السبت، 9 مارس 2013

تدهور مستوى التعليقات فى المواقع الإلكترونية..... دومينيك بروسارد ـ ديترام شيوفيل


فى البداية، خلق آلهة التكنولوجيا، الإنترنت! ورأوا أنه أمر جيد. وفى النهاية، صار مجالا عاما ذا إمكانات غير محدودة للنقاش المنطقى وتبادل الأفكار، وجسرا حواريا مستنيرا عبر العديد من الحواجز الجغرافية والاجتماعية والثقافية والأيديولوجية والاقتصادية، التى تفصلنا عادة فى الحياة، ووسيلة لدفع الفواتير من دون طابع التمغة. ثم اخترع شخص ما «تعليقات القراء» فضاعت الجنة! ينبغى القول، إن الشبكة، مازالت مكانا رائعا للنقاش العام. ولكن عدما يتعلق الأمر بقراءة وفهم الموضوعات الإخبارية على الإنترنت مثل هذا الموضوع على سبيل المثال يمكن أن يكون للوسيلة الإعلامية، تأثيرا محتملا مثيرا للدهشة على الرسالة المقدمة. ويوضح بحثنا أن تعليقات بعض الكتاب، يمكن أن تشوه بشكل كبير ما يظن بقية القراء أنه المقصود فى الأساس. وليس المهم محتوى التعليقات وإنما لهجتها! ففى دراسة، نشرت على الإنترنت الشهر الماضى فى صحيفة جورنال أوف كمبيوتر ميدياتد كوميونيكيشن، كتبنا، مع ثلاثة زملاء، عن تجربة تهدف إلى قياس ما يمكن أن نسميه «الأثر السيئ». حيث طلبنا من 1183 مشاركا أن يقرأوا بعناية آخر الأخبار على مدونة وهمية، تشرح المخاطر والفوائد المحتملة لمنتج تكنولوجى جديد يسمى النانو سيلفر. وذكرت المقالة على الإنترنت أن هذه الجسيمات متناهية الصغر من الفضة، أصغر من مائة جزء من البليون من المتر فى كل بعد من أبعادها، لديها العديد من الفوائد المحتملة (مثل خصائص مضادة للجراثيم) والمخاطر (مثل تلوث المياه). ثم أخذنا تعليقات المشاركين على الموضوع، والتعليقات المفترض أنها من قراء آخرين، والإجابات عن أسئلة تتعلق بمحتوى المقال نفسه. عرضنا على نصف عينتنا تعليقات القراء المهذبة، والتعليقات الفظة على النصف الآخر ــ على الرغم من ثبات المحتوى الفعلى، وطول، وقوة التعليقات، التى تراوحت بين تأييد التكنولوجيا الجديدة، والقلق من المخاطر؛ فى كل من المجموعتين. وكان الفارق الوحيد أن التعليقات الوقحة تضم نعوتا سلبية أو ألفاظ سباب، كما فى: «إذا كنت لا ترى فوائد استخدام تكنولوجيا النانو فى هذه الأنواع من المنتجات، فأنت أحمق» و«أنت غبى إذا لم تفكر فى المخاطر التى يتعرض لها الأسماك وغيرها من النباتات والحيوانات فى المياه الملوثة بالفضة».
 وكانت النتائج مدهشة ومثيرة للقلق معا. فلم تؤد التعليقات غير المهذبة إلى الاستقطاب بين القراء فحسب، وإنما غيرت غالبا تفسير المشاركين للقصة الخبرية نفسها.وفى المجموعة المهذبة، لم يختلف إحساس أولئك الذين أيدوا أو لم يؤيدوا التقنية من البداية الذين عرضنا عليهم أسئلة البحث الأولية بعد قراءة التعليقات. أما أولئك الذين تعرضوا للتعليقات الوقحة، فقد انتهى بهم الأمر إلى فهم أكثر استقطابا، للمخاطر المرتبطة بالتقنية. وكان وجود هجوم شخصى ضمن تعليق لقارئ، كافيا لجعل المشاركين فى الدراسة، يظنون أن عيوب التقنية المذكورة أكبر مما كانوا يظنون من قبل. وفى حين يصعب تحديد الآثار المشوهة من مثل هذه البذاءة على الإنترنت، إلا أنها مهمة جدا، لا سيما ــ وربما للمفارقة ــ فى مجال الأخبار العلمية.
