الجمعة، 3 ديسمبر 2010

ستة طرقٍ مضمونة لتخريب لقاءات عصف الأفكار

احذروها!
6 طرقٍ مضمونة لتخريب لقاءات عصف الأفكار

بول سلون
عصف الأفكار أو العصف الذهني brainstorming (أو دوش الأفكار كما يسمّيه بعضهم) أكثر ممارسات الإبداع شهرةً في عالم الشركات. إنّها عمليةٌ سريعة سهلة ومثمرة!
لكنّ كثيراً من المنظّمات تتململ وتبتعد عن هذه الممارسة قائلةً: إنّها موضة قديمة مرهقة وهزيلة الجدوى!..
معذرةً يا سادة: عصف الأفكار ليس متعباً ولا هزيل الجدوى، بل ممارستكم له هي التي ينقصها ما ينقصها من الإعداد والمتابعة حتى تكون سلسةً مثمرة. وفي الحقيقة، تبقى جلسة عصف الأفكار المنفّذة كما ينبغي، تبقى من أكثر التجارب إمتاعاً وتحريكاً للحيوية في العقول والنفوس.
هل تقترفون أيّاً من الخطوات المدمّرة التالية؟ إن كنتم تفعلون فلا عجب أنّكم لا تستمتعون بعصف الأفكار ولا تنتفعون!
1- لا يعرف الحاضرون لماذا يفكّرون؟ ولا ضمن أيّ فضاء؟!
إنّ جلسة العصف الذهنيّ المعقودة من أجل غاية غامضة أو متقلّبة لن تكون إلاّ جلسةً لتضييع الحاضرين وتبديد الطاقة أو التعجيز.
المراد من العصف الذهني هو توليدُ فيضٍ منطلقٍ من الأفكار الإبداعية من أجل تحقيق هدفٍ معيّن. ولتحقيق أفضل النتائج ينبغي أن يعبّر عن هذا الهدف بسؤال واضح محدّد الأبعاد.
وهكذا فإن السؤال: كيف يمكننا أن نضاعف مبيعاتنا في غضون السنة القادمة خيرٌ من السؤال: كيف نحسّن أوضاعنا؟ من ناحيةٍ أخرى ينبغي الانتباه إلى أنّ المبالغة في تفصيل السؤال وترسيم الحدود قد تعرقل انطلاق الأفكار وتشجّع اكتفاءها بالبحث في نطاقٍ ضيّق لا داعي للالتزام به فعلاً. أيّ فضاءٍ يبقى للعصف الذهني إن جمعنا الناس وقلنا لهم: كيف يمكننا مضاعفة مبيعاتنا عبر القنوات الحالية وباستخدام مجموعة المنتجات الحاضرة؟
وضمن الحديث عن تحديد الهدف تنبغي الإشارة إلى فائدة التحفيز الكبيرة المحتملة في تحديد عددٍ معيّن مستهدفٍ من الأفكار ضمن مدةٍ زمنية محدّدة. مثلاً: "نسعى لتوليد ثلاثين فكرةً خلال الدقائق العشرين التالية. وبعدئذٍ سنغربلها لنعثر على أفضل أربعٍ أو خمس منها.
2- تحتاجون كثيراً من العقول المتنوّعة لا المنسوخة!
إيّاكم والمجموعة المتجانسة!إن أتى كلّ الحاضرين من قسم واحد فإنّ ابتكارية المجموعة قد لا تجد وقودها وعناصرها الملائمة، وقد يسقط المشاركون المتجانسون في فخ "التفكير الجمعيّ".
ويتراوح عدد المشاركين الأمثل بين ستة واثني عشر. العدد القليل جداً لن يوفّر الإسهامات المتنوّعة المطلوبة، والعدد الكبير جداً سيولّد صعوبةً في السيطرة والمحافظة على التزام الجميع.
اغنِ ونشّط المجموعة بإدخال بعض العناصر من مجالاتٍ بعيدة ضمن الشركة أو حتّى من خارج الشركة ومجال العمل كلّه، فهؤلاء يستطيعون رؤية المسألة من إطلالات مختلفة ويمكنهم الإقدام على طرح أفكارٍ غريبة قد لا تخطر ببال غيرهم.
اختر عناصر مجموعة عصف الأفكار بعناية كما يختار الكيميائي عناصره لتوليد أنشط تفاعل وأغنى حصيلة
المزيج المتنوّع يعطي في العادة نتائج أفضل: اجمع أعماراً مختلفة، نساءً ورجالاً، مخضرمين ومبتدئين..
3- دماغ البشر لا ينقصه حواجز!
لا تدعوا المدير الديكتاتوريّ يشرف على الجلسة..

إيّاكم أن تتركوا الفريق في جلسة العصف مع مديرهم الديكتاتور! إنّ حضور مثل هذا المدير سيثبّط تدفق الأفكار أو يقيّد اتجاهها. وإن كان المدير حاضراً فمن الأفضل أن يتولّى الإشراف على اللقاء ميسّر مستقلّ قادر على تشجيع مساهمة كل فرد وعلى منع هيمنة أيّ فرد.
أسوأ تركيبة ممكنة لجلسة عصف الأفكار هي: مدير القسم يقود اجتماعاً يضمّ عناصر تابعين له، يمسك في يدٍ قلماً لتدوين الأفكار وفي اليد الأخرى مقص رقيب لقطع ما لا يرضى عنه!
4- كي تجهض الأفكار باكراً انقدها باكراً!
أهم قاعدةٍ في عصف الأفكار هي: تأجيل الحكم.

لتشجيع تدفّق ثروةٍ من الأفكار الجديدة الجريئة يجب أن يركّز كل الحاضرين على اجتناب أيّ انتقاد أو نزعةٍ سلبية أو إطلاقٍ للأحكام تجاه أيّ فكرة من الأفكار. وأيّ فكرةٍ تُطرح –مهما بدت غبيةً- يجب أن تسجّل كتابةً.
إنّ قاعدة تأجيل النقد وإصدار الأحكام مهمّةٌ جداً في مرحلة توليد الأفكار إلى درجةٍ تجعلها تستحق التطبيق الإجباريّ باستخدام كل الأساليب. ومن الطرق المضحكة والمؤثّرة المسدّس المائيّ. كلّ من يضبطه ميسّر الجلسة متلبّساً بجرم انتقاد الفكرة الوليدة يتلقّى رشّة ماء تنعش ذاكرته وتعيده إلى صوابه!
5- في عصف الأفكار القناعةُ عجز وليست كنزاً..
كن طمّاعاً ولا ترض بالقليل من الأفكار!
لا تتوقّف عند حفنةِ أفكار تبدو وافيةً بالغرض ثمّ تبدأ بالتحليل. إنّ كمّية الأفكار الوفيرة مؤشّر مهمّ على جودة وجدوى جلسة عصف الأفكار.عصف الأفكار هو أحد النشاطات البشرية القليلة التي يمرّ فيها التحسّن النوعيّ عبر قنطرة الوفرة الكمّية.
أكداس الأفكار المجنونة غير القابلة للتطبيق هي الوقودُ ومادّة التحريض والبناء اللازمة لتوليد وصقل حفنة الأفكار العمليّة القيّمة. رحّب بتلك الأفكار وتذكّر أنّ عليك تقبيل عشرات أو حتّى مئات الضفادع البشعة حتّى تجدَ أميراً وسيماً واحداً!
6- من يحب العناية بشجرٍ لا ظلّ له ولا ثمر؟!
اقطفوا أفكاركم.. افرزوها وتذوّقوا أفضلها!

لا تنهِ الاجتماع بعد توليد الأفكار بوعدِ متابعةٍ غائم. إن لم ير الناس نتائج حقيقيّة للقائهم وعصف أفكارهم فسيمتلؤون إحباطاً وضجراً من الاجتماع ويفقدون إيمانهم بقيمة وأهمية ما يفعلون.
بعد الانتهاء من تجميع الأفكار ينبغي أن تسارع في الاجتماع نفسه إلى النظر فيها وتحليلها.
من الطرق الجيدة في ذلك تقسيمُ مجموعة الأفكار إلى ثلاث زمر: زمرة الأفكار الواعدة، زمرة الأفكار المثيرة للاهتمام، وزمرة الأفكار غير المجدية.
وإن وجدت من بين الأفكار الواعدة فكرةً بيّنة المعالم واضحة الجدوى وضوح الشمس فعليك أن تبادر فوراً إلى تنفيذها وتبدأ بتوزيع مسؤوليات تطبيقها على الفور أمام الحاضرين!
ركّبوا أفكاراً جديدة من الأفكار المقترحة
لا تكتفوا بعصير أفكاركم.. استمتعوا بالكوكتيل!

-
 ضع تصنيفاً معيناً للأفكار الواعدة والمثيرة للاهتمام (زمرة أفكار التسويق، وزمرة أفكار البيع، مثلاً)- دوّن الأفكار التابعة لكل زمرة على لوحة مستقلّة (لوحة لأفكار التسويق، ولوحة لأفكار البيع)- بعد تصنيف الأفكار وترتيبها وعرضها أمام المجتمعين عرضاً واضحاً يمكنكم المضيّ في اختراع أفكارٍ جديدة ناجمة عن الجمع بين الأفكار المختلفة في اللوحات المتعدّدة.
إنّ عمليةَ فرز الأفكار والتطعيم والجمع بينها ستفتح أذهانكم على مشاهدة تركيباتٍ واحتمالاتٍ جديدة لم تكن لتخطر على البال.

ديمقراطية سريعة لانتخاب الأفكاروإن كان الزمن المتاح ضاغطاً، أو كانت نوعية وأهمية المسألة لا تحتاج مزيداً من الإغناء فبإمكانك استخدام هذه الطريقة السريعة في تقييم الأفكار واختيار أفضلها:- اعطِ كلّاً من الحاضرين خمس نقاط تصويت. وبعدئذٍ اطلب من كلٍ منهم تقييم الأفكار المدوّنة على اللوائح ومنحها النقاط بناءً على تقييمه. يمكنه أن يمنح النقاط الخمس لفكرةٍ واحدة أو أن يوزّعها كيفما يشاء على أفكارٍ عدّة.- بعد انتهاء عمليّة التصويت، تُحصى النقاط التي نالتها كلّ فكرة وبناءً عليها تُختار الفكرة الأفضل الجديرة بالمتابعة والتطبيق.
اختتم الاجتماع بشكر الجميع على مساهمتهم. اذكر واحدةٍ أو اثنتين من ألمع أو أفضل أو أطرف الأفكار. وتناول سبل تطبيق بعض الأفكار الجيّدة مهما كانت المسائل التي تتناولها صغيرة.
إنّ البشر يستمتعون حقاً بجلسات العصف الذهني السريعة، الحيوية، والمثمرة. وباجتماع هذه العناصر لا يمكن للمرء إلاّ أن يلمس الدور الكبير لعصف الأفكار في تحفيز الناس، وزيادة الكفاءة، وتحريك الابتكار.

