الأربعاء، 27 فبراير 2013

أساطير المقاطعة...... عبد الرحمن يوسف

هل نقاطع الانتخابات البرلمانية؟.. أم ندخلها؟
إجابة السؤال تتوقف على مدى اقتناعك بمجموعة أساطير..

الأسطورة الأولى: أسطورة المنظومة الكاملة
  • وتقوم هذه الأسطورة على أن المشاركة فى أى انتخابات يشوبها أى شائبة يعتبر خيانة للثورة، ولمصر، ولدماء الشهداء، ولا يجوز الدخول فى أى انتخابات يتخللها أى نقص أو سوء تنظيم، وأى شىء من هذه الأشياء، يعتبر تزويرا سافرا لصالح الحزب الحاكم، ولا بد من توافر المنظومة المثالية الكاملة. ولو طبقنا ذلك الكلام على غالبية زعماء العالم الذين ألهموه، ستجدهم مجموعة من الخونة، وهذا الكلام ينطبق على غاندى، ومانديلا، وأردوغان، ومهاتير، ولولا دا سيلفا، والليندى، وغالبية قادة العالم الذين لم يدخل أى واحد فيهم أى منظومة كاملة، بل عمل جميعهم فى منظومة فاسدة أو شبه فاسدة على أقل تقدير، ولا يوجد حتى الآن فى أى دولة فى العالم منظومة كاملة أصلاً. بعض هؤلاء القادة عمل تحت ظروف احتلال عسكرى، وبعضهم عمل بدون أى تمويل، وبعضهم عمل فى منظومة يتحكم فيها حكم عسكرى غشوم، والمشترك بين غالبيتهم أنهم كانوا يحتكمون فى نهاية الأمر إلى أصوات الشعب، وكان الصندوق لا يمسه أحد، برغم كل الفساد السياسى فى مرحلة ما قبل الصندوق، وهو أمر يشبه ما تمر به مصر الآن.

الأسطورة الثانية: الانتخابات ستزور فى جميع الأحوال
  • وهى أسطورة مبنية على الأسطورة الأولى، وهذا من عجائب الزمن، انتخابات يذهب إليها عشرون مليونا أو أكثر يتم تزويرها، ويتناسون أن التزوير مستحيل مع كثافة التصويت. ويتناسون أن من يشرف على الانتخابات (أعنى القضاة)، غالبيتهم فى خلاف مع النظام، وضد حزب الأغلبية، ومن المستحيل أن يجاملوه، ولولا الحرج لقلت أكثر من ذلك!

الأسطورة الثالثة: الانتخابات ستأتى بالإخوان فى جميع الأحوال
  • ولو لاحظت ستراها أسطورة مبنية على التى قبلها أيضاً، وهى أسطورة مؤلمة مضحكة، فمن يقولها يزعم أن الشارع معه، ويزعم أنه سيسقط الرئيس، وأن ثورة جديدة قد اندلعت، ولكنه لا يريد أن يحتكم لرأى الشعب. هؤلاء يقولون إن الزيت والسكر سيوجهان التصويت فى اتجاه لا ثانى له، ويتناسون أن التيار الإسلامى قد انقسم على نفسه، وأن أهم الأحزاب السلفية صار إلى التيار المدنى أقرب منه إلى الإخوان، وأن بإمكان الفريقين أن يشكلا حكومة فى ضوء التراجع الرهيب لشعبية الحزب الحاكم ورئيس الجمهورية. هؤلاء يتناسون أن المعارضة قد حققت انتصارا يمكن البناء عليه، أعنى نسبة المصوتين بـ«لا» على الدستور، وأن ترك هذا الإنجاز يضيع عمل غير حكيم.

الأسطورة الرابعة: من يشارك يعطى شرعية للنظام
  • وكأن أحدا من قيادات المعارضة قد تجرأ على القول بسقوط شرعية النظام أو الرئيس!.. إن جميع قادة المعارضة تبرأوا من القول بسقوط شرعية النظام، وفسروا سائر تصريحاتهم بشتى الأشكال، لكى لا يحسب عليهم أنهم قد انقلبوا على شرعية الصناديق، وأنهم لا يرضون بحكم الشعب، وبالتالى لن يفيد أن نشكك فى شرعية النظام على تويتر والفيس بوك، ثم نفاجأ بصندوق انتخابى يضعنا أمام أمر واقع بإمكاننا تغييره لو اجتهدنا.

الأسطورة الخامسة: لا يمكن الانتصار على الإخوان إلا بالعسكر
  • وهذا مشكل أخلاقى أولا، وهى أفكار العجزة والعجائز، لا يتخيلون أنهم يستطيعون الانتصار على الحزب الحاكم، ولا يملكون خطة لبناء مؤسسات سياسية متماسكة، تستطيع أن تقدم للناس بديلاً يثقون فيه، حتى لو استغرق ذلك سنوات، إنهم أناس يريدون النصر حالاً، ومن يخالفهم فى وجهة نظرهم السطحية تلك، لا بد أن يكون عميلاً لأى أحد، للإخوان، أو لأمريكا، أو لإسرائيل. .. اختر ما شئت.

هذه الأساطير الخمس إذا اقتنعت بها، فلا بد أن تدعو للمقاطعة!
أما إذا كنت تثق فى الشعب المصرى، ثم فى نفسك، وإذا كنت ترى أن لديك القدرة بالتعاون مع المخلصين على تقديم بديل للناس يغنيهم عن النظام العاجز الذى يحكمهم، والمعارضة الكسيحة التى لا تمثل أحدا، وإذا كنت تملك من الصبر ما يجعلك على استعداد للبذل لكى ينصلح هذا البلد دون الدخول فى حرب أهلية، ودون الاستسلام لتخاذل أصحاب القصور الذين لا يريدون النزول إلى الناس.. إذا كنت كذلك، فلا شك أنك سترى مقاطعة الانتخابات عبثاً لا طائل من ورائه، وسترى أن شعبية الحزب الحاكم الآن منهارة فى الشارع، وأننا الآن نملك فرصة أن ندخل فى الجهاز الإدارى للدولة، شاء من شاء، وأبى من أبى. 

لهذه الأسباب، قررت أن أخوض الصعب، وأن أترك الحلول السهلة، وأن أترشح لمجلس النواب، وذلك تكليف لا تشريف، ومغرم لا مغنم. على كل من يطالبنى بالمقاطعة أن يقدم لى بديلاً، وأقصد بالبديل أمرا آخر غير انتظار الانقلاب العسكرى، وغير إعداد المولوتوف!

اللافكر السياسى المصرى.....معتز بالله عبد الفتاح

جاء فى القرآن الكريم «وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى» وهو منهج يتناقض مع الكثير مما يقال فى مصر الآن من سعى حثيث إلى اتخاذ مواقف حدية تضر أكثر مما تنفع وكأن الكل يشد البلد فى اتجاه يريده ولا يريده آخرون وتزداد البلاد تمزقاً. بما يذكرنى بقصة السيدتين اللتين دخلتا فى منازعة على أمومة طفل؛ كلتاهما تدعى أنها أمه، فما كان من القاضى الحكيم إلا أن أمر بأن يتم تمزيق الطفل جزأين وتحصل كل واحدة على نصيبها؛ فما كان من الأم الحقيقية إلا أن فضلت حياة الطفل على استحواذها عليه؛ فدللت على أنها الأم لأنها أبدت استعداداً للتضحية من أجل طفلها.
لقد أصيب الكثيرون بمرض الانتهازية السياسية، ونادراً ما نسمع كلمة الحق لله والوطن حتى لو على حساب فريقه، دون أن ندرك أن الوضع خطير.
حين تكون هناك فرصة للمعارضة كى تكسب نقطة ضد الحكم يتحول الدستور فى خطاب المعارضة لدستور طائفى مشوه معيب ركيك إخوانى سلفى وهكذا من صفات سلفية، وحين تكون هناك فرصة فى الدستور للمعارضة كى تستخدمه لضرب الإخوان، فهى تستند إليه كخنجر فى ظهر الحكم كأنها مباراة فى إلقاء اللوم على الطرف الآخر دون أن ندرك أن الوضع خطير.
وكذا بالنسبة لمؤسسة الرئاسة التى تتصرف وكأنها الحاكمة بأمر الشعب دون أن تنصت لقطاع من الشعب، كبر أو صغر، ممن يرونها تتصرف دونما اعتبار لوجوده بما يرفع درجة الحنق عندهم. نعم هناك حق لمن معه الأغلبية فى أن يدير شئون البلاد، ولكنه يستطيع أن يديرها بطريقتين: «مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى» أو «وَشَاوِرْهُمْ فِى الأَمْرِ».
لو كنا بصدد ناس يدعون، ولهم الحق ابتداء، أنهم «إسلاميون» فما نتوقعه منهم، ولنا الحق ابتداء، أنهم سيحكمون بالتى هى أحسن: بالشورى التزاماً بنهج النبى الذى يقولون: «الرسول زعيمنا». ولكن حين تكون هناك فجوة بين ما يدعون وما يفعلون، إذن أرجوكم كفوا عن الخديعة بالشريعة لأنكم ساعة اتخاذ القرار لا تختلفون عمن ثُرنا ضدهم؛ مع فارق أنهم لم يدعوا قط أنهم «إسلاميون».
ولكن قد يقول قائل إنها ليست مسألة شرع أو شريعة، «هى ليست منزلاً أنزلنا الله إياه وإنما هى الحرب والمكر والخديعة» كما قيل بشأن موضع معسكر الجيش فى غزوة بدر، لكن حتى بهذا المعيار، فهناك ضعف واضح فى مهارات الإدارة الرئاسية، لقد ارتكب الرئيس وفريقه كل الأخطاء المحتملة فى عالم السياسة خلال الشهور السبعة الماضية بما جعلهم يفقدون حتى تعاطف من كانوا مؤيدين لهم دون أن ينتموا إليهم أيديولوجياً، وأصبحت هناك مخاوف حقيقية من قدرتهم على إدارة البلاد. لو عدنا لكتاب الأمير لـ«ماكيافيلى» سنجد عدداً من النصائح التى تصب فى خانة «الحرب والمكر والخديعة» مثل شعاره الشهير أن «الغاية تبرر الوسيلة» وحتى حين كانت الغاية هى «إيطاليا الموحدة وليست تلك الدولة المقسمة إلى إمارات ودويلات كثيرة لا همّ لها أو لأمرائها سوى تثبيت عرشهم بدم الإيطاليين» فإنه كان حريصاً على ألا يخسر الرئيس مصداقيته السياسية.
ولو كانت الغاية عند «الرئاسة» هى إقامة مؤسسات ديمقراطية، بفرض حسن النية، فإنها تفعل ذلك بكل ديكتاتورية، وهذه فى ذاتها أداة هادمة للهدف منها. الديمقراطية تبنى بالديمقراطية والديمقراطية تتطلب الشورى والتداول بين الشركاء، وهذا ما لا يحدث.
«ماكيافيلى» يقول إن الأمير لا يفتقر أبداً للأسباب التى تدعوه للحنث بوعده، ولكنه وضع قيداً وهو أن يكون حريصاً على احترام الناس له وخوفهم منه فى نفس الوقت. ونحن فى لحظة تاريخية يغيب فيها الاحترام ويغيب فيها الخوف أو نحن إليها أقرب. ويقول «ماكيافيلى» إن الحاكم مطالب بأن يقرب أعداءه منه حتى يأمن غدرهم. وهو ما لا يفعله الرئيس بامتياز. ولو كان «ماكيافيلى» حياً لقال: كى يصل أحدنا للسلطة فهو بحاجة لدعم مؤيديه ولكن كى ينجح فلا بد من دعم معارضيه.
إذن بأى معيار يحكمنا من يحكمنا، لو فيه معيار؟
إذن بمعيار الإسلام، هناك مشكلة. وبمعيار «ماكيافيلى»، هناك مشكلة. الوضع خطير.

