس مع بقاء مبارك فى السلطة لحين إجراء الانتخابات، ودخلوا فى مفاوضات مع نائب الرئيس المخلوع حول هذا الأمر، بيد أن هذا كله لم يصمد أمام إصرار الشارع على خلع مبارك.

 ومع افتراض حسن النية فإن تأخر الساسة عن موقف الشارع كان له سببان، أولهما عدم كفاية ثقتهم فى قدرته على الصمود أمام الضغوط الإعلامية والاقتصادية والأمنية التى مورست عليه وقتئذ،وثانيهما وقوعهم أسرى للقواعد غير العادلة الضابطة للعملية السياسية، والتى ثار الشعب عليها، إذ بدا التفويض لهم مخرجا آمنا وحيدا من الأزمة الدستورية المتعلقة بالجهة المقترحة لتسلم سلطات الرئيس.

وفى تقديرى فثمة تشابه بين موقف الساسة هذا وموقفهم من إسرائيل خلال الأحداث الأخيرة التى بدأت بمقتل حرس الحدود المصريين، ففى حين أصر الشارع على قطع العلاقات الدبلوماسية بإسرائيل وإلغاء معاهدة السلام (وهو موقف أغلبية المصريين من قبل الأحداث كما تشير نتائج الاستطلاع الذى أجراه مركز جالوب فى مارس وأبريل الماضيين)، كان موقف الساسة أقل حسما فتوقفت مطالبهم عند طرد السفير الإسرائيلى أو استدعاء السفير المصرى للتشاور، وظل الموقف الرسمى دونهما باكتفائه ببيان شجب فيه الأحداث وأكد عدم التفريط فى الدم المصرى، من دون الحديث عن خطوات جادة تحفظ حق الوطن، وخرجت مسودة البيان ــ التى أعلن فيها سحب السفير ثم تم التراجع عنها ــ لتدل على ارتعاش أيادى صناع القرار فى مصر.

وأمام هذا الارتباك خرج الناس إلى الشارع مرة أخرى الجمعة الماضية، فهدموا السور الذى بناه حكام مصر المؤقتون لحماية سفارة إسرائيل، وأنزلوا العلم ــ مرة ثانية ــ من عليها، واقتحمها بعضهم، وقاموا ــ عمليا ــ بطرد السفير بأن فرضوا على إسرائيل استدعاءه، فجاء رد الفعل ــ مرة أخرى ــ مخزيا على المستويين الحكومى أو الحزبى، وهو رد فعل عبر عن مصالح البعض، سواء الاقتصادية (تتحدث مصادر رسمية إسرائيلية عن تبادل تجارى محدود يصل لنصف مليار دولار، أغلبها فى قطاعى الطاقة والنسيج)، أو السياسية (عدم رغبة بعض المؤسسات فى تغيير البنية السياسية الحالية حفاظا على نفوذها، وتذرعها بخطر الحرب فى تبرير ذلك)، وعبر ــ وهو مناط البحث هنا ــ عن ارتعاش أيادى الساسة.

أما ساسة الحكومة فقد تجلى اضطرابهم فى تغيير وجهة الغضب، فبدلا من الدفاع عن الدماء المصرية المسفوكة دافعت الحكومة عن السفارة الإسرائيلية المقتحمة، وجاء بيانها عن الواقعة الثانية أكثر حزما منه عن الأولى، إذ أكد احترام مصر لالتزاماتها الدولية، وإدانة الحكومة للاعتداء، وصحب ذلك اتخاذ مجموعة من الإجراءات والتدابير على الأرض ترد الاعتبار لإسرائيل، كالإسراع بالقبض على المتورطين، ومحاكمتهم استثنائيا عن طريق توسيع نطاق العمل بقانون الطوارئ.

البيان عبر عن اضطراب واهتزاز للثقة من جهتين، فهو أولا ــ كما سبق ــ أقل حدة فى لهجته وجدية فى خطواته من بيان إدانة مقتل الجنود، وهو ثانيا أكثر تشددا فى رفض الحدث من الإسرائيلين، الذى جاء خطابهم الرسمى والإعلامى معبرا عن القلق أكثر من الغضب، ومتوسلا بعملية السلام لا مهددا بنقضها كما خشى الساسة الذين لم يدركوا بعد قوة البلد الذى يحكمونه، ولم يرغبوا كالشعب فى تغيير القواعد الظالمة الحاكمة لعلاقاته الخارجية.

وأما موقف ساسة الأحزاب فكان فى معظمه أكثر سوءا، فعدم الثقة فى الشارع والوقوع قيد الأسر لقواعد حكمت العلاقة المصرية ــ الإسرائيلية فى عهد مبارك من جهة، وعدم الرغبة فى التراجع عن موقف المطالبة بطرد السفير من جهة أخرى ــ أربكت بعض الساسة لدرجة العجز الكامل عن صياغة موقف من الأحداث، فركزت بعض البيانات على أحداث هامشية ــ كالاشتباكات المحدودة بين المتظاهرين والشرطة عند مديرية الأمن ووزارة الداخلية ــ مع تجاهل تام للحدث الرئيس، وصاغ البعض بيانات تحوى تناقضات صارخة، كالنص فى أول البيان على رفض الاعتداء على سفارات دول ذات سيادة، وتسمية إسرائيل فى آخره (الكيان الصهيونى)، على أن قوى أخرى قد خرجت من هذا التناقض بإدانة الواقعة صراحة، وبعبارات أكثر حسما من تلك المستخدمة لإدانة قتل الجنود المصريين.

تشير هذه المواقف وغيرها إلى ضعف الخيال السياسى لساسة مصر الذين يتحركون فى إطار فرضيات محددة سلفا، فبعضهم بنى موقفه من اقتحام السفارة على سبيل المثال على فرضية احتياج مصر لاتفاقية السلام لعدم استعدادها للدخول فى حرب، وهى فرضية تمثل خلاصة الخطاب الرسمى والإعلامى طوال سنوات حكم مبارك.

وهذه الفرضية باطلة من جهات:
  • أولاها أن خرق الاتفاقية فى موقف لا يعنى نقضها وإلا فهى منقوضة بخروقات إسرائيلية لا تحصر، وحتى فى الحالة الآنية فإن خرق إسرائيل للاتفاق (بعدم سيطرتها على جنودها النظاميين وإطلاقهم النار بصورة أدت لمقتل ستة مصريين) أعظم بكثير من الخرق المصرى له (بعدم سيطرة سلطة مؤقتة على شعب غاضب أنزل علما واقتحم سفارة).
  • وثانيها أن نقضها لا يعنى الدخول فى الحرب، فثمة مساحة من الخيارات تمثل الدبلوماسية الخشنة بدرجاتها يمكن اللجوء إليها.
  • وثالثها أن إسرائيل غير مستعدة وغير راغبة فى الدخول فى حرب مع مصر دفاعا عن سفارتها لأنها أكثر انشغالا بالدفاع عن وجودها المهدد بتحديات أكبر من الداخل الإسرائيلى، وغزة، والمحيط الإقليمى الواسع ليس هذا مجال تفصيلها.
  •  وأخيرا فإن الخوف من حرب محتملة لدرجة القبول بقتل الجنود بغير ثمن إنما يعكس انعداما للثقة بالنفس لا يليق.
 وفى تقديرى فإن هذا الضعف الذى عليه الساسة هو ما يدفعهم لأن يتجنبوا ما استطاعوا الخوض فى القضايا الجادة، ذات التأثير المصيرى على مستقبل الوطن واستقلاله، والانشغال بدل ذلك بالجدل حول قضايا لا تشكل فى حقيقتها تهديدا حقيقيا بالوطن، كالخلاف حول ترتيب إجراءات انتقال السلطة من دون بحث عقبات الاستقلال الوطنى، والانشغال بقضية هوية الدولة الاسمية لا بقضية كرامتها وكرامة مواطنيها.

إن غالبية ساسة مصر هم فى تقديرى دون مستوى ثورتها، وعجزهم الناتج عن فقدانهم الثقة، مع إصرارهم على تصدر المشهد الإعلامى يضر بمسيرتها، ولذلك فإن الثورة فى ظنى لن تتمكن من استكمال مهامها واستعادة الاستقلال الوطنى وكرامة المصريين إلا بتجاوز الساسة الحاليين وتهميشهم، وإفراز ساسة من نوع آخر، أكثر ثقة فى الشارع وارتباطا به واحتراما له فى الخطاب والفعل، وأكثر قدرة على التحرر من أسر الفرضيات المتوهمة والقواعد الظالمة الموروثة، وأقل ارتباكا وارتعاشا فى مواجهة التحديات التى تواجه مسيرته.

