السبت، 7 أبريل 2012

حلم من أجل الوطـن…………عبد المنعم أبو الفتوح

 

حين خرجت من (السجن) عام 2000 بعد خمس سنوات من الانقطاع عن الدنيا والحركة والناس كان يطوف بخاطرى مشاهد تلو مشاهد يمتد مداها بطول الوطن وعرضه وتتسع جوانبها لتمتد فى بعد التاريخ وعمقه مستحضرة فى مشهد حيرة المصريين بعد خروج الحملة الفرنسية 1801م، والتى أسفرت عن الاختيار الشعبى لمحمد على 1805م ثم انكساره فى 1840م. ومشهد آخر لعرابى وهو على جواده عام 1882م مذكرا الخديو توفيق ان المصريين لن يستعبدوا بعد اليوم.. ومشهد آخر لعودة سعد زغلول ورفاقه من المنفى عام 1923م يلاحقه مشهد النحاس، وهو يصيح صيحته الشهيرة عن معاهدة 1936.

يراوحه مشهد حسن البنا عام 1948، وهو يجرى متشبثا بسيارة الترحيلات التى تقل اخوانه وتلاميذه قائلا: اعتقلونى قبلهم أنا مرشدهم.

ثم مشهد آخر لدبابات الجيش فى الشوارع والناس تهتف لها عام 1952م ثم المشهد الشهير لتأميم القناة يلامسه مشهد ضباطنا العائدين عام 67 ومشهد جنودنا، وهم يصعدون الساتر الترابى عام 73..

كانت هذه المشاهد تتوالى، وتتوالى وتزداد تكثيفا وبروزا فى وعيى وخاطرى يوما بعد يوم.. وكانت الحيرة تحوطنى من كل جانب بين ظروف حركية غير مواتية وواقع سياسى متحجر وفاسد.. وأمام العين شعب يسير فى الشوارع والطرقات لا يدرى من أمر حاضره ولا مستقبله شيئا. وكنت كأنى أسمع أنينهم المكتوم فى صدورهم يغلى كغلى الرصاص.. كان الأمل يتشبث بى كما يتشبث الطفل بأبيه لا يعرف غيره.. وكان بيت الشعر الشهير للشاعر العربى: أعلل النفس بالآمال أرقبها.. ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل.. يرن فى أذنى وأظل أردد.. لولا فسحة الأمل.. لولا فسحة الأمل.. إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون والعياذ بالله. 

●●●

حتى شاء الله العلى القدير وانفسحت فرجة الأمل، وكان 25 يناير وكان التحرير.. وأطلت المشاهد السابقة برءوسها كلها من جديد.. وبت أنظر إلى الناس فى الشوارع والطرقات.. الناس هم الناس لكن الوجوه غيرالوجوه والعيون غير العيون.. هناك شىء عميق تغير فى هؤلاء الناس.. لقد أصبحوا أحرارا.. ما عادت كوابيس الاستبداد تضغط على صدورهم وأنفاسهم.. لقد أشرقت عليهم إشراقات الحرية.. حقهم فى أن يكونوا بشرا أحرار الإرادة والاختيار.. ولم يبقَ إلا واجبات ذلك الحق. وسواء طالت إرهاقات ما بعد الحرية ام قصرت.. ستأتى تلك الواجبات.. أعرف المصريين كما أعرف نفسى.

حين تنفسنا هذا الهواء بات من حقنا أن يكون لنا حلم.. نرويه بندى هذا الصباح الذى طالت لياليه كأنها الدهر كله.. ونهدهده بتلك الخواطر التى ذكرتها قبلا والتى ما تلبث إلا أن تتراءى أمام أعيننا فى حشود متتالية كأنها تصرخ فينا أنا أيام مجدكم الذى طال فيه انتظاركم.. فهل أعددتم له عدته وهيأتم له قوته؟ 
  • نحلم للوطن بالإنسان المصرى الأبى الذى يعرف واجباته كما يعرف حقوقه لا يخشى إلا خالقه وبينه وبين الدنيا من حوله الاخلاق والقانون.. وأن الدين الخلق فمن زاد عنك فى الخلق زاد عنك فى الدين.. ومن نقص عنك فى الخلق نقص عنك فى الدين.
  • نحلم للوطن بمدرسة فى كل قرية ونجع وكفر يتربى فيها الإنسان قبل أن يتعلم.. فيعرف ربه ويعرف نفسه ويعرف وطنه ويعرف الدنيا وكل ما تقتضيه هذه المعرفة.
  • نحلم للوطن بالإنسان السليم النظيف.. سليم البدن والتفكير نظيف اليد والضمير.
  •  نحلم للوطن بأن يكون قبلة السياح فى العالم أجمع.. وكيف لا وشمسه لا تغيب وفى مدنه ثلث آثار العالم أجمع.
  •  نحلم للوطن باقتصاد صلب القواعد والأسس يقوم على سواعد أبنائه زراعة وصناعة وعلى عقول أبنائه بحثا واستكشافا، وعلى نشاطهم تجارة وسياحة وبناء وعمرانا.
  •  نحلم للوطن بأن يكون تاج الشرق قوة وعزة ومنعة. لا يهتز حجر فى الإقليم والمنطقة إلا وعين مصر ترعاه وتهديه.
  •  نحلم للوطن بأن يكون منارة للحضارة الإنسانية.. وها هو أزهره الشريف حصن الوسطية وحافظ الشريعة، وها هى مكتبة الإسكندرية حصن العلم ونبع الفكر على مدى التاريخ.
  •  نحلم للوطن بعمران فضائه فى سيناء والوادى والواحات. فيمتلئ بالشجر والبشر.
  •  نحلم للوطن بوحدته الطبيعية.. فيبنى مسلموه الكنائس ويبنى أقباطه المساجد.. وفى المدرسة والجيش يجمعهم وجه الوطن نيلا ونخيلا وشعبا عظيما نبيلا.
  •  نحلم للوطن بسلطة قوية تخضع لمجتمع قوى.. ملىء بالمؤسسات والجمعيات والروابط والنقابات والمجالس.
●●●

حين استخرت الله وتوكلت عليه فتقدمت لانتخابات الرئاسة كى أكون مرشحا لعموم المصريين.. كنت أعلم أن هناك رابطا روحيا بينى وبين جموع الناس لا أعرفه تحديدا ولكنى كنت أتنفسه ملء صدرى، وأشعر به فى جنبات ضميرى.. وصدق حدسى وكانت فرحتى فرحتين.. فرحة بهذا التصديق وفرحة أخرى بهذه الجموع من الشباب الذين تطوعوا للعمل معا فى مشروع (مصر القوية).. الذى نحمله فى أحضاننا وفوق رءوسنا.. ناذرين له العمر كله والجهد كله وكل ما تستطيعه أكفنا وعقولنا. 
  • على أن نهضتنا فى هذا المشروع العظيم (مصر القوية) إنما تكون بأيادى كل أبنائه وعقول كل رجاله ونسائه.
  • ففى الأحزاب سيجد المشروع امتداده وصداه وفى الجمعيات والهيئات سيجد المشروع بُناته ومداه.
  • مدرسة الإخوان المسلمين حصن الإصلاح الكبير وقلعة التربيه العميقة.. حزب الوفد والأحزاب الليبرالية الجديدة مدرسة الحريات والنخب الوطنية الرفيعة. أحزاب اليسار رايات العدالة الاجتماعية والتقارب الوطنى.
كل هذه الصروح والكيانات أيادينا فى أياديها ننسج معا حلمًا من أجل الوطن.. حلم (مصر القوية).. وما هو إلا يسير إن شاء الله حتى يكون الحلم حقيقة.. (والله غالب على أمره).

الخميس، 5 أبريل 2012

عبد المنعم ابو الفتوح كما أعرفه…….. ايمن عابد

بدأت معرفتى بالدكتور عبد المنعم ابو الفتوح منذ اكثر من 25 عاما وكنت ساعتها طالبا بالجامعة وكان يسكن معنا فى مصر القديمة فى شارع محمد الصغير وكنا نزوره فى بيته وبعض اخوانى نتعلم منه امور دعوتنا وبعد تخرجى وانهاء الخدمة العسكرية طلب منى الاخ الحبيب الاستاذ احمد اشرف ان اذهب لاقابل الدكتور بمكتبه بنقابة الاطباء وفعلا ذهبت فطلب منى الدكتور ان اعمل معه بالامانة العامة بالنقابة ومن ساعتها الى يومنا هذا لم افارقه الا قليلا حدث هذا عام 89 وكل يوم يزداد حبى وتقديرى للرجل فلم ارى منه ما يعيبه بل على العكس تماما ازداد يوما بعد يوم اكبارا وتقديرا له. واحب اليوم ان ابدأ واسجل بعض المواقف المضيئة فى تاريخ الرجل كما عاصرتها وعاصرها غيرى ممن عملوا معه وعايشوه.

صاحب الإحياء الثاني لجماعة الاخوان
كان لدخوله كلية الطب والتزامه الاسلامى العام وحبه الشديد للدعوة الاسلامية ما دعاه واخوانه الى انشاء الجماعة الاسلامية التى تحول معظم اعضاؤها بعد ذلك الى الاخوان المسلمين بعد تعرفهم على فكر هذه الجماعة المباركة وهذا التحول كان سببا فى الاحياء الثانى لجماعة الاخوان المسلمين ومن يومها لم يهدأ الرجل او يستريح يوما فى سبيل نشر دعوته فى داخل مصر او خارجها وكان هو بمثابة الاخ الاكبر لجميع اخوانه فى هذه المرحلة سواء من كانوا فى مثل سنه او اكبر منه ويدين الآلاف من الاخوان المسلمين بهذا الفضل بعد الله عز وجل للدكتور عبد المنعم الذى اخذ بيدهم الى هذا الطريق .