بل أتبرأ منه تماماً!.......عمرو حمزاوي

فى هذه الزاوية أكدت أكثر من مرة أن رئيس الجمهورية وجماعته وحزبها مسئولون، بإدارتهم الفاشلة للشأن العام، عن دفع العملية السياسية فى مصر إلى حافة الهاوية وتعريضها لخطر الانهيار. أكدت أكثر من مرة أن قواعد العملية السياسية، متمثلة فى الدستور وقوانين رئيسية كقانون الانتخابات (تعديلات قانون مجلس الشعب وقانون مباشرة الحقوق السياسية) وغياب الحكومة المحايدة واستمرار أزمة النائب العام وتصاعد انتهاكات حقوق الإنسان، غير عادلة وتشكل مجتمعة إطاراً غير متوازن يصعب معه إجراء انتخابات برلمانية ديمقراطية ونزيهة.
خلال الأيام الأخيرة الماضية، نبهت إلى أن عدم تغيير قواعد العملية السياسية والإصرار على إجراء الانتخابات البرلمانية سيدفعان قوى ومجموعات من السياسيين إلى مقاطعة الانتخابات كقرار اضطرارى. وبالفعل بدأت بعض الأحزاب فى إعلان مقاطعتها، وأفصح عدد من السياسيين، كنت من بينهم، عن اتجاههم لمقاطعة الانتخابات ما لم تتغير قواعد العملية السياسية. وكنت، وما زلت، على جميع هذه المستويات، وبدافع تقديرى للمصلحة الوطنية وإعمال الضمير فى السياسة، أقف موقف المعارضة المبدئية للرئيس وجماعته وحزبها.
اليوم، وبذات دافع المصلحة الوطنية وإعمال الضمير، أجدنى مضطراً لتسجيل رفضى الكامل لأحاديث وتلميحات بعض معارضى الرئيس بشأن استدعاء الجيش للسياسة لمواجهة فوضى محتملة ومسئولية القوات المسلحة عن حماية شرعية الدولة ومؤسساتها مع استمرار أخطاء الرئيس المنتخب.
فلست ولم أكن يوماً من أنصار الاستقواء بالجيش على المدنيين حين يديرون الشأن العام، مهما كانت أخطاؤهم ومهما كان اختلافى السياسى معهم. ولست، ومع كامل التقدير لوطنية القوات المسلحة المصرية، بمدافع عن الوضعية الاستثنائية للجيش فى السياسة، بل دوماً ما واجهتها انتصاراً للدولة المدنية، وليس رفضى للنصوص الدستورية القاضية بتقييد صلاحية البرلمان فى المناقشة التفصيلية لميزانية الجيش وبإحالة المدنيين إلى القضاء العسكرى إلا مثالين راهنين على هذه المواجهة المستمرة.
ولست، ومع تأكيدى على خطر انهيار العملية السياسية لغياب العدالة عن قواعدها وعلى انهيار الشرعية الأخلاقية لرئيس الجمهورية مع انتهاكات حقوق الإنسان، بمروج لتدخل الجيش فى السياسة كمخرج من هذه الأزمات. فالمسئولية هنا هى مسئولية المدنيين من السياسيين والقوى الشعبية المؤيدة لهم ودفع خطر انهيار العملية السياسية وشبح الفوضى يرتبط بنجاح المدنيين فى تعديل قواعد العملية السياسية بكافة الوسائل السلمية، مشاركة ومقاطعة واحتجاجاً سلمياً وعصياناً مدنياً طوعياً. والجيش المصرى، وقناعتى أن قيادته لا ترغب فى التدخل فى السياسة مجدداً، دوره الدستورى هو الدفاع عن البلاد وأمنها والتحول تدريجياً إلى جيش احترافى بعيد عن السياسة وتفاعلاتها.
أحاديث وتلميحات بعض معارضى رئيس الجمهورية بدور الجيش فى مواجهة الفوضى، وكذلك مساعى الترويج فى بعض وسائل الإعلام لاستدعاء الجيش للسياسة كالمنقذ الأخير جميعها تتناقض بوضوح مع مطالب الديمقراطية والدولة المدنية وتتناسى حقيقة الأخطاء الكثيرة التى وقعت بها الإدارة العسكرية الانتقالية وانتهاكات حقوق الإنسان المتكررة التى حدثت. نحن هنا أمام تناقض صارخ مع قيم الديمقراطية أتبرأ منها وصناعة لوهم «الجيش هو ملاذنا الأخير» التى ستعيد عقارب الساعة إلى الوراء، وإن تحولت إلى حقيقة مجتمعية وسياسية قد تفتح الباب على مصراعيه للعنف.
أتبرأ من استدعاء الجيش للسياسة باسم معارضة تريد الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان. أرفض أن توظف معارضتى للرئيس المنتخب للانقلاب على أدوات الديمقراطية التى أسعى لتعديل قواعدها ووقف سيل الأخطاء القاتلة للرئيس ولجماعته وحزبها. أسجل ابتعادى الكامل عن وهم يرى فى انهيار العملية السياسية وعودة الجيش الفرصة الوحيدة لتعديل القواعد، فخطر انهيار السياسة ودفع مصر إلى نقطة العجز عن إدارة الشأن العام واستدعاء الجيش معناهم الوحيد هو أزمة شاملة وعنف مجتمعى (عنف الكل ضد الكل) لن نخرج منه سريعاً.
الحل يكمن فى تعديل قواعد العملية السياسية بكافة الوسائل السلمية المتاحة، مجدداً مشاركة ومقاطعة واحتجاجات سلمية، ومن ثم فى «ضبط» الرئيس المنتخب ديمقراطياً أو الدعوة إلى انتخابات مبكرة، إن استمرت أخطاؤه. ليس الحل فى الانقلاب على السياسة وإعادة التأسيس لحكم الجيش.

فى الدعوة لإسقاط نظام مبارك .......... فهمي هويدي

من مفارقات حياتنا فى مصر أن بعض الأصوات أصبحت تنادى بإسقاط النظام الذى استجد فى البلد، فى حين أننا لم نتخلص بعد من النظام القديم الذى ثرنا عليه.
(1)

لم أصدق عيناى حين وقعت فى ذلك الصباح على خبر يقول ان مجموعة من الناشطين أطلقوا مبادرة عنوانها «وطن بلا تعذيب»، لأننى تصورت ان هذا موضوع حسم قبل سنتين، منذ اليوم الأول للثورة. وقلت ان ثمة أهدافا للثورة تحتاج إلى وقت طويل لتحقيق (العدالة الاجتماعية مثلا)، أما مسألة التعذيب، وغيرها من الأمور التى تتعلق بالكرامة الإنسانية. فإنها من الأمور التى يفترض أن تتوقف على الفور. إلا أن الشواهد دلت على ان الأمر ليس بهذه السهولة. لأن تقارير التعذيب التى توالت خلال الآونة الأخيرة اتفقت على ان الظاهرة لاتزال مستمرة، وان مدرسة التعذيب لاتزال تمارس نشاطها، خصوصا فى الأماكن البعيدة عن الأعين (فى معسكرات الأمن المركزى مثلا). على الأقل فهذا ما سجلته ثلاثة مراكز حقوقية معنية بالموضوع، هى مركز النديم والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية والمنظمة المصرية لحقوق الإنسان. وقد تابع كثيرون فى الأسبوع الماضى على شاشات التليفزيون حلقة برنامج الزميل يسرى فودة، التى خصصها لفضح ممارسات التعذيب التى تتم على أيدى عناصر الأجهزة الأمنية، التى لاتزال تعيش زمن وأساليب نظام مبارك والعادلى.