لا أنجح الله حزبك أو مرشحك…… معتز بالله عبدالفتاح


قرأت خبرا عن أن بعض علماء الدين يطالبون بألا تستخدم المنابر والمساجد فى الدعاية الانتخابية لأى مرشح أو حزب بذاته. وربما يتفق هذا التوجه مع حديث الرسول (صلى الله وعليه وسلم): «إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع فى المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك! وإذا رأيتم من ينشد فيه ضالة، فقولوا: لا رد الله عليك ضالتك» (صححه الألبانى) وزاد مسلم رحمه الله: «فإن المساجد لم تبن لهذا؟» والقضية أن هناك مخاوف حقيقية أن البعض لا يرى غضاضة فى استخدام المساجد (وقطعا الكنائس ولكن هذا موضوع نقاش آخر قادم) كساحة للتجنيد الحزبى لحزب بعينه وللحشد التصويتى لمرشح بذاته.

أقترح أن نتفق بشكل جماعى، استجابة لصوت العقل والشرع معا وكمحاولة لتجنيب مساجدنا أن تكون ساحة لصراعتنا الحزبية، عدم استغلال المساجد والكنائس فى الدعاية الانتخابية لأى حزب أو مرشح بذواتهم. وهنا تظل دور العبادة ساحة للتداول فى الشئون العامة (مثل ترسيخ مفاهيم الأخوة فى الدين، الإخلاص فى العمل، شروط الحاكم الصالح، أهمية المشاركة فى الحياة العامة والتصويت فى الانتخابات)، دونما تحديد التصويت لأى حزب أو مرشح لأن «المساجد لم تبن لهذا» كما أفهم.

هذا لا يعنى أن نحجر على حق إمام المسجد أو القسيس أن تكون له تفضيلاته السياسية الخاصة به ويجوز أن يجاهر بها للأصدقاء والمعارف ولكن ليس داخل المسجد أو الكنيسة بصفته داعية إلى الله حتى لا يختلط على الناس ما هو تفضيل إنسانى بشرى وما هو إلهى مقدس. المسجد والكنيسة لجميع الناس بكل انتماءاتهم السياسية والطبقية. دور العبادة للجميع وليست لممارسة التجارة السياسية «فإن المساجد لم تبن لهذا».

لا ينبغى أن يكون ازدهار حياة حزبية سليمة فى مصر على حساب حياة دينية سليمة. لا نريد مسجدا سلفيا وآخر إخوانيا وثالثا وفديا ورابعا ناصريا وهكذا. هذه المساجد لله فلا ينبغى أن ندعو داخلها مع الله أحدا حتى لو كنا نظن أننا نفعل ذلك استجابة لأمر إلهى. دور العبادة مكان للسكينة والهدوء والتذكرة الواعية بمصالح الأمة كاملة وواجبات أفرادها، وليست ساحة للتناظر والفرقة السياسية. ولو ظل الصراع بين على ومعاوية (رضى الله عنهما) سياسيا فقط لما ظهر الخوارج ثم الشيعة والمرجئة والقدرية وهكذا.

العلاقة بين الدين والسياسة فى الإسلام ليست علاقة إحلالية ــ صراعية، فلا تستطيع دار العبادة أن تحل محلا أو أن تتصارع مع دار الحكم، لكنها علاقة تكاملية ــ تمايزية، فالتمايز بينهما واضح والتكامل بينهما ضرورة. يخرج من دار العبادة القيم العظمى للأمة وتتصارع السياسة من أجل أفضل طريق لتحقيقها، دون أن يسعى الساسة لأن يتخذوا من دور العبادة مقارا انتخابية لهم. هذه مفسدة للدين وللسياسة.

من المنطقى أن يكون عنوان إحدى الخطب أو المواعظ الحديث عن أهمية النظافة الشخصية، ولكن ليس من المنطقى فى تقديرى المتواضع أن يقوم الشيخ أو القس بالدعاية لصابون من نوع معين.

 ونفس الكلام ينطبق على الكلام العام فى مجال السياسة دون تخصيص سواء فى مقام المدح والتشجيع أو فى مقام النقد والتحذير ولكن دون تسمية بمنطق الرسول حين اعتاد أن يقول: «ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا…» مع مراعاة التحرى فى النقل عن الآخرين حتى لا نصيب أقواما بجهالة فنصبح على ما فعلنا من النادمين.

ولكل من يحاول أن يستغل دور العبادة للدعاية الانتخابية، أحسبه بحاجة أن يراجع ما قاله الرسول (صلى الله عليه وسلم) وهل يمكن أن يجد من يقول له: «لا أربح الله تجارتك، ولا رد عليك ضالتك، ولا أنجح لك حزبك أو مرشحك».