جهوده الدعويه وزهده
بعد تخرجه من الجامعة وحرمانه من التعيين فيها بسبب مواقفه الدعوية والسياسية وانتمائه للاخوان عمل طبيبا للاطفال ورفض رفضا قاطعا ان يتفرغ للدعوة براتب وهو العرض الذى تلقاه من بعض اخوانه الكبار فى مكتب الارشاد وفضل ان يعمل فى المستشفى نهارا ويعمل لدعوته ليلا وهو فى ذلك يواصل العمل ليلا نهارا ويجوب محافظات مصر لايعرف طعم الراحة ويجد سعادته فى شقائه.
وحكى لى الاخ الراحل الحبيب محمد على من قرية مزغونة كيف كان يذهب اليهم راكبا على موتوسيكل صغير له يلف به القرى والنجوع ناصحا ومعلما وفاتحا للشعب الادارية للاخوان وكان احيانا يركب خلفه الراحل الكريم الاستاذ مصطفى مشهور رحمه الله وهكذا قضى سنوات حياته الاولى بعد تخرجه داعيا الى الله يجوب القرى والنجوع لاتشغله تجارة ولا مال ولا عمل خاص عن دعوته.
ويتزوج فى شقة صغيرة فى احد الاحياء الفقيرة زوجته الطبيبة علياء خليل بنت لواء الشرطة محمود خليل ويحكى لى ان حماه جاء ليزوره ويبارك لهما فى اول زواجه فلا يجد فى شقة الزوجية شيئا من متاع الدنيا الا القليل بل لم يجد ما يجلس عليه الا حصيرة فى الارض ولان اللواء كان رجلا صالحا فلم يتكلم الا بكلمة واحدة اللهم املأ هذا البيت بركة ويستجيب الله لدعائه بعد ذلك فيملأ بالبنين والبنات والخير الكبير .

تأسيسه للعمل النقابي ولجنة الاغاثة الانسانية بنقابة أطباء مصر
كان لدخوله بعد ذلك نقابة الاطباء وكانت النقابات فى ذلك الوقت عبارة عن خرابات يعشش فيها العنكبوت لايذهب اليها احد الا اصحاب المعاشات يبحثون عن معاشاتهم واخبرنى ان ختم نقابة الاطباء كان مع عم عبده الساعى فلا يذهب احد من اعضاء المجلس الى النقابة ولا يوجد موظفون الا قليل يتغيبون اكثر مما يحضرون فتحولت النقابة بل كل النقابات بعد ذلك الى خلايا نحل والى كيانات اقتصادية واجتماعية ضخمة فبعد ان كانت ميزانية النقابة بضعة آلاف تتحول فى سنوات الى عدة ملايين.

وتتوالى الانشطة من مشروع علاج الى تكافل الى رحلات الى مواقف قومية وسياسية قوية وكان انشاء لجنة الاغاثة الانسانية فى نقابة الاطباء هو بداية عمل انسانى ضخم داخل وخارج مصربداية من احداث افغانستان مرورا بالبوسنة والهرسك ثم فلسطين وباكستان وغيرها وغيرها كل هذا والرجل يسافر ويجوب العالم كله من ادناه الى اقصاه يحمل هموم الضعفاء والارامل والجرحى والمنكوبين فكانت زياراته المتكررة الى افغانستان وباكستان والبوسنة ولاننسى زيارته لاخوانه الفلسطينين المبعدين الى مرج الزهور بلبنان مع الراحل الحبيب الدكتور الملط رحمه الله فى الوقت الذى يسافر غيره خارج مصر طلبا للمال او سعيا للرزق (ليس هذا عيبا ولاحراما).

ومع ذلك كله لا ينشغبل عن عمله الدعوى من خلال عضويته بمكتب الارشاد وكان مشرفا على قسمى العمال والمهنيين وقسم الاشبال يزور محافظات مصر وكنت اصحبه فى بعض هذه الزيارات فنعود من سفر طويل لاحدى المحافظات فى الساعة الواحدة او الثاينة صباحا ويقول لى نتقابل غدا فى السادسة صباحا فى مكتبى بالجمعية الطبية الاسلامية وكان مديرا عاما لمستشفياتها لان لدينا اجتماعا فأقول فى نفسى متى ينام هذا الرجل ألا يرتاح قليلا ويتركنا نرتاح واحيانا كنت من شدة التعب اتخلف عن موعدى معه فى الصباح الباكر فيتصل بى بلمسة الاب الحنون معتذرا ويقول لى لقد ارهقتك معى وانا من شدة خجلى لا ادرى ما اقول له وانا اصغر منه بحوالى 15 عاما.
واذكر انه كان فى احيان كثيرة يعود من سفر طويل خارج مصر فيأتى من المطار مباشرة الى مكتبه بنقابة الاطباء دون ان يذهب الى بيته ليرى زوجته وابنائه مع ان بيته بجوار المطار فى مدينة نصر لان لديه اجتماعا او يحب ان يطمئن على مشروع او عمل ما تكرر هذا كثيرا مع ان عمله فى نقابة الاطباء او اتحاد الاطباء العرب بعد ذلك هو عمل تطوعى لايأخذ عليه اجرا ولا مكافأة الا من الله عز وجل .

تطويره لاتحاد الأطباء العرب وإنشاء لجنة الإغاثة والطوارئ
بعد انتهاء فترته الثانية كأمين عام لنقابة الاطباء ولا يحق له الترشح مرة ثانيا تفرغ للعمل كأمين عام مساعد لاتحاد الاطباء العرب وطلب منى ان انقل ملفى الوظيفى من نقابة الاطباء الى اتحاد الاطباء العرب لاكون معه وكانت النقلة الكبيرة لاتحاد الاطباء الذى لايسمع عنه احد ولايعرفه الا القليل فيتحول اتحاد الاطباء الى مؤسسة عالمية ضخمة تعمل لصالح اعضائها فى المقام الاول.
ثم كان انشاء لجنة الاغاثة والطوارئ التى كان لى شرف المشاركة بفضل الله فى انشائها لتتحول بعد ذلك الى كيان ضخم تتجاوز ميزانيته السنوية 100 مليون جنيه من تبرعات الاطباء والمصريين الذين يثقون فى عبد المنعم ابو الفتوح وما يفعله من خدمة للانسانية على مستوى العالم اجمع ومرة ثانية نزور عدة بلدان منكوبة فنذهب الى باكستان بعد الزلزال الشهير عام 2004 ثم نذهب الى جنوب لبنان فى حرب عام 2006 ويصر الدكتور الا يترك مكانا منكوبا الا ويزوره بنفسه يشرف على العمل الاغاثى ويواسى المنكوبين ثم تأتى حرب غزة فيذهب ويجلس اياما فى رفح على الحدود ينتظر الدخول الى القطاع ليقدم اى شئ للجرح والمصابين عام 2009 ولايهدأ له بال حتى يسمح بدخول الاطباء والادوية لعلاج المصابين وهكذا فى ليبيا وفى الصومال.
وتتوالى الاعمال داخل مصر والقوافل الطبية لجميع المحافظات ثم المشروع الضخم مركز مكافحة العمى الذى يجوب مصر وافريقيا يعالج مرضى الرمد ويعيد الابصار لفاقدى البصر والمحرومين من نعمة الابصار .

الجانب الانسانى فى حياة ابو الفتوح
وهو الجانب الذى يلمسه كل من عمل معه او اقترب منه فالرجل لاتفوته صغيرة ولا شاردة فى الحياة الانسانية لكل من حوله يسأل عنا وعن اسرنا واحوالنا يجامل بتلقائية وببساطة شديدة يتزوج سائقه منذ عدة شهور فيصر ان نذهب يوم الصباحية وكأنه واحد من افراد الاسرة حاملا معه ما يقتضيه الموقف ومهنئا لاهل العروسين والقرية تبعد كثيرا عن القاهرة ويبلغنى يوما ان احجز له تذكرة سفر الى الدوحة على ان يعود فى اليوم التالى مباشرة فقلت له لم هذا التعب وماذا ستفعل يقول لى ان ابنة فلان وهو احد كبار الاخوان توجد مشكلة بينها وبين زوجها وهما فى الغربة وابوها فى حالة قلق شديد وغم ولابد من الاصلاح بين الزوجين وفعلا يسافر ويعود مسرورا من الدوحة فقد انتهت المشكلة على خير وتستمر الحياة الزوجية بدلا من الانفصال .

بلاؤه وصبره
بلاؤه وصبره على الاذى بنفس راضية فقد اعتقل عام 81 ثم محاكمة عسكرية عام 95 ويحبس لمدة 5 سنوات ثم قضية ثالثة بتهمة التنظيم الدولى كل هذا وهو صابر محتسب لايخرجه هذا عن اعتداله بل يلاقى كل هذا باخلاق المؤمن الصابر المحتسب وهو يعرف ان هذا طبيعة الطريق الذى اختاره لنفسه ازوره فى سجنه فأجد وكأنى انا المسجون يسألنى عن احوالى واسرتى وعن عملى فى اتحاد الاطباء العرب وعن رأيه فى القرار الفلانى ويذاكر وهو فى السجن دبلوم ادارة المستشفيات ثم ليسانس الحقوق حتى لايضيع جزء من وقته هباء .