لن اختلف مع من يقول ان ثمة اختلافا فى نطاق التعذيب فى العهدين، فهو إذا كان قاعدة قبل الثورة. فإنه أصبح استثناء بعدها. وهذا حق لا ريب، يرد عليه بأننا لم نكن غاضبين على حجم التعذيب ومداه، ولكننا كنا ومازلنا نرفضه من حيث المبدأ. فقليله مرفوض ومستهجن كما أن كثيره كذلك. ذلك أن تعذيب أى مواطن هو إهانة لكل المواطنين، وقد سبق ان قلت انه قياسا على النص القرآنى الذى يقرر أن من قتل نفسا بغير حق فكأنما قتل الناس جميعا، باعتباره عدوانا على الحق فى الحياة، فلنا أن نقول نفس الشىء بالنسبة لمن عذب إنسانا، لأن ذلك يشكل عدوانا على الحق فى الكرامة، الذى كفله الله سبحانه لكل بنى البشر (ولقد كرمنا بنى آدم).

أيا كان حجم التعذيب الحاصل، فمجرد استمراره بعد سنتين من قيام الثورة يعد أمرا مشينا يشوه صفحتها، ويؤكد أن سياسات النظام القديم وأساليبه لم تتغير فى ذلك القطاع المهم. وهو ما يثير سيلا من الأسئلة،
  • بعضها يتعلق بتجذر تلك السياسات وصعوبة اقتلاعها،
  • وبعضها يتعلق بموقف قيادات الأجهزة الأمنية ومدى استعدادهم لتغير تلك السياسات. ومن ثم مدى تجاوبهم مع الثورة التى قلبت نظاما كانت تلك الأجهزة سنده الحقيقى وسلاحه فى مواجهة المجتمع.
  • وهناك سؤال مهم آخر حول قدرة الرئيس على إعادة هيكلة تلك الأجهزة لتصبح أكثر تجاوبا والتزاما بقيمة النظام الديمقراطى الجديد. وهذه نقطة دقيقة وحساسة تحتاج إلى وقفة خاصة.

(2)

أستشهد هنا بما قاله الرئيس محمد مرسى يوم السبت الماضى (2/22) عن الصعوبات الجمة التى تعترض عملية إعادة بناء المؤسسات فى مصر وقوله ان دونها عقبات جسام يتعين التعامل معها، ولست متأكدا من أنه يعنى الأجهزة الأمنية تحديدا، أم أنه يتحدث عن موقف الجهاز البيروقراطى العتيد فى مصر. لكننى أسمح لنفسى أن أقول بأن استمرار النظام السابق لثلاثين عاما متصلة، مكنه من ان يترك بصمات قوية على ذلك الجهاز، ودلت تجربة ما بعد الثورة ان تلك البصمات أعمق مما كان متصورا، كما ان امتداداته وأصابعه لم يكن من السهل بترها بمجرد سقوط رأس النظام. وهذه الامتدادات ليست كامنة فحسب، ولكنها متحركة أيضا. وغنى عن البيان ان حركتها لا تصب فى صالح تأسيس النظام الجديد، وإنما العكس هو الصحيح لأن القرائن المتوافرة دلت على ان تلك الأصابع الموزعة على بعض أجهزة الدولة المهمة عملت على تعويق المسيرة وليس الإسهام فى انطلاقها.

هذه نقطة مهمة وحساسة، ينبغى أن يشار إليها بقدر ما ينبغى عدم التفصيل فيها لأسباب أرجو أن تكون مفهومة. وهذه المعادلة تسوغ لى أن اكتفى بالإشارة إلى أن أطرافا فى بعض أجهزة الدولة تبنت مواقف وثبت ضلوعها فى ممارسات مناهضة للنظام الجديد. تشهد بذلك قصة الضابط رفيع الرتبة الذى يعمل فى أحد الأجهزة السيادية وألقى القبض عليه فى مظاهرات الإسكندرية. 

كما تبين أن هناك اختراقات غير محمودة لبعض تلك الأجهزة لم توفر شعورا كافيا بالاطمئنان إلى تمام ولائها. وهذه الملابسات تستدعى إلى اذهاننا فكرة «الدولة العميقة» التى عرفتها تركيا، ولاتزال حكومة حزب العدالة والتنمية منذ عشر سنوات تحاول تتبع خيوطها وكشف أصابعها المبثوثة فى مفاصل الدولة وأجهزتها الحساسة. ذلك ان خبرة الأشهر التى خلت والممارسات التى تمت خلالها أكدت بما لا يدع مجالا للشك وجود ركائز للدولة العميقة فى مصر، جمعت أشتات الذين اضيروا من قيام الثورة وخصوم التوجه الإسلامى. وهؤلاء خليط من رجال الأجهزة الأمنية وأعضاء الحزب الوطنى الذى هيمن طوال عهد مبارك الذين تحولوا إلى مراكز قوة فى تلك المرحلة، فضلا عن بعض رجال الأعمال المحسوبين على ذلك النظام، إضافة إلى شخصيات نافذة فى عالم البلطجة. وثمة لغط مثار حول مصادر تمويل الناشطين فى ذلك المجال، داخلية كانت أم خارجية.
(3)

قبل أسابيع قليلة نشرت إحدى الصحف ان الدكتور هشام قنديل رئيس الوزراء سمح لرجال الشرطة ان يستخدموا الرصاص الحى ضد المتظاهرين. وفوجئ الرجل بذلك لأن الخبر كان مكذوبا من أساسه، فقدم بلاغا إلى النيابة العامة ضد الجريدة طالبا فيه التحقيق فى ادعائها. وقال لى انه استغرب ليس فقط لإقدام الجريدة على اختلاق الخبر، ولكن لأن بلاغه لم يتم التحقيق فيه، الأمر الذى دفعه إلى الاتصال بوزير العدل ليستفهم منه عن سبب تجاهل بلاغه. نفس الشىء حدث مع وزير التنمية المحلية الدكتور محمد على بشر الذى نقلت الجريدة ذاتها على لسانه اتهامه للحكومة بأنها عاجزة، ولأن الكلام لم يصدر عنه، فإنه قدم بلاغا مماثلا إلى النيابة. لقى نفس مصير بلاغ الدكتور هشام قنديل.

هذا النوع من الأخبار المكذوبة، أصبح أحد الأسلحة المستخدمة فى تسميم الأجواء وإشاعة البلبلة فى المجتمع. إذ منها ما يسعى إلى استثارة الجيش واقحامه فى الصراع السياسى والتلويح بإقالة قادته وفى مقدمتهم الفريق عبدالفتاح السيسى وزير الدفاع، ومنها ما يتحدث عن مخططات أخونة الشرطة والجيش، أو يروج للتقارير التى تستهدف التخريب والترويع تارة، واغتيال بعض الشخصيات تارة أخرى. ولحبك العملية فإن ذلك يتم من خلال اصطياد مجهولين أو ملتاثين يتبنون هذه المواقف. هذا بخلاف الشائعات عن «قطرنة» مصر، وبيع قناة السويس لقطر، وتسليم سيناء لحركة حماس، وغزو إيران لمصر، وقد سمعت من مسئول بالدولة ان رئيس الجمهورية الإيرانية أحمدى نجاد حين جاء إلى القاهرة للمشاركة فى القمة الإسلامية، فإنه أحضر معه 70 مليون دولار محملة فى حقائب وسلمها إلى السفارة الإيرانية بالقاهرة لاستخدامها فى مخططات الغزو والاختراق المزعومة. ولم تدهشنى الشائعة بقدر ما استغربت تصديق الرجل لها، وهو المسئول المحترم.