الخميس، 2 ديسمبر 2010

عملية صناعة القرارات…. ج2/2

في الجزء الماضي من هذه المقالة بدأنا بتقديم نموذج مبسّط لصناعة القرار يضمن اتباعه من قبل أفراد الفريق جميعاً بناءَ لغةٍ مشتركةٍ ومنظورٍ مشترك تساهم مساهمةً جوهريةً في تقليص الوقت والجهود المضيّعة في تقليب الآراء وتجاذب وجهات النظر على غير هدى.
تحدّثنا آنئذٍ عن "القرار التحتيّ" أو كيف نقرّر؟ وعرضنا الأنماط الأربعة لصناعة القرار، كما بينّا المقصود بصناعة القرار بالإجماع (أو التوافق).
وبعد ذلك وصلنا إلى استعراض العوامل المؤثرة في اختيار أيّ نمطٍ معين لصناعة القرار. تحدّثنا عن أربعة عوامل: أهمية القرار، وتعقيده، وكفاية المعلومات والخبرة لدى صانع القرار، وأهميّة تأييد القرار لدى المنفّذين والمتأثّرين. ومع هذه العوامل نتابع:

عوامل اختيار نمط صناعة القرار

يمكن لكلٍ من أنماط صنع القرار أن يكون ناجعاً في المواضع المختلفة. والقائد الفعّال هو الذي يمتلك مرونةَ استخدام كل الأنماط الأربعة ونفاذ البصيرة وحسن التقدير لاستشعار أوان كلٍ منها.
ليس هناك قواعد واضحة ثابتة تملي اختيار كل نمط وإنّما هناك عوامل تفيد مراعاتها فائدةً كبيرة في إضاءة المسار وانتقاء النمط الأنسب.
5- إشراك دائرة المتأثرين بالقرارمن المتأثّرون بالقرار تأثراً ملحوظاً؟ من يمثل الجهات المتأثرة بالقرار ويرعى مصالحها؟..
إنّ تجاهل هذه الأسئلة المريحَ في مراحل التحضير وصنع القرار قد يجده القائد مرّاً شائكاً في مراحل التنفيذ.
6- بين الأهداف المشتركة وتضارب المصالحهل يشاركك الآخرون الأهداف ذاتها؟ هل يميلون إلى اتخاذ قراراتٍ تتفق مع أهدافك المرسومة من أجل المؤسسة؟ هل توجد لدى الآخرين مصالح تتعارض مع مصالح المؤسسة؟..
إنّ بناء الأهداف والقيم المشتركة هو الذي يجعل عمليات التوافق أو التفويض في صناعة القرار ممكنةً وفعالة. وإن رأيت نفسك لا تلجا إلى هاتين العمليتين –أو لا تستطيع ذلك- فأنت تحتاج حقاً إلى بذل مزيد من الطاقة والاهتمام لبناء وتوصيل فهمٍ مشترك لموقع وتوجّه المجموعة وكيف ستمضي وتصل إلى غايتها.
7- القيود الزمنيةما هو الحد الملائم من الموازنة بين الالتزام بالحدود الزمنية وبين تحقيق مشاركةٍ واسعة؟ كم هي مطلوبةٌ السرعة في اتخاذ هذا القرار؟ كم لدى الناس من وقتٍ يمكن تخصيصه للعمل على هذا المسألة؟ هل هي مهمةٌ إلى درجة اقتطاع الوقت من أعمالٍ أخرى؟..
ضمن البحث والنظر في القيود الزمنية يدخل أيضاً الزمن اللازم لتنفيذ القرار، وهكذا نقول إنّ صناعة القرار بالتوافق أو بالتشاور تصبح أكثر جدارةً بالاستخدام إن كانت تؤدّي إلى تقليص زمن التنفيذ.

متى يستخدم كل نمطٍ من أنماط صناعة القرار؟

بعد مراعاة كل العوامل المذكورة آنفاً يمكننا أن نستنتج بعض الخطوط العامة المرشدة إلى مواضع الاستخدام المحتملة لكل نمط من أنماط صناعة القرار:
صناعة القرار الفردية
- عندما تتوفر لدى القائد شخصياً الخبرة والمعلومات الكافية
- يتوفر للقائد مصادر معلوماتٍ يتاح له الاستفادة منها
- الفسحة الزمنية خانقة ولا بدّ من اتخاذ القرار بسرعة
- عندما يكون لدى القائد قناعة مسبقة لا سبيل إلى تغييرها
-عندما تكون المسألة صغيرةً لا تستحق جمع الناس لها

صناعة القرار الاستشاريّة- عندما يكون التنفيذ في نطاق مسؤوليات شخصٍ واحد
- عندما تكون المسألة متوسطة الأهميّة
- عند تردّد القائد ورغبته في استبعاد الأخطاء الفاحشة
- يلجأ إليها اضطراراً عندما يكون الفريق غير ناضجٍ أو مجهّز لصناعة القرار بالطرق الأخرى
صناعة القرار الإجماعيّة (أو التوافقيّة)- عندما تكون المشكلة مهمةً ومعقّدة
- عند الافتقار إلى شخصٍ واحدٍ خبير، والأمل في تجميع الخبرات المختلفة الموزّعة بين أفراد الفريق
- عند الحاجة إلى قرارٍ فائق الجودة
صناعة القرار بالتفويض- عند وجودِ شخصٍ يوثق بخبرته
- عندما تكون المهمة منخفضة الأهمية والخطورة
- عندما تكون المهمةُ مناسبةً للتطوير والتدريب
يهدف النموذج السابق لصناعة القرار إلى تزويدك باللغة وإطار العمل اللازمين للتفاهم مع فريقك وتوصيل طريقة صنع القرار بوضوح.
حتّى تكون صانع قرار وقائداً فعّالاً لستَ مضطراً إلى انتقاء النمط الأمثل لصنع القرار، إنما أنت بحاجةٍ إلى اختيار النمط (ولنقل أيّ نمط) وتوصيله بوضوح إلى أعضاء فريقك ثمّ الاستقرار عليه…
هذا كل ما يلزمك كي توفر على نفسك وعلى فريقك كثيراً من الوقت والجهد والمضاعفات الجانبية.

لنجاحك في التطبيق.. احذر هذه الأخطاء

لا إفراط ولا تفريط.. لكل قرارٍ مقام!يجمّد بعض القادة أنفسهم عند واحدٍ من أقصى الطرفين ضمن طيف صناعة القرار. فإمّا أن يستقلّ بنفسه في صنع كلّ القرارات محطماً معنويات الفريق ومهدراً لإمكاناته، وإمّا أن يلزم نفسه بصناعة قرار توافقية تشلّ إنتاجية المجموعة وتستنزف طاقتها في اجتماعاتٍ لا تنتهي.
لا جدال في سوء التجمد عند أحد الطرفين (الفرديّ أو الإجماعيّ) ولكن لا يقلّ عنهما سوءاً -وقد يزيد- أن يعلن القائد بلسانه عن نمطِ قرارٍ توافقيّ ولكنّه يقصد بالفعل نمطاً تشاورياً وحسب. إن كنت لا تريد من الناس إلاّ المشورة فأعلن ذلك بوضوح ولا داعي للاعتذار.
هل فريقك فريق .. أم صورة فريق!
إنّ النمط التشاوريّ كثيراً ما يكون هو الأكثر ملاءمةً وفاعلية، لكن انتبه! إن كنت لا تستخدم النمط التوافقيّ (أو الإجماعيّ) على الإطلاق فربما يكون هذا إنذاراً بواحدةٍ أو أكثر من ثلاث مشكلات:
1- لديك فريق ضعيف لا تتوفر لديه مقدرات التعامل مع القرارات المهمّة
2- أنت مقصّر في إطلاع الفريق وتوجيهه إلى تناول القضايا الحسّاسة
3- أنت تكتم أنفس المؤسسة وتعرقل تطوّرها بنمط قيادتك المفرط في التحكّم والاستبداد
في بيئة العمل المعاصرة فائقة التنافسية يمكن أن تعمل أيٌّ من المشكلات الثلاث السابقة كسدّ يجعل النجاح مستحيلاً. وإن كان التأمّل في نموذج صناعة القرار الذي عرضناه في هذه المقالة قد ساعدك في اكتشاف هذه المشكلات فأبشر! لقد قمت بخطوةٍ كبيرة إلى الأمام!
جرّب طريق الكفاءة بنفسك.. الآن!انظر إلى جدول أعمالك وابحث عن أوّل اجتماعٍ لفريقك ثمّ طبّق عليه ما رأيناه في هذا النموذج:• هل أنت واضحٌ في تبيين وتوصيل المطلوب في كل بندٍ من البنود؟ ( اتخاذ قرار، أم مشاركة معلومات، أم توليد أفكار، أم رسم خطة عمل).• في البنود المتضمنة صناعة قرار هل تعرف ما نمط صناعة القرار المطلوب لكل بند، ولماذا؟• وزّع معلومات هذه المقالة على زملائك في الفريق حتّى يتفهّموا اللغة التي تستخدمها في مناقشة صناعة القرار معهم، وعندما يحين وقت الاجتماع افتتح كل بندٍ على جدول الأعمال بتوضيح الغاية المنشودة، وحين تكون الغاية صنع قرار بيّن لهم نمط صناعة القرار المتبع. وعند نهاية الاجتماع اطلب من المشاركين تقييم الفائدة التي يرونها في اتباع هذه الخطوات.• ويمكنك المضيّ قدماً في هذا الاتجاه فتحثّ الفريق على عرض وجهات نظرهم في كيفية صناعة القرارات. حدّد نطاق القرارات التي تتحمّل أنت وفريقك مسؤوليتها. قسّم فريقك إلى مجموعاتٍ صغيرة أو أزواج واطلب من كل زوج اختيار نمط صناعة القرار الذي يرونه ملائماً لكل من القرارات التي تتعاملون معها ضمن نطاق مسؤوليتكم. وبعد ذلك اطلب من المجموعات الصغيرة أو الأزواج تبادل قوائم الاختيار التي وضعوها. إنّ نقاط الاختلاف التي تبينها ممارسة التبادل هذه ستفتح الطريق لمناقشاتٍ قيّمة.
تذكّر: لا قيمة لكل الدقّة وجهود الإقناع التي تبذلونها في نقاشاتكم إن لم تكن أنت وفريقك تعرفون عمّاذا تتحدّثون. اتفقوا على لغة مشتركة، اضبطوا التوليف على الموجة ذاتها، وليبدأ حينها الإرسال والاستقبال المثمران!
نموذجٌ عمليّ لصناعة قراراتٍ أفضل في فريقك
وازن بين الكفاءة وبين المشاركة والتأييد
آندريا كورني

إدارة المواقف الصعبة مع زملاء العمل….. ج3/3


إدارة المواقف الصعبة مع زملاء العمل
نورما كار روفينو
قد يكون زملاء العمل عاملاً مساعداً لك على إيجاد فرص جديدة أو مساندتك في تجنب المآزق وتمهيد السبل لإنجاز المهمات, ولكنهم بنفس الوقت قد يكونون عقبة تعيق تحقيق بعض المهمات أيضاً.
 