الثلاثاء، 13 سبتمبر 2011

فهمى هويدى يحاور أردوغان الجزء الثانى : هذه ساعة الشعوب فى العالم العربى


فى الجزء الثانى من الحوار اعتبر أردوغان أن ساعة الشعوب قد حانت فى العالم العربى، وأن عصر الاستبداد قد ولى، حتى قال إنه من الآن فصاعدا فإن من لا يدرك هذه الحقيقة أو يتعامى عنها، ويظن أن إرادة الشعوب يمكن أن تقهر وأن صوتها يمكن أن يحبس، فسيدفع الثمن غاليا ولا يلومن إلا نفسه، إليك ما جرى فى اللقاء.
(1)
رحلته إلى ثلاث من دول «الربيع العربى» (مصر ثم تونس وبعدها ليبيا) استدعت سؤالا عن قراءة تركيا لتحولات العالم العربى. شجعنى على ذلك أيضا أننى علمت أن فريق عمل تشكل فى الخارجية التركية لكى يتابع ويحلل ما يجرى فى العالم العربى منذ لاحت نذر انتفاضة شعوب المنطقة فى شهر يناير الماضى. كما أن رئيس الوزراء عزز مكتبه ببعض المثقفين والخبراء الذين يجيدون اللغة العربية، وهؤلاء ظلوا يحيطونه بدقائق ما يجرى فى المنطقة صبيحة كل يوم، فضلا عن أن وزير خارجيته الدكتور أحمد داود أوغلو أصبح واحدا من أهم خبراء الشئون العربية، وله حضوره الدائم فى عواصمها وفى قلب أحداثها.
سألت فقال: علاقتنا بالعالم العربى لم تعد بحاجة إلى بيان أو برهان (تركيا عضو مراقب فى الجامعة العربية). وهى تتجاوز المصالح الاقتصادية إلى آفاق أوسع بكثير طالت الرؤى الاستراتيجية والهموم المشتركة، التى تحتل قضية فلسطين موقعا متقدما فى سلم أولوياتها. لذلك فإننا نعتبر انتصار الشعوب العربية انتصارا لتركيا أيضا. ذلك أن استعادة الشعوب لإرادتها وحريتها يعد مقدمة طبيعية لانخراطها فى التاريخ، ومن ثم للنهوض بها والتغلب على التحديات التى تواجهها.
أضاف: لقد شهد العالم متغيرات كثيرة خلال العقدين الأخيرين، وكان سقوط جدار برلين علامة فارقة فى ذلك. ولكن الأوضاع فى العالم العربى ظلت بعيدة عن التحولات التى شهدها العالم، بالأخص ما تعلق منها بالحريات العامة. وحين تلاحقت الثورات فى العالم العربى منذ بداية العام الحالى، فإن ذلك كان إيذانا ببدء عصر الشعوب وانتهاء زمن الاستبداد. وكان ذلك هو الدرس الذى تعين على الجميع استيعابه، ولئن بدا أن البعض لم يتسلموا رسالته فى الوقت الراهن، إلا أن ذلك لن يغير من الأمر شيئا، لأن عجلة التاريخ إذا دارت فسوف يتعذر إعادة عقارب ساعته إلى الوراء، حيث لن يصح إلا الصحيح فى نهاية المطاف.
سألته عن زيارته لمصر، فقال ان تركيا تدرك جيدا أن مصر لا غنى عنها فى نهوض العالم العربى أو قعوده. وإذا كان للعالم العربى أبواب عدة، فالذى لا شك فيه أن مصر هى بابه الأكبر. لذلك فإننا نتطلع إلى إقامة علاقة شراكة استراتيجية معها، وإلى توسيع وتمتين التعاون بين البلدين فى مختلف المجالات الأخرى، خصوصا الاقتصادية منها.
قلت: هل استشعرت تركيا أن مصر فى العهد السابق تعاملت معها بدرجات من التردد والحذر؟
ــ قال: هذا صحيح، وإن كان ذلك لم يؤثر على مجالات التعاون الاقتصادى. كما اننا حين عرضنا إلغاء تأشيرات الدخول بين البلدين اسوة ببعض الدول العربية الأخرى، فإن الفكرة قوبلت ببعض التحفظ، مما دفعنا إلى طرح بدائل أخرى تيسر على أصحاب المصالح فى مصر دخول تركيا وقتما يشاءون. وفى كل الأحوال فإننا ظللنا نتفهم الموقف المصرى ونقدر وجهة النظر التى يعبر عنها. وبعد قيام الثورة واستعادة الشعب قراره وإرادته فإننا نرى أن مصر صوبت مسيرتها واختارت الطريق الصحيح للتقدم والنهضة، الأمر الذى يفتح أمام العالم العربى طريق الأمل والتفاؤل.
(2)
لست متأكدا من أن السيد أردوغان كان مهموما بالحالة السورية طوال حديثه عن العالم العربى وضرورة الانصات إلى صوت شعوبه وأفول نجم الاستبداد فيه، لكنى كنت أعرف أن الرجل ظل طوال الوقت طرفا فى أزمة سوريا، وأنه خلال الأشهر الستة الماضية كان على اتصال دائم ومباشر مع الرئيس السورى بشار الأسد. وان الحوار الهاتفى بين الرجلين اللذين ارتبطا بعلاقة شخصية وعائلية وثيقة، توقف منذ أربعة أسابيع. وان ظل الملف السورى حاضرا على مكتبه. كنت أعرف أن وزير الخارجية التركى نقل إلى القيادة السورية رسائل عدة (خمس على الأقل) بدأت بالتنبيه وانتقلت إلى النصح وانتهت بالتحذير من عواقب التعامل الأمنى القاسى مع الجماهير الغاضبة فى سوريا.
سألته عن سوريا فلمعت عيناه وقال إن علاقاتنا معها كانت على أفضل ما تكون، والتعاون بين بلدين شمل كل المجالات، كما أن التفاهم كان على مختلف المستويات لكن الامور بدأت تتغير بيننا حين خرج السوريون إلى الشوارع معبرين عن غضبهم ومطالبين بإصلاح أحوال البلد بما يرد للمجتمع اعتباره ويتيح له أن يمارس حريته.
وقد أثار انتباهنا أن المطالبات الشعبية السلمية قوبلت بالقمع من جانب الأجهزة الأمنية. إلا أن ذلك القمع لم يثن الجماهير السورية عن عزمها، وإنما تحول إلى وقود أجج الغضب وضاعفه، وللأسف فإن السلطة واجهت الغضب المتزايد بمزيد من القمع الذى أدى إلى إسالة الدماء السورية فى الشارع، وحين حدث ذلك فإننا بدأنا فى التشاؤم، لأن دم المواطنين حين يسيل فإنه يكتب الأسطر الأولى فى شهادة وفاة النظام، وكل نقطة دم أخرى تضيف سطرا جديدا فى شهادة النهاية. حينذاك تم الاتصال الأول بخصوص الأزمة مع الرئيس بشار، الذى تحدث عن أن بلاده مستهدفة من قوى خارجية، ووعد باتخاذ الإجراءات التى تكفل تهدئة الأوضاع والاستجابة لطلبات الإصلاح المنشود. فى أعقاب هذه المكالمة تم ايفاد وزير الخارجية التركى إلى دمشق، لكى يثبت ما تم الاتفاق عليه فى الاتصال الهاتفى، ويتفهم الموقف على الطبيعة.
أضاف أردوغان قائلا إن ما حدث على الأرض فى سوريا جاء مخالفا لما سمعناه من وعود، حتى أدركنا فى نهاية المطاف أن الآلة القمعية لا تريد أن تتوقف، وأن غضب الجماهير السورية يتزايد ويستمر فى ثبات وشجاعة. الأمر الذى يؤكد أنه لم يعد ممكنا إسكات صوت الشعوب بالقمع والسلاح.كررنا الاتصال والنصح، وتمنينا أن تحل الأزمة بالحوار مع المعارضة السلمية، ولكن امنياتنا تبخرت بمضى الوقت. لكننا لم نيأس ودعونا الرئيس السورى إلى اتخاذ خطوات محددة لإنقاذ الموقف هى: سحب الأسلحة الثقيلة من المدن وإطلاق سراح المعتقلين والمسجونين السياسيين ــ انهاء حالة الطوارئ فى الواقع وليس الاكتفاء بإلغاء القانون دون أى تغيير فى السياسات المطبقة ــ إنهاء احتكار حزب البعث للسياسة وفتح الباب للتعددية السياسية ــ إطلاق الحريات العامة وفى مقدمتها حرية التعبير وحرية تشكيل الأحزاب السياسية والنقابات.
سألته: ماذا كان الرد السورى؟
ــ قال: ظللنا نسمع وعودا ولا نرى لها حضورا على الأرض.
 قلت: الرئيس عبدالله جول قال انه فقد الأمل فى إصلاح النظام السورى.
ــ قال: ليس هذا رأيه وحده للأسف، ولكننى أيضا أشاركه هذا الشعور باليأس.
قلت: هل يمكن أن يكون هناك إمكانية لانقاذ الموقف بعد قتل نحو ثلاثة آلاف مواطن سورى، فضلا عن إصابة واعتقال آلاف آخرين؟
ــ قال: لن نكف عن السعى والتحرك ما استطعنا إلى ذلك سبيلا فسوريا بالنسبة لتركيا ليست بلدا عاديا. ولكنها جار نشترك معه فى حدود بطول 910 آلاف كيلومتر وبيننا وشائج ومصالح مشتركة يتعذر تجاهلها. وإلى جانب أن رهاننا الحقيقى والنهائى على الشعب السورى، إلا أننا ندرك جيدا أن استقرار الوضع هناك جزء من أمننا القومى، لا نستطيع أن نتجاهل استحقاقاته ــ لذلك فإننا لا نخفى قلقنا على سوريا وخوفنا من سيناريوهات مستقبلها.
قلت: ما هو السيناريو الأسوأ الذى يقلقكم؟
ــ قال: أخشى أن ينتهى الأمر بإشعال نار الحرب الأهلية بين العلويين والسنة. ذلك أننا نعلم أن النخب العلوية تهيمن على مواقع مهمة فى السلطة وفى قيادة الجيش والأجهزة الأمنية، وأن يتجه غضب الجماهير إلى تلك النخب ليس فقط باعتبارها أداة السلطة فى ممارسة القمع، ولكن أيضا بصفتها المذهبية. وللأسف فإن النظام يلعب الآن بتلك الورقة الخطرة، لأن بعض المعلومات المتسربة تشير إلى أن نسبة قليلة ممن يوصفون بـ«الشبيحة» ينتمون إلى الطائفة العلوية، وهو ما يعمق الفجوة بينهم وبين الأغلبية السنية، ويثير ضغائن لا علاقة لها بالانتماء المذهبى، وإنما زرعها وغذاها الصراع السياسى الذى اتسم بقصر النظر، حتى بدا أن السلطة فيه مستعدة لإشعال حريق كبير فى البلد، لكى تستمر.
والحل؟
ــ هكذا سألت فرد قائلا: منذ اللحظات الأولى دعونا الرئيس بشار الأسد لأن ينصت إلى صوت شعبه وأن يقرأ بعناية التطور الذى حدث فى العالم العربى، لكنه لم يفعل للأسف، ولن نمل من تكرار هذا المطلب على مسامعه. ثم إننا لا نرى أملا فى الخروج من الأزمة طالما أبقى الرئيس السورى على أغلب المحيطين به الذين يصرون على استمرار سياسة القمع والقهر وكسر إرادة الشعب السورى. وإذا لم يخط هذه الخطوة فإن الرئيس بشار شخصيا هو الذى سيدفع الثمن.
(3)
قلت: الآن تقف إيران داعمة ومساندة لسوريا، والهجوم الإعلامى على تركيا لم يعد مقصورا على الأبواق السورية، ولكن بعض الأقلام الإيرانية أسهمت فيه أيضا. لكننا فوجئنا فى الأسبوع الماضى بالرئيس الإيرانى أحمدى نجاد يدعو سوريا ــ لأول مرة ــ إلى عدم استخدام العنف ضد شعبها، مما يوحى بأن ثمة تحولا نسبيا فى موقف طهران.. كيف تقرأ هذه الصورة؟
ــ قال: على المستوى الرسمى لم تتأثر علاقاتنا بطهران، علما بأن العلاقات الاقتصادية تحتل حيزا كبيرا فى مبادلات البلدين. فإيران تعد المصدر الأول للغاز الذى تتلقاه تركيا، كما ان التبادل التجارى بين البلدين يصل إلى 10 مليارات دولار، وثمة اتفاق بين بلدينا على الارتفاع به إلى 15 مليار دولار فى عام 2015.
أضاف إنه من ناحية ثانية فإن التراشق الإعلامى الحاصل يظل فى الحدود المحتملة، ثم انه لم يتحول إلى موقف رسمى أو خطاب عبرت عنه الحكومة.
قلت: هل لاحظت تحولا نسبيا فى لغة رئيس الجمهورية الإيرانية إزاء سوريا؟
ــ قال: نعم لاحظته، وأحسب أن لتركيا دورا فى تصويب الخطاب الإيرانى، لأن بين بلدينا اتصالات ومشاورات مستمرة، أوضحنا لهم خلالها العواقب الوخيمة التى يمكن أن تحدث لسوريا فى ظل استمرار السياسات القمعية الراهنة. ودعوناهم إلى المراهنة على الشعب السورى والثقة فى مواقفه. وقلنا لهم صراحة لا تدللوا النظام السورى حتى لا يذهب إلى أبعد مما ذهب إليه ويأخذكم معه، ولكن انصحوه قبل فوات الأوان وحيث لا ينفع الندم. وما تحدث به الرئيس أحمدى نجاد كان من قبيل النصح الذى دعونا إليه.
ختم أردوغان إجابته بقوله إن وزير الخارجية أحمد داود أوغلو سيزور طهران قريبا لمواصلة التشاور حول الوضع السورى. وبعده بقليل سأقوم بزيارة طهران ولقاء مسئوليها، لحسم بعض الامور العالقة وتعزيز مجالات التعاون بين البلدين.
(4)
سألته كيف تقرأ الحاصل فى ليبيا الآن، خصوصا إن تركيا كانت لها مصالح اقتصادية هائلة مع نظام العقيد القذافى؟
ــ قال: القذافى لم يستوعب جيدا ما حدث للرئيسين مبارك وزين العابدين بن على. ومصالحنا كانت ــ ولاتزال ــ مع الشعب الليبى بصرف النظر عن نظامه. وحين كان علينا أن نختار بين الوقوف مع النظام وبين مساندة الشعب الليبى فإننا حسمنا خيارنا إلى جانب الشعب.
قلت: ما رأيك فى تدخل حلف الناتو والدور الذى قامت به الدول الغربية فى إسقاط نظام القذافى. وهل تعتقد أن ذلك التدخل برىء وأن الغرب لا ينتظر مقابلا من نفط ليبيا وعقود إعمارها؟
ــ قال: سأختصر ردى فى نقطتين، الأولى إننا ضد التدخل الدولى فى ليبيا. والثانية اننا نعتبر أنه لا حق للدول الغربية فى النفط الليبى ولكنه ملك خالص لشعبها. وأضيف أن فرنسا حاولت أن تقوم بدور منفرد فى ليبيا بدعوى مساندة الثورة، وأصبح لها وجودها على الأرض هناك، لكن هذا المسعى لم ينجح، خصوصا بعد تدخل حلف الناتو. حتى مؤتمر باريس الذى دعت إليه الحكومة الفرنسية لم يحقق النجاح الذى كان مقدرا له.
قلت: حلف الناتو يجسد التدخل الدولى، ثم إن تركيا اشتركت فى مساندة الثورة؟
ــ قال: كانت هناك مشكلة أحدثها نظام العقيد حين أصر على مهاجمة الذين عارضوا نظامه، واستخدم فى ذلك الأسلحة الثقيلة التى عرضت حياة المدنيين للخطر. وتمثلت المشكلة فى أن الثوار كانوا مخيرين بين التعرض للإبادة من جانب قوات القذافى وبين الاستعانة بقوات حلف الناتو، وكأنه كان اختيارا بين شرين، شر أكبر تمثل فى التعرض للإبادة وشر أصغر تمثل فى الاستعانة بغطاء الحلف. وقد اختار الليبيون الشر الأصغر.
أما بالنسبة لإسهام تركيا فنحن نرفض بشكل قاطع استخدام السلاح التركى ضد أى مواطن ليبى أو أى عربى. وقلناها صراحة فى البداية. لذلك فإن إسهام تركيا باعتبارها عضوا فى الحلف ظل مقصورا على دائرة المعلومات دون غيرها.
قلت: هل دخلت تركيا فى سباق التنافس على إعمار ليبيا؟
ــ قال: كانت لنا عقود سابقة سنستأنف العمل فى تنفيذها. وخطوط الطيران بين بلدينا سوف تستأنف خلال أسبوع. وإذا ما استقرت الأوضاع تماما فى ليبيا ستعود العلاقات إلى حالتها الطبيعية، لأن وجودنا لم يكن طارئا. فلا هو مرتبط بتوقيت معين ولا بنظام معين.
(5)
أخيرا قلت للسيد أردوغان: هل تعتقد أن سياسة «تصفير المشاكل» (بمعنى انهاؤها والنزول بها إلى درجة الصفر) التى حمل لواءها الدكتور أحمد داود أوغلو طوال السنوات الماضية لاتزال قائمة على الأرض، أم أنها تحتاج إلى مراجعة فى ضوء المتغيرات الحاصلة فى خرائط المنطقة؟
ــ فى رده قال إن الدعوة إلى إنهاء المشاكل لا تعنى أننا سنعيش بلا مشاكل. ولكنها تعنى تهدئة المشاكل أولا بأول، لأننا لا نستطيع أن نستمر فى التنمية أو التقدم بينما المشاكل تلاحقنا وتحيط بنا من كل صوب. بالتالى فهذه الدعوة ليست اجراء وقتيا ينصب على مرحلة بذاتها، ولكنها سياسة مستمرة تلتزم بها لتأمين مسيرتنا وعلاقاتنا مع جيراننا ومع العالم. فعلاقتنا كانت ممتازة مع سوريا مثلا. ولكن التطورات التى حدثت على الجانب الآخر أشاعت حالة من الفتور والتباعد بين البلدين، الأمر الذى سيكون حافزا لنا فى المستقبل لترميمها وإعادة الحيوية إليها. وهذا هدف التصفير الذى ندعو إليه، الذى لا يسمح بتفاقم أى مشكلة وإنما يسعى دائما إلى احتوائها والتقليل من تداعياتها السلبية.
لما سألته: هل الجولة الحالية فى دول الربيع العربى تدخل ضمن مساعى التصفير؟
ــ قال ضاحكا إن التقريب هدفها. حيث لا توجد مشاكل تقتضى التصفير.