كنت قد رصدت تلك الوقائع فى أحد الأعمدة قبل عشرة أيام، وقلت انها صدى للمعارك التى خاضها إعلام مبارك، الذى أدار ظهره لما يقوم به الأمريكيون والإسرائيليون فى مصر، واعتبر ان خصومته ومعركته الاستراتيجية هى ضد الإسلاميين فى الداخل وضد حماس وإيران وقطر فى الخارج. وأردت بذلك أن أنبه إلى ان إعلام مبارك لايزال حاضرا وفاعلا فى مصر بعد الثورة، وان أبواقه لاتزال تواصل بثها فى ذات المسارات التى حددها نظامه، الأمر الذى لم يمكن للأصوات الوطنية والمستقلة من ان تعبر عن الواقع الذى استجد بعد الثورة، وفاقم المشكلة ان بعض معارضى النظام لجأوا إلى تطبيع علاقاتهم مع إعلام مبارك، فاستخدموا منابره لرفع أصواتهم وتوصيل رسالتهم، وتصور بعضهم انه يدافع عن أهداف الثورة، فى حين أنه يتحرك فى حضن الثورة المضادة.
(4)

ما سبق ذكره يسلط بعض الضوء على جوانب من مخلفات النظام القديم وصعوبات إقامة النظام الجديد، ولست أشك فى ان تلك الخلفية لها أثرها فى تعقيد حسابات الرئيس محمد مرسى وبطء حركته وربما فى تردده. ولا أعرف بالضبط إلى أى مدى أثرت على قراراته. وفى هذا الصدد فلا مفر من الاعتراف بأننا لا نكاد نرى فى تلك القرارات ما يعبر حقا عن تطلعات الثورة، ذلك أنها وباستثناء قرار حل الجلس العسكرى بدت إصلاحية فى عمومها، ومن ذلك النوع الذى يمكن أن يصدر عن أى حكومة حسنة النية، ودونما حاجة إلى ثورة تطيح برأس النظام وتزلزل قواعده، وتسيل فيها دماء ويسقط شهداء كثر جراء ذلك.

ذلك كله لا يعفى الرئيس محمد مرسى وإدارته من المسئولية، لأنه من الطبيعى ان تواجه الثورة تحديات داخلية وخارجية (دولية وإقليمية) أثناء سعيها لإقامة النظام الجديد. وفى هذه الحالة تقاس الكفاءة بمعيار قدرة النظام الذى أفرزته الثورة على مواجهة تلك التحديات. ورغم أن ثمانية أشهر من حكم الرئيس محمد مرسى لا تكفى للحكم على تجربته، إلا أن خبرة الأشهر الثمانية كشفت عن ثلاث ثغرات أو عورات أساسية أحسب أنها عوقت بدورها التقدم صوب إقامة النظام الجديد،
وهذه العورات تتمثل فيما يلى:
غياب الرؤية ــ قلة الخبرة ــ سوء التقدير.
  • وبسبب غياب الرؤية وجدنا الرئاسة تمضى على ذات الطريق الذى رسمه النظام السابق، وذلك أوضح ما يكون فى السياسة الاقتصادية التى علقت الآمال على الاقتراض من صندوق النقد الدولى وعلى دور رجال الأعمال فى صناعة القرار السياسى. 

  • وبسبب الخبرة ارتبكت عملية صناعة القرار ولم تنجح الرئاسة فى مخاطبة الرأى العام والتواصل معه. الأمر الذى غيب الشفافية عن الكثير من ممارساتها.

  • وبسبب سوء التقدير انقسم الصف الوطنى وفشلت مساعى التوافق مع بقية القوى السياسية، الأمر الذى أضعف موقف الرئيس بل أضعف موقف الثورة كلها سواء فى مواجهة فلول النظام السابق أو قوى الضغط فى الخارج.

 •••

الأفق ليس مسدودا كما يبدو لأول وهلة. إذ لا يزال أمام الرئيس مرسى مهمتان لكى يتقدم على طريق إقامة النظام الجديد. 
  • الأولى عاجلة تتمثل فى إطلاق مبادرات تستلهم روح الثورة وأهدافها خصوصا ما تعلق بتحقيق العدل الاجتماعى ومواجهة مشكلتى العشوائيات والبطالة، أو ما تعلق بتطبيق الحد الأدنى والأقصى للأجور، أو باستصلاح الأراضى وتوزيعها على الفلاحين...الخ.
  • أما المهمة الثانية والآجلة فتتمثل فى تفكيك مؤسسات الدولة القديمة وإعادة هيكلتها، والعمل على استثمار الطاقات والخبرات والإمكانيات الوطنية المحلية واعتبارها قاطرة التنمية والاستقلال الاقتصادى.

وهذه مجرد أمثلة استلهمتها مما سمعته من خبراء ناقشتهم فى مخارج الأزمة التى تمر بها مصر، فى المقدمة منهم الدكاترة حازم الببلاوى ومحمد محسوب وعماد الدين شاهين وحامد الموصلى. ولست أشك فى أن الإنصات إليهم هم وأمثالهم يمكن أن يثرى محاولة العثور على ضوء نهتدى به فى مسعى إسقاط نظام مبارك، وإجهاض الدعوة للانتحار ووأد النظام الجديد.

الثلاثاء، 26 فبراير 2013

عقدة مرسى....معتز بالله عبد الفتاح

لقاء الرئيس مرسى الأخير فيه نقاط كثيرة تستحق النقاش وتؤكد أن الأحياء من المصريين سيعانون من مشكلة ستؤثر على تكوينهم الشخصى والسياسى فيما سيعرف فى المستقبل باسم: «عقدة مرسى» أى «Moursi Complex». الدكتور مرسى لا يساعدنا ولا يساعد نفسه كثيرا لا بقراراته ولا بلقاءاته التليفزيونية. ما الهدف من هذا الحوار التليفزيونى؟
  • هل كان الهدف هو التأكيد على أنه لا يبالى بالأصوات المعارضة؟ طيب ما هذا كان واضحا من غير الحوار.
  • هل كان الهدف هو التأكيد على أنه لن يبذل أى جهد فى إعطاء مجلس القضاء الأعلى الحق فى اختيار النائب العام الجديد، وفقا للدستور الجديد؟ طيب ما هذا كان واضحا من غير الحوار.
  • هل كان الهدف هو أن الحكومة باقية لمدة أربعة أشهر حتى تنتهى الانتخابات؟ طيب ما هذا كان واضحا من غير الحوار.
  • هل كان الهدف هو دعوة المعارضين لحوار آخر بطريقة تجعلهم لا يحضرون؟ طيب ما هذا كان واضحا من غير الحوار. وهكذا من قضايا مكررة.
كنت أتوقع إجابات مختلفة على بعض الأسئلة بحكم التطورات السياسية التى نعيشها، ولكن تغير الموقف على الأرض لم ينعكس على مواقف الرئيس السياسية. قال السيد الرئيس إنه استشار 150 شخصية قانونية وسياسية بشأن موعد الانتخابات. مَن هؤلاء؟ ألم يكن من الأولى استشارة الفرق المتنافسة على بطولة البرلمان بشأن موعد الدورى الانتخابى؟ ألم يكن الأولى أن تكون الدعوة للحوار بشأن ضمانات نزاهة الانتخابات قبل إصدار القانون بشكل نهائى بقرار منه؟ هل هو يخلق أمرا واقعا ثم يطلب من الناس الحوار بشأنه؟ إذن لماذا الحوار؟
الدكتور مرسى غير محاط بمن يُسمعونه التنوع الموجود بين الطبقة السياسية. الدكتور مرسى يقود أتوبيسا من غير «مرايات» توضح له ما الذى يحدث فى الخلف وعلى جانبى الطريق. من معرفتى بالرجل ومن المحيطين به ومن طريقة تفكيره أثناء حملته الانتخابية وكيف أنه اعتبر أنه قد «انتدب» من الله سبحانه وتعالى لهذه المهمة تجعلنى أحذر من أنه قد يكون ممن يخلطون بين التوكل والتواكل، مثل من يتخذ القرارات التى تتراءى له أنها صواب ويتوكل على الله فيها فى حين أنه كان من المفروض أن يبذل جهدا أكبر. هو يأخذ بالأسباب المحيطة به فى قصر الرئاسة ومن بعض أنصاره ومؤيديه، لكن المعضلة أن قصر الرئاسة ومن فيه ومن يأتون معهم يرتدون فى أغلبيتهم الكاسحة نظارة ذات لون أزرق، فيرون الكون كله بنفس اللون مع أن المجتمع السياسى المصرى ملىء بالألوان كلها.
أخشى أن يأتى يوم يقول فيه الرئيس، مثلما اعترف بأخطاء فى الإعلان الدستورى، لقد أخطأت بالتعجل فى تحديد موعد الانتخابات البرلمانية، ولقد أخطأت فى أننى لم أحافظ على التركيبة المتنوعة من المستشارين، ولقد أخطأت فى أننى لم أقرب منى أكثر قيادات المعارضة، ولقد أخطأت حين لم أحسن تقدير حجم المعارضة لى ولسياساتى، وينتهى بالقول لقد أخطأت حين ترشحت لرئاسة الجمهورية.
أعتقد أن الرئيس مرسى سيشكل لنا نحن المصريين عقدة أول رئيس منتخب ليثبت لنا أن الديمقراطية بذاتها لا تضمن حسن اختيار الحاكم. ولكن المعضلة أن الديمقراطية ليس من خصائصها أنها تصنع الملائكة ولكن من فضائلها أنها تقمع الشياطين. وقمع الشياطين يتطلب توازنا فى السلطات ووجود معارضة قوية ممثلة فى المؤسسة النيابية.
ومع اتجاه المعارضة لمقاطعة الانتخابات فإننا سنواجه مخاطر أكبر: لو كان الإخوان أشرارا أو لديهم نزعة للشر، فقد حكموا البلد منفردين، ولو كانوا حسنى النية قليلى الخبرة، فقد حكموا البلد منفردين.
ولو كانت معارضة الإخوان فقط من القوى التى على يمينهم دينيا، فهذه وصفة سهلة ومباشرة لمزيد من التشدد. ولو قررت المعارضة أن تقوم بدورها فقط من خلال التظاهرات والاعتصامات والإضرابات والعصيان المدنى وصولا إلى تدخل الجيش لإنقاذ البلاد من الإخوان، فهذا خراب على البلد لن ينجو منه أحد.
رسالتى إلى الدكتور مرسى: «وسع دائرة مشورتك».