حفظ الله له
ولقد لمست هذا فى اكثر من موقف وكأن رعاية الله تحوطه من كل مكان فكنا ذات مرة ذاهبين الى وادى النطرون لنزور الاخوان هناك وانا اقود السيارةبسرعة كبيرة على طريق الاسكندرية الصحراوى وفجأة ينفجر الاطار الخلفى وتدور السيارة حول نفسها عدة مرات بسرعة كبيرة واذا به يمد يده بسرعة ويغلق الموتور ويمسك معى عجلة القيادة ويردد الحمد لله الحمد لله الى ان تستقر السيارة تماما فى الصحراء ثم يجلس معى على الارض لنغير اطار السيارة ويرفض ان اتولى القيادة بعد ذلك حتى تهدأ اعصابى تماما ويحاول ان يخفف عنى اثر الحادث وهكذا كنت ارى عناية الله له وحفظه فى مواقف كثيرة اذكر مرة اننا كنا نعود من سفر طويل واقود السيارة ليلا وهو نائم الى جوارى فيستيقظ فجأة ويقول لى احترس فى هذه المنطقة يوجد مطب كبير ثم يواصل نومه وكأن شيئا لم يكن .

صدقه وشفافيته ووضوحه الشديد
فلا يوجد لديه رأى مستتر ولا رأى معلن فالذى بداخله هو الذى يعلنه وهو ما يسبب له المشاكل سواء مع اخوانه او الآخرين اتذكر مرة جائنا فى اتحاد الاطباء عائدا من اجتماع مكتب الارشاد وهو غاضب غضبا شديدا وكان ذلك بعد محاولة اغتيال حسنى مبارك فى اديس ابابا وكان اجتماع مكتب الارشاد يناقش البيان الذى تصدره الجماعة مستنكرا محاولة الاغتيال ومهنئا الرئيس بسلامة العودة وقد صدر البيان بالفعل اما سبب غضب الدكتور لان احد اعضاء الاجتماع قال فى اثناء مناقشة البيان وبعد كتابته ياريته غار فى داهية قاصدا حسنى مبارك فانفعل الدكتور وقال اذا كان هذا هو ما بداخلك فلماذا لانكتبه فى البيان فكيف نكتب شيئا نحن لا نؤمن به فنحن لا ننافق احدا.
وهكذا فى كل مواقفه يحب ان يكون ما يعلن هو ما يؤمن به وهو صادق مع نفسه متسق مع افكاره ومواقفه العديدة فى ترشح القبطى والمرأة لمنصب رئيس الجمهورية وموقفه بشأن هيكلة الجماعة وضبط ماليتها وغيرها كثير من المواقف التى يعلنها ولايخشى فى الله لومة لائم وهو لايجيد عقد الصفقات والملائمات والاجندات الخفية فالرجل واضح كل الوضوح فى جميع مواقفه السياسية والعملية .

أخيرا
اذن هذا هو العملاق ابو الفتوح القوى الامين صاحب الكفاءة والاخلاص والصدق وهب حياته لدعوته فلم ينشغل بتأسيس الشركات انما انشغل ببناء الافراد ولم يضيع وقته فى فتح الحسابات بالبنوك وانما فتح قلوب العباد وحببهم فى دينهم ودعوتهم ولم تلهيه تجارة ولا مال عن طريقه التى اختارها لنفسه من اول يوم يرضى ان يعيش على الكفاف وهو الكفء لو اراد ان يتفرغ للطب لكان فيه عملاقا يكتسب منه الملايين او اراد ان يتفرغ للتجارة لصار الآن واحدا من كبار رجال الاعمال ولكنه آثر ان يتفرغ لدعوته ولخدمة مجتمعه وامته فعوضه الله بحب الملايين داخل وخارج مصر وهو ما لمسته بنفسى فى سفرياتى معه حول العالم يشتاق اخوانه اليه ويقابلوه بحب لم ارى مثيله فى الدنيا كلها ثم هو اخيرا الرجل الذى يجتمع عليه الصغير والكبير ومن كل التيارات السياسية بل ومن كل النحل والملل لا اراه يغضب احدا رغم مواقفه الواضحة والصريحة .

الأخطاء السبعة فى تشكيل الجمعية العمومية……..معتز بالله عبد الفتاح


 أعتقد أن الخطأ الأول هو فهم معنى كلمة «أغلبية» لدرجة أننى تيقنت أننى ينبغى أن أبحث عن وسيلة أخرى لتوصيل أفكارى المتواضعة للسياسيين سواء من الأقلية أو الأغلبية، لأنهم يبدو وكأنهم لا يقرأون لضيق الوقت، أو أن القراءة وحدها لا تكفى فلا بد من الإلحاح. وقد سبق أن ذكرت مرارا وتكرارا أن الأغلبية لا تعنى إلغاء الآخر وإنما تعنى مسئولية أكبر فى استيعابه وضربت أمثلة متعددة من دول شتى على أمل أن نرشد سلوكنا السياسى.

الخطأ الثانى، وهو منبثق عن الخطأ الأول، فى الخلط بين ما هو مقبول قانونا وما هو مقبول أخلاقا، وما هو مقبول سياسيا. فمن حقى أن أقود سياراتى، قانونا، بالسرعة المحددة، ولكن هناك اعتبارات على الطريق تجعلنى أختار أن أقف لمساعدة محتاج أو أن أراعى موازين القوى بينى وبين سيارة أصغر أو أكبر بجوارى، حتى يصل الإنسان إلى بر الأمان.

الخطأ الثالث، وقعت فيه الجمعية العمومية للأعضاء المنتخبين لمجلسى الشعب والشورى حين نحت جانبا منطق الدولة لصالح منطق الأيديولوجيا. هناك مؤسسات للدولة فى مصر أرسلت ترشيحاتها للجمعية التأسيسية، فاختار أغلب الأعضاء أشخاصا آخرين محسوبين على نفس المؤسسات ولكن من خارج الأسماء التى رشحتها هذه المؤسسات وكأننى أبحث عن أشخاص لهم خواص أيديولوجية معينة داخل كل مؤسسة.

الخطأ الرابع، هو الخلط بين منطق الأغلبية فى صناعة تشريع أو صياغة لائحة وبين منطق الأغلبية فى صياغة دستور؛ ففى الحالة الأولى، القضية جزئية مرتبطة بقانون واحد ربما تقتصر أهميته على قطاع معين من المجتمع، أما الحالة الثانية فهى صناعة خريطة طريق للمستقبل بعد ثورة تم فيها ضرب النظام القائم آنذاك فى مقتل لأنه استخف بمن كان يعتبرهم أقلية. لذا فما هو مقبول فى التشريعات ليس مقبولا فى الدساتير.

الخطأ الخامس، هو افتراض البعض من أن الأغلبية معها الحق مهما أخطأت وأن الأقلية على باطل مهما أصابت. وهو منطق استبدادى بامتياز. والعودة إلى الجلسة التى تم فيها التصويت لانتخاب المائة تكشف كثيرا من الخلل فى طريقة إدارتها بدءا من التعجل فى إنهاء كل الإجراءات فى يوم واحد، وكأنه من المنطقى أن نغلق باب الترشح يوم الأربعاء وننتخب المائة من بين 2000 اسم مرشح يوم السبت دون معايير محددة سلفا أو سير ذاتية أو احترام لرغبات القائمين على مؤسسات الدولة سواء من الأزهر أو الكنيسة أو الوزارات المختلفة.

الخطأ السادس، هو غياب قرون الاستشعار السياسية لدى الأغلبية على نحو يجعلها غير قادرة على أن تدرك المزالق قبل الوقوع فيها، وتتحسب لنتائج أفعالها قبل الإقدام عليها. الأغلبية حديثة عهد بأن تكون فى مقعد القيادة البرلمانية، وهذا مفهوم، ولكن قيادة الأمم وصناعة الدول تحتاج «مذاكرة» و«تتلمذ» على يد من نجحوا فيها بدءا من النبى صلى الله عليه وسلم وكيف أنشأ دولة المدينة بدستورها الراقى وكيف دخل فى تحالفات ومعاهدات كى يوحد أنصاره خلفه ويأمن شرور أعدائه، وهو ما لم يكن بعيدا عن عبقرية ماديسون وغاندى ونيلسون ماندلا ومهاتير محمد.

الخطأ السابع، سترتكبه الأغلبية إن لم تعد تشكيل الجمعية التأسيسية وتعلن التزامها بمرجعية وثيقة الأزهر التى وافقت عليها كل القوى السياسية والدينية فى مصر والتى تعتبر ملخصا ضافيا لجهود كثيرة بذلت فى تلك الفترة.

إذن والحال كذلك، ومع كل هذه الأخطاء، وبدون نجاح الجهد الصادق الذى يبذله كثيرون أتشرف بالعمل معهم لإصلاحها، فسيكون استمرارى الشخصى فى هذه الجمعية صعبا للغاية.

الأربعاء، 4 أبريل 2012

سؤالان وتعليقان عن ترشح م/ خيرت الشاطر….. إبراهيم الهضيبي

 نقطتان قبل الموضوع:


  • أولاهما أن محل النظر هو قرار ترشح المهندس خيرت الشاطر لا شخصه، وإلا فهو محل احترام وتقدير، 
  • وثانيتهما أني لست من القائلين بأن تراجع الجماعة عن إعلانها السابق هو كذب، وأعتبر ذلك - نظريا- من حقها، لأني أؤمن بأن كل فصيل سياسي من حقه أن يراجع مواقفه في ضوء المستجدات طالما قدم تبريرا معقولا لهذه المراجعة. 