 يقول نحو 60 فى المئة من الأمريكيين الراغبين فى الحصول على معلومات عن مسائل علمية محددة إن الإنترنت مصدرهم الرئيسى للمعلومات ــ مما يضعه فى مرتبة أعلى من أى من مصادر الأخبار الأخرى. وقد خلق المشهد الإعلامى الناشئ على الإنترنت، محفلا جديدا، يخلو من المفاهيم الاجتماعية التقليدية والقواعد الذاتية، التى تحكم عادة تعاملاتنا الشخصية ــ وتشكل تلك الوسيلة الإعلامية، على نحو متزايد، ما نعرفه وما نظن أننا نعرفه، على حد سواء. وهناك نهج ممكن لتخفيف التأثيرالسيئة بالطبع، هو وقف تعليقات القراء على الإنترنت تماما، كما فعلت بعض المؤسسات الإعلامية والمدونين. فعلى سبيل المثال، نشر بول كروجمان على موقع هذه الصحيفة فى الذكرى العاشرة لأحداث الحادى عشر من سبتمبر، مدونة، انهاها ببساطة بالقول «لن أسمح بتعليقات على هذا الموضوع، لأسباب واضحة»، ووضعت وسائل إعلام أخرى قواعد لتشجيع اللياقة فى التعليق، أو راقبت بشكل نشط تعليقات القراء. ولكن، كما يقولون، خرج العفريت من القمقم! حيث أن التفاعل بين القراء جزء مما يجعل الموقع على الانترنت موقعا ولهذا كان فيس بوك وتويتر وغيرهما من جميع وسائط الإعلام الاجتماعية، على ما هم عليه. ولن تكتسب هذه الظاهرة زخما فقط، إلا ونحن نتعمق فى عالم التليفزيونات الذكية والأجهزة المحمولة؛ حيث يصبح، على الفور، أى نمط من أنماط المحتوى جزءا لا يتجزأ من دفق مستمر فى السياق والتعليق الاجتماعيين. ومن الممكن أن تتغيرالأعراف الاجتماعية، مرة أخرى، فى هذا المجال الشجاع الجديد ــ مع تجنب المستخدمين للهجمات خبيثة الطوية ممن يكتبون مستترين وراء أسماء مستعارة، ومع غرس أساليب النقاش المهذب بدلا من ذلك. حتى ذلك الحين، احذروا من التأثير السيئ!------------------------------------------------------------------ أستاذا الإعلام فى جامعة وسكونسن


عن مطالبات «عودة» الجيش ........ إبراهيم الهضيبى

المطالبات المتكررة خلال الأسابيع الماضية بتدخل الجيش ضد الرئيس وتوليه الحكم، والتى خرج بعضها من قبل أطراف سياسية محسوبة على «الثورة» و«القوى المدنية» تبدو الاستجابة لها بعيدة، بيد أنها ــ مع ذلك ــ تكشف فشل الأطراف الموجودة فى الحكم وإفلاس المعارضين الداعين للتدخل، على نحو يستحق التأمل والدراسة.•••تدخل الجيش مستبعد:
  • لعدم وجود مصلحة له فى تصدر مشهد سياسى محتدم يمتلئ بالقوى الاجتماعية الغاضبة، والتى يحمل بعضها (كالألتراس، والعديد من التجمعات الثورية) عداء للسلطة العسكرية بسبب الشهداء الذين سقطوا خلال توليها الحكم، وبسبب قيامها خلالها باحتواء المد الثورى (أو بالأحرى محاولة ذلك)،
  • والجيش يدرك أن تصدره المشهد فى السنتين الماضيتين أفقده الكثير من الحصانة والشرعية «الأسطورية» التى تحوزها جيوش ما بعد الاستقلال،
  • ثم وضعه الآن أفضل منه لو تدخل؛ فهو بعيد عن انتقادات صدارة المشهد،
  • ومصالح المؤسسة وكبار ضباطها ــ مع ذلك ــ محفوظة بنصوص دستورية غير ديمقراطية تحد من السيادة المدنية على الجيش، وتمنع الرقابة الفعلية على الأنشطة الاقتصادية غير العسكرية للجيش وكيفية توزيع عوائدها،
  • ويتمتع بصلاحيات كبيرة فى رسم السياسات الخارجية،
  • إضافة للقوة الواقعية بوجود الضباط «السابقين» فى الكثير من المفاصل الحيوية للدولة.