الاثنين، 25 فبراير 2013

في التعامل مع طفلك... د/ دعاء الراوي


  • قبل أن تيقظوا أطفالكم.. اجلسوا بجوارهم لثلاث دقائق، اقرأوا بصوت منخفض آية الكرسي، والمعوذات، ثم أيقظوهم بهدوء، وأكثروا من التسبيح بدل الصراخ
  • اجلسي بجوار أبناءك قبل النوم لدقائق.. أخبريهم أنك تحبينهم.. احضنيهم.. فكري لهم في فكرة مشجعة للغد.. حتى يناموا متأملين، ويستيقظوا نشطين
  • لا تسمحوا لأطفالكم بمشاهدة التلفاز (او الايباد) مباشرة عند الاستيقاظ.. حيث تكون بؤرة العين في اتساع بعد الاستيقاظ، وقد تضرها تلك الأشعة
  • تدليك طفلك يمكن أن يساعد على تهدئته، ويساعد على الهضم، ويحسن من عادات نومه، كما أنه ينمى الصلة العاطفية بينكما، فلا تحرميه من تلك اللمسات
  • الطفل صاحب الأخلاق العالية والسلوك القويم نتيجة طبيعية لاحترام متبادل بين الزوجين.. والعكس صحيح
  • السماح للأطفال بالنوم مع الأب والأم مرة في الأسبوع أو في العطلات، يعمق التواصل الروحي معهم.. ويزيل عنهم أوهاما كثيرة حول علاقة الأب بالأم
  • أكثروا من استخدام العبارات التالية مع أطفالكم: إنني فخور بك، أنت شخص رائع، ما هو رأيك في .. ؟، هل يمكنني مساعدتك؟؟
  • الحوار المقنع غيرالمؤجل من أنجح الأساليب عند ظهور موقف عناد من طفلك لأن إرجاء الحوارإلى وقت آخر يُشعرالطفل أنه قد ربح المعركة دون وجه حق
  • اطلبوا من أطفالكم التوقف عن البكاء قبل تلبية حاجتهم.. أي كانت.. حتى لا يعتاد على البكاء كسلوك للإلحاح والطلب
  • اجلسي إلى جانب سرير طفلك أثناء نومه قبل ايقاظه، احمليه واحضنيه ليسيقظ على أقوى لحظات الحب والحنان
  • أكثروا من الأقوال التي تحبب أطفالكم بالله.. الله يرزقنا، الله يحبكم فمتى ما نشأ الطفل على حب الله، خاف من عصيانه، فحسن عمله وتميز بين أقرانه

يامن حفظت موسى في اليم وهو رضيع.. احفظ أولادنا وبناتنا من الغرق في فتن الحياة وملذاتها.. وارزقنا يا الله أولادا صالحين بارين أمين


قرارات كنت أتمناها من الرئيس.... محمد عريضة


بعد تأخير (غير مبرر ويجب المحاسبة عليه) أكثر من 4 ساعات لمشاهدة حوار الرئيس مع عمرو الليثي والذي لم يأت بجديد في القضايا المهمة والملحة التى يمر بها الوطن الآن. جاء الحوار في أسئلته جيدا من المحاور وجاءت إجابات الرئيس تقليدية (كلام ساكت كما يقول اخواننا في السودان) لا مفاجآت فيها ولا جديد، مليئة بالعاطفة (التي قد تجذب بعض البسطاء الطيبين) وخالية من الدسم (اللازم لعلاج بعض القضايا) غير بعض قرارات كان من الممكن ان يعلنها وزير وليس رئيس الجمهورية.
لم يطرح الرئيس حلا سياسيا لعلاج حالة الاستقطاب الحالية، ولم نرى أى جديد يجمع به أطياف الوطن السياسية كى يكشف البلطجية (كما اراد في حواره) والفلول الذين ركبوا على الثورة.
  • وجدت من الرئيس حرصا كبيرا على أداء الاستحقاق الانتخابي أكثر منه حرصا على لم الشمل والتوافق على قواعد اللعبة قبل اللعب.
  • نعلم أن مسؤولية ادارة الدولة هى للرئيس حصريا ومن يختاره من المستشارين، لأن الشعب أعطاه "بشخصه" البيعه" او الاختيار. ولم يوضح لنا الرئيس كيفية "صنع القرار" داخل مؤسسة الرئاسة، بعد ان رصدنا فيما سبق ان هناك مشكلة ما في "صناعة" القرار.
  • لم نرى قرارا يعيد مصداقية مؤسسة الرئاسة التى اهتزت بعد  ماحدث في آخر حوار وطني (التوافق بين الاحزاب على قانون الانتخاب بضمان الرئاسة ثم النكوص عن الاتفاق في مجلس الشورى) وسبب إحراجا لمؤسسة الرئاسة، فكيف يدعو الرئيس للحوار الوطني مجددا بشكل تقليدي بعد ماحدث؟ وكيف سييثق المدعويين بجدية الحوار؟
  • كنت أنتظر أن يتخذ الرئيس وبسرعه سلسلة اجراءات وقرارات لبناء الثقة وسحب جزء كبير من المعارضة لصف الرئيس.
  • لم يرد الرئيس على كيفية تعامله مع مايحدث في مدن القناة خاصة بورسعيد..
  • لم يرد الرئيس على مايحدث من تجاوزات للشرطة والتعذيب داخل الاقسام.
  • من المهم أن يعلم الرئيس أن شرعيته ليست فقط من الصندوق، ولكن يدعمها ويكملها شرعية الانجاز والقرارات (صناعة وتنفيذا) وشرعية تحقيق أهداف الثورة وشرعية كفاءة التعامل مع التحديات كما بينها د/سيف عبدالفتاح في مقاله.
  • لابد ان يخرج الرئيس للناس برؤية واضحة للأربع سنوات القادمة، تجمع المصريين على حلم وأمل في المستقبل بدلا من حالة الاحباط التى بدأت تنتشر بين الناس.

ملاحظة:
جاء في حوار الرئيس "العلاقات بيننا وبين أمريكا علاقات طيبة" ... ولم يكن هناك سؤال حول أمريكا!!! بمعنى أن السؤال تم حذفه في المونتاج. لماذا؟

هل يصمد الإسلاميون فى حكم مصر؟ ........... أحمد عبدربه

أضحت أحاديث النخب وقطاعات لا يستهان بها من الشباب وعامة الناس مليئة بانتقادات لاذعة لتجربة الإسلاميين فى حكم مصر ما بين تحميلهم المسئولية الكاملة عما وصلت إليه الأمور فى البلاد مرورا بالسخرية من سياساتهم وسطحيتهم فى إدارة المشهد، إلى حد تخوينهم واتهامهم باختطاف مصر وتحويلها إلى نسخة أفغانية جديدة فى إشارة إلى إسقاط الدولة الحديثة التى بناها محمد على وحولها الإسلاميون إلى إمارة تنتمى للعصور الوسطى حيث التخلف والجهل والفقر، هم سادة المشهد لدرجة أن أحد الوجهاء قد قرر وهو مرتاح الضمير أنه لم يعد يعنيه القطع المتكرر للكهرباء لأن البلاد بالفعل تعيش فى ظلام دامس منذ أن قفز الإسلاميون على مقاعد الحكم فيها!.
•••

لا شك لدى أبدا فى أن الأحكام السابقة لها ما يبررها على الأرض وربما لا يحتاج القارئ منى إلى سرد وتعديد المشاكل العميقة التى تمر بها مصر لتأكيد بعض صحة الأحكام السابقة، فالجميع يرى إلى أى مدى من الانحدار وصلنا إليه، إلا أن الثابت فى يقينى أن الربط المطلق بين حكم الإسلاميين وبين هذا التدهور به قدر لا يستهان من التعسف وعدم الحياد بل وانعدام النزاهة أحياناً، ذلك أن مصر كانت قد وصلت بالفعل إلى هذا التدهور مع نهاية حقبة مبارك، صحيح أن الإسلاميين فشلوا حتى الآن فى إحداث أى تغيير إيجابى فى المشهد وهو أمر يتحملون مسئوليته السياسية أمام الشعب بجدارة، إلا أن الإيحاء للناس أن البلد كانت مزدهرة ثم أطفأها الإسلاميون أمر غير صحيح بالمرة وأشم فيه رائحة التأسف للنظام السابق بامتياز وهو بالمناسبة أسف غير معلن أضحى يلمح به بعض وجهاء البلد وقادة الرأى العام ولا أستبعد أن يتحول من التلميح إلى التصريح قريبا.

•••

ما يحدث فى مصر يحدث فى الشقيقة تونس على خلفية الاغتيال الغامض للمعارض شكرى بالعيد، ورغم أننا بتنا نعتبر أن البداية الخاطئة للمرحلة الانتقالية فى مصر (بناء المؤسسات قبل بناء الدستور) هى سبب كل نكساتنا، وكاتب هذه السطور ضمن هذا الفريق بالمناسبة، إلا أن ما يحدث فى تونس الآن والتى كنا نعتبرها بالأمس القريب نموذجا فى التحول يفرض علينا مراجعة أمينة لهذا الحكم لأن الأمور على ما تبدو أكبر وأعمق من مجرد بداية خاطئة (وهى كذلك) فى التحول.