إن التعاون وتبادل المنافع ومشاركة الخبرات هو جوهر نجاحك مع الزملاء في شبكة دعمك، فقدرتك على التعامل بحزم ولباقة مع زملائك في المواقف الصعبة تسهّل من علاقات العمل وتمهّد الطريق نحو النجاح.
 
تحدثنا في العدد الماضي عن زملاء العمل ذوي المزاج العدواني ونتابع الحديث اليوم عن زملاء العمل المسببين للإزعاج وطرق التعامل معهم:
 
ثالثاً: المزاج السلبي
قد يتصرف زملاؤك بشكل سلبي عن طريق اختلاق العوائق لعملك أو مشروعك بسلوكهم المتشنج والمعاند أو بانعزاليتهم ورفضهم للتواصل.
 
زميل العمل المعيق:
قد يتصرف زملاء العمل بسلوك سلبي عن طريق التسبب في تأخيرات بعملك.ويسببون ذلك عن طريق تمييع المشاركة أو التراخي أو المبالغة في التطلب أو الفشل في تنظيم العمل وإدارة الوقت.
 
عندما يصطنع العقبات في طريق عملك أو مشروعك:
إن هدفك هو إزالة العقبات وإنجاز العمل, لكن لا سلطة لك على زميل العمل.
1. أوضح له مدى أهمية المهمة وأهمية الدور الذي يلعبه في إنجاز العمل.
2. ركز على الاهتمام الحالي: إنجاز هذه المهمة المحددة.
3. تصرف بود, بثقة بالنفس ووضوح الهدف .
4. اطرح تساؤلات استفسارية لاستيضاح العلة وما يمكن عمله لتسريع إنجاز هذا العمل.
5. إذا استمر السلوك الإعاقي فعليك إنجاز المطلوب منك مع وجود المبررات الواقعية لموقفك ثم اطرح المشكلة في اجتماع طاقم العمل أو في لقاء مع مديرك.
6. لا تصرف اهتمامك عن غايتك الأولى : تحقيق أهدافك، ولا تدع العقبات تحبطك, حافظ على إيجابيتك وتأهبك للعمل.
 
ينشد الكمال
1. حاول تفهم شعور هذا الزميل بالحيرة والقلق.
2. ساعده على التعامل مع واقعية الزمن والميزانية المحددة .
3. أكد له أنه لا توجد معايير كاملة مهما كانت راقية.
ينبغي أن نؤكد لمن ينشد الكمال أنه لا توجد معايير كاملة مهما كانت راقية
 
عندما يفشل في تنظيم العمل أو إدارة الوقت بكفاءة:
1. شاركه تجربتك بالتعامل مع هذه المشاكل ولاتتصرف بفوقية. بإمكانك القول مثلاً : "لقد عانيت من مشكلة كهذه حتى علّمني فلان طريقة جيدة لمعالجتها ….."
2. بين الفائدة العائدة على طاقم العمل من إنجاز المهمة في وقتها كأن تقول: "لقد أخبرت مديرك بشدة اعتمادي على أدائك الجيد ولسوف نحقق سمعة حسنة بعد إنجاز هذه المهمة".
3. إذا كانت المشكلة آخذة بالتفاقم، فاطلب من مديرك مراجعة المسؤوليات ومواعيد الإنجاز ومعدلات إنجاز العمل مع جميع أفراد الطاقم.
 
زميل العمل المتصلب, العنيد
قد يسلك أحد الزملاء سلوكاً سلبياً أ و سلبياً عدائياً بكونه متصلباً حروناً . مثل هذا الشخص لا يستمتع بعمله ويحبط معنويات الفريق وكثيراً ما يتشدد في التركيز على القواعد والتطبيق. ولا يكتفي بالنفور من التغيير بل يجعله أكثر صعوبة على الآخرين.
ينبغي محاولة تهدئة هذا الشخص و حثه على تفريغ احتقانه.
1. يزداد تصلب هذا النوع من الأفراد كلما ازداد تجنب الناس لهم لذا أظهر رغبتك في الاقتراب منهم والإصغاء إليهم، وإستخدمي روح الدعابة اللطيفة لتليين عريكتهم.
2. حاول تشجيعهم على تجريب الآفاق الجديدة المحتملة بدل الاكتفاء بالثوابت الجامدة.
3. إذا كان لدى أحدهم الرغبة في أن ينظر إليه على أنه العضو الفعال المنظم –الشخص المحافظ على تطبيق جميع الإجراءات والفعاليات – فعليك أن تبدي تقديرك لمشاركاته.
4. فلتبقي وثيق الصلة بأهداف الوظيفة ,بأهداف الفريق , وبأهداف الشركة.
5. لا تدع عناد أفراد الفريق يعيق مشروعك الابتكاري بل عِدهم بإشراكهم في العمل بعد إنجازك لأساس فكرتك.
6. التزم بجوهر المسائل المطروحة ولا تشتبك في هجوم شخصي.
7. احفظ للمعاندين ماء وجوههم, أفسح لهم طريقة مشرفة لتغيير آرائهم دون أن يعترفوا بأنهم كانوا هم المخطئين. اطرح اعتراضاتك في عبارات ايجابية مثل: "أعتقد أن التعارض بيننا هوأقل مما يبدو عليه….", "فلننظر مثلاً إلى نقطة الخلاف هذه…."
إذا كان أحدهم يرغب في النظر إليه على أنه العضو الفعال فاستميله بتقديرك لمشاركته
 
زميل العمل المنسحب الانعزالي
قد يسلك أحد زملاء العمل سلوكاً سلبياً بكونه انعزالياً ومنسحباً ويظهر ذلك بكونه كثير الظنون ومتكتم على المعلومات أو بنظراته التي تحمل الكثير من المعاني مع بقائه صامتاً.
 
عندما تحرك الريبة تصرفات الانعزالي:
1. إن هدفك هو إقناعه بصدقك ونواياك الطيبة .
2. انسب الفكرة أو المشروع لـ " نحن" وليس" لـ "أنا", وأطلعه على الأخبار المفيدة التي قد تكون غابت عنه. وإن كان بإمكانك مد يد العون فاعرض عليه المساعدة في حل مشاكله أو إنجاز عمله.
3. كن صريحاً في تبيان المصاعب إلى جانب المنافع وذلك في أسلوب مطمئن واثق.
4. ابن الثقة عن طريق الوفاء بالتزاماتك وإقران أقوالك بالأفعال.
5. عبّر عن تقديرك وإعجابك عندما تتمكن من قول ذلك بصدق .
6. لا تستعجل بل كن متأني في بناء الثقة.
 
زميل العمل المستاء يحجب عنك المعلومات:
ربما كان استياؤه لعدم تقديرك الكافي لخبراته، وهدفك هو قيادته إلى تزويدك بالمعلومات التي يحبسها.
1. أبدي له الامتنان والتقدير الذي يسعى إليه وليكن اختيارك لمفردات طلبك لبقًا مدروساً.
2. اطلب منه التحقق مما لديك من استنتاجات أو معلومات ناقصة. ولِتقر بحاجتك إلى مساعدته بل واطلبها بصراحة. اسأليه رأيه الشخصي، وعن كيفية تصرفه في التعامل مع المشروع أو في حل القضية.
3. إذا كان رد الزميل الانعزالي نظرات غاضبة أو متأذية فعليك أولاً استرجاع ثقته الكافية حتى يفصح لك عن المشكلة.
4. اطلب عقد لقاء تبينين فيه شدة اهتمامك ورغبتك في الحفاظ على علاقة طيبة. اطرح أسئلة استفسارية محاولة الوصول إلى أصل المشكلة. إذا لم تتوصل إلى شيء فكن صبوراً وحاول ثانية، وحتى لو كان مسلكهم طفولياً فعليك بتجاوزه بالتركيز على هدفك وهو الحفاظ على علاقة عمل جيدة.
5. بعد حل المشكلة عليك البحث عن سبل اجتناب نشوء مواقف مماثلة مستقبلاً.