إلى الموضوع:
وهو مطروح للجميع، غير أن المعني به بشكل أخص من ينوى انتخاب المهندس خيرت الشاطر- خاصة من الإخوان والحرية والعدالة- فأرجو أن يجد إجابة لهذين السؤالين، وأن يتفكر في هذين التعليقين، إذ ربما يتكشف له بذلك بعض ما يعينه على رؤية الصورة الكاملة، وسأسعد بتعليقات من لديه رد على هاتين النقطتين. 
السؤال الأول:
حكم رد اعتبار المهندس خيرت الشاطر صدر يوم 15 مارس الماضي، يعني في ظل الكلام عن ترشيحه للرئاسة من قبل الجماعة، وغني عن البيان أن المهندس خيرت كان مظلوما في القضية، وبالتالي فهو لا يحتاج عندي ولا عند أي منصف لرد اعتبار، وإنما هو أهل للتقدير لما قدمه من تضحيات لفكرته، على أنه - مع ذلك - كان يحتاج قانونا لهذا الحكم برد الاعتبار ليتمكن من الترشح، والحكم صادر عن القضاء العسكري، وصدوره في هذا التوقيت يتركنا أمام احتمالات.
أ:
أن القضاء العسكري مستقل، أصدر قراره العادل بعيدا عن تأثير المجلس العسكري، وهو احتمال لا أظن أن هناك من يقول به من الإخوان أو من خارجهم، وكلنا يعرف كيف أن القضاء العسكري استخدم قبل الثورة وبعدها للتنكيل بالخصوم السياسيين للنظام.
ب :
أن القرار صدر على غير إرادة المجلس العسكري، أي أنه أراد أن يصدر قرارا بخلاف الذي صدر ثم لم يتمكن من ذلك، أو ووجه بضغوط منعته، أو غير ذلك، وهو أيضا قول مستبعد عندي، لأن سيطرة المجلس العسكري على القضاء العسكري هي سيطرة كاملة، ولو أنه ووجه بضغوط لإصدار حكم عادل منعته من إصدار حكم ظالم لتمكن بسهولة من تأجيل النطق بالحكم لما بعد غلق باب الترشح، ووقتها لم يكن سيواجه بنقد من الشارع، لأن الجماعة لم تكن قد قررت وقتها بشكل نهائي ترشيحه، ولأن القضاء العسكري لم يكن سيتهم بإصدار حكم ظالم.
ج:
أن يكون القرار صدر بناء على موافقة ورغبة المجلس العسكري، وهو المترجح عندي، لأن البدائل الأخرى كما سبق غير متصورة عادة، بالتالي فإن السؤال هو: لماذا وافق المجلس العسكري على إصدار حكم رد اعتبار المهندس خيرت الشاطر في وقت يسمح له بتقديم أوراقه للترشح للرئاسة؟ ثمة كلام يقال عن أن ذلك كان جزءا من اتفاق كان بين الجماعة والعسكر بأن يصدر القرار على أن تدعم الجماعة منصور حسن، وهو عندي منقوض من جهات: 

- أولها أن أي عاقل يعرف أن الجماعة لم تكن تستطيع دعم منصور حسن، لأن ذلك كان سيمثل شرخا كبيرا داخل قواعدها أن تتجه لدعم مرشح محسوب على السادات، بعيد عن التيار الإسلامي، وسنه كبيرة، وبعيد عن الثورة. 

- وثانيها أن هذا الأمر لو صح فهو يعني أن الجماعة نقضت العهد بأن لم ترشحه وهو ما يحتاج لتفسير من قيادات الجماعة. 

- وثالثها أن الكلام يفترض سذاجة مفرطة في العمل السياسي بحيث يقبل المجلس العسكري بإصدار الحكم هكذا بلا أي ضمانات، وبناء على (كلام رجالة) و(وعد شرف) من الجماعة بأن تدعم منصور حسن، وهو مستبعد عندي على الأقل. 

السؤال الثاني: 

ساقت الجماعة في تبريرها قرار ترشيح الشاطر مبررات عدة، من المخاطر التي تواجهها الثورة، والخوف من ذيول النظام، وتزوير الانتخابات، وعدم رغبة العسكر في تسليم السلطة، وكل هذه تصلح مبررات قوية لعدم وقوف الجماعة على الحياد، ولدعمها مرشح بعينه، ولكن أين هو مبرر أن تقدم الجماعة مرشحها في الانتخابات؟ 

الحقيقة في تقديري أن هذه المبررات تصلح للتدليل على خطأ قرار الجماعة، فالسعي للحفاظ على الثورة، واسترداد سيادة الشعب، يستوجب العمل مع القوى الأخرى لا العمل المنفرد، ولعل ما كتبه الأستاذ فهمي هويدي في مقاله أمس عن هذه المسألة، وعن توقع رفض القوى الأخرى التعاون مع الإخوان بعد قرارهم التنافس على كل شيء بدلا من توسيع الرقعة المشتركة يغني عن الإضافة في هذه النقطة.

التعليق الأول

 في مايو من العام الماضي فصلت الجماعة الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح لأنه خالف قرارها وقرر الترشح للرئاسة، ثم هي اليوم تقدم مرشحا للرئاسة، فقد رأى من سنة ما لم يروه إلا الأن، وطوال تلك السنة توجهت سهام نقدهم إليه، لا بالنقد فحسب، وإنما بالكثير من الإساءة، قليل منها جاء في الكلام العلني المنشور، وأكثرها جاء فيما تم تداوله داخل التنظيم، من باب الصد عنه، وفيه إساءات تصل للاتهامات المرسلة التي لم يقم عليها لا دليل ولا قرينة.
ثم لما ذهبت الجماعة إلى قريب مما ذهب إليه (كان قراره أن يكون المرشح غير تابع تنظيميا للإخوان، وأن يستقيل من الجماعة، وقال أنه سيستقيل حال ترشحه) لم تعتذر إليه، ولم تعتبر أنه كان أبعد رؤية، ولم تقم بأي درجة من درجات النقد الذاتي. 

التعليق الثاني:

الناصحون للجماعة من غير أبنائها، والذين استندت الجماعة لآرائهم، ودافعوا عنها وقتما كان ذلك مكلفا، ولم يبخلوا بوقت أو جهد للنصيحة كلما طلب منهم ذلك، يبدو موقفهم متحدا في رفض قرار الجماعة ترشيح المهندس خيرت، ومن هؤلاء الأستاذ الدكتور القرضاوي الذي بدأ بإعلان تأييده لأبو الفتوح، ثم لما علم أن الجماعة تفكر في تزكية مرشح كتب لهم خطابا مفتوحا يطلب منهم عدم الإقدام على هذه الخطوة، ومنهم الأستاذ فهمي هويدي الذي عبر عن تحفظه الشديد على القرار في مقاله أمس، ومنهم الدكتور العوا (وإن كانت شهادته الآن مجروحة لأنه صار خصما سياسيا، مع كامل الاحترام والتقدير له) وقد قال كلاما مهما في مداخلة مع عمرو أديب قبل يومين، ومنهم المستشار طارق البشري وحسب علمي فله مقال في هذا الأمر سينشر قريبا، ومنهم على المستوى الأكاديمي الدكتورة نادية مصطفى والدكتور سيف الدين عبد الفتاح والدكتورة هبة رؤوف والدكتور عماد الدين شاهين (كلهم انضم للفريق الرئاسي والاستشاري لحملة الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، وهو أبلغ من أي قول في هذا المقام)، وهؤلاء ليس مأثورا عنهم عداء الجماعة، أو الخوف منها، أو أي موقف سلبي تجاهها.

 فانحياز التنظيميون وحدهم لهذا القرار، ونقد غيرهم من أهل الفكر والرأي المستقلين وحتى القريبين جدا من الجماعة له يوجب بعض النظر والتأمل.
ملحوظة: تعمدت هنا قصر التعليق على القرار، لا على ما بعده من مناقشات لا بد منها لاحقا، كماقشة البرنامج، وأهلية الشخص للمنصب، وعلاقة رجال السلطة برجال المال، ورجال الدولة برجال الأعمال وتأثير ذلك على مستقبل الوطن وعلاقته بالثورة، وغيرها من القضايا التي أراها جديرة بالنظر والتأمل، ورأيت الاكتفاء بهذه في تلك المرحلة، والله تعالى يوفق من يشاء لما يحب ويرضى.

الثلاثاء، 3 أبريل 2012

الحركة الإسلامية وعوائق فى طريق النقد الذاتي وتقييم المسارات - د.محمد بريك


 مما قد يمنع أبناء الحركة الإسلامية من تقييم المسارات بموضوعية والتعامل بتسامح مع وجهات النظر المخالفة أمران:
الأول - هو تغلب العقلية التجييشية أوالإحمائية - كما سماها عمر عبيد حسنة - على النسيج التربوي والحركي الإسلامي في تيار الصحوة (من التجييش للمعركة وشعارات الحماسة وشيطنة الخصم)
 والثاني - الخلط أحيانا بين النموذج الإسلامي المعصوم والمقاربة البشرية في فهمه وتنزيله. وتصور أن التجربة التاريخية والمعاصرة لأي جماعة إسلامية صوابا دائما هو خلل أصولي وتربوي وحركي:
خلل أصولي لأنه لايُفترض الصواب المطلق إلا في المقطوع به.
 وخلل تربوي لأنه تزكية للذات الفردية والجماعية - بالمعنى السلبي ويغيب عنها عرف القسط (كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين).
 وخلل حركي لأن الحركة التي يغيب عنها عرف النقد والمراجعة تقع في الجحر مائة مرة.
  وتغلب العقلية (التجييشية) تلك على أي حركة كفيل بتخريبها. صحيح أن الحركة - خاصة إذا كانت حركة مقاومة - تحتاج لمثل هؤلاء للشحن العاطفي في لحظات الصراع فالجندي في ساحة المعركة وتحت دفقات الرصاص من الترف أن يبحث في المقايسات الاستراتيجية ومراجعات المسار، ولكن القائد على المستوى الاستراتيجي وحتى التكتيكي لابد أن يفعل، بل حتى الجندي لابد أن يحتك بقدر ما بالأمر وخلاصاته بعد انتهاء المعركة لتنضبط بوصلته النضالية. ولكن مثل هذه العقليات لابد أن تنحى تماما عن مواطن التوجيه التربوي ،والقيادة من باب أولى ، وإلا صار مسار الحركة كارثيا.