أستطيع أن أقول إن هناك أربع مساحات فى مصر تحولت إلى فزاعات طاردة ومشاركة بعنف فى ترسيخ صور ذهنية سلبية عن الإسلاميين أحياننا بحق وكثيرا بخبث،
  • أولها بعض القنوات الفضائية والصحف المصرية والعربية التى أصبحت السياسة التحريرية بها تشيطن التجربة الإسلامية دون هوادة، وأصبح بعض الكتاب والصحفيين والمذيعين بها يعتبرون الإسلاميين عدوا ويدعون الضيوف والقراء والمحللين والخبراء إلى المشاركة فى حفلات النيل منهم دون إعطاء فرصة حقيقية لمن يريد أن يكون له وجهة نظر مختلفة فى الأمر أن يدلو بدلوه (إلا فيما ندر)، وتحول عدد معتبر من الضيوف بمجرد أن تدار الكاميرات والفلاشات إلى المشاركة فى تلك الحفلة حتى يحافظوا على وجاهة الظهور الإعلامى وشرف الانضمام إلى النخبة،
  • وثانيها هو الجهاز الإدارى للدولة والأجهزة التنفيذية به والتى أضحى الموظف فيها يسألك ببجاحة شديدة حينما تذهب لقضاء مصلحتك الحكومية «ثورة ولا على قديمه؟» فى محاولة لإذعانك لتسلم بالمعادلة القديمة للوساطة والمحسوبية والرشاوى المقنعة وإلا فلتتحمل طريق ثورتك،
  • وثالثها هو تلك المساحات الاجتماعية والوظيفية النخبوية التى أصبحت تضغط وبشدة على أعضائها وطابور المنتظرين للانضمام إليها لتبنى وجهة نظرها فى السخرية والتهكم على الإسلاميين ابتداءً وإلا تعرضت لضغوط اجتماعية وأحياننا وظيفية ووصمت بأنك أحد الإسلاميين الكامنين والمستترين بها ومن ثم تعرضت أنت أيضا لنبذها والطرد من جنتها، حتى أننى أستطيع أن أقول وبحق أن دواعى الوجاهة الاجتماعية فى البلاد أصبحت تقتضى منك أن تنقد الإسلاميين وتسخر منهم بحق وبدون حق حتى تحافظ على مساحتك فيها!
  • أما آخرها فهم عدد كبير من الإسلاميين (السابقين) الذين أصبحوا يشاركون (إلا فيما ندر) فى وصلات عدم النزاهة والتقطيع فى تياراتهم السابقة بدعوى أنهم فاقوا وتابوا عن هذا الجرم، حتى أن أحدهم أخذ يجادلنى على الهواء فى أن دولة القانون قد سقطت فى عهد مرسى هكذا دفعة واحدة، وحينما أردت لفت نظره بلطف أن مرسى قد فشل بالفعل فى إقامة دولة القانون المنهارة قبل أن يأتى الرجل، أخذ يحاججنى بأن فلانا من الإخوان قد حصل على حكم إدارى بإعادته إلى عمله فى عهد مبارك وكأن هذا الحكم وغيره من الاستثناءات تأكيد على سيادة القانون التى تشدق بها صاحبنا على الهواء هكذا دون حشمة!
 قطعا أنت تتوقع منى الآن أن أصل بك إلى نتيجة مؤداها أن هناك مؤامرة تحاك فى البلاد لإسقاط الإسلاميين ومن ثم أدعوك إلى مطاردة المتآمرين عليهم فى الحارة المزنوقة! وقطعا ليس هذا ما أريدك أن تصل إليه، صحيح أنه لدى قناعة تامة أن هناك من يريد تحويل الإسلاميين إلى فزاعة جديدة لإجبارك على التسليم بفشل الثورة وسذاجة الثوار ومن ثم العودة إلى اللعبة القديمة فى الحكم، لكنى أيضا أملك نفس القدر من القناعة أن ضيق أفق بعض التيارات الإسلامية وخصوصا الحاكم منها وانتهازية بعضها والضحالة والسذاجة المفرطة للبعض الآخر منها هو أحد الأسباب الرئيسية التى ستقوض حكم الإسلاميين وتعجل بسقوطهم ليس فقط من فوق كراسى الحكم ولكن من المعادلة السياسية جلها.

•••
يحتاج الإسلاميون وبسرعة:
  •  إلى إعادة تقدير الموقف، وإعادة التفكير فى ذلك الإندفاع الجارف ليس فقط فى تصدير الخطاب التخوينى الإقصائى الذى لم يعد يرى فى المعارض سوى متآمر ولا فى استخدام نفس الأساليب الأمنية الدفاعية المهترئة فى الدفاع عن كراسى الحكم،
  • ولكن أيضا فى ذلك الاندفاع المستفز فى الدفاع والتغطية على انتهاكات الداخلية وغيرها من انتهاكات أدوات ومؤسسات الدولة العميقة فى حق الثوار والشباب والمتظاهرين،
  • يحتاج الإسلاميون إلى مراجعة صادقة لقوانين باتت تطبخ بنكهة أمنية بكل أسف لتقويض حركات المعارضين والمجتمع المدنى بدعوى الحفاظ على الشرعية، حتى أننى أصبحت أتفق مع فريق معتبر من الباحثين والمحللين بأن ما نراه مؤخرا لم يعد أخونة للدولة بقدر ما هو «دولنة» للإخوان بشكل خاص والإسلاميين بشكل عام، فى إشارة إلى موافقتهم الضمنية على إدارة مصر ما بعد الثورة بنفس أساليب وأدوات وخطب ما قبل الثورة فى اعتقاد ساذج أن هذا الطريق سيقود إلى تأمين كراسى الحكم!
•••

أعتقد أن استشرافا متواضعا للمستقبل فى ضوء قراءة التاريخ من ناحية وتحليل الصورة الكلية للمشهد الحالى من ناحية أخرى يقودنا إلى خلاصة مفادها أن استمرار الإسلاميين فى حكم مصر فى الأجل المتوسط أصبح محل شك، وأن فرص خروجهم من المعادلة السياسية برمتها أصبح احتمالاً قويا فى الأجل الطويل طالما ارتضوا استخدام قواعد اللعب القديم فى قيادة البلاد، أعزائى الإسلاميين، ربما لا تحتاجون إلى تشكيل جبهة سياسية للضمير بقدر احتياجكم إلى إحياء ضمائركم الشخصية للحكم على المشهد وإلا سيكون السقوط بأيديكم أنتم قبل أن يكون بأيدى خصومكم!.

------------------------------------------------------------------- 

مدرس النظم السياسية المقارنة بجامعة القاهرة

الأحد، 24 فبراير 2013

فى لزوم ما كان يلزم..واجب الوقت الضائع........... أيمن الصياد



أعتذر بداية للقارئ الكريم، فهذا ليس مقال «رأى»، بقدر ما هو محاولة لإلقاء ضوء على مصطلح أخشى أن يكون قد شابه لدينا بحسن نية أو بغيرها بعض الضرر. وأقصد به مصطلح «العدالة الانتقالية» أو بالإنجليزية Transitional Justice ولأن للغة ايحاءاتها، فقد يكون بعض مشكلة «الفهم الخاص» للمصطلح أو المفهوم عائدا إلى الترجمة، فرغم أن دارسى القانون يعلمون أن مفهوم «العدالة» لا يقتصر على النصوص وتطبيقاتها، بل يعنى فى جوهره «الشعور بالعدل». إلا أن اللفظة قد تذهب بأذهان البعض قسرا إلى القوانين والمحاكم والنيابات فيتصور أن المفهوم يقصد «أو يقتصر» على إنشاء محاكم استثنائية «أو نيابات خاصة» تضمن تحقيق العدالة «أو القصاص» أثناء الفترة الانتقالية. كما قد تأخذ البعض رغبتُه «أو مصالحُه» فيعمل على اختصار المفهوم فى «المصالحة» مع رموز النظام السابق؛ سياسية كانت أو مالية، مستحضرا تجربة جنوب افريقيا فيما بعد العنصرية، متناسيا ــ رغم ثقافته الدينية ــ أن «معنى الآية» لا يكتمل بقراءة شطر واحد منها، كما أن تفسيرها لا يمكن أن ينفصل عن السياق وأسباب النزول... الخ.