الأربعاء، 1 ديسمبر 2010

مستقبل النضال الفلسطيني…. د. عزمي بشارة


(محاضرة د. عزمي بشارة الافتتاحية في مؤتمر مؤسسة مواطن السنوي 15 تشرين الأول/ اكتوبر في رام الله. بعنوان مستقبل النضال الفلسطيني، أي افق النضال على ضوء تحليل عملية التسوية والمفاوضات بحسب طلب المنظمين)
يبدأ موضوعنا اليوم بكلمة نلفظها ونخشى أن نعيها في الأزمات. إنه لفظ "مستقبل" الذي غالبا ما نستخدمه آليا من دون التفكير به. إنه غير المفكر به بامتياز في هذه المرحلة الحرجة من التاريخ الفلسطيني الغارق في تفاصيل سياسة "العملية السياسية". والتفاصيل هنا ليست تفاصيل شيء يُستّدَّل به على مستقبل ما، بل إنها تفاصيل ذاتها فقط. تفاصيل زائلة ما أن تنشأ وتحظى بالتفاتة حتى تختفي وتصبح ماضيا.
والمستقبل مضمر حتى في الخلاف الفلسطيني-الفلسطيني. فالبوح بتصوراته المتناقضة مدعاة للحرج والخجل من حقيقة ما ينتظر في نهاية مفاوضاتٍ لا نهاية لها أصلا من جهة، ومدعاة للسخرية مما يسمى لا واقعية الطرح من الجهة الأخرى.
 فماذا نقول للشباب؟ سواء كانوا مكترثين أو غير مكترثين بالمستقبل، إنهم المستقبل ذاته، وهم بالإحالة "ممثله الشرعي والوحيد". ولا شك أن فهمهم للماضي والحاضر جوهري في تحديد هويتهم. ومن دون المستقبل، أي من دون الغاية، تنقلب هذه عصبيةً بلا معنى. وفي هذه الأثناء ينشغل من يُفترَضُ أن يقدّم تصورا لمستقبل المجتمع الفلسطيني بالحنين إلى ماض ثوري مقاوم فعلا، ولكن لا بد من زرعه بالأساطير، لتجنيده كتعويض عن بؤس الحاضر وتغييب المستقبل، أو تنشغل في وسم هذا الماضي كسلسلة من الأخطاء لشطبه، ولتبرير هجرانه من قبل حاضر لا يريد أن يمتّ له بصلة. ويغرق الناس بفيض من تفاصيل التسوية والمفاوضات وزيارات المبعوث الأمريكي وتجميد الاستيطان ولجنة المتابعة العربية. ولا يصح في الانشغال والإشغال هذا إلا تسمية صناعة العدم والعبث. فهذه كلها لا تصلح لتتصدَر نشرة إخبارية في مجتمع واقع تحت الاحتلال. وهي بالكاد تصلح أن تكون ملاحظة على هامش الخبر. لقد كان آخر خبر صنعته القيادة الفلسطينية قبل عقدين تقريبا. وما زال الوضع الناجم عنه يحول بيننا وبين التفكير في مستقبل النضال الفلسطيني.
والخبر مركّب من ظروف تاريخية اجتماعية وسياسية سابقة وراهنة ومن خيارات سياسية ذاتية. وسبق أن قمنا بتحليله وتشخيصه مرارا ولن نفعل ذلك مرة أخرى، ولكننا نود التذكير بعناصره قبل ان نتناول مستقبل النضال الفلسطيني.
أولا: الظرف الموضوعي والخلفية التاريخية
النضال الوطني الفلسطيني هو نتاج صراع بين السكان الأصليين العرب في فلسطين وحركة استعمارية استيطانية عرّفت وتعرف نفسها كحركة قومية، ولا ينفصل فيها الانتماء القومي عن الديني، وتمارس الاستيطان كعملية من بناء الأمة وإقامة الدولة وبناء المؤسسات. وقد اتخذ النضال الفلسطيني شكلا منظّما في سياقات تشكل وعي عربي يرفض تقسيم بلاد الشام. ووصلت قمتها التنظيمية في ستينات القرن الماضي بوجود مشروع عربي يتبنى حركة وطنية توّلدت عنها كيانية فلسطينية. ولم يقم فصيل فلسطيني واحد منذ عام 1936، ثم بعد النكبة في الخمسينات والستينات من القرن الماضي خارج هذا السياق. كان النضال الوطني الفلسطيني جزءا من الصراع العربي ضد إسرائيل، كمشروع احتلال استيطاني لأرض عربية.
 وقد اختلّت هذه المعادلة التي قامت على اعتبار قضية فلسطين قضية العرب عندما وصلت إلى الحكم في أكبر دولة عربية نخب سياسية عسكرية تبعتها فئات اقتصادية استنتجت من هزيمة عام 67، ومن نتائج حرب 73 غير المكتملة، ضرورة التسوية مع إسرائيل كجزء من الانتقال إلى المعسكر الأميركي اقتصاديا وسياسيا ( اقرأ التبعية!). لقد تطلب إنفاذ هذا القرار تحوّلات سياسية واجتماعية، وحتى ثقافية، كما تطلب عبور حواجز وروادع لا يمكن تجاوزها من دون تغيّر عميق في الشخصية الثقافية والسياسية وفي الفهم الذاتي للنخب الحاكمة. فمثلا، تشترط التسوية المنفردة مع اسرائيل على أساس حدود 4 حزيران 67 الافتراض أن قضية الدولة العربية الجانحة للسلم هي استعادة سيناء. عندها تبدو استعادتها نصرا، وحلا للقضية. والنصر كما هو معلوم أفضل من الهزيمة. والواقع ان إسرائيل احتفظت بها لغرض مقايضتها بالسلام والاعتراف، وان هذه الصفقة، وأصنافها على كافة الجبهات، هي في الواقع تحقيق للهدف الاسرائيلي من الحرب..
 وهذا يعني أن قضية فلسطين ليست قضيتها. كما يقود إلى كتابة تاريخ صراع هذه الدولة مع اسرائيل منذ 67، والكبت السياسي والثقافي والاقتصادي لما سبق حرب 67 وأسبابها. وإلا فكيف يمكن اقناع مجتمع أو شعب أو حتى جزء منه بالسلام وتبادل السفارات مع كيان استيطاني احتل جزءا من الوطن العربي واستوطنه؟ لا بد من إقناعه على الأقل أن قضيته ليست قضية فلسطين، وإنما قضية أراضي هذه الدولة التي احتُلت عام 67، وهذا يعني مسا ضمنيا بعروبته وبدأ عملية التشكيك بها، كما يعني أمرين آخرين: أن فلسطين قضية الفلسطينيين، وأن أي دولة عربية لم تُحتل لها أراض عام 67 ليس لها شأن هنا. وما شأن المغرب وموريتانيا والعراق بموجب هذا التفكير؟ شأنها هو عروبتها ذاتها. فهذه الدول ليست فلسطين، ولا احتلت أراضيها عام 67. سوف تطرح هذه التحولات لاحقا أسئلة كبرى متعلقة بالتطبيع مع إسرائيل وأسئلة كبرى متعلقة بهوية الدول وشعوبها، وأسئلة أخرى متعلقة بسلوك الدول العربية تجاه احتلالات اخرى في المنطقة.
 لقد تبلورت الهوية العربية الحديثة كهوية قومية ثقافية سياسية تطمح ان ترسي أساسا لبناء أمة من خلال تناقضات وتسويات محورها رفض تقسيم بلاد الشام في اتفاقيات سايكس-بيكو، والالتفاف حول فلسطين من المحيط إلى الخليج، ولاحقا حول تحرير الجزائر كقضية العرب جميعا، ومن خلال التمسك بعروبة أي بلد عربي في صراعه ضد الاستعمار. ولذلك يصعب حصر حجم اسقاطات وتداعيات خطوة توقيع دول عربية كبرى اتفاق سلام مع إسرائيل (من دون حل قضية فلسطين) على الهوية العربية في كافة المجتمعات العربية.
كان هذا خيار قيادات ونخب سياسية اقتصادية. ولكنه بعد أن خلق واقعا جديدا يتلخص بخروج مصر من الصراع العربي الإسرائيلي، تحوّل هذا الخيار الذاتي الذي اتخذته قيادة سياسية عربية إلى ظرف موضوعي بالنسبة للقيادات الفلسطينية. وكان بإمكان القيادة الفلسطينية أن تستنج من هذا الواقع المعطى الجديد خيارات مختلفة.
وما أجّل حسم هذه الخيارات لعقد كامل هو وجود معسكرين عالميين، ورفض أحدهما لسلام برعاية الآخر. فقد وفّر ذلك إمكانية تحالف مع الاتحاد السوفياتي ضد السلام المصري الإسرائيلي كسلام أمريكي ( باكس اميركانا، هو التعبير الذي استخدم في تقبيحه، بغض النظر عن عدالته). وانتهت المهلة مع انهيار منظومة الاتحاد السوفياتي، وتبعه تفكك النظام العربي الرسمي بشكله المعروف حتى تلك الفترة.
 فمع انهيار الاتحاد السوفياتي انهارت الجبهة العربية ضد الصلح المنفرد ( الصمود والتصدي)، وانهارت الروادع والكوابح عند من أيد خطوة السادات في مكنون نفسه كاتما تأييده خوفا أو خجلا. ففي العقد الواقع بين 1978-1979 و1988-1989 كان المعسكر الرافض للصلح المنفرد ما زال حيا يسنده معسكر عالمي. وكان مع بوادر وهنه يجهل دنوّ ساعته. ورافق انهيار المعسكر الاشتراكي تفكك النظام الرسمي العربي بعد حرب الكويت. ونجم عنهما انسداد السبل أمام الانتفاضة الأولى. وما الانتفاضة الأولى إلا شكل فريد للنضال الشعبي تم تأطيره والحفاظ على ديمومته في محاولة من قبل القيادة الفلسطينية والشعب الفلسطيني في الداخل أن يلتف على تهميش منظمة التحرير بعد عام 1982، وعلى انسداد الجبهات العربية كافة في وجه المقاومة الفلسطينية. لقد كانت الجبهة الوحيدة المفتوحة أمام المقاومة الفلسطينة منذ حرب 73 هي الجبهة اللبنانية وقد أغلقت هذه الجبهة بعد حرب عام 82. وبقيت جبهة الاحتكاك الرئيسية مع إسرائيل هي المناطق المحتلة عام 67، وسرعان ما تحولت الى ساحة المواجهة والصدام الرئيسية التي بحوزة القيادة الفلسطينية، وذلك ليس فقط في صراعها مع إسرائيل، بل في صراعها من أجل البقاء كقيادة معترف بها عربيا ودوليا.
ثانيا: أمام الخيارات التفاوضية
بعد حرب الكويت وانهيار المنظمة الاشتراكية وتفكك النظام العربي، ومعه الجبهة المعارضة للحل المنفرد، وبدأ المفاوضات العربية مع إسرائيل التي تحولت إلى مفاوضات منفردة في ما بات يسمى "مسارات" تخوضها "أطراف" ( من ضمنها "طرف" إسرائيلي) في "عملية السلام" لحل "أزمة الشرق الأوسط" (وغيرها من مساحيق مغسلة اللغة ومصبغة المصطلحات الصحفية ووكالات استيراد المصطلحات السياسية الأميركية في فهمنا لذاتنا وأفعالنا) ، وقفت القيادة الفلسطينية أمام ما بدا لها خيارين لا ثالث لهما: 1. الانقراض في المنفى في تونس بعيدا عن جبهات المواجهة وعن أماكن تجمع الشعب الفلسطيني في المناطق المحتلة والأردن ولبنان وسوريا، وبعيدا عن المفاوضات. 2. طرح رزمة مغرية لإسرائيل والولايات المتحدة عبر الوسيط الأوروبي ( أوسلو في هذه الحالة). وتتلخص الرزمة بتنازل القيادة الفلسطينية عن العناصر الرئيسية المكونة لقضية فلسطين وعن طابع وتاريخ ممارسة حركة التحرر، وذلك مقابل الاعتراف الأميركي الإسرائيلي ب م. ت. ف، وتأهيلها للانضواء تحت لواء الصلح المنفرد مع إسرائيل. ولكنه هذه المرة ليس صلح دولة عربية مع إسرائيل، بل هو صلح مع من بات يسمى  "صاحب القضية"؛ ذلك الذي "يستطيع أن يمنح إسرائيل الشرعية"، لأنه"الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني"، خلافا لقيادات من مناطق 67 جُمعت لتفاوض. وما كانت لتتجرأ على الذهاب إلى مدريد لولا الضوء الأخضر من م. ت. ف. لقد تحولت مقولة "الممثل الشرعي الوحيد" الى أداة مساومة. وتكمن قوتها في قدرتها على مقايضة الشرعية. فالممثل الشرعي صار يعني أنه القادر على فتح بوابة لإسرائيل لاكتساب الشرعية في المنطقة العربية وحتى في العالم الإسلامي.