تركيا ستتصدى للعربدة الإسرائيلية (1-2) ……. فهمي هويدي

حين يتكلم أردوغان فإن الجميع يرهفون السمع وينصتون، بعدما أصبح الرجل الأعلى صوتا والأكثر صدقية واحتراما بين زعماء المنطقة، وبعدما أصبحت حكومته لاعبا أساسيا له حضوره وكلمته في كل الملفات المهمة التي تحفل بها الساحة السياسية، حتى وصفته بعض الصحف الإسرائيلية بأنه عبد الناصر هذا الزمان.
 
في هذا الحوار الذي أجريته معه في أنقرة، قبل وصوله إلى القاهرة وانطلاقه منها إلى ليبيا وتونس، تحدث أردوغان عن كل القضايا الساخنة والتفاعلات الجارية في العالم العربي. اليوم يشرح موقف بلاده من إسرائيل وغدا يتحدث عن متغيرات الخريطة العربية.
 
(1)
في يوم وصولي إلى أنقرة (الأربعاء 7/9) نشرت صحيفة معاريف مقالا لأحد كتابها (نداف أيال) تحت عنوان "عصر الضعف"، تحدث فيه عن "الإعصار السياسي" الذي تواجهه إسرائيل. وقال إن حكومة أنقرة تتحدى الآن إسرائيل وتعلن على الملأ عن طرد سفيرها وتقليص علاقاتها الاقتصادية معها، كما تتحدث علنا عن إمكانية وقوع مواجهة بين الدولتين بسبب تنقيبات الغاز التي تقوم بها إسرائيل في البحر الأبيض، ولا تتردد في أن تهدد في الطريق بلدا عضوا في الاتحاد الأوروبي هو قبرص.
 وأضاف الكاتب قائلا إنه في اليوم الذي أعلنت فيه تركيا عن خفض مستوى العلاقات مع إسرائيل وعن العقوبات التي فرضتها، أعلنت أيضا عن قبولها إقامة منظومات رادار تابعة للناتو على أراضيها (يفترض أنها موجهة ضد إيران)، فأرادت أنقرة أن تبعث إلى أوروبا وواشنطن برسالة تقول فيها: نحن لا ننقطع عن الغرب، بل عن إسرائيل فقط. وهى رسالة ماكرة وذكية من جانب الأتراك، لكنها محزنة بالنسبة لإسرائيل.
 
مثل هذه الكتابات حفلت بها الصحف الإسرائيلية، منها ما ذكر أن العالم تعب من إسرائيل (هآرتس 2/9)، وأن الجيش أخطأ (بقتله الأتراك التسعة الذين كانوا على السفينة مرمرة، وهو الحادث الذي فجر الأزمة) لكن الدولة الإسرائيلية هي التي تدفع الثمن الآن (معاريف 4/9). وتحدثت صحف أخرى عن أن "الدولة في خطر" (هآرتس 2/9)، وعن أن الاعتذار لتركيا يجنب إسرائيل الضرر الإستراتيجي الذي يترتب على القطيعة معها (معاريف 7/9) وأن إسرائيل أصبحت الآن تحت الحصار وليس غزة وحدها (هآرتس 7/9).
 
(2)
* قلت لأردوغان: موقفكم فاجأ الجميع وخلط الأوراق في المنطقة، حتى أصبحت بعض الأطراف الإسرائيلية تتحدث عن عودة شبح الحرب إلى المنطقة (تصريحات اللواء بال أبزنبرج قائد الجبهة الداخلية في معهد البحوث الإسرائيلية ونفي وزير الدفاع إيهود باراك لها). 
 