  •  وثمة أسباب أخرى تجعل خيار تدخل الجيش مستبعدا، منها خطورة تدخله ضد رئيس يحميه تنظيم، فى ظرف ثورى يتبادر فيه خيار اللجوء للشارع حتى من تنظيم الرئيس ذى الطبيعة المحافظة، وهو ما قد يؤدى لاقتتال داخلى، وانهيار شامل لما تبقى من «الدولة المصرية»، وإنتاج حالة من الفوضى يتخطى رفضها الأطراف الأقوى فى المشهد المحلى للأطراف الإقليمية والدولية التى يشكل ذلك تهديدا مباشرا لمصالحها الاقتصادية والأمنية.
 •••ومطالبات عودة الجيش ــ مع ذلك ــ تكشف عن مشكلات جمة فى مواقف جل الأطراف السياسية المؤثرة،
  • فأنصار الرئيس الذين تجاهلوا من قبل مطالبات إيجاد بنية تشريعية تضمن تبعية المؤسسة العسكرية للقرار السياسى مع التزامها المهنية وعدم تجاوزها حدود اختصاصاتها، واعتبروا أن الرئيس حقق «إنجازا غير مسبوق بإنهاء حكم عسكرى استمر ستين سنة» عندما أقال بعض القيادات العسكرية فى أغسطس الماضى، ولم يلتفتوا كثيرا للنقد القائل بأن ذلك إنما كان تضحية ببعض الأفراد مقابل الحفاظ على نفوذ المؤسسة العسكرية بمنحها المزيد من الصلاحيات وتحصينها من الرقابة المدنية (كما ظهر فى مواد الدستور)، صاروا فى حاجة لإعادة النظر فى تلك الدعاوى، إذ أظهر موقف الرئاسة إزاء العسكر فى الأحداث الأخيرة عدم تبعيتهم لإرادته، وأن استراتيجيته لإحكام سيادة المنتخبين ليست بالنجاح الذى يصوره أنصاره، وأنها قامت على حسابات خاطئة، وأن المساهمة فى تمكينهم لا تؤدى لاستقرار حكمه بقدر ما تؤدى لتمدد نفوذهم على نحو يقوض صلاحياته ويحد من حركته.  
  • وجاءت مطالبة بعض القوى «المدنية» و«الثورية» بعودة الجيش(!!)، بعد أسابيع من انتقادها ــ عند مناقشة الدستور ــ «الوضع المميز للعسكر»، وتنديدها بالتحالف الإخوانى ــ العسكرى، موحيا أن سبب التنديد لم يكن نفس وجود هذا النوع من التحالف، وإنما أنها لم تكن أحد طرفيه، وتزامن هذا مع إعلان بعض هذه الأطراف مقاطعتها الانتخابات البرلمانية، واعتبارها ذلك خيارا «أخلاقيا» لا سياسيا يحتاج لأن يشفع باستراتيجية بديلة للتغيير، يدل على إفلاسها السياسى، واعتمادها استراتيجية للتغيير تستند لا على الفعل الثورى الجماهيرى، أو السياسى الديمقراطى، أو خليط منهما، وإنما على محاولة سحب شرعية من النظام الحالى، لا لصالح الجماهير أو أحزاب بديلة كما ينبغى أن يكون، وإنما لصالح العسكر.