 لقد كانت تلك القيادة مقتنعة أن جهازها البيروقراطي الباقي في تونس بعد حرب 1982 من دون النظام العربي ومن دون النظام الدولي القديم، وبعيدا عن تجمعات الشعب الفلسطيني سوف ينقرض عاجلا أو آجلا، إذا بقي مقصيا خارج صالونات الدبلوماسية. فقد أصرت الولايات المتحدة حتى أوسلو على التفاوض مع قيادة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة كاستمرار لنهج كامب ديفيد المصري الاسرائيلي الذي يرى في أراضي 67 هي المشكلة الوحيدة التي تحتاج إلى الحل كشرط للسلام، وعلى أساسها قامت معاهدة مدريد.
 ما رأيناه في حينه خيارا خاطئا وازدادت قناعتنا بفداحته عبر السنوات لم تره القيادة الفلسطينة كخيار أصلا. لقد كان بالنسبة لها ضرورة وجودية. والمقصود وجودها هي، واستمرارها كقيادة، وليس وجود الشعب الفلسطيني. وقد أثبتت الأحداث هذا الترابط العضوي بين وجودها وبين عملية التسوية، وكان التجلي الأوضح حين وُضِع حد لوجود رمز هذا الخيار الرئيس الشهيد ياسر عرفات عندما تعارض مع استمرار التسوية، لأنه أصر حتى اللحظة الأخيرة أن يستمر بالتفاوض مع الحفاظ على بعض الثوابت (ليس كلها)، ومن بينها القدس. كما حاول أن يلتف على التنسيق الأمني مع إسرائيل. وهو الأمر الذي اعتبرته اسرائيل، وما زالت تعتبره، وظيفة السلطة الرئيسية في الاتفاقيات.
وكانت المحاولة الاخيرة التي عشناها جميعا في الانتفاضة الثانية التي تعتبرها إسرائيل، خلافا لما يروّجه انصار التسوية حاليا، إحدى "حروبها" الأكثر شراسة حتى اليوم. وقد استقطبت بعدها الساحة الفسطينية، إذ استنتج منها مؤيدو التسوية ضرورة الاخلاص للتنسيق الأمني مع إسرائيل والرهان على المفاوضات وحدها وإقصاء كل خيار آخر. واستنتج منها مؤيدو المقاومة أن خيار التسوية يعني التنسيق الأمني مع الاحتلال لقطع رأس المقاومة، وحتى رؤوسهم كأفراد.
لماذا قمنا بهذا الاستعراض؟ ليس لنكرر تحليلا قمنا به في السابق. بل لنبيَّن لجيل الشباب أنه أمام المعطيات والوقائع التي يجب أن نقيّمها وندرسها بالعقل، هنالك خيارات وليس ضرورات فقط. والنضال خيار. لم يكن النضال بعد الانتفاضة الأولى خيار القيادة الفلسطينية، بل كان خيارها استثمار هذه الانتفاضة لإنقاذ نفسها في ظل المعطيات الدولية الجديدة. وذلك ليس لأن النضال يتعارض ومصالح الشعب الفلسطيني، بل لأنها وضعت استمرارها السياسي كقيادة فوق حقوق و مصالح الشعب الذي تمثل، ورهنا بالمعطيات الدولية.
 والدليل على أن هذا الخيار لم يكن الخيار الوحيد الممكن، أنه في نفس اللحظة التاريخية تولّدت خيارات مقاومة أخرى أنجبت قيادات أخرى. وبإمكاننا أن نتخيل ماذا لو قررت القيادة الفلسطينية في حينه استمرار النضال في الظروف الجديدة بوسائل جديدة في إطار يستوعب القوى الجديدة الناشئة على الساحة الفلسطينية والتي تتبنى خيار المقاومة. لا وجود لـ"لو" في التاريخ. ولكننا نوردنها فقط لكي لا تطمئِّنَ القلوبُ لضرورات هي في الواقع خيارات.
فكل ما نريد ان نوصله لعقل وقلب الشاب العربي والفلسطيني، أنه بعد التقييم العاقل والموضوعي للظروف، يأتي دور حرية الإرادة في صنع الخيارات. هذه الحرية هي شرط النضال. وهي شرط المعنى في حياة الشباب.
ثالثا: ماذا يعني النضال في هذه الظروف
لقد عمم في العقود الأخيرة على مستوى النظام العربي نموذج كامب ديفيد المصري، وذلك على مستوى الممارسة من خلال الاتفاقات الموقعة والمفاوضات (الجاري منها والمتوقف) وكان تعميم نموذج الصلح المنفرد على المسار الفلسطيني هو الأهم بعد السلام المصري مع اسرائيل. وهو الأكثر تشويها. فقد خضع لنموذج ميزان القوى بين دولتين (كما في حالة السلام المصري الإسرائيلي)، لكن من دون دولتين. لقد تم التنازل عن صيغة حركة التحرر الوطني في الصراع قبل أن تحقق الحركة أهدافها، وقبل حتى أن تُنشئ دولة على جزء من الأرض المحتلة على نمط التفكير المرحلي. لقد تخلت عن صيغة حركة التحرر، فخسرتها ولم تكسب الدولة. وكانت النتيجة سلطة فلسطينية مكلّفة بشؤون السكان، ومكلفة بالتنسيق مع الاحتلال أمنيا ضد النضال الفلسطيني، وتتحمل أعباء الاحتلال، ولكنها معتمدة على أذونه وترخيصاته وتأشيراته، وعلى رضاه السياسي والأمني، وعلى التمويل الأوروبي والأمريكي المشروط منذ الانتفاضة الثانية بحسن سلوك هذه القيادة وشعبها. لقد انتقلت القيادة التاريخية للشعب الفلسطيني إلى وضع الرهينة؛ رهينة الاحتلال. يمكنها أن تفاوض وأن تعلّق أن تفسّر، ولكنها لا تصنع خبرا، إنها رهينة من يصنع الخبر. وهي تحاول أن توسّع هامش ومساحة حركة الرهينة من دون أن تتجاوز السقف المفروض، فهي متجردة ذاتيا وموضوعيا من كافة الخيارات الأخرى.
والكارثة الكبرى ان فصائل منظمة التحرير التي عارضت الاتفاقيات، ولم تجد لها بديلا نضاليا أو حاضنة بديلة عن النظام الدولي الذي انهار، تآكلتها في البداية الجمعيات والمنظمات غير الحكومية في ايجاد مصادر عمل بديلة للمناضلين السابقين مأدلجة بشعارات مثل المجتمع المدني وغيره. ولكنها ما لبثت ان تحولت هي ذاتها الى ما يشبه الجمعيات غير الحكومية تمولها السلطة الفلسطينية، الممّولة بدورها من قل "الدول المانحة" و"الرباعية".
وكما تعمم نموذج كامب ديفيد على مستوى الدول، تعمم نموذج المنظمات غير الحكومية على مستوى الفصائل والأحزاب التي أصرت على البقاء في المجتمع السياسي الجديد الذي يسيطر عليه خطاب أميركي ولغة أميركية والمنشغل بلعبة واحدة هي "عملية السلام" تأييدا ونقدا، مديحا وذما… ونجا من هذه الصناعة من بقى في إطار المقاومة.
كان النضال الفلسطيني نضالا في إطار حركة التحرر. وكانت حركة التحرر محتضنة من قبل نظام عربي، كان في خطاب "تقدمييه" و"رجعييه" معارضا للاحتلال الأجنبي، أي احتلال. لقد منعت الأنظمة العربية المقاومة على حدودها منذ أن قررت انتهاء خيار الحرب، ومنذ أن انخرطت في عملية التفاوض مع إسرائيل، التي تسمى بإيجابية أحيانا "مسيرة السلام" على وزن "مسيرة النضال" أو "مسيرة التحرر". وانضمت إليها القيادة الفلسطينة التي أصبحت نظاما عربيا (أو ترغب أن تصبح). مذاك غابت صورة التحرر الوطني، وانقسم العرب إلى مناصري تسوية ومناصري مقاومة. وهي مفاهيم جديدة لم نعهدها. ومن نافل القول أننا لم نعهد قبول العالم العربي باحتلال بلد عربي، فبتنا نعهد تسليم النظام الرسمي العربي باحتلال فلسطين، ثم العراق، واعترافه بسلطات تحت الاحتلال.
 ولم نعهد في الماضي نضالا خارج إطار حركة التحرر فبتنا نعهده. كان للنضال قيم تعتبر المقاومة شرطا ضروريا، وكان يتجاوزه إلى مفاهيم تحررية أخرى لا تقتصر على مقاومة الأجنبي. واكتفت المرحلة بـ"مقاومات" يميّزها الاكتفاء بشرطها الضروري، وهو مقاومة الأجنبي.
وانسدت حدود الدول أمام المقاومة. فالدولة باتت تعني التسوية والتمسك بـ"عملية السلام". وتدبّرت المقاومة أمرّها في المناطق التي تنسحب منها الدولة أو تضعف، مثل ألا تكون دولة بل سلطة تحت الاحتلال، أو مثل ان تحتمي المقاومة بطائفة، بمجتمع مذهبي، حيث تضعف الدولة أمام الطوائف.
هنا يُطرح السؤال: هل هذا هو أفق النضال الذي نقدمه للأجيال القادمة؟ لا مكان، ولا مجال للاستخفاف بضرورة الوقوف مع المقاومة ضد الاحتلال، فهامش المناورة هنا ضيّق عند من لا زال يحمل قيم النضال والتحرر. ولا يمكن أن تكون مؤمنا بالحرية والعدالة الاجتماعية، ولا يمكن أن تكون وطنيا من دون أن تتخذ موقفا بين المقاومة والتعاون مع الاحتلال. وكلما اتسعت الهوة بين المقاومة وعدم المقاومة، بتحويل عدم المقاومة إلى فعل معاد للمقاومة، بالتنسيق مع الاحتلال مثلا، فإن هامش الخيارات يضيق بالنسبة لأي إنسان وطني. والوطنية ليست شعارا، أو روسما (كليشيها)، أو طرزة قديمة عفا عليها الزمن. الوطنية ليست تعصبا، ولا هي حركة ايديولوجية قومية. الوطنية هي الشرط اللازم لحياة مجتمع سوي، ومؤسسات شعب، واقتصاد طبيعي، وإنتاج ومنتجين، وتربية وتعليم، وقيم وأخلاق. في ظل الوطنية قد ننقسم إلى ديمقراطيين وليبراليين وأصوليين. ولكن من دون وطنية لا ننقسم تحت سقف يجمعنا، بل ننحل انحلالا. ونتحول إلى عصابات ذئاب وأيتام على موائد اللئام يحكم علاقتهم قانون الغاب، وتعبث بهم وبهويتهم وثقافتهم، وحتى تصوراتهم عن ذاتهم القوى الاستعمارية. من هنا، لا أفهم وطنية تحتار في الخيار بين المقاومة، مهما كان طابعها، وبين التنسيق الأمني مع الاحتلال. ولا أعرف وطنية لا يثيرها ولا يستفزها ولا يدفعها إلى الحسم تسليم شاب مناضل لقوات الاحتلال، مهما كانت دوافع هذا الشاب، ومهما كانت دوافع الذي سلّمه.