•••

قد يفاجأ البعض عندما يعرف أن أكثر من ألف كتاب فى العلوم السياسية والقانون صدر حول الموضوع؛ مفهوما وتعريفا ودراسات مقارنة للآليات التى جرى اعتمادها هنا وهناك فى الدول التى شهدت مراحل «انتقال» من حالة استبداد أو صراع، إلى دولة معاصرة تتوافر لها عناصر الديمقراطية والاستقرار. كما قد لا يعرف الكثيرون أن الأمم المتحدة أولت الموضوع اهتماما خاصا وصل إلى درجة أن سكرتيرها العام السابق «كوفى أنان» أصدر فى أغسطس ٢٠٠٤ تقريرا خاصا عرف فيه مفهوم العدالة الانتقالية بأنه «الآليات التى يجب أن يقوم بها المجتمع للتعامل مع تركة تجاوزات الماضى واسعة النطاق، بغية كفالة المساءلة وإقامة العدالة وتحقيق المصالحة».
وتذهب الخبرة المتراكمة لدارسى تجارب الانتقال الديمقراطى، سواء فى مرحلة ما بعد الحرب الثانية (١٩٣٩-١٩٤٥) أو سقوط جدار برلين (١٩٨٩)، أو تلك المتميزة فى أفريقيا وأمريكا اللاتينية إلى أن مفهوم «العدالة الانتقالية» يعنى ببساطة: مجموعة الأساليب والآليات التى يستخدمها مجتمع ما فى فترة انتقالية فى تاريخه (بعد اندلاع ثورة أو انتهاء حرب) لضمان تحقيق العدالة «بمفهومها الأوسع»، ولتوفير مقتضيات الانتقال «السلمى والآمن والحقيقى» من الحكم السلطوى لنظام قمعى داخل البلاد إلى نظام ديمقراطى حقيقى يشعر فيه المواطنون «بالعدالة».

وهو عمليا مفهوم يشير إلى مجموعة التدابير القضائية «وغير القضائية» التى قامت بتطبيقها دول مختلفة من أجل معالجة ما ورثته من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. وتتضمّن هذه التدابير الملاحقات القضائية، ولجان الحقيقة، وبرامج جبر الضرر وأشكال متنوّعة من إصلاح المؤسسات.

وبغض النظر عن جدل «أكاديمى» معتاد حول المصطلح، ومعنى «انتقالية»، والتساؤل «النظرى» حول عدالة الاختلاف بين هذا المفهوم للعدالة وبين ما ألفناه من مفاهيم العدالة التقليدية المرتبطة بأحكام القضاء واللجوء إلى المحاكم بأنواعها ودرجاتها، إلا أن التجارب «العملية» لأكثر من ثلاثين دولة من تيمور الشرقية شرقا، وحتى تشيلى والأرجنتين وبيرو غربا وفرت رافدا خصبا لدارسى العلوم السياسية لتقنين المفهوم وإحكامه.

وتذهب تلك الدراسات إلى أنه على اثر انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، يحقّ للضحايا أن يروا معاقبة المرتكبين ومعرفة الحقيقة والحصول على تعويضات. ولأنّ الانتهاكات المنتظمة لحقوق الإنسان لا تؤثّر على الضحايا المباشرين وحسب، بل على المجتمع ككلّ، يصبح من مقتضيات نجاح المرحلة الانتقالية أن تضمن الدولة أو بالأحرى القائمون على إدارة المرحلة الانتقالية عدم تكرار تلك الانتهاكات، مما يقضى بضرورة القيام بإصلاح المؤسسات التى إما كان لها يد فى هذه الانتهاكات أو كانت عاجزة عن تفاديها.
وتقول تجارب السابقين التى تشير اليها الدراسات أن تاريخا حافلا بالانتهاكات الجسيمة التى لم تُعالج سيؤدى حتما إلى انقسامات اجتماعية ويكرس غياب الثقة بين جماعات المجتمع المختلفة، بل وفى مؤسّسات الدولة ذاتها، فضلا عن عرقلة الأمن والأهداف الإنمائية أو إبطاء تحقيقهما. كما أنّه سيطرح تساؤلات بشأن الالتزام بسيادة القانون وقد يؤول فى نهاية المطاف إلى حلقة مفرغة من العنف فى أشكال شتّى.. هل نتحدث عن «مصر الآن»؟ كأننا كذلك.

•••

وكما يَعرف دارسو العلوم الاجتماعية كافة، فلا توجد وصفة سحرية، كما لا يوجد دواء واحد يمكن وصفه بـ«الجرعة ذاتها» لكل المرضى وإن تشابهت الأعراض. ولكن توجد دائما عناصر أساسية لابد من الأخذ بها، وإن اختلفت التفاصيل. وللعدالة الانتقالية «تبسيطا» واختصارا خمسة عناصر:

أولا: الحقيقة وبناء الوعى:

الكشف عن الحقيقة «الكاملة» على قسوتها ضرورى لبناء الوعى الجمعى «المستَنكِر» لما جرى من انتهاكات بشكل يجعل من الصعب تكرارها فى المستقبل. ولأن لا أحد يعلم بالتحديد حجم ومستوى الانتهاكات التى ترتكب إبان حكم الأنظمة الاستبدادية، يصبح من الضرورى تأسيس لجان مستقلة هدفها الأساسى الكشف عن حقيقة ما حدث. وإطلاع المواطنين بشكل ممنهج على الملفات ذات الصلة. كذلك تعمل لجان الحقيقة على التوثيق لمرحلة مهمة فى تاريخ المجتمع حتى يمنع تزويرها أو إعادة كتابتها مستقبلا. (ماذا جرى للإسلاميين فى المعتقلات على مدى ثلاثين عاما، وكيف جرى تفجير كنيسة القديسين، وهل كان يجرى التجسس على هواتف المواطنين، وأين ذهبت تلك التسجيلات؟ …الخ)

ثانيا: المحاكمات:

أخذا فى الاعتبار أن المحاسبة هنا ينبغى أن تتجاوز ما هو جنائى «له اشتراطاته» إلى ما هو سياسى، من قبيل الفساد والرشوة وتزوير الانتخابات وإفساد الحياة السياسية… الخ. وإذا كنا نعرف أن «فى القصاص حياة» فلسنا بحاجة إلى التأكيد على أن غياب مبدأ المحاكمات «العادلة والناجزة» من الممكن له أن يؤدى إلى زعزعة الثقة فى الدولة والقانون، وكما هو الحال فى ليبيا يؤدى أيضا إلى انتشار العشوائية والارتجالية والأخذ بالثأر والانتقام وأخذ زمام المبادرة من قبل الأفراد فى تحصيل الحقوق الفردية. (النتيجة ذاتها يؤدى اليها زعزعة الثقة بمؤسسة القضاء على عمومها، وبعض نتائج ذلك رأيناه فى بورسعيد).

ثالثا: التعويض وجبر الضرر:

ولا بد هنا للأسف أن نأخذ بالحسبان أن الكثير من الانتهاكات التى حصلت فى الماضى لا يمكن بالضرورة استرجاعها، أو التعويض عنها. كما لا بد من أن ندرك أن جبر الضرر يتجاوز بكثير «التعويض المادى» أيا ما كانت قيمته. وفى هذا تفصيل كثير.

رابعا: الإصلاح المؤسسى:

لا يمارس النظام ظلمه أو تجاوزاته الا بالاعتماد على مؤسسات الدولة التى تصبح تدريجيا أدوات لقمعه؟ وتقول التجارب إنه لا يمكن استيفاء متطلبات التحول الديمقراطى دون وجود تصور متكامل وواقعى لإصلاح ثلاث مؤسسات (الأمن والقضاء والإعلام)، مع ملاحظة:

١ـ ألا يعنى هذا الإصلاح «هدما» لتلك المؤسسات.
٢ـ ألا يكون معنى الإصلاح مجرد «تغيير للولاءات» من السلطة القديمة إلى السلطة الجديدة.

كيف يكون الإصلاح إذن؟ لن نحتاج إلى «إعادة اختراع العجلة»، فالدراسات كثيرة جدا فى الموضوع. وهى بالتأكيد تتجاوز «مراهقات» محاصرة المحاكم أو استديوهات البث التليفزيونى.

خامسا: المصالحة:

وتأتى فقط بعد استيفاء المتطلبات الأربعة السابقة. وتشير تجارب السابقين إلى أن «إحراق المراحل» بمعنى الحديث عن المصالحة «مادية كانت أو جنائية» قبل أوانها، من شأنه إشاعة شعور كامن بالإحباط، لابد وأن ينفجر فى لحظة غير متوقعة، ليهدد تجربة التحول بأكملها.

هل نتحدث عن «مصر الآن»؟ كأننا كذلك.

•••

وبعد…

فأحسب أن «العلم» والمعرفة بالمفهوم ومعناه ومقتضياته، قد غابا عمن أُوكلت اليه إدارة البلاد «بعد ثورة»؛ سواء بقرار من رئيس الجمهورية، تلاه رجل مخابراته، أو بقرار من ناخبين ذهبوا إلى صندوق الاقتراع بعد سبعة عشر شهراً كاملة؛ مستنزفين ومرهقين «ومضطرين» للاقتراع «استبعادا» لمن لا يريدون، وليس رغبة فيمن حقا يريدون.

غاب المفهوم إذن، وغابت سياساته، رغم أنه خارطة الطريق الوحيدة «فى تجارب السابقين» الكفيلة بضمان التحول الديمقراطى «السليم والآمن». وعندما تغيب الخارطة، يتوه المسافرون.. وأحسب أن هذا للأسف ما كان.

لماذا.. وكيف؟ وهل من سبيل لاحتساب «وقت بدل الضائع» كما يقول لاعبو الكرة؟

ضاقت بنا المساحة… فليكن هذا «اجتهاد» المقال القادم.