الأولى أن إسرائيل اعتادت على ألا تحاسب على تصرفاتها وأن تعتبر نفسها فوق القانون ومعفية من أي حساب على ما ترتكبه من أخطاء أو جرائم. والثانية أنها تحولت بمضي الوقت إلى طفل مدلل أفسده المحيطون به، فلم تكتف بممارسة إرهاب الدولة بحق الفلسطينيين، وإنما أصبحت تتصرف برعونة تفتقد إلى المسؤولية، وتستغرب أن يحاول أي أحد أن يدعوها إلى احترام غيرها واحترام القوانين السارية.
 
* قلت: هل تعتبر أن التلويح باحتمالات المواجهة المسلحة لا أساس له؟** قال: إسرائيل بعقليتها التي أشرت إليها لا تريد أن تعترف لا بأخطائها ولا بأن العالم من حولها تغير. لا تريد أن تفهم أن في تركيا نظاما ديمقراطيا حريصا على أن يعبر عن ضمير الشعب وهو أشد حرصا على أن يدافع عن كرامته. في الوقت ذاته فهي لم تستوعب جيدا حقيقة التغيرات التي حدثت في العالم العربي، حين سقطت بعض أنظمته المستبدة واستردت الشعوب وعيها ورفعت صوتها عاليا، مدافعة أيضا عن الحرية والكرامة. بل إن إسرائيل باتت رافضة حتى للإنصات لبعض الأصوات العاقلة في الغرب التي أدركت حقيقة متغيرات المنطقة ودعتها إلى الاعتذار لتركيا عما فعلته بحق أبنائها الذين قتلتهم. 
ماذا فعلت إسرائيل؟ سأل أردوغان ثم قال، كما أنها تسارع إلى اتهام كل من ينتقد سياستها بأنه معاد للسامية، فإنها تحدثت عن عودة شبح الحرب على ألسنة بعض المتطرفين فيها. ورغم أن تركيا في ردها على الاستعلاء الإسرائيلي لم تتحدث إلا عن الالتزام بالقانون الدولي واللجوء إلى العدالة الدولية، وحماية المياه الدولية في البحر الأبيض، فإنها آثرت تجاهل كل ذلك والاستسلام لسلوك الطفل المدلل، الذي يؤثر الصياح وإثارة الضجيج على الاعتراف بمسؤوليته عن الأخطاء التي ارتكبها. 

* قلت إن لجنة التحقيق الدولية برأت ساحة إسرائيل من العدوان على السفينة مرمرة وانتقدتها فقط في استخدامها المفرط للقوة ضد ركابها (اللجنة شكلتها الأمم المتحدة برئاسة جيفري بالمر رئيس الوزراء النيوزيلندي السابق وحملت اسمه). 

** قال: هذا التقرير لا قيمة له، وهو عار على واضعيه وعلى الجهة التي أصدرته، يكفي أنه أضفي شرعية على الحصار، بما يفتح الباب لقبوله بشرعية الاحتلال، ثم إنه اتسم بالتناقض ليس فقط في المعلومات التي أوردها، ولكن أيضا مع ميثاق الأمم المتحدة ذاته، لذلك فإننا لن نعترف به، وسنلجأ إلى العدالة الدولية للدفاع عن حقوقنا حكومةً وشعبًا، ولدينا من الوثائق والتقارير ما يدين الجريمة الإسرائيلية بصورة قطعية. 
(3)
حين سألت رئيس الوزراء التركي عن تفاصيل هذه النقطة قال إن هناك جوانب في المسألة لا تقبل الشك هي: أن السفينة كانت موجودة في المياه الدولية على بعد 78 ميلا من شواطئ غزة -وأنها كانت مسالمة تماما ولم يثبت لأي جهة أنها كانت تحمل سلاحا من أي نوع -وأن كل حمولتها كانت محصورة في المواد الإغاثية -وأن الجنود الإسرائيليين اقتحموا السفينة من البحر والجو وبادروا إلى إطلاق النار على ركابها المسالمين -الذين كانوا منتمين إلى 33 دولة -وأن القتل من جانبهم كان متعمدا حتى إن لدينا تقريرا للأطباء الشرعيين سجل أنهم تعمدوا قتل الأتراك التسعة الذين كان من بينهم شاب عمره 19 سنة يحمل الجنسية الأميركية.
 
وأثبت الطب الشرعي أن هذا الشاب فرقان دوغان قتل برصاصة وجهت إلى جبهته أطلقت عليه من مسافة 30 سنتيمترا -الثابت أيضا أن الأتراك التسعة تلقوا 35 رصاصة، وأن نصيب الشاب فرقان وحده خمس رصاصات (قال أردوغان إنه روى القصة للرئيس الأميركي حين التقاه، وأخبره أن واشنطن تخلت عن أحد مواطنيها، وأن أوباما استمع للقصة ولم يعلق عليها -وقد وصفه روجر كوهين المعلق البارز في صحيفة نيويورك تايمز بأنه الأميركي المنسي).
وكانت تلك هي الخطوة (أ) التي لجأت إليها في ترتيب التعامل مع القضية. وبعد إثارة الموضوع في دوائر عدة، ثم تشكيل لجنة الأمم المتحدة، ومر أكثر من عام حتى انتهت اللجنة من تقريرها الذي جاء في أكثر من 200 صفحة. صبرت تركيا طول الوقت، واستجابت للرغبة في تأجيل صدور التقرير لإتاحة الفرصة لتسوية الموقف وديا مع إسرائيل ولكن حكومة تل أبيب واصلت الإعلان عن رفضها تقديم الاعتذار، ثم طلبت تأجيل إصدار التقرير ستة أشهر أخرى (وزيرة الخارجية الأميركية السيدة كلينتون نقلت هذه الرغبة إلى وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو أثناء لقائهما في باريس يوم الخميس الأول من سبتمبر على هامش الاجتماع الذي كان مخصصا لبحث الأوضاع في ليبيا، لكنه رفض العرض وأبلغها أن أمام إسرائيل مهلة أسبوع واحد لكي تحدد موقفها النهائي).
 
وحين سربت الصحافة الأميركية مضمون التقرير في اليوم التالي مباشرة (2 سبتمبر)، كان لابد أن ترد تركيا. وبالتالي فإنها أعلنت عن إجراءاتها الخمسة التي تضمنتها الخطة (ب) المعدة سلفا ضمن إستراتيجية التعامل مع الملف، وفي مقدمتها خفض التمثيل الدبلوماسي إلى مستوى السكرتير الثاني وهو ما يعني طرد السفير ونائبته ومن دونهما حتى تلك الدرجة، وتجميد الاتفاقات العسكرية مع إسرائيل، وتحريك البوارج العسكرية لحماية البواخر التركية في المياه الإقليمية شرق البحر المتوسط، وتبني القضايا التي ترفعها أسر الشهداء ضد إسرائيل أمام العدالة الدولية.

 * قلت: معلوماتي أن الملحق العسكري الإسرائيلي رفض مغادرة أنقرة.** قال هذا صحيح ولكننا سنرغمه على ذلك بالوسائل الدبلوماسية، لأن تخفيض مستوى التمثيل يشمل الملحقية العسكرية أيضا، بحيث تخفض من رتبة عميد إلى عقيد.

* قلت إن تحريك البوارج التركية إلى موانئ شرق البحر المتوسط أسهم في إثارة الشكوك حول احتمالات الحرب، كما أن تجميد العلاقات أدى إلى انهيار البورصة في تل أبيب.
قال: دعني أشرح لك الموقف بصورة أكثر تفصيلا. 
 (4)
لقد هاجمت إسرائيل السفينة مرمرة في المياه الدولية في استهتار شديد بالأعراف والقوانين المتعارف عليها، هكذا تحدث أردوغان، ثم أضاف أنه بهذا الهجوم فإن إسرائيل تعاملت مع البحر المتوسط وكأنه بحيرة إسرائيلية خاصة بها. وكان لابد لنا وللمجتمع الدولي أيضا أن يردها إلى صوابها. وكل ما قلناه هو أن بوارجنا الحربية ستحمي السفن التركية من الاعتداء أثناء مرورها بالمياه الدولية، وهذا حقنا المشروع ليس لأحد أن يعترض عليه، لكن ذلك أغضب إسرائيل التي أرادت أن تدافع في استيلائها على المياه الدولية في شرق المتوسط.
 
 
استدرك أردوغان قائلا: رغم أننا لم نتخذ أي إجراء يمس العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل، فإنها لم تتصرف معنا بشرف ولم تلتزم بأخلاقيات التعامل التجاري. 

سألته كيف؟ فأجاب قائلا: إن تركيا كانت قد اشترت من إسرائيل 6 طائرات بدون طيار، ودفعت ثمنها كاملا أثناء العمل بالاتفاقات العسكرية الموقعة بين البلدين. هذه الطائرات احتاجت إلى صيانة خلال الأشهر الأخيرة فتم إرسالها إلى إسرائيل لإجرائها. وبعد أن تمت الصيانة المطلوبة فإنها رفضت إعادتها إلينا، واحتجزتها على أراضيها. وهو تصرف ما توقعنا أن تلجأ إليه نظرا لتعارضه مع المبادئ الأخلاقية المتعارف عليها في التعامل التجاري. 
 