وعندما أراجع مع شباب هذا الوطن تاريخ فصل قضية فلسطين عن العرب لتصبح قضية الفلسطينيين، وعندما أراجع النتائج المترتبة على ذلك في الفرز بين قوى التسوية من جهة ومقاومة من دون حركة تحرر من جهة أخرى، فغالبا ما يذكّرني بعض الأخوة بما كتبته في الماضي: إن من لا يناضل من أجل حقوقه لا يُتوقع منه أن يناضل من أجل فلسطين. فهل تريد أن ننتظر تحرر العرب لكي نعود ونخلق جبهة عربية من أجل فلسطين؟ هل علينا أن ننتظر ان يناضل العرب لتغيير واقعهم في دولهم؟ هل هذا ما تعنيه باستعادة البعد العربي لقضية فلسطين؟
عندما كان العرب يُلامون بأنهم لا يخرجون للتظاهر من أجل فلسطين كنتُ أقولُ مدافعا إن الناس لا تحترف التظاهر، ومن لا يناضل من أجل قضاياه لا ينتظر منه أن يناضل من أجل فلسطين. والمقصود هو أن النضال من أجل فلسطين يتجاوز التضامن والتظاهر في المناسبات والأزمات، إذا كانت فلسطين قضية المجتمع، وإذا كان النضال جزء من مشروع نظام، أو جزء من مشروع معارضة، بحيث يتعلق برؤية مستقبل البلد ومستقبل العالم العربي. وخارج هذا السياق يكون الموقف مع فلسطين تضامنا صادقا ومهما، لكنه متقطع تنقصه الديمومة.
هل ننتظر إذا نشوء مشاريع عربية لأنظمة، أو مشاريع معارضات عربية؟ لا ليس هناك وقت للانتظار ولكن الخلاف بيننا ليس على الانتظار، بل على ماذا نفعل. هنالك من استنتج من عدم الانتظار الذهاب إلى التسوية حتى النهاية، بما في ذلك التنازل على الحقوق الثابتة غير القابلة للتصرف. فاشتدت دهشته حين وجد الاحتلال ليس متمسكا بثوابته فقط، بل يزداد تمسكا كلما تجرد هو من أسلحته ومن خياراته… حتى أصبح بوسع أي شاب فلسطيني أن يعدد الثوابت الاسرائيلية ويشخصها حتى في غابة التفاصيل التي يُشْغلوه بها:
-       رفض حق عودة اللاجئين الفلسطينيين.
-       التمسك بيهودية إسرائيل. وهي ليست يهودية مستجدة، بل هكذا أعلنت دولة إسرائيل منذ عام 48، وهكذا استمرت بالنظرية والممارسة.
-       وضع الاعتبارات الأمنية فوق أي اعتبار سلام. وضمن تفسيرات وتطبيقات هذه  الاعتبارات أن يكون أي كيان فلسطيني منزوع السلاح، وأن لا ينشأ تواصل بينه وبين الدول العربية من دون إذن إسرائيلي.
-       لا عودة إلى حدود 67 في الضفة الغربية.
-       الاحتفاظ بالسيادة الإسرائيلية على القدس.
-       الحفاظ على العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة بشكل يميّز هذه العلاقةكمّا ونوعا، سياسيا وثقافيا واقتصاديا، عن علاقات الولايات المتحدة مع الدول العربية المتحالفة معها.
قد يعني عدم الانتظار إذا الاندفاع بالتسوية. وقد يعني النضال ضد مظاهر الاحتلال اليومية، وضد التواطؤ معه، والنضال ضد تقديم تنازلات متعلقة بالحقوق الثابتة ، مهما اشتدت الظروف وتحوّلت الاعتبارات. والدافع هنا مبدئي. ولكن عمليا ايضا يمكن الاستمرار في النضال من دون استنزاف الشعب ووضعه أمام خيار التنازل كأنه ضرورة. وحتى من تبنى البراغماتية كإيديولوجية لا بد أن يلاحظ أن التنازل عن الحقوق الثابتة لم يُقابَل بتنازلات إسرائيلية تحقق للفلسطيننين حقوقا، بل تمت مقايضتها بتأمين حياة أكثر راحة تحت الاحتلال.
 وقد كنا في الماضي نطلق تسمية معينة على من يقايض الأهداف الوطنية بظروف حياة أفضل تحت الاحتلال، مثلما لم يكن تسليم معلومات للاحتلال عن مناضلين يسمى "تنسيقا أمنيا". لنتذكر كيف كان يوصف فرد او مجموعة تجتمع مع ضباط الاحتلال لمناقشة كيفية إحباط عملية فدائية، أو كيفية تسليم مطلوبين، أو لتبادل المعلومات عن مكان وجودهم. بالتأكيد ما كنا نصف ما يقومون به بعبارة "تنسيق أمني". أما حين تمارس ذلك قيادة مُمَأسسة، ومعترف بها دوليا، ولديها إمكانات فإن المصاب جلل رغم غسيل التسميات، لأنه في هذه الحالة يتم نخر المجتمع الفلسطيني، بنخبه ومثقفيه، بواقعية ليست واقعية، وثقافة استهلاكية لا تنجم عن الانتاج والنمو بل عن بيع الحقوق الوطنية والثقافة والتاريخ. جاء في القرآن الكريم "قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْفِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا" (الكهف 103-104)، وفي حالتنا، لا يحسبون أنهم يحسنون صنعا، بل يعرفون ماذا يفعلون. ولكنها مغسلة اللغة. وجاء على لسان السيد المسيح: "ماذا ينفع الإنسان لو كسب العالم كله وخسر نفسه؟" ونحن نطرح سؤالا أكثر تواضعا؛ ماذا ينفع الانسان لو ربح بضعة من ملاهٍ ومقاهٍ واكشاكٍ ومجمعات استهلاكية في ظل الاحتلال، وخسر مقابل ذلك ذاته كشعب؟ وكيف نكون فلسطينيين من دون فلسطين، هل نصبح ضفاويين وغزاويين ومقدسيين، أو نابلسيين وغزاويين؟ إن من بدأ التعامل مع المناطق المحتلة عام 67 كأنها هي فلسطين لم يتنازل عن التاريخ فقط بل تنازل عن حاضر الشتات وحاضر القدس وحاضر فلسطين التي احتلت عام 48، وتنازل لاحقا حتى عن الرابط بين الضفة الغربية وقطاع غزة. ومن يدري ماذا ينتظرنا؟ إنه نفس المنطق التفكيكي الذي بدأ بالتنازل عن عروبة الدولة العربية وانتهى بتفكيكها الى طوائف.
 المهام النضالية كثيرة إذا، وهي لا تتلخص أبدا في الانتظار.
 وهنا يُسأل السؤال: هل يتناقض النضال مع التفاوض؟ وهل يمكن تصور نضال بلا نهاية لا تتبعه مفاوضات؟
 لقد تخللت مراحل الاخيرة من نضال حركات التحرر في العالم جميعها محادثات سياسية ومفاوضات، بما فيها تلك التي انتهت بإنهاء الاحتلال كما في الجزائر، وبتفكيك النظام القائم، كما في جنوب أفريقيا. هذه ليست القضية. ومن يناقشها يختلق قضية وهمية. النضال يجري على كافة الجبهات والوسائل من الكفاح المسلح، وحتى النشاط الثقافي والتربوي والنقابي، والرأي العام الدولي، والرأي العام في دولة الاحتلال. النضال الوطني نضال شامل. وقد تتخلله هدنات وترافقه مفاوضات ومحادثات سياسية، وغير ذلك. المهم أن المفاوضات لا تُطرح كبديل للنضال قبل تحقيق الحقوق.
وعندما يُلقى سلاح النضال، ويتم التخلي عن استراتيجية النضال الشامل تغدو المفاوضات تفاوضا على الحقوق، وليس لإحقاق الحقوق. إن شرط المفاوضات النهائية مع أية قوة احتلالية هو اعتراف هذه القوى بنهاية الاحتلال، ورغبتها أن تجري النهاية بشكل منظم، وأن تتفاوض على كيفية إنهاء الاحتلال، أما المفاوضات الجارية بين السلطة وإسرائيل فلا تجري على تفكيك الصهيونية والاحتلال، بل على تفكيك التاريخ والجغرافيا الفلسطينية. وبذلك فإنها تقدم نموذجا حيا للتناقض بين النضال والتفاوض عند من تخلى عن النضال قبل تحقيق الأهداف.
 رابعا: أفق النضال الفلسطيني:
 لقد أصبح رفض الرأي العام الفلسطيني التنازل عن حقوق الشعب الفلسطيني شرط استعادة البعد العربي لقضية فلسطين حاليا، خاصة بعد أن تذرعت الأنظمة الرسمية العربية بمقولات مثل "الممثل المثل الشرعي والوحيد"، و"أهل مكة أدرى بشعابها"، و"لن نكون فلسطينيين أكثر من الفلسطيين". وهو شرط تفعيل حركة التضامن الدولي. وهذا ممكن. ولكن لا يمكن تحريك تفعيل التضامن مع من يحرجه التضامن، وتحرجه مقاطعة إسرائيل، ويعتبرهما تدخلا في المفاوضات وفي "علاقته الثنائية مع إسرائيل".
لا بد من التمسك بحقوق ثابتة غير قابلة للتصرف، مثل حق العودة، وزوال الاحتلال، وعروبة القدس، وغير ذلك لغرض استعادة هذا الأبعاد. وكلنا يعرف أن هذا التمسك يحبط التسوية، فإسرائيل لن تقبل بتسوية هذه شروطها. ومن هنا فعاجلا أم آجلا يجب أن يطرح أفق أوسع للنضال يمكن أن نعتبره عنوانا سياسيا جامعا لمئات المبادرات الفلسطينية المحلية التي قامت من دون إذن من أحد في مرحلة تهميش السلطة الفلسطينية ل م. ت. ف.. يجب أن تُجمع مئات المبادرات الشبابية والطلابية، واللجان المحلية في مختلف أماكن تواجد الشعب الفلسطيني، تحت سقف سياسي. وعنوانه رفض التنازل عن الحقوق الثابتة غير القابلة للتصرف، وأنه تعذّرَ التوصل إلى تسوية عادلة بين كيانين في دولتين. وما تطبيق نموذج الدولتين إلا هذه الحالة المشوهة المحققة حاليا على الأرض، مع تعديلات طفيفة في المستقبل في أفضل الحالات. والأفق الوحيد لأي تحرر يحمله جيلنا والجيل القادم هو أن يعيش السكان في فلسطين كلها كمواطنين متساوي الحقوق في دولة واحدة. ولكي يحصل ذلك يجب تقوم هذه الدولة على المواطنة الديمقراطية المتساوية، فتفكيك الصهيونية شرط لتحقيق المواطنة، وأن تنتمي فلسطين الديمقراطية هذه إلى حاضنة أكبر هي الوطن العربي…
وإن البديل لهذا الحل العادل على المدى البعيد هو ليس حل الدولتين،  فنحن نرى تطبيقه جاريا أمام أعيننا، وإنما أن يجري التعامل مع هذا الكيان من قبل شعوب المنطقة (خلافا لأنظمتها) كدولة صليبية جديدة تزول عاجلا أم آجلا. ومجرد التفكير بذلك يجعل حل الدولة الواحدة في فلسطين يبدو كما هو فعلا حلا عادلا، وليس شعارا متطرفا.