مثال لافت ..
 حين كنت أعمل رسالتي للماجستير عن الأداء الاستراتيجي في الحرب غير المتماثلة - أي الحرب بين حركة مقاومة وجيش نظامي - دراسة حالة حزب الله وإسرائيل..وجدت شيئا طريفا في حزب الله.. الكوادر العملياتية كان عندها خبرة تكتيكية ممتازة ويضاف عليها طاقة شحن عاطفي واستشهادي هائلة، ولكنها كانت بعيدة تماما عن أي نظر نقدي وتجريبي على مستوى الاستراتيجيا أو السياسة وكانت شديدة التصلب أيديولوجيا، وكان عندها نظرة تقديسية للقيادة سواء على مستوى الحزب أو إيران، وتصور مبالغ فيه للقدرة الذاتية لدرجة أن أحدهم كان يتحدث بيقين أنه سيدخل القدس في الحرب المقبلة - الحديث كان في 2008 ..

المهم - أن الكوادر الاستراتيجية والسياسية كان بعضها - وليس كلها - شديدة الاختلاف بشكل مبهر.. لدرجة أن الحديث أحيانا كان يتطرق إلى احتمال بيع إيران للحزب في تسوية مقبلة - لو سمع أحد المجيشين هذا الكلام لكفّر قائله فورا إذ كيف يمكن أن يبيع الحزب نائب الإمام المهدي؟! ، وأن الحرب المقبلة لها مسارات ونثريات شديدة التركيب وموازين القوى وفرص توظيفها استراتيجيا ليست على نسق واحد.. كان هذا يفسر سر أداء الحزب في حرب 2006 ، ولكنه كان علامة كذلك على تغول تدريجي في البعد التجييشي الذي لابد وأن يخترق القيادة ويدفعها في لحظات بعينها إلى مواقف خرقاء - نبهت عليها في رسالتي - ومواقف أكثر طائفية كما حدث في أحداث 2008، وكما حدث في الثورة السورية.

مفاجأة الدفع بالشاطر لسباق الرئاسة…… جمال سلطان


 قبل حوالى ثلاثة أسابيع جمعتنى جلسة مع المهندس خيرت الشاطر نائب المرشد العام لجماعة الإخوان، والمرشح "المفاجئ" لرئاسة الجمهورية، وكان أحد أهم ما ذكر فى الجلسة هو طرح إحدى الجهات الإسلامية لاسمه أو اسم المستشار البشرى كمرشح لرئاسة الجمهورية، فما كان من الرجل الوقور إلا أن رفض ذلك بصرامة وقال: أنا لا أصلح لهذا المنصب، كما أكد أن البشرى لن يقبل مثل هذا العرض لأسباب ذكرها فى المجلس، وكرر هذا الكلام أكثر من مرة خلال الحديث، ولذلك شعرت بعظم المفاجأة عندما أعلن الإخوان أول أمس عن ترشيح الشاطر لرئاسة الجمهورية بعد تسريبات سابقة قالت إن الجماعة تتجه نحو دعم "عبد المنعم أبو الفتوح" لرأب الصدع مع قواعدها والخروج من مأزق غياب البديل من الخارج، وخطورة الدفع بمرشح للجماعة بعد أن أكدت مرتين فى بيانين رسميين أنها لن ترشح أحدًا من أبنائها لهذا المنصب.
التبريرات التى قدمتها الجماعة لتراجعها عن وعدها والتزامها العلنى لم تكن موفقة ولا مقنعة: 
  • فالقول بأن هناك متغيرات كلام يمكن أن "نمسح" به كل إخلاف للوعد فى أى موقف حتى تصبح فكرة "الوعد" غير ذات معنى من حيث الأساس،
  • وأما القول بأن الدفع بمرشح للرئاسة أتى بعد التهديد بحل البرلمان والتعنت فى تشكيل حكومة ائتلافية، وهو دفع صحيح فى جوهره، ولكنه لا يعطى مبررًا لأن تنقض وعدك وعهدك، وكان يمكن أن يكون الجواب عليه أصح لو أن الجماعة قررت دعم أى من المرشحين الإسلاميين الأوفر حظًا، وخاصة كل من أبو الفتوح وأبو إسماعيل، وكلاهما من أبناء الجماعة فى الأساس، كما أن المشروع، الذى يتقدم به الاثنان ليس مشروعًا علمانيًا مثلا، وإنما هو المشروع الإسلامى بصيغ حديثة تتفهم تغير الواقع والزمان، واختلاف جوانب الالتزام بمنهجية إسلامية بين الاثنين كانت تعطى الجماعة فرصة أوسع لاختيار أحدهما بما يتراءى لها أنه يعبر عن المنهج الإسلامى أكثر، أما أن تتجاهل الاثنين وتتجاهل كل تعهداتها لتقول إن الثورة فى خطر إن لم يترشح عضو بالإخوان فهذا كلام لن يقنع أحدًا، لا داخل التيار الإسلامى ـ بما فى ذلك قواعد الجماعةـ ولا خارج التيار الإسلامى.
فى تقديرى أن "دوافع" الجماعة لهذا الموقف المثير للغاية تتصل بموقف عناد غير سياسى، ويمثل خطورة على الجماعة ذاتها ومجازفة لم يكن لها ما يبررها، فالشاطر قيادة تنظيمية وإدارية واقتصادية جيدة داخل الجماعة، لكنه لا يملك الكاريزما الشعبية التى يملكها غيره من المرشحين الإسلاميين لمنصب رئيس مصر والمصريين، وخاصة "أبو إسماعيل"، والمؤكد ـ بوجه القطع ـ أن الثانى سيحقق نتائج أكبر بكثير من الشاطر فى حصاد التصويت.

كما أن أصوات الجماعة ومحبيها ستتفتت بين الشاطر وأبو الفتوح لأن هناك قناعة واسعة فى الجماعة بخطأ الدفع بالشاطر فى هذه اللحظة، وإذا تأملنا نتيجة التصويت فى مجلس الشورى العام على ترشيح الشاطر، والتى تقاربت تقريبا بين الموافقين والرافضين (56 ـ 52) فإنه يمكن لأى مراقب أن يدرك أن هناك انقسامًا أوسع سيكون بين قواعد الجماعة، بل ربما زادت فرص أبو الفتوح بعد هذا الموقف لأن قطاعًا كبيرًا سيزداد تعاطفه معه بسبب الإحساس بأنه يتعرض لمطاردة وتضييق ظالمين لا مبرر لهما، وأما رهان الجماعة على أن جناحًا فى حزب النور السلفى سوف يدعم ترشح الشاطر للهروب من أزمة البحث عن بديل "إسلامى" لأبو إسماعيل الذى يتحفظون عليه، فهو رهان غير مثمر، لأن القاعدة الأوسع من الصف السلفى بمرجعياته الدعوية ترمى بكل ثقلها نحو "أبو إسماعيل" قولا واحدًا.

الناتج الأسوأ الذى يمكن أن يسفر عنه الدفع المفاجئ بالشاطر هو تفتيت أصوات الإسلاميين بصورة حادة، وهو ما يعطى فرصة أكبر "للفلول" ورجال النظام السابق فى الفوز، وهو ما يسمح بطرح التساؤل عن "الحساب" الحقيقى وراء صدور هذا القرار الذى أتصور أن الجماعة قد تندم على اتخاذه طويلا.

الاثنين، 2 أبريل 2012

بين الرشد والتيه في تطبيقات الشورى المعاصرة ! - خصائص الشورى وضوابطها (3) - د.يحيى نعيم

 الشورى ليست توقيفية

من الخصائص المميزة للشريعة الإسلامية والتي تمنحها القدرة على مواكبة المستجدات, ومرونة التكيف والتزاوج مع الواقع على اختلاف الزمان والمكان, هو أنها لم تأت في جوانب الأخلاق والمعاملات بأحكام ثابتة تفصيلية لا تقبل التغيير أو التطوير, وإنما جاءت بتوجيهات ومبادئ وضوابط عامة, وتركت لأتباعها الاجتهاد في تطبيق هذه الأحكام بما يحقق المقاصد المرجوة.

وتعتبر الشورى واحدة من هذه المبادئ والأحكام, التي وجهت الشريعة الإسلامية لضرورة تطبيقها, دون أن تتطرق لكيفيات وتفاصيل الممارسة, فهي ليست توقيفية كأحكام العقائد والعبادات, وإنما هي من المعاملات التي مُنحت فيها الأمة والجماعة المسلمة حرية الاجتهاد في تطبيقها, بما يتناسب مع معطيات الواقع "بيئة العمل" ومتغيرات الزمان, شريطة أن تلتزم في ذلك بالمبادئ والضوابط العامة التي وضعتها الشريعة و تستضيء بالتوجيهات النبوية في الممارسة بحكم ما للسنة والسيرة من معيارية خالدة في فهم وتنزيل الأحكام.

الشورى مبدأ اجتماعي وليست نظرية سياسية وحسب:
وفي توضيح ذلك يقول الأستاذ الشهيد سيد قطب -رحمه الله-في تفسيره لقوله تعالى (والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون) "..والتعبير يجعل أمرهم كله شورى، لصبغ الحياة كلها بهذه الصبغة، وهو نص مكي قبل قيام الدولة الإسلامية, فهذا الطابع إذن أعم وأشمل من الدولة في حياة المسلمين, إنه طابع الجماعة الإسلامية في كل حالاتها، ولو كانت الدولة بمعناها الخاص لم تقم بعد. والواقع أن الدولة في الإسلام ليست سوى إفراز طبيعي للجماعة وخصائصها الذاتية، والجماعة تتضمن الدولة، تنهض وإياها بتحقيق المنهج الإسلامي وهيمنته على الحياة الفردية والجماعية. ومن ثم كان طابع الشورى في الجماعة مبكرا، وكان مدلوله أوسع وأعمق من محيط الدولة وشئون الحكم فيها، إنه طابع ذاتي للحياة الإسلامية، وسمة مميزة للجماعة المختارة لقيادة البشرية، بل هي من ألزم صفات القيادة)
ونحن إذا ما تأملنا في هذا الممارسة النبوية للمبدأ, لوجدنا أن جاءت لتؤكد على ذات المعني, حيث لم تقتصر على الاستشارة في شئون الحكم والحرب, وإنما امتدت لتشمل كل ما يتعلق بأحوال الجماعة المسلمة ومصالحها, بل وحتى فيما يتعلق بأحواله هو صلى الله عليه وسلم الشخصية, على نحو ما كان منه مثلاً في حادثة الإفك, من استشارة الإمام علي وأسامة بن زيد رضي الله عنهما في شأن أم المؤمنين عائشة.