(5)
قلت لرئيس الوزراء التركي إننا فهمنا مضمون الخطوة ألف والخطة باء في سيناريوهات التعامل مع ملف الأزمة، لكننا نستشعر فضولا وقلقا عن احتمالات الخطة (جـ)، فسكت لحظة، وقال إننا لا نريد أن نستبق، لأن الإعلان عن الخطة وثيق الصلة بردود إسرائيل. ومدى استعدادها للقبول بحل منصف وعادل يحفظ لتركيا حقوقها وكرامتها.
 
وما أستطيع أن أقوله في هذه الجزئية هو أننا ملزمون بأربعة أمور هي: الحفاظ على كرامة وحقوق الشعب التركي الذي أولانا ثقته وتعين علينا ألا نفرط في دمائه التي أهدرها الجيش الإسرائيلي -وقف الاستهتار والعربدة الإسرائيلية التي اعتادت أن تدوس على القوانين والأعراف والمواثيق الدولية -ثم التمسك في تحقيق المطالب التركية بطرق أبواب العمل السياسي والدبلوماسي وبالاحتكام إلى العدالة الدولية -وأخيرا فإننا نتمسك بإنهاء الحصار المفروض على غزة لتعارضه الفادح مع القانون الدولي.
 
قلت: رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تحدث عن رغبة بلاده في تحسين وترميم العلاقات مع تركيا، ومعلوماتي أن هناك وسطاء كثيرين يعملون على وصل ما انقطع بين البلدين. حينئذ علق أردوغان قائلا: كل هذا صحيح، ولكن بعد أن تعتذر إسرائيل وتستجيب للشروط التي أعلناها، ولا ينبغي أن يتصور أي أحد، لا نتنياهو ولا غيره أن تركيا يمكن أن تفرط في كرامة شعبها ودماء أبنائها. وهذا الكلام سمعه كل من فاتحنا في الموضوع من وسطاء نحمل لهم مشاعر التقدير والاحترام. 
وأضاف: أن قادة إسرائيل حينما فشلوا في قراءة الواقع المحيط بهم، فإنهم خسروا أنصارهم وليس فقط أصدقاءهم، وذلك حاصل حتى في داخل الولايات المتحدة ذاتها.
أعدت عليه قولي إن وجود البوارج التركية يفتح الباب لاحتمال الاحتكاك مع البحرية الإسرائيلية، التي قد تحاول استفزاز تركيا واستدراجها إلى مواجهة عسكرية، عندئذ قال إن ذلك احتمال مستبعد، لا تؤيده كل معطيات الواقع الإقليمية والدولية. ومع ذلك فإن البحرية التركية مستعدة لمواجهة كل الاحتمالات وأسوئها.

وقتذاك -أضاف أردوغان- كان لابد لتركيا أن تحدد موقفا إزاء ذلك العدوان الصارخ، وهو موقف ضد السلوك السياسي وليس ضد الشعب الإسرائيلي. ولأن الحكومة تعرف أن دفاعها عن كرامة الشعب التركي أهم بكثير من العلاقات التي تربطها بإسرائيل، فإنها طالبت إسرائيل بالأمور الثلاثة التي سبق ذكرها وهي الاعتذار والتعويض وإنهاء الحصار.

** قال: بالنسبة لنا فلم نفاجأ بشيء، لأننا منذ قامت إسرائيل بالهجوم على سفينة الإغاثة المتجهة إلى غزة (31/5/2010) أعلنا موقفنا بوضوح وحددنا طلباتنا التي تمثلت أولا في الاعتذار للشعب التركي وحكومته، وثانيا تعويض أسر ضحايا الحادث، وثالثا إنهاء حصار غزة غير الإنساني وغير القانوني، لكن البعض لم يأخذ كلامنا على محمل الجد، رغم أننا كنا نعني ما نقول، ولم يتغير شيء في موقفنا الذي أعلناه منذ نحو أكثر من عام، لكنْ لدينا مشكلتان تفسران مسألة "المفاجأة" التي تتحدث عنها.


وقد سكت كثيرون على ذلك حتى حولوا إسرائيل إلى طفل مدلل ومغرور، وما كان لتركيا أن تسكت حين أرادت أن تمارس ذلك الدلال والغرور حين أسالت دماء أبنائها، فقررت أن تتصدى لتلك العربدة وأن توقفها عند حدها.