عملية صناعة القرارات….. ج1/2

نموذجٌ عمليّ لصناعة قراراتٍ أفضل في فريقك
وازن بين الكفاءة وبين المشاركة والتأييد

آندريا كورني
مدرّبة مخضرمة ومديرة لشركتها الاستشارية الخاصّة

 يرجع جزءٌ كبير من الإرباك والتوتّر في فرق العمل إلى عدم الوضوح في عملية صناعة القرارات. ولعلّ مصدر الغموض والحيرة الأكبر هو "القرارات الجماعية".
فهل يعني "القرار الجماعي" أن المدير يحتاج إلى طيفٍ واسعٍ من الآراء والنقاشات قبل اتخاذ القرار؟ أم تراه يعني أن القرار النهائي لن يتخذ قبل موافقة كل واحد من المشاركين؟
إن أياً من التوجّهين يمكن أن يكون فعالاً، والمشكلة الحقيقيّة تنشأ عندما تفتقر مجموعة صناعة القرار إلى المعرفة الواضحة بالتوجّه المطلوب فيها.
سيمضي كل واحدٍ في وضع افتراضاته الخاصة، وهيهات أن تتفق افتراضات أفراد المجموعة! وهذه الافتراضات أو التصوّرات المتخالفة ستجعل عملية صناعة القرار مضنيةً مؤلمةً في أحسن الأحوال، ومدمّرة لإنتاجية الفريق وكفاءته في أسوئها.
من بين الفرق الكثيرة التي اشتغلت معها لم أكد أرى فريقاً يخلو من مشكلات صناعة القرار، ولذلك فإنني أقدم في السطور التالية نموذجاً مبسّطاً لصناعة القرار يضمن اتباعه من قبل أفراد الفريق جميعاً بناءَ لغةٍ مشتركةٍ ومنظورٍ مشترك تساهم مساهمةً جوهريةً في تقليص الوقت والجهود المضيّعة في تقليب الآراء وتجاذب وجهات النظر على غير هدى.

القرار التحتيّ لبناء كلّ قرار: كيف نقرّر؟
يتكوّن القرار التحتيّ (أو القاعديّ) من ثلاثة أسئلة بسيطة ينبغي عليك كقائد للفريق أن تبيّن إجابتها بوضوح لأعضاء الفريق.
1- من صاحب القرار؟
ينبغي أن يكون هناك شخص واحدٌ مسؤولٌ عن صناعة القرار أو عن تيسير عمل المجموعة التي تصنع القرار، يتحمّل هذا الشخص مسؤولية الوصول بالقضية إلى نهاية جازمة. قد يكون هذا الشخص أنت قائد الفريق أو أحداً آخر تفوّضه، وعليك توصيل ذلك بوضوح لكل أعضاء الفريق.
2- من سيشارك في صناعة القرار أو في تقديم الرأي والمعلومات؟
قد تكون أنت صاحب القرار ولكن إن لم يكن لديك كل ما يلزم من خبرات أو معلومات فلا بدّ من مشاركة آخرين. يُقبل كثيرٌ من الناس على بذل ما لديهم من بصائر ومعارف ولكنّهم يريدون أيضاً من يطمئنهم ويخبرهم أنهم لا يضيّعون أوقاتهم في استعراض آراء لن يصغي إليها أحد. هنا أيضاً نرى التبيين الواضح للأمر ركناً من أركان النجاح.
3- من بين أنماط صناعة القرار الأربعة أي نمطٍ سيستخدم؟
يتناول هذا السؤال النقطة التي يحدث عندها معظم الاضطراب. إنّ تلقّي الآراء من أعضاء الفريق هو شيء آخر غير توكيل الفريق بصنع القرار، ولكنّ معظم القادة لا يبيّنون أيّ نهجٍ من هذين الاثنين يتبعون.

الأنماط الأربعة لصناعة القرار

اختيار وتفهّم نمط صناعة القرار مسبقاً هو الإجابة الجوهرية الأهمّ في مجموعة الأسئلة التي يتطلّبها القرار التحتيّ (قرار كيف سنصنع القرار) ومشاركة هذه اللغة بينك وبين أعضاء فريقك ستجعل رسم المطالب الواضحة أمراً ميسوراً.
أ- النمط الفردي
يقوم القائد بصنع القرار دون استشارة الآخرين. قد يطلب معطيات ومعلومات ولكنّه لا يطلب أفكار الآخرين الخاصة بتعريف المشكلة أو توليد الحلول.
ب- النمط الاستشاري
يتشارك القائد عرض المشكلة وتعريفها مع الآخرين فرادى أو جميعاً ويستدعي أفكارهم واقتراحاتهم، وبعدئذٍ يقوم بصنع القرار الذي لا يشترط تأثره بالاقتراحات المقدّمة.
ج- نمط الإجماع (أو التوافق)
يتشارك القائد عرض المشكلة وتعريفها مع فريقه ويقوم بإعداد وتنفيذ مناقشة جماعية. ثمّ تولّد المجموعة البدائل وتقيّمها وتحاول التوصّل إلى اتفاقٍ على قرار واحد.
د- نمط التفويض:
يحيل القائد المسألة إلى أحد أعضاء الفريق ويترك له اتخاذ القرار.

ماذا نعني بالإجماع؟

تتردّد كلمة الإجماع (أو التوافق) في كل حين بين كل المشاركين ولكنّها قليلاً ما تعني الشيء ذاته لدى كلّ منهم. وفي سياق نموذجنا هذا فإنّنا نقصد بالإجماع (أو التوافق): إيجاد طرحٍ يحقّق من القبول لدى كل الأطراف ما يكفي لتحقيق رضاهم عنه واكتساب تأييدهم له.
الإجماع (أو التوافق):
- ليس تصويت موافقة تامّة
- وليس الخيار أو الأولوية الأولى لدى كلٍّ من الحاضرين
- وليس تصويتَ موافقة بالأغلبية
- وليس محققاً للرضا التام لدى كل المشاركين
يتطلّب الإجماع:- وقتاً أكثر لصنع القرار (ولكن كثيراً ما يتطلب وقتاً اقلّ لتنفيذه)
- مشاركة فاعلة من كل أعضاء المجموعة
- مهاراتٍ في التواصل والإصغاء وحل النزاعات وحضور من ييسّر جريان نقاشِ شفّاف متفتّح
- تفكيراً إبداعياً
- رحابة صدر وعقل
- تخلّياً عن كثيرٍ من التفضيلات الشخصية وحظوظ الأنفس والمصالح وجعل تلبية احتياجات المؤسسة واحتياجات الآخرين موازيةً في أهميتها لتلبية المرء أهدافه واحتياجات نفسه.
يتطلّب صنع القرار بالإجماع (أو التوافق) وقتاً وجهداً أكثر من أيّ عملية أخرى ولا ينبغي اللجوء إليه إلاّ في المسائل المهمّة. لا تبدّد طاقة المجموعة وطاقتك على ما لا يستحقّها.