الضـوابـط الحاكمـة للشـورى
1- أن تدور في فلك الشريعة الإسلامية وأحكامها ومبادئها:
حيث أن الشورى في حقيقتها هي مبدأ إسلامي أصيل, ومنهج شرعي وجهت إليه النصوص القرآنية, لتنظيم الحياة الاجتماعية وشئون الدولة في الأمة المسلمة. وبالتالي فمن الواجب والطبيعي أن تلتزم تطبيقات الشورى بمبادئ الشريعة ومقاصدها, وتخضع لضوابطها الأخلاقية الثابتة.
وفي ذلك يقول الدكتور توفيق الشاوي -رحمه الله- (إن الشريعة الإسلامية وأصولها يجب أن تكون هي محور الحوار القياس, الذي تختبر عليه الأدلة والحجج والمبررات التي تُعرض على بساط البحث, وتكون مناط النقاش والسجال, وهي بذلك تهيمن على ساحة الشورى ومراحلها ونتائجها, وبهذا وحده تكون الشورى شرعية)
ويضيف في موضع آخر (إن ميزة الشورى هي إشعار من يصدرون قراراً في أمر من الأمور, أنه يجب عليهم ديانة أن يثبتوا لأمتهم أن أساس ترجيحهم له هو أنهم يرونه اقرب للعدالة التي فرضها الإسلام, وأن يؤيدوا ذلك بالمنطق الذي يرجحه الفكر الحر. إن الله سبحانه وتعالى عندما فرض علينا أن يكون الأمر شورى, أراد بذلك أن ينبه الذين يشاركون في الحوار قبل القرار أو بعده, إلى أنه يجب على كل منهم أن يقنع الآخرين أن رأيه من الناحية الموضوعية هو الأقرب للحق والعدل الذي تفرضه الشريعة والعقيدة, ولذلك فإن الشورى مهما يكن موضوعها, هي حوار يجري تحت مظلة المبادئ السامية المستمدة من العقيدة الحقة, والشريعة العادلة التي تفرضها الأصول السماوية والمصادر الاجتهادية العقلية المكملة لها"
وفي ضوء ذلك يمكننا التعرف على جانب خطير من جوانب الانحراف والتشوه, التي أصابت الكثير من التطبيقات المعاصرة للشورى, والتي سيأتي تفصيلها لاحقاً بإذن الله..

2- أن تتسم الممارسة بحرية الرأي والتفكير:
هل يبالغ المرء إن قال بأن الإقرار بحق الأفراد في التعبير عن الرأي, وتعويدهم على ممارسة التفكير الحر, يفوق في أهميته مستهدف الشورى الظاهر المتمثل في تحصيل أفضل الآراء وأصوبها للعمل به. وأن مستهدف الشورى الأهم والأعمق هو الإعلاء من قيمة الفرد داخل المجتمع والجماعة, والإقرار بحقه في المعرفة والمشاركة في صناعة القرار, مادام هذا القرار يتطلب منه العمل أو يعود عليه بالتأثير سلباً أو إيجاباً؟

لا أعتقد أنني مبالغ في هذا الإدعاء, وإثبات ذلك توجيه المولى سبحانه وتعالى لنبيه الكريم بمشاورة الصحابة, في قوله تعالى (فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين), فأمره تعالى لرسوله الكريم وهو أكمل البشر عقلاً ونفساً, وأرجحهم رأيا وفهماً, بمشاورة أصحابه وعدم التخلي عن هذا المبدأ بعدما ترتب عليه من نتائج وخيمة على الجماعة المسلمة, يوضح أن المقصود من الشورى هو أعمق من تحصيل الرأي الصواب, وان تدريب الأفراد على ممارسة التفكير الحر والاعتراف لهم بحق التعبير عن الرأي, والمشاركة في حمل المسئولية وصناعة القرار, ومن ثم تحمل النتائج, وما يُفضي إليه ذلك من توثيق عرى الجماعة وتمتين العلاقات بين أفرادها بعد استشعار كل فرد فيها بأهميته وقيمته داخل الجماعة لهو الغاية الكبرى والحقيقية من الأمر بالشورى.

وقد أكد الأستاذ الشهيد سيد قطب على هذا المعنى في تفسيره لقوله تعالى (وشاورهم في الأمر), بقوله "لو كان وجود القيادة الراشدة في الأمة يكفي ويسد مسد مزاولة الشورى في أخطر الشئون لكان وجود محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومعه الوحي من الله -سبحانه وتعالى - كافيا لحرمان الجماعة المسلمة يومها من حق الشورى! وبخاصة على ضوء النتائج المريرة التي صاحبتها في ظل الملابسات الخطيرة لنشأة الأمة المسلمة، ولكن وجود محمد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومعه الوحي الإلهي ووقوع تلك الأحداث، ووجود تلك الملابسات، لم يلغ هذا الحق لأن الله -سبحانه - يعلم أنه لابد من مزاولته في أخطر الشئون، ومهما تكن النتائج، ومهما تكن الخسائر، ومهما يكن انقسام الصف، ومهما تكن فكلها جزئيات لا تقوم أمام إنشاء الأمة الراشدة، المدربة بالفعل على الحياة، المدركة لتبعات الرأي والعمل، الواعية لنتائج الرأي والعمل، ومن هنا جاء الأمر الإلهي في هذا الوقت بالذات {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ" ليقرر المبدأ في مواجهة أخطر الأخطار التي صاحبت استعماله، وليثبت هذا القرار في حياة الأمة المسلمة أيا كانت هذه الأخطار التي تقع في أثناء التطبيق، وليسقط الحجة الواهية التي تثار لإبطال هذا المبدأ في حياة الأمة المسلمة، كلما نشأ عن استعماله بعض العواقب التي تبدو سيئة، ولو كان هو انقسام الصف، كما وقع في أحد والعدو على الأبواب، لأن وجود الأمة الراشدة مرهون بهذا المبدأ، ووجود الأمة الراشدة أكبر من كل خسارة أخرى في الطريق"

ويؤكد على ذات المعنى أيضاً الدكتور توفيق الشاوي في قوله بأن "من أهم مزايا الشورى أنها تهتم اهتماماً كبيراً بعملية التشاور قبل القرار وهو الحوار وتبادل الآراء ومناقشتها بحرية كاملة, إذ أن حرية الرأي وحرية الحوار هي الأصل في الشورى, أما التصويت ومعرفة رأي الأغلبية فهو يأتي بعد ذلك, ولا يجوز الاكتفاء بالتصويت مباشرة لمصادرة حرية الرأي وحرية المناقشة بحجة الاكتفاء برأي الأغلبية أو الخضوع لإرادتها"

وعليه فإن كل ممارسة للشورى تُصادر حق الأفراد في حرية الرأي والتفكير, أو تضع قيوداً على حق التعبير هي شورى ناقصة وتطبيق مشوه, وأن السلطة التي تمارس أي نوع من الإرهاب الفكري أو النفسي على أتباعها, بما يحول دون تقدمهم بالرأي المخالف بين يديها, خشية العقوبة أو الإقصاء, هي سلطة جائرة تفتقد لمقومات الرشد والأهلية.

3- توفير المعلومات اللازمة والضرورية للبت في المسألة محل التباحث:
وذلك لأن الحكم على الشيء فرع من تصوره, ومن غير المعقول أن يُطالب المرء بإبداء رأيه في مسألة ما دون إمداده بمعلومات كافية عن ملابساتها وأبعادها. وبالتالي فمن الواجب على السلطة القائمة أن تضع على طاولة البحث والنقاش جميع ما تملك من معلومات حول المسألة محل التداول, كي يتسنى للأفراد النظر فيها والاستعانة بها في تخمير الرأي المناسب قبل طرحه للتداول والمناقشة. وهذا مدعاة لتوفير الوقت والتثبت وتحقيق أفضل النتائج من عملية المشاورة.
أما ما نراه اليوم من صور للشورى تقوم فيها السلطة أو فئة ذات نفوذ داخل الدولة أو الجماعة المسلمة, بحجب بعض ما لديها من معلومات, أو طرح معلومات خاطئة ومضللة على الأفراد حال مناقشة أمر ما, بغية توجيه الرأي وتغليب ما يوافق أهواءها وإرادتها, فهو خيانة وخداع وإهدار لقيمة الشورى ومقاصدها.

4- أن يكون المستشار في مسائل الرأي والفتوى من ذوي الأهلية والكفاءة:
وذلك أمر بديهي ومنطقي في فهم العامة والخاصة من البشر, فلو أن إنساناً مرض بداء ما لذهب للطبيب لاستشارته, ولو بادر احدهم لسؤال عالم الدين في علاج مرضه, لاتهم بالجهل والحماقة, ولا علاقة لذلك بتقدير العالم الديني أو احتقاره, والعكس في مسائل الفتوى الفقهية والشرعية. وقياساً على ذلك كافة التخصصات العلمية التي كثرت وتشعبت في عصرنا الحالي, ومن ثم كان لزاماً شرعاً وعقلاً, أن يلجأ ولاة الأمور في الدولة أو الجماعة المسلمة إلى تحديد أهل المشورة من ذوي الخبرة والكفاءة في المسألة محل التباحث, على أن يتبع ذلك الفرز فرز ثان (وهذا الترتيب ضروري) يقوم على الثقة والأمانة, لضمان أن يدلي المستشار بما فيه الصالح والمنفعة.