وتلك مسألة غاية فى الخطورة؛ إذ يبدو أن إفلاس الساحة يضيق البدائل على نحو يسمح بإعادة إنتاج نظام مبارك بمؤسساته وأشخاصه، فتحول وعود «النهضة» التى حملها الحكام لسراب، وقصرهم «التغيير» على بعض الأفراد بعيدا عن هياكل وسياسات الدولة، واستمرار عجزهم عن إدارة جهاز الدولة على نحو يوفر الحد الأدنى من احتياجات المواطنين، وفشلهم فى الإنجاز على الأصعدة الثورية (القصاص، العدالة الاجتماعية، إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية) من جهة، وقصر جل المعارضة مشروعها على نقد الحكام بغير تقديم بديل على المستوى البرامجى ولا الحركى (جل أنشطتها مركزة فى العاصمة، بل فى فنادقها، من غير جهد حقيقى لبناء بدائل ممتدة جغرافيا ومتماسكة فكريا) من جهة أخرى، يساهم فى كفر الناس بمشروع «التغيير» الذى ترتفع بالوقت كلفته، ويزيد انفصاله عن الشارع (بانشغاله بقضايا لا تعنى عموم الناس)، وذلك كله يجعل بديل «الدولة القديمة» أكثر إغراء لبعض الفئات الاجتماعية (خاصة رجال الأعمال ومهنيى الطبقة المتوسطة) من ذى قبل، وهذه الدولة تتمثل فى هذا المشهد فى الجيش. والأطراف الداعية لعودة الجيش، إن كانت «أحزابا سياسية» بحق، تقع عليها مسئولية تقديم بدائل لفشل الحكام، وطرحها على الجماهير فى الانتخابات، مع استمرار دعمها لخط النضال الثورى الباحث عن الحقوق المسلوبة (الجنائية والاقتصادية)، لا الانسحاب من ذلك كله ثم دعوة العسكريين للتدخل نيابة عنهم. •••العودة لنظام مبارك ليست مطروحة لأن التأريخ لا يسير للخلف، ولأن ركنها الركين الذى قامت عليه (ثقافة الخوف) قد انهار، ولأن ما تبقى من قوة الدولة الباطشة صار يستفز (كما فى أحداث الاتحادية والمنصورة) أو يدعو للسخرية (كما فى فرض حظر التجول على مدن القناة) أكثر مما يخيف، ولكن قبول الساسة المحسوبين على الثورة ــ حكاما ومعارضة ــ بالتحالف مع ما تبقى من نظام مبارك، وتبادلهم فى اللجوء إليه، وتقاعسهم عن تقديم سياسات وحلول للمشكلات الحالة، يأكل من البون الفاصل عنه، ويهدد مصالح هؤلاء الساسة من جميع الأطراف، لا بالتهديد الأمنى المتعلق بعودة نظام مبارك، وإنما بالغضب الجماهيرى الذى سيأكل اليابس والأخضر بسبب تآكل شرعية «الدولة» و«النظام السياسى» برمته لدى فئات غير قليلة من المصريين، سترفض كل الخيارات بما فيها محاولات العودة للماضى.

ظاهرة الزهايمر السياسى... بقلم د.سيف الدين عبدالفتاح

جميعنا يعرف مرض" الزهايمر" الذي حمل اسم مكتشفه أو مرض (النسيان) كما يحلو للكثير تسميته، هذا المرض الذي يصيب المتقدمين في السن ما زال الاطباء إلى يومنا هذا يبحثون له عن علاج ، لم يكن