عوامل اختيار نمط صناعة القرار

يمكن لكلٍ من أنماط صنع القرار أن يكون ناجعاً في المواضع المختلفة. والقائد الفعّال هو الذي يمتلك مرونةَ استخدام كل الأنماط الأربعة ونفاذ البصيرة وحسن التقدير لاستشعار أوان كلٍ منها.
ليس هناك قواعد واضحة ثابتة تملي اختيار كل نمط وإنّما هناك عوامل تفيد مراعاتها فائدةً كبيرة في إضاءة المسار وانتقاء النمط الأنسب.
1- أهمّية القرار:
كم هو مهمٌ تحقيق درجةٍ رفيعةٍ من الجودة في القرار؟ إن كانت الجودة الرفيعة مطلباً حيوياً بالغ الأهمية فينبغي على القائد اللجوء إلى عمليةٍ صناعة قرار تستثمر في آنٍ واحد المعلومات المتاحة والتفكير التعاونيّ. وما لم يوجد شخصٌ تتوفّر لديه خبراتٌ استثنائية في موضوع القرار فإنّ نقاشات المجموعة ستقود في معظم الأحوال إلى قراراتٍ أفضل من القرارات الفرديّة.
2- تعقيد القرار:
كلّما ازداد تعقيد القرار ازدادت حاجة القائد إلى آخرين يشغّلون عقولهم معه. إنّ النظر إلى المسألة المعقّدة من زوايا مختلفة بعيونٍ مختلفة سوف يزيد زيادةً كبيرة ثقة القائد في عدم إغفاله أحد الجوانب المهمّة.
3- كفاية المعلومات والخبرة
هل تتوفر لديك المعلومات الكافية لتعريف المسألة وتوليد حلولها؟ وهل تعرف ما يلزمك من معلومات؟ هل تعرف من أين تحصل على هذه المعلومات؟ هل لديك خبرةٌ في هذا المجال؟ وفي فريقك، من لديه هذه الخبرة؟
إن لم يكن لدى القائد معلوماتُ كافية ولا خبرة وافية فعلى أيّ شيءٍ يعتمدُ قراره الفردي؟ إنّه يغامر مغامرةً خطرة!
4- تأييد القرار:
هل يتوقّف التنفيذ الناجح على موالاة الفريق للقرار؟ هل يمكن أن يتقبلوا قراراً فردياً؟
مع ازدياد الحاجة إلى التزام واندفاع الآخرين في التنفيذ تتصاعد الحاجة إلى إشراكهم في صنع القرار. وجدير بالتذكير هنا أنّ المشاركة في صنع القرار لا تعني صنعه بالتوافق حتماً، فمجرّد التشاور يفي بالغرض في بعض الأحيان.
وإلى جانب ضمان التأييد فإنّ الفائدة الأخرى للمشاركة في صنع القرار هي أنّ التحديات والعراقيل المصادفة إبان التنفيذ سيتمّ اكتشافها ومعالجتها بسرعة قبل أن تستفحل وتصبح مشكلاتٍ صعبة المعالجة.
عزيزي القارئ: ما كل القرارات بيدنا وسعة الصفحات تحكمنا! مع الجزء الباقي من هذه المقالة نتابع في العدد القادم بقية عوامل انتقاء القائد نمط صناعة القرار، ونبيّن المواضع المحتملة لكل نمط. ونختتم ببيان بعض المشكلات في صناعة القرار مع أعضاء الفريق، وبيان خطواتٍ عمليةٍ في تطبيق النموذج الذي تعرضه هذه المقالة. فإلى لقاء بإذنه تعالى.
==============================================
منقول عن مجلة إبداع    http://ebdaa.ws/mainart.jsp?ArtID=2080

الدولة.. وظيفة ورسالة... طارق سويدان

الدولة بمؤسساتها المختلفة، ممثلة برئيسها، أو أميرها، أو خليفتها، أو إمامها الأعظم ذات وظائف كثيرة وذات رسالة واضحة، لا تتمتع الدولة بمصداقيتها الشرعية إلا بأدائها والقيام بها حق القيام، ومن بين هذه الوظائف:
(1) حفظ الدين على أصوله التي جاء بها الكتاب والسنة، وأجمع عليها سلف هذه الأمة، بحيث إذا زاغ ذو شبهة، أو نجم مبتدع أخذ على يديه إن استمر على زيغانه، أو أصر على بدعته بعد أن أقيمت عليه الحجة، ووضحت له المحجّة.
(2) حفظ الأخلاق العامة، واحترام الأعراف الرائدة، وتنمية روح الفضيلة، وتنمية المظاهر الراقية في المجتمع، ومنع الأخلاق الفوضوية، والشذوذات المشينة والعادات والأعراف السيئة، والمنكرات الحادثة والمستوردة.
(3) تنفيذ أحكام الله تعالى المتعلقة بالمعاملات المالية والمدنية، والأحوال الشخصية، والجنايات وغيرها.
(4) نشر الطمأنينة والأمن في البلاد، وتحقيق المصالح المختلفة وحمايتها، من اقتصادية واجتماعية، وثقافية، ورعاية المنافع العامة في الأمة.
(5) إقامة العدالة بين الناس، ورعايتهم جميعاً بالسوية، من غير اعتبار لأية قرابات، وطبقات، ومحسوبيات، عملاً بقول الله تعالى: (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) النساء:58. وقوله تعالى: (ولا يجرمنكم شنئان قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) المائدة:8. وحذراً من قوله: (وأما الفاسقون فكانوا لجهنم حطباً) الجن:15. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن المقسطين عند الله على منابر من نور، الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم وما ولوا" رواه مسلم. وقال: "أشد الناس عذاباً يوم القيامة إمام جائر" رواه أبو يعلى. وقال: "ما من أمير عشرة إلا وهو يؤتى به يوم القيامة، مغلولاً حتى يفكه عدله، أو يوبقه الجور". رواه البزار والبيهقي.
(6) تولية الصالحين، وتوظيف الأكفاء، واستعمال الشرفاء الغيورين على مصالح الأمة، وإقصاء الفاسدين، وأصحاب الأغراض، والضعفاء والعاجزين عن حمل المسؤولية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرّمه الله على الجنة" رواه البخاري. وأي غش للأمة أعظم من أن يتولى زمام أمورها الفاسدون ويحكّم في مصالحها العابثون، والمستهترون. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس يحدث القوم إذ جاء أعرابي، فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله يحدث، فقال بعض القوم: سمع ما قال، فكره ما قال. وقال بعضهم: بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه، قال: "أين السائل عن الساعة؟". قال: ها أنا يا رسول الله، قال: "إذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة". قال: كيف إضاعتها؟ قال: "إذا وسّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة". رواه البخاري. وعن أبي موسى الأشعري قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم أنا ورجلان من بني عمّي، فقال أحدهما: يا رسول الله أمّرنا على بعض ما ولاّك الله عز وجل، وقال الآخر مثل ذلك، فقال رسول الله: "إنا والله لا نولّي هذا العمل أحداً سأله، أو أحداً حرص عليه" رواه البخاري ومسلم. وقد حذّر رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك المتساهلين في حقوق أعمالهم ووظائفهم، والمفرطين في واجباتهم، فقال: "إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة". رواه البخاري. وقال لأبي ذر حين قال للنبي ألا تستعملني؟ : "يا أبا ذر، إنك لضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدّى الذي عليه فيها". رواه مسلم. لذلك كان على الرئيس، أو الأمير، أن يراقب عماله، وأن يسائلهم، ويحقق معهم، إذا ارتاب بأحد منهم. عن أبي حميد الساعدي قال: استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأزد على صدقات بني سُليم يدعى ابن الأتبيَّة فلما جاء حاسبه، قال: هذا مالكم، وهذا هدّية، فقال رسول الله: "فهلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقاً" ثم خطبنا، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد، فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله، فيأتي، فيقول: هذا مالكم، وهذا هدية أهديت لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقاً، والله لا يأخذ أحد منكم منها شيئاً بغير حقه إلا لقي الله تعالى بحمله يوم القيامة"، ثم رفع يديه حتى رُؤي بياض إبطيه، ثم قال: "اللهم هل بلغت؟" رواه مسلم. وقال: "من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطاً فما فوقه كان غلولاً يأتي به يوم القيامة" رواه مسلم.
(7) تأمين حرية المواطنين، ورعاية الكرامة الإنسانية، وهذا من واجبات الدولة، وعلى رأسها رئيسها، فالإنسان مكرم، وقد خلق الله الناس أحراراً، فليس من حق أحد أن يهينهم، أو يهدر كرامتهم، أو يصادر حرياتهم المشروعة، قال الله تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً) الإسراء:70. وقد أباح الدين للإنسان أن يفكر، وأن يعبر عما في نفسه، وأن يتعلم، ويعلم، ويبيع ويشتري، ويشارك، ويعاقد، ويفعل ما يحلو له إذا كان ذلك ضمن القانون والخلق، والصالح العام، وعلى الدولة أن تهيئ لكل فرد هذه المجالات وتدعه يبدع في كل هذه الميادين من غير حدود، ولا مضايقة ولا إكراه ولا مراقبة. وقد أمر الله عز وجل نبيه المصطفى أن يعرف للناس حقوقهم، فلا يحول دون الناس ومصالحهم الشرعية، ولا يطرد شخصاً لهوى أحد من الناس، فقال: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين) الأنعام:52. وقال له: (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) يونس:99. وقال: (وما أنت عليهم بجبار) ق:45. وقال: (إن عليك إلا البلاغ) الشورى:48. وليس شيء أضر على الوطن والمواطنين من إهدار كرامات الناس ومصادرة حرياتهم المشروعة، فإنهم يومئذ يكرهون الحكم والحاكمين، وتمتلئ صدورهم بالغل والأحقاد، وتسود الفرقة وتذبل المواهب، وينصدع كيان الأمة، وتذهب مواهبها وطاقاتها، فعلى الدولة أن تدرك ذلك، وتعمل على رأب الصفوف، وتوفير دواعي المحبة بين الناس، وبين الحاكم والمحكوم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم". رواه مسلم.
(8) تحصين الحدود والثغور بالعدة الكافية، والقوة المانعة، وتحقيق كل ما يلزم لحماية الوطن، وحفظ استقلاله، قال تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ورباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم) الأنفال:60.
إن الدولة إذا قامت بهذه الواجبات في داخل حدودها وأمنت للوطن والمواطن حقوقه، وكرامته، وحريته، كان لزاماً على الناس أن يلبوا طاعة أولي الأمر، ويجرّدوا السنان والحسام لمناصرتهم، والدفاع عنهم، والدعوة لهم، قال الله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) النساء:59. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي رأسه زبيبة" رواه البخاري. وقال: "من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له". رواه مسلم.
أما رسالة الدولة فإنما هي بعد أداء وظائفها المذكورة، فإنما هي الدعوة إلى الله عز وجل بالحكمة والموعظة الحسنة، والجهاد في سبيل ذلك بما تقدر عليه من الوسائل، والأدوات، وعلى الدولة بمؤسساتها أن تقوم بهذا الواجب عن طريق علمائها، وبعثاتها، وإذاعاتها، وفضائياتها، ومكاتبها، وكل الوسائل المتاحة إليها، وهي المكلفة بالدرجة الأولى، ومسؤولة عن هذا الواجب العظيم. وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته) المائدة:67.