من الشعارات إلى السياسات فى الموقف من إسرائيل… ابراهيم الهضيبي


 كان المجند سليمان خاطر يؤدى خدمته على الحدود المصرية الإسرائيلية عندما فوجئ بمجموعة من الإسرائيليين يعبرون الحدود فى منطقة حراسته، أمرهم بالتوقف فلم يتوقفوا، أطلق رصاصات تحذيرية فاستمروا، صوب سلاحه تجاههم وقتلهم وهم داخل الأرض المصرية، على بعد أمتار من وحدة حراسته فى رأس برجه جنوب سيناء.
أطلق خاطر النار دفاعا عن أسرار وحدته العسكرية التى مر هؤلاء بجوارها، وأطلق النار دفاعا عن مصر العربية المقاومة، التى عرفها منذ طفولته معادية لإسرائيل، فصور أطفال بلدته الذين قتلهم القصف الإسرائيلى لمدرسة بحر البقر، وهو فى التاسعة من عمره كانت حاضرة فى ذهنه، لم يكن يعلم أن قادة مصر صارت لهم رؤية مختلفة.
عندما أطلق خاطر النار فى أكتوبر 1985 كانت مصر قد وقعت اتفاق سلام مع إسرائيل، وكان علم إسرائيل قد رفرف خمس سنين فى سماء القاهرة، التى كان يسكنها وقتئذ شخص يدعى موسى ساسون، ولد فى دمشق سنة 1925، وكان عضوا فى عصابات الهاجانا، التى كانت تقتل العرب فى القدس سنة 1947، ثم صار ثانى من يشغل منصب كان وقتها جديدا اسمه: السفير الإسرائيلى بالقاهرة.
وجد خاطر نفسه أمام محقق عسكرى يسأله لماذا أطلقت النار؟ لم يفهم أن تكون هذه تهمة فأجاب بسؤال: لماذا قلتم لنا إن عبورهم ممنوع إن كنتم تسمحون به؟ المحقق مرة أخرى: لماذا تصر على تعمير سلاحك؟ المجند: لأن الجندى الذى يحب سلاحه يحب وطنه، والذى يهمل سلاحه يهمل وطنه.
خلال أسابيع معدودة من الواقعة وجد خاطر نفسه أمام قاض عسكرى، متهما ــ فيما يبدو ــ بالدفاع عن حدود وطنه، قال للقاضى أنه على استعداد لتقبل أى حكم، ولو كان الإعدام، لكنه يخشى أن يكون للحكم الذى يصدر ضده آثار سيئة على المجندين، ربما تصيبهم بالخوف وتقتل فيهم وطنيتهم، فكيف يكون الدفاع عن الوطن جريمة تستحق العقاب؟ كان العقاب حكما بالسجن المؤبد.
كانت محاولات حثيثة لقتل العداء لإسرائيل قد بدأت مع كامب ديفيد، حكم النظام ــ فى قضية خاطر ــ على الوطنية وعداء إسرائيل بالسجن المؤبد، تمنوا أن تموت الوطنية فى محبسها، أو أن يتحول العداء لصداقة من تكرار الزيارة فى السجن، أعادوا توجيه العداء فى كل اتجاه، غربا وجنوبا، بل وفى أقصى الشرق عند إيران وأفغانستان، أملا فى أن يخفف هذا كله من حدة العداء المصرية تجاه المشروع الصهيونى.
ولكن يبدو أن تراب الوطن وماءه وهواءه قبل بشره تعادى إسرائيل، ويدركون أن التهديد الرئيس لأمن مصر القومى يأتى من شرقها، وأن استقلال القرار الوطنى لا يمكن أن يصنع إلا على أساس معاداة إسرائيل، التى تمددت فى سنوات كامب ديفيد فهددت أمن سيناء، وهددت مواردنا المائية بنشاط مكثف فى جنوب السودان وما فى جنوبه، وحولت مصر حارسا لبوابتها الغربية، تحميها من المقاومة الفلسطينية، وتقوم نيابة عنها بحصار الفلسطينيين فى غزة، وتسكت عن اعتداءات متكررة على الأرض والأنفس، حتى وصل الأمر لأن وصف القادة الإسرائيليون الرئيس المخلوع بأنه (كنز إسرائيل الاستراتيجى).
كان وعى المصريين أعمق، فبعد بضع وثلاثين سنة من توقيع الاتفاقية، وربع قرن من تلك الحادثة، وبعد أسابيع قليلة من تحرر إرادة المصريين بالثورة، نزل المتظاهرون للشوارع مؤيدين للانتفاضة الفلسطينية الثالثة، ثم نزلوا منددين بالاعتداء على حرس الحدود المصريين فى سيناء، مصرين على طرد السفير الإسرائيلى وإنزال العلم من على السفارة، تحركهم العفوى دل على أن الوطنية خرجت من محبسها عفية، وأن معاداة إسرائيل لم تزل مكونا رئيسا من مكونات الوطنية المصرية، وأن سنوات كامب ديفيد لم تكن كافية لتغيير انتماء المصريين لمحيطهم العربى والإسلامى.
لم يكن مطلوبا من المصريين قبل تحرير إرادتهم بالثورة أكثر من أن يحافظوا على هذا العداء، وأن يتوارثوا (لا تصالح)، أما وقد تحررت إرادتهم فقد صار تحويل هذا الشعور العدائى لموقف سياسى أمر لا مناص منه، إذ هو سبيل الدفاع عن مصالح الأمن القومى، وعن الهوية، وعن الاستقلال الوطنى.
وفى تقديرى إن الحديث عن تغير فى السياسة الخارجية بغير حديث عن تغير شامل فى السياسة الاقتصادية والاجتماعية هو محض عبث، إذ هذا الموقف المعادى لإسرائيل ــ والذى يؤدى لتقارب أكثر من تركيا وإيران، واستقلال عن دول محور الاعتدال ــ لا يمكن أن يقوم إلا على أكتاف مجتمع سوى لا نملك بعد مقوماته.
وأول ما ينبغى توفره لمجتمع يريد استقلالا وطنيا هو العدالة الاجتماعية، إذ لا يمكن لبلد غنى بالموارد يعيش أغلب مواطنيه بمحاذاة خط الفقر أن يصمد فى صراع، ويصعب على بلد لا يجد معظم أهله قوت يومهم إلا بالصدقة والإحسان أن تكون فيه الكرامة أولوية مصانة، ولن يجد بلد لا يحظى أبناؤه بحظوظ عادلة فى التعليم والصحة ما يدافع به عن هويته فى معركة بقاء طويلة تستنزف العمر.
تلك العدالة الاجتماعية تقوم ــ فى أقل تقدير ــ على دور أكثر جدية للحكومة فى ثلاثة محاور،
  • أولها إعادة توزيع الثروات بفرض ضرائب تصاعدية وحد أدنى وأقصى للأجور،
  • وثانيها استعادة السيادة على الموارد الوطنية كالغاز والبترول والمياه الإقليمية، التى توفر مواردها دخلا يمكن الحكومة من الاضطلاع بدورها فى تحقيق العدالة،
  • وثالثها المشاركة فى التنمية وعدم تسليم الاقتصاد بشكل غير مشروط للقطاع الخاص، إذ لابد من الحفاظ على دور الدولة فى القطاعات ذات الأهمية الاستراتيجية والمتعلقة بالأمن القومى.
وأما الضلع الثانى الذى ينبغى أن تستند الدولة إليه فى سعيها للاستقلال فهو الديمقراطية، ذلك أن الخبرة التاريخية علمتنا أن الاستبداد يفتح أبوابا واسعة للقيادة السياسية لتغيير المسار بما يحقق مصالح فئة محدودة ويتعارض مع الهوية والمصلحة العامة، وإذا كان الشعب المصرى فى مجمله معاديا لإسرائيل كما سبق، فمن الأرجح أن تقل فرص إعادة إنتاج سياسات تخضع مصر لإرادة أعدائها إذا توفرت للشعب إمكانية مراقبة تصرفات الحكومة ومحاسبتها والتأثير فيها.
فى الخبرة السياسية المصرية دروس، فثورة يوليو 1952 اتخذت موقفا جادا فى العداء لإسرائيل، وتبنت سياسات مؤيدة لهذا المسعى، وتنبهت لمركزية العدالة الاجتماعية فسعت لتحقيقها، بيد أن الفقر الديمقراطى لنظام يوليو أدى لاستبداد أعقبه ظهور الفساد، وحتى سياسات العدالة الاجتماعية أصبحت أقل فاعلية لافتقادها الرقابة والمحاسبة المجتمعية، ومكن الاستبداد الرئيس السادات من تغيير الدفة، فوقع اتفاقية السلام وتراجع دور الدولة فى تحقيق العدالة الاجتماعية من دون أن تكون هناك مقاومة حقيقية.
أخشى أن ينحصر تركيز الثورة المصرية فى تأمين الحريات السياسية والحقوق المدنية، وأن نغفل ما ينبغى التنبه إليه من مركزية العدالة الاجتماعية فى القضايا الوطنية المصرية، وأخشى أن يؤدى بنا ذلك إلى حيث كنا، فنجد أنظمتنا السياسية اضطرت مرة أخرى للاستناد لقوى غير صديقة لمصر، فنقع فى أسر قيود اقتصادية أو سياسية تمنعنا من استقلالنا الوطنى.

الاثنين، 12 سبتمبر 2011

لا تجلدونا من فضلكم……. فهمي هويدي

يبدو أن إسراف المتظاهرين فى التعبير عن غضبهم مساء جمعة «تصحيح المسار» قوبل بإسراف مماثل فى الإدانة والتنديد من جانب السلطة. وإذا كان الأولون يعذرون فى بعض الممارسات ويعاتبون على بعض الممارسات فى تلك الليلة، فإن إسراف السلطة فى التقريع والتنديد يثير الدهشة ويبعث على الحيرة.
إذا صحت قراءتنا للبيان الذى ألقاه وزير الإعلام أمس الأول فى أعقاب الاجتماع المشترك للمجلس العسكرى مع الحكومة، فإن مسألة التظاهر ضد السفارة الإسرائيلية واقتحام بعض مكاتبها هى القضية المحورية التى أثارت الانفعال واستدعت الحديث عن تهديد هيبة مصر وسمعتها، وعن المحنة الخطيرة التى يواجهها الوطن.

لست مع اقتحام مكاتب السفارة الإسرائيلية، لكننى أرى فيما حدث من اقتحام وانزال للعلم وتحطيم للسور وترديد هتافات عدائية ضد الإسرائيليين ومن لف لفهم، تعبير رمزى عن كم البغض الذى يكنه الشعب المصرى للسياسة الإسرائيلية خصوصا بعد قتل المصريين الستة مؤخرا، علما بأن كل ما فعله المصريون الغاضبون لا يمكن أن يقاس أو يقارن بما يفعله الإسرائيليون بالفلسطينيين علما بأن الممارسات والجرائم التى ترتكب بحق الفلسطينيين تعد طقسا يوميا، كما أنها أكثر جسامة وأعمق أثرا مما أقدم عليه المتظاهرون المصريون فى كل تجليات غضبهم.

لم أفهم لماذا أثيرت مسألة هيبة الدولة فى البيان، لأننى أزعم أن قتل العسكريين المصريين الستة برصاص الجيش الإسرائيلى فى 20 أغسطس الماضى مع سبق الإصرار والعمد، ينال من هيبة الدولة المصرية، بأكثر مما ينال منها اقتحام بعض الشبان الغاضبين لمكاتب السفارة الإسرائيلية وتعارض ذلك مع اتفاقيات جنيف. التى لم تحترمها إسرائيل يوما ما، وإنما تخصصت فى إهدارها والاستهتار بأحكامها.

ان إسرائيل التى نؤِّنب أنفسنا ونجلد ذواتنا لأن بعض شبابنا اعتدوا على مكاتبها، هى ذاتها التى انقضَّت على سفينة الإغاثة التركية «مرمرة» وتعمدت قتل تسعة من أبنائها، رغم أن السفينة كانت فى المياه الدولية ولم يثبت أنها حملت سلاحا من أى نوع، الأمر الذى اعتبرته الحكومة التركية إهانة لها، واتخذت بحق إسرائيل عدة إجراءات حازمة عقابا لها.

كان يمكن بدورنا أن نعرب عن الأسف لأن بعض شبابنا ارتكبوا خطأ بحق السفارة التى يفترض أن تتمتع بالحصانة حسب القوانين السارية. لكننا كان ينبغى أن نقول إن ما دفع الشبان للإقدام على اقتحام السفارة، هو بالأساس كم الجرائم الإسرائيلية التى ارتكبوها ولايزالون يقترفونها بحق المصريين والفلسطينيين.

يحضرنى فى هذا السؤال سؤال أطرحه راجيا ألا «يزعل» منه أحد، هو: ترى لو أن المجلس العسكرى اتخذ موقفا حازما وشجاعا (قريبا مما اتخذته الحكومة التركية) بعد قتل المصريين الخمسة فى سيناء (السادس أسلم الروح خلال الـ48 ساعة الأخيرة)، هل كان يمكن أن ينفجر الموقف أمام السفارة الإسرائيلية على النحو الذى رأيناه؟ ــ ذلك أننى أزعم أن رد الفعل الرسمى المصرى جاء بكثير دون مشاعر الغضب والمهانة التى شاعت بين المصريين بعد إذاعة خبر قتل الجنود فى سيناء، وبالتالى فإن الجماهير المصرية تصرفت بصورة تلقائية وحاولت أن تصوب القرار الرسمى، وتوصل الرسالة إلى السلطات الإسرائيلية كاملة وغير منقوصة قدر الإمكان.