أما ما نراه اليوم من تقديم الثقة على الكفاءة, واختيار أعضاء الشورى في ضوء السن والسبق, وقلة الاهتمام بإسناد الأمر لأهله, فلا يمت للفهم السليم والممارسة الرشيدة للشورى بصلة, وإن أرغى وأزبد أصحابه في تبريره أو تجميله.

5- أن يرتفع الخلاف وتحل الوحدة فور الانتهاء لقرار الشورى:
بعد التوصل إلى قرار بشأن القضية محل التباحث, إما عن طريق الأكثرية أو بحكم أصحاب المصلحة في الشورى الملزمة, أو بما يعتمده ولي الأمر في المشورة الاختيارية (وهو ما سيأتي تفصيله لاحقاً في بيان أنواع الشورى وأحكامها), ينبغي أن يبادر الجميع بما فيهم المخالفين من أفراد الجماعة للعمل بالقرار, وذلك امتثالاً لقوله تعالى (وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين), وإقتداءاً بالرسول الكريم فيما ثبت عنه من ممارسات للشورى, وأشهرها موقفه صلى الله عليه وسلم من شورى أحد.

وفي التزام هذا المبدأ من الفوائد والمصالح ما فيه, أهمها تعويد أبناء الجماعة المسلمة على الحزم, والتمييز بين مراحل العمل, بما يمنع من تحول الشورى إلى جدل عقيم غير مثمر, ويحول دون أن يُفضي الخلاف في الرأي إلى شق الصف وتفرق الكلمة..
ولكن قبل أن يستبق البعض في تناول هذا الضابط الأخير لتبرير تطبيقات معاصرة, أقول بأن التقيد بضابط النزول عند قرار الشورى, مرهون بالالتزام بالضوابط المتقدمة عليه سالفة الذكر, بالإضافة لممارسة الشورى في دوائرها الصحيحة, وهو ما سيأتي توضيحه بإذن الله في المقال اللاحق والأهم في هذا البحث….

وقعوا فى الفخ…….. فهمي هويدي


 لم أقتنع بالحجج التى ساقها الإخوان لتبرير دفعهم بمرشح من بينهم لخوض انتخابات رئاسة الجمهورية. وكنت قد تحفظت من قبل على قيامهم بتشكيل الحكومة فيما اعتبرته «مغامرة» محفوفة بالمخاطر. إلا أن ما قيل أمس الأول عن الترشح للرئاسة يرفع من درجة التحفظ حتى يضاعفه. فى هذا الصدد لدى عدة ملاحظات بعضها فى الشكل وبعضها فى الموضوع.


من حيث الشكل قيل إن موضوع ترشح المهندس خيرت الشاطر جرى التصويت عليه فى مجلس شورى الإخوان وأن 54 أيدوه (تصحيح 56صوتا)، فى حين كان المعارضون 52. علما بأن الأمر حين عرض فى اجتماع سابق للمجلس عارض مبدأ الترشح 52 شخصا وأيده 13 فقط. ورغم أن التغيير فى المواقف بين الاجتماعيين يلفت النظر، إلا أن نتيجة التصويت الأخير تحتاج إلى وقفة. ذلك أن صوتين (تصحيح 4 أصوات) هما اللذان رجحا كفة تأييد الترشح. وفى قضية بأهمية الموضوع المطروح، ما كان ينبغى أن يتخذ القرار بناء على تلك الأغلبية البسيطة.

ناهيك عن أنه كان على رأس المعارضين قيادات حزب الحرية والعدالة والسيد محمد مهدى عاكف مرشد الإخوان السابق. الأمر الذى يعنى أن المعارضين لهم ثقلهم الخاص فى الكم والنوع ــ وحسبما سمعت من المستشار طارق البشرى نائب رئيس مجلس الدولة الأسبق فإنه حين كان يطرح موضوعا مهما للتصويت على الجمعية العمومية للمجلس، وتتقارب فيه الأصوات عند الفرز، فإن القرار يؤجل لأنه لا يستساغ اتخاذ قرار فى موضوع مهم بأغلبية ضعيفة. وإنما يفضل اتاحة فسحة من الوقت لكى يراجع كل طرف نفسه لاتخاذ القرار الصحيح. فى هذا السياق ينبغى أن تثار عدة علامات استفهام حول علامات التحول فى التصويت بين الأغلبية الكبيرة التى عارضت الترشح فى البداية إلى الأغلبية النسبية التى ايدته.

فى الشكل أيضا يثار السؤال التالى: هل أقدمت قيادة الإخوان على هذه الخطوة دون أى تشاور أو تفاهم مع المجلس العسكرى؟ ــ إذا كان الرد بالإيجاب فمن حقنا أن نعرف مضمون ذلك التفاهم وحدوده. أما إذا كان الرد بالنفى فهل الإخوان جاهزون للصدام مع المجلس وفى تحمل تداعيات وفاتورة ذلك الصدام؟ وما هى المصلحة الوطنية فى ذلك؟

النقطة الثالثة فى نقد الشكل ان الإخوان قرروا فصل الدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح ومعاقبة أعضاء الجماعة الذين أيدوه بدعوى أن قرارهم الأصلى كان يقضى بعدم الترشح للرئاسة. لكنهم حين غيروا رأيهم ظل موقفهم من الدكتور أبوالفتوح كما هو، حتى بدا وكأن الموقف لم يكن مبنيا على المبدأ والموقف ولكنه كان منصبا على الشخص.

النقطة الرابعة والأخيرة فى الشكل هى: كيف مر على الإخوان أن الجماعة الوطنية المصرية بل والمجتمع المصرى بأسره يمكن أن يحتملوا فى وقت واحد رئاستهم لمجلسى الشعب والشورى والجمعية التأسيسية للدستور ورئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية أيضا؟ وكيف يقتنع الرأى العام بحديثهم عن المشاركة أو عن زهدهم فى السلطة؟

فيما خص الموضوع يثير المشهد عدة اسئلة منها ما يلى:

 ●هل الإخوان جاهزون لحمل المسئوليات التى يتقدمون نحوها. وهل يتوقعون أن يشاركهم أحد من القوى الوطنية الأخرى بعدما بالغوا فى قدرتهم على النحو الذى لمسه الجميع؟ وهل يستسيغ فى عقل رصين فكرة تفردهم بحمل تلك الأثقال فى ظروف هى من اسوأ الظروف التى مرت على مصر؟

● ألم يدركوا أن تصويت الجماهير لصالحهم فى الانتخابات البرلمانية يمكن أن تختلف دوافعه تماما عنها فى حالة الانتخابات الرئاسية. إذ هم فى البرلمان أصحاب رأى، أما فى الرئاسة فهم أصحاب قرار. ولأنهم لم ينجزوا شيئا يلمسه الناس على الأرض حتى الآن فما الذى سيقنع الجماهير بجدوى التصويت لصالحهم فى انتخابات الرئاسة.

● هل يتوقع الإخوان أنهم وحدهم يستطيعون مواجهة تحديات الداخل التى على رأسها الانفلات الأمنى وإدارة عجلة الاقتصاد وتحقيق العدل الاجتماعى، وأين هى الكوادر الإخوانية التى يمكن أن تنهض بهذه الأعباء كلها؟ ولماذا لم نرها فى لجان مجلس الشعب مثلا؟

 ● ألم يخطر ببال الإخوان أن بعض الدول العربية تتوجس منهم، وبعضها مشتبك معهم، والبعض الآخر يساند آخرين لا يمثلونهم؟

 ● ألم يخطر ببالهم أيضا أن معاهدة السلام مع إسرائيل التى لم يحددوا منها موقفا تشكل أهم تحديات سياستهم الخارجية، وان الموقف الأمريكى فى مصر مرتبط إلى حد كبير بموقف نظامها من العاصمة؟

فى مقام سابق قلت ان الإخوان يتعرضون لثلاثة أنواع من الفتن، فتنة السلطة، وفتنة الأغلبية وفتنة الأضواء. وفى حين حذرت من الاستسلام لأى من تلك الفتن، فإننى فوجئت الآن بأنهم وقعوا فيها جميعا.

وفى مقام آخر قلت إن الذين يكرهون الإخوان يريدون توريطهم فى استلام السلطة ويتمنون أن يغرقوا فى مستنقع مشكلاتها المستعصية. وحين سئلت أخيرا عن رأيى فيما أعلنوه أمس الأول قلت إنهم وقعوا فى الفخ، وحققوا لخصومهم ما تمنوه لهم، وهو أمر يصعب تصديقه، حتى يكاد يشك المرء فى أن ما حدث من أوله إلى آخره ليس أكثر من كذبة أبريل التى أراد الإخوان أن يداعبونا بها!

فن صناعة التوافق الوطنى….. معتز بالله عبد الفتاح


 يوجد من التناقضات الداخلية فى دول كثيرة ما يبدو أضعاف ما هو موجود فى مصر، وتبدو هذه الدول أكثر استقرارا من مصر وأكثر قدرة على صناعة التوافق الوطنى.