قرارات السيد الرئيس نوعان....... سيف الدين عبدالفتاح

قد يكون من المهم أن نتحدث عن شرعية القرارات والتى تعكس الرضا العام من جانب المحكومين وشعورهم أن منظومة القرارات تعبر عن آمالهم وآلامهم، وقدرة هذه القرارات على تلبية حاجاتهم ومواجهة كل مايتعلق بمعاشهم.
  • القرار هو جزء لا يتجزأ من الإرادة والخيار، وهو كذلك علامة فى مسار تؤكد وجود الرؤية وبناء الاستراتيجية بما يحقق الأهداف العليا للوطن ومصالحه الكلية العامة، وهو كذلك لا بد أن يسكّن ضمن سياسات عامة رصينة ورشيدة.
  • وأخطر ماتتعرض له مسألة القرار، غياب القرار رغم الحاجة الداعية لضرورات اتخاذ القرار، أو بطء القرار وتأخره عن وقته، وهو مايعنى أن صدوره بعد التوقيت المناسب قد يفقده تأثيره وتحقيق الهدف منه، ولذلك قلنا مرارا وتكرارا إن أهم مافى القرار مراعاة فروق التوقيت، فالقرار ابن وقته إن فات زمنه فات أثره وربما أتى بعكسه ولم يحقق مقصده.
  • وكذلك من الضرورى الإشارة الى مدى تكافؤ القرار مع الظرف الذى يصدر فيه والهدف المحدد له إذ يحدد ذلك ليس فقط عناصر ملاءمة القرار بل قدرات القرار لبلوغ الفاعلية الواجبة لأى أثره ومقصوده.
  • وكذلك فمن الخطر أن يصدر القرار دون اعتبار المآل الذى يترتب عليه، وكذلك إصداره فى حالة من التغافل أو الغفلة عن تقدير بيئة القرار وكذلك التحسب لحالات استقبال القرار، ذلك أن القرار فى النهاية يمثل حالة اتصالية بين متخذ القرار وطرف الاستقبال المستهدف من القرار.
 •••

ومن الأهمية بمكان فى هذا المقام أن يصدر القرار من دون الاستشارة الواجبة فى سياق ما يمكن تسميته بصناعة القرار، وأخطر من ذلك أن يصدر القرار من دون استناده الى قاعدة من المعلومات الواجب توافرها بما يمكن للقرار، وربما يحتاج الأمر الى عملية تهيئة وإعداد يحرك مسار الأمور فى مسار القبول أو ما يدل على ذلك من مؤشرات الرضا، القرار إذن لابد أن يصدر مستهدفا الرأى العام والبيئة النفسية والمحيطة به والمتعلقة بسياقاته، وإذا كان هذا فى الأحوال الاعتيادية فإنه فى حل الثورة أوجب.

فى هذا الإطار من المهم أن نؤكد على قرارات متخذة من مؤسسات يجب الوقوف عندها بالتحليل اللازم والتقويم الواجب، لنؤكد أن المؤسسات المنوط بها اتخاذ القرار يمكن أن تقوم بهذه المهمة بالطاقة اللازمة وبالفاعلية الناجزة، كما أن ذات المؤسسة يمكن أن تتخذ من القرارات القاصرة وربما الفاشلة.

•••

تعالوا إذن نتحدث على قرارات الرئيس بشأن المجلس العسكرى وبعض المؤسسات المتعلقة بالوظائف المعلوماتية التى لم تقم بأدوارها فى أحداث رفح التى ترتب عليها مقتل أربعة عشر جنديا من جنود مصر الحامين للحدود فى شهر رمضان الماضى، تمثلت هذه القرارات فى استبعاد بعض القيادات وإعلان دستورى حرّك الأمر صوب ضرورات فتح صفحة جديدة فى العلاقات المدنية العسكرية يضع الأمور فى نصابها بعودة الجيش إلى وظائفه الاعتيادية التى ارتبطت به وحددتها الوثائق الدستورية فى التاريخ المصرى الحديث، بعد أن قام المجلس العسكرى السابق بإدارة وتسيير فى مرحلة انتقالية انشغل فيها البعض بميدان السياسة بكل تشابكاته وتعقيداته أكثر من اهتمامه بوظائفه وأدواره الحقيقية والاعتيادية، وهو أمر مثل عملية جراحية دقيقة أنهت بشكل أو بآخر حال ازدواج السلطة بما يعنيه ذلك من شلل سياسى فى إدارة البلاد.

وفى هذا المقام ايضا لابد أن نشير الى قرارات أتخذت مضمونا وتوقيتا بالشكل المناسب فيما يتعلق بالعدوان على غزة، نوه خبراء ومراقبون بقرار الرئيس محمد مرسى، لسحب السفير المصرى من إسرائيل، احتجاجا على العدوان الغاشم على قطاع غزة وسقوط عدد من الفلسطينيين بين شهيد وجريح.

هذه القرارات أشارت إلى أن مصر اليوم غير مصر الأمس بعد ثورة 25 يناير، وأن جملة القرارات التى اتخذتها الرئاسة بسحب السفير المصرى من إسرائيل احتجاجا على العدوان على غزة والدعوة لاجتماع عاجل لجامعة الدول العربية وجلسة طارئة لمجلس الأمن تعد إجراءات سياسية فاعلة ومؤثرة وقوية.

هذا القرار الذى شهد تعاطفا شعبيا ومن القوى السياسية والمجتمعية رغم حالة الاستقطاب السياسى لتعبر بذلك عن نوعية من القضايا التى تحقق جامعية الوطن ورضا الناس والرأى العام لتشكل حالة من اكتساب الشرعية من خلال القرارات والسياسات إنها قرارات الرضا والجامعية فى سياق شبه إجماع وطنى.

بينما اتخذت قرارات أخرى منتقدة، فى غير وقتها، وبلا ضرورة، فضلا عن مضمونها المثير للريبة والارتباك، الإعلان الدستورى الذى تحرك ضمن خطة أثارت كل مكامن الفرقة والانقسام وفجرت مكامن الاستقطاب من جديد، خاصة أنه صدر بعد مناخ من الحوارات كانت تسير فى سياق بناء رصيد الثقة الواجب للحفاظ على لحمة المجتمع وتماسك الجماعة الوطنية، وبرزت ممارسات أدت الى انسحابات من الجمعية التأسيسية.

كان من الممكن بجهد يسير أن يتحرك الأمر ضمن خطة تفاوضية وتوافقية، وسار الأمر فى مسارات خطيرة بتسريع خطى إخراج الدستور من دون الاستناد الى التوافق الواجب الذى يجب أن تصدر به الدساتير، وسارت المناقشات حول الدستور فى مناخ استقطابى رهيب دخلت فيه الأمور الى نفق مسدود ونسف غير المتفق عليه رغم محدوديته غالب ما اتفق عليه، ومارس الجميع لدد الخصومة،  وكانت طريقة إخراج الدستور فى ليلة تصويتية لا تلقى بالا لكل أصوات تأجيل لبعض أيام أو أسابيع للاستفتاء، وخرجت نتيجة الاستفتاء على النحو الذى أراد كل فريق أن يقرأها من زاويته، قراءة مفعمة بالاستقطاب وصار الدستور كمادة للتوافق والتعاقد مجالا للفرقة والشجار، سلسلة من القرارات حملت رسائل، الأمر المؤكد أنها لم تكن فى مسار جامعية الوطن وتؤجج نيران انقساماته وشظايا استقطاباته.

إن على مؤسسات الدولة وقوى المعارضة أن تتخذ كل مايؤدى الى جامعية الوطن لا تفرقته، ومن نافلة القول أن نؤكد أن مؤسسة الرئاسة تتحمل المسئولية الأكبر فى هذا المقام، لأنها تمتلك مساحات القرار وإمكانات استثمارها فى تمكين مناخ للتوافق وصناعة أدواته.

فماذا عن قرارات أخرى مفتقدة ومنتظرة يمكن أن تسهم فى مسارات الجامعية، وفى ذات الوقت تحدث تجاوبا مع مطالب الشعب، ماذا عن قرارات تتعلق بالحد الأدنى والحد الأقصى للأجور؟، وماذا عن قرارات تتعلق بمكافحة الفساد؟، وماذا عن حزمة قرارات ترتبط بتفعيل المحاسبة والمتابعة لسقوط شهداء؟، وماذا عن قرارات تتعلق بالسياسات الأمنية؟، لماذا نصر على صياغة قوانين مفرقة من مثل قوانين التظاهر؟.

هل يمكننا التفكير وبحق فى منظومة قرارات المفضية للجامعية، الصانعة للتوافقية، المحركة لعناصر الفاعلية.

•••

سيادة الرئيس: أنت قادر أن تتخذ من القرارات الصائبة، فقد اتخذتها من قبل وكانت ثمرتها المزيد من الجامعية والفاعلية والشرعية، وأنت قادر على أن تعتبر من قرارات منتقدة ومرتبكة لاعتبارات تتعلق بآثارها الانقسامية ومآلاتها الاستقطابية، التى نزلت بنتائجها السلبية الى الشارع ولم تبق على مستوى النخبة فى تأثيراتها، وأنت قادر على أن تتخذ قرارات تزيد من اكتسابك للشرعية ونيل رضا الناس هى للأسف مفتقدة ومنتظرة، طال الانتظار لها رغم أن عائدها السياسى متراكم ومضمون فى عملية استثمار سياسية واسعة، وتكلفتها المادية لا تذكر، فقط سيادة الرئيس إجعل همك فى قرارك لا ممارسات غيرك مهما ساءت، واجعل همتك وعزمك فى إرادة القرار، وقرار الإرادة، سيادة الرئيس كن رئيسا لكل المصريين، يكن لك المصريون فى جامعيتهم سندا وظهيرا.