بكلام آخر فإننى لست معنيا كثيرا برأى «الخواجات» فينا، لكنى معنى أكثر بالدفاع عن كرامة الشعب الذى أراق الإسرائيليون دماء أبنائه ورفضوا أن يعتذروا عن جريمة جيشهم، علما بأن الخواجات سوف يحترموننا أكثر إذا ما تمسكنا بالدفاع عن حقوقنا، وليس إذا تهاونا وفرطنا فى تلك الحقوق.

بقيت عندى ثلاثة اسئلة هى: هل يعقل أن يتحدث البيان الرسمى عن مخطط داخلى وخارجى يستهدف اسقاط مصر وإحراجها أمام المجتمع الدولى، دون أن يحدد لنا من وراء ذلك المخطط الجهنمى؟ ثم: لماذا غاب الأمن عن حراسة السفارة الإسرائيلية أثناء المظاهرة، وبماذا يفسر انقضاضه بعد ذلك على المتظاهرين، وبماذا نفسر هذه المفارقة؟ أما السؤال الثالث فهو كالتالى: هل هناك علاقة بين إسراف البيان الرسمى فى التنديد بالمتظاهرين، وبين الضغوط التى نقلها الأمريكيون إلى الجهات المعنية فى مصر، وإنذارها بأنها ستواجه عواقب وخيمة إذا لم توفر الحماية الكافية للسفارة الإسرائيلية كما ذكرت صحيفة «هاآرتس» أول أمس (السبت 10/9).

من قراءة الكتب إلى قراءة الكون::: بقلم : د.هبة رءوف عزت

تداولنا ونحن في مطلع العمر قوائم عديدة للكتب التي ينبغي على الداعية إلى الله أن يتزود بمعارفها، ويتعلم قواعد الدعوة منها، سواء في المجالات الشرعية أم الثقافة الإسلامية العامة، بالطبع تضمنت تلك القوائم بعضًا من كتب التاريخ، وموسوعات جغرافيا العالم الإسلامي، وبعض كتب الأدب والشعر الإسلامي.

لكن أحدًا لم يرشدنا لتعلم اللغات، أو إجادة فن من فنون الحياة التطبيقية، أو الاطلاع على كتب أهل العقائد الأخرى، والفلسفات المعاصرة. 

كان الاهتمام باللغة العربية يجُبُّ ما سواه، وملأنا الرءوس بالمعارف والمعلومات، لكن افتقرنا لمهارات االذكاء الاجتماعي والنفسي والعاطفي، ولم نشتبك مع مقولات الآخرين، إلا عبر كتبنا نحن، نرد عليهم نقطة بنقطة، وحجة بحجة، دون أن نتعلم فقه الجدل ذاته، وأدب الحوار وجهًا لوجه.. ونتدرب على الصبر والحكمة. 

وأحسب أن من أهم جوانب ثقافة الداعية أن يكون في المقام الأول رحالة، فمسيرته في الدعوة هي رحلة يقطعها في الحياة، بين نقطة الميلاد ومآل الموت، لكن الرحلة يجب ألا تكون مقامًا للدعوة في ذات المكان، يتوالى عليها الزمن دون أن تتبدل، بل أمرنا الله بالسير والنظر، وجعل لنا في السفر رخصًا في العبادات، منَّة ورحمة منه، وأوصانا بالعباد والبلاد والأمكنة، وأورثنا الخلافة مسئولية وأمانة. 

 فالسفر مدرسة الدعاة؛ لأنه يعينهم على مشاهدة آيات الله، من اختلاف الألسنة والألوان، والعادات والطباع، والمجتمعات والثقافات، ويعلمهم التواضع، والإنصات، والـتأمل، ويربطهم بالطبيعة، ويُربيهم على التوكل على الرزاق اللطيف، ويُشعرهم بالأمن في جنب الله، لا في كنف العشيرة، وحماية ذوي القربى، ثم هو مسافة ينظرون من بعدها على علاقاتهم مع الأهل والولد، ويعودون وقد تعرفوا على ذواتهم أكثر، قبل أن يكونوا قد تعرفوا على العالم الواسع المحيط بهم. 

 

حملتني أقدار الله لبلاد شتى، من أقصى شرق الأرض لغربها، ومن شمالها لجنوبها، فتعلمتُ أن اللغة الأم للبشر كافة هي بسط الوجه، ابتسامة صادقة، وبشر في الوجه، يفتح لك القلوب الموصدة، وإن جهلت اللغة فلك في الإشارة البسيطة والحركة الرفيقة سبيلٌ. 

  • وتعلمت أن الناس يتشاركون في نفس الهموم، فتجمعهم على اختلاف ألوانهم ومشاربهم، الفقر في كل البلاد واحد، يُذل النفوس، ويَكسر الهمم، والمرض واحد، يؤلم الجسد، ويستدعي الرفق والرحمة، والميلاد واحد، مصدرًا للبشرى، ومدعاة للاحتفال بقدوم الوافد لعالمنا، والموت واحد، فراق وحزن وأسى.  
  • تعلمتُ أن الناس أسرى ثقافاتهم، نستطيع أن نردهم للفطرة لو فهمنا مفاتيح كل ثقافة لنرتب عليها أولويات الدعوة، ورأيت كيف اختلت الأولويات لدى إخوة من الدعاة، فصدوا عن سبيل الله، بدلا من أن يكونوا أئمة يهتدي بهم الناس.  
  • تعلمتُ أن المرأة في كل المجتمعات تعاني من مظالم تتشابه في كثير منها، وأن سبل الإنصاف قد تضل بالبعض، لكن يبقى العذر واحد، والتقصير على من ملك الحل فبخل به، وقصر في الدعوة إليه، وأن مهمتنا هي أن نرد الناس لفطرة التراحم والمودة، لا أن نطالبهم بما لا يُطيقون، ونحملهم أمورًا تحكمها عاداتنا نحن فقط، وما أنزل الله بها من سلطان.  
  • تعلمتُ أن كل الأقليات تلجأ للحيلة، فالتقيَّة ليست سِمة مذهب، بل هي شرط البقاء للأقليات، وتبقى مسئولية الأغلبية الإنصاف والقسط، والعطف والتراحم.  
  • تعلمتُ أن سنن الله لا تحابي أحدًا، وأن عواقب من قبلنا تتزامن مع واقعنا، فهي ليست أمور الماضي، بل العاقبة هي المآل، وأن مآلات أقوام سبقونا على دروب شتى أولى بالانتباه؛ كي لا نسير على نفس الطريق فنزِلَّ، أو نتخذ سبيلا غير سبيل الهدى مخالفة وكبرًا فنضل، فالحق وسط، وأمتنا أمة الاستقامة، لا الغلو ولا التفريط، وتبني منهجها على ميزان الفرقان، لا على محض مخالفة الآخرين، وقد تتقاطع دوائر، لكن يظل المشرب والمقصد هو التوحيد للمسلم، واحترام إنسانية البشر كما أمر الله، رغم أنفنا.. وأَنفَتِنا. 
  • تعلمتُ أن هناك قارات كاملة لا تعرف عن المسلمين والإسلام إلا القليل، ولَعُنا بالغرب أنسانا الشرق، وقدرتنا على زيارة الشمال شغلتنا عن الجنوب، فكنا كما وصف الله في سورة عبس وتولى، سعينا لمن أعرض، وبغى، وناصبَنا العداء، وأعرضنا عمن يشاركنا المعاناة والمظلمة، ويشاطرنا الهموم والتطلعات، ويواجه نفس التحديات، ويرافقنا على سبيل التحرر والنهضة، وإن اختلفت الرؤى والمذاهب. 
  • تعلمتُ أن الفرد قد ينوب عن أمة، وأن الانطباعات الأولى قد تدوم، وأن كل حركة في الغربة تُحسب عليك أو لك، وأن المسلم بالبر والفضل أولى، وأهلٌ. 

 تعلمتُ دروسًا لم أجدها في الكتب، وفهمت أمورًا - في كتاب الله، وهدي نبيه- لم أسمعها في المساجد، ولم يذكرها لي شيخ أو إمام. 

سيروا..وانظروا.. 

وتأملوا وتدبروا.. 

وكونوا عباد الله، في أرض الله..

 

فما من موضع يسجُد فيه العبد إلا شهد له يوم القيامة، وما من أرض قطعها، لا يبتغي إلا الشهادة على العالمين، بخلق المسلم، وهدي الذكر والسنة، إلا رزقه الله بكل شبر فيها الأجر والثواب. 

الكون كتاب مفتوح، ينتظر من يقرأ سطوره..

 فسِر، وانظر… واقرأ..!.

 ــــــــــــــــــــــــــــ

 * مدرس العلوم السياسية بجامعة القاهرة.