خذ مثلا دولة مثل جنوب أفريقيا التى عرفت السيطرة الاضطهادية للبيض (12 بالمائة من السكان) على السود لمدة 300 سنة بكل ما حملته من إهانة وتعذيب وقتل وتشريد. ومع ذلك يبدو أن أمرا ما حدث جعل هؤلاء يتسامحون ويتعايشون مع أولئك. بل حتى إن تاريخ الصراع بين القبائل السوداء الثلاث الكبرى فى جنوب أفريقيا الإكزوسا، والزولو، والسوتو ليس تاريخ تعايش بقدر ما كان تاريخ صراع مكتوم أو ظاهر. إذن ماذا حدث؟

ولنأخذ كذلك مثالا لدولة كالولايات المتحدة التى تبين تعدادات السكان أن فيها من التعدد العرقى واللغوى والدينى ما يجعل المرء يتساءل كيف يتعايش السيخ والهندوس والبوذيون والمسلمون مع غيرهم من الأمريكان ذوى الأصول البيضاء أو اللاتينية فى حين أن هؤلاء لا يتعايشون بنفس القدر من التسامح والتوافق فى بلدانهم الأصلية.

هل هناك دول معمول لها عمل وأخرى نجحت فى فك العكوسات؟ هل المسألة مرتبطة بعوامل معينة (factors) أم بسلوك الفاعلين (actors)؟

إذن الفكرة وضحت أن المجتمعات متفاوتة فى قدرتها على استيعاب تناقضاتها الداخلية. معظم التحليلات تذهب إلى الدور الذى تلعبه الأغلبية فى القدرة على البحث عن حلول وسط تسمح ببناء التوافق الوطنى. ولنأخذ عدة أمثلة. إجراءات الانتقال من الحكم العنصرى فى جنوب إفريقيا إلى الحكم الديمقراطى ارتبطت بعشرات التحديات التى احتاجت جهدا ذهنيا ونفسيا هائلا من الأغلبية الجديدة بقادة الرأى فيها مثل نيلسون مانديلا وديزموند توتو. كانت الفكرة الأساسية هى لجان الحقيقة والمصالحة حتى لا يعاقب كل البيض على ما اقترفه بعضهم، فتكون العقوبة شخصية. كانت هناك مخاوف حادة لدى قبائل الزولو من أن يقعوا فريسة لسيطرة قبيلة الإكزوسا التى منها نيلسون مانديلا شخصيا، ولهذا طالبوا بالاستقلال؛ فكان الحل من نيلسون ماندلا وحزبه (حزب الأغلبية) أن يمثل فى الحكومة بوزير واحد على الأقل أى حزب يحصل على 5 بالمائة من أصوات الناخبين كآلية من آليات تقاسم السلطة (power sharing) فضلا عن منح إقليم الزولو حكما ذاتيا فى إطار الفيدرالية الجنوب أفريقية.

هذا المنهج هو ما مكن الآباء المؤسسين للولايات المتحدة من تخطى العديد من الصعوبات. مثلا، كانت هناك مخاوف شديدة عند الولايات الصغيرة من الدخول فى الاتحاد الفيدرالى لأن الولايات الكبيرة ستمثل فى الكونجرس ومن ثم فى الحكومة بأعداد كاسحة. ومن هنا جاء «الحل الوسط الأعظم» (the Great Compromise) القائم على وجود مجلسين للكونجرس: أحدهما (مجلس الشيوخ) تمثل فيه الولايات على قدم المساواة بحيث يكون لكل ولاية ممثلان، والثانى (مجلس النواب) تمثل فيه الولايات على قدر عدد سكانها. وظهرت مشكلة أخرى حيث توجد ولايات بها عدد مهول من العبيد الذين ليس لهم حقوق سياسية، فهل هؤلاء محسوبون أم لا؟ ومرة أخرى كان لا بد من البحث عن صيغة وسط يمكن من خلالها حل هذه المشكلة فتم الاتفاق على احتساب أن العبد سيحسب وكأنه ثلاثة أخماس الحر.

هذه الجهود، وهذه القدرة على صنع التوافق الوطنى والبحث عن الحلول الوسط هى جزء من بعد النظر والحكمة المتطلبة فى من يعملون بالعمل السياسى؛ وإلا لماذا قبل الرسول، صلى الله عليه وسلم، ألا يكتب أنه «رسول الله» فى صلح الحديبية؟

الأحد، 1 أبريل 2012

أخطأ الإخوان…. فهمي هويدي

 الخبر أن حركة النهضة التونسية أعلنت أنها ستبقى فى دستورها الجديد على النص الذى يقرر أن «تونس دولة حرة لغتها العربية، ودينها الإسلام». وقبلت بعدم الإشارة إلى مرجعية الشريعة الإسلامية. وهى النقطة التى أثارت لغطا فى أوساط المثقفين العلمانيين الذين يهيمنون على مقدرات البلد منذ الاستقلال فى ستينيات القرن الماضى. وفى تفسير موقف الحركة قال أحد قيادييها ــ عامر العريض ــ نحن حريصون على وحدة شعبنا، ولا نريد شروخا فى المجتمع. هذا الموقف لم يعجب دوائر المتطرفين والمزايدين الذين اتهموا الحركة بخيانة التونسيين. ونقلت وكالة رويترز على لسان أحدهم قوله: إن كثيرين سيعتبرون أن الحركة تاجرت بالدين للوصول إلى السلطة، واليوم تتاجر بالتخلى عنه والتفريط فيه للبقاء فى السلطة (جريدة الشروق 27/3).

بسبب سفرة قصيرة إلى الخارج لم أتابع الخبر فى حينه، لكنى ما إن وقعت عليه بعد العودة حتى وجدته مدخلا مهما للحديث عن الحالة المصرية الراهنة، وموقف الإخوان المسلمين من لجنة كتابة الدستور، وكيف أنهم مع السلفيين أسهموا فى تعميق الشرخ فى مصر، فى حين كان بوسعهم بقدر من التواضع والحرص على وحدة الجماعة الوطنية أن يجنبوا مصر التوتر الذى شهدته طيلة الأسبوع الماضى، ولو أنهم فعلوا ذلك لكنا قد انتهينا من مسألة تشكيل اللجنة ولكانت عملية كتابة الدستور قد بدأت بالفعل، علما بأن تضييع الوقت فى الجدل حول التشكيل يمكن أن يؤثر حتى على انتخاب رئيس الجمهورية وتسليم السلطة للمدنيين فى 30 يونيو المقبل.

الفرق بين موقف حركة النهضة فى تونس وبين الإخوان فى مصر، أن الأولين اهتموا أكثر بوحدة الشعب فى حين أن الآخرين اهتموا ــ على الأقل فى المشهد الراهن ــ بحضور الجماعة وحظوظها. وهذا خطأ سياسى يجب الاعتراف به، ومن الشجاعة أن يراجع ويصوب، ومن الحكمة أن يتحول إلى درس يستفاد منه فى منهج تعامل الجماعة مع القضايا الأساسية، ومع القوى الوطنية الأخرى.

تحضرنى فى هذا السياق قصة وردت فى القرآن الكريم، تحدثت عن النبى موسى عليه السلام حين غاب عن قومه وتركهم فى عهدة أخيه هارون. وفى غيبته انحرف سلوك القوم حتى عبدوا العجل. وحين عاد النبى موسى وفوجئ بما جرى فإنه نهر أخاه واشتبك معه وذكر النص القرآنى أن هارون قال: « قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلَا بِرَأْسِى إِنِّى خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِى إِسْرَائِيلَ» (سورة طه ــ الآية 94) ــ وهى القصة التى أبرزها الدكتور يوسف القرضاوى فى حديثه عما أسماه «فقه الموازنات والأولويات». ذلك أن هارون سكت على إقدام قومه على عبادة الشرك من دون الله، حرصا على وحدتهم، بمظنة أنه إذا ما ضغط عليهم لكى يعودوا إلى عبادة الله فسوف ينفرط عقدهم ويتشتت شملهم. من ثم فإنه وازن بين حالة الشرك العارضة، وبين وحدة القوم التى تعد قيمة استراتيجية بلغة زماننا، فإنه قدم الوحدة باعتبارها مصلحة كبرى. وسكت على الشرك تجنبا للفتنة. وهى الحجة التى قبل بها النبى موسى ولم ينكرها عليه.

فى المشهد الذى نحن بصدده فى مصر، سعى الإخوان ومعهم السلفيون إلى ما اعتبروه حقا لهم باعتبارهم يشكلون الأغلبية فى البرلمان. وتحقق لهم ما أرادوا. ثم ماذا كانت النتيجة؟ حدث ما حذر منه بنو إسرائيل، حيث تفرق القوم على النحو الحاصل، الأمر الذى أدى إلى تعميق الشرخ فى الوطن، بما استصحبه ذلك من إشاعة عدم الثقة بين القوى الوطنية وإلهاء الناس عن همومهم الحياتية. ولا تسأل عن المليارات الأربعة التى خسرتها البورصة.

فى أى موازنة عاقلة، سنجد أن الخسارة التى منى بها الوطن، بل تلك التى منيت بها جماعة الإخوان على الأقل، أضعاف «المكسب» الذى يبدو ضئيلا وبلا قيمة.

عندى بعد ذلك نقطتان:
  • الأولى أنه إذا قال قائل إن الأقلية تثير ضجيجا بمناسبة وبغير مناسبة، وأن منهم من لا يعترضون على حظوظ الإخوان فقط وإنما على وجودهم أصلا، فلن أختلف معه من حيث المبدأ لكنى أضيف أمرين. الأول أن بينهم عناصر وطنية تستحق الاحترام وينبغى ألا يخسرها الإخوان تحت أى ظرف. والثانى أن الأخطاء التى ترتكبها الجماعة هى التى توفر لذوى النوايا السيئة رصيد الضجيج الذى ينشدونه.
  • النقطة الثانية أن المرونة التى أدعو إليها والنظر إلى المصلحة العليا للوطن لن تعجب بعض المتشددين من السلفيين أو غيرهم، وربما ذمَّوا الإخوان بمثل ما قيل بحق حركة النهضة فى تونس، لكن ذلك لا ينبغى أن يكون سببا للتراجع أو التردد لأن مصلحة الوطن ــ فى كل الأحوال ــ  ينبغى أن تقدم على ما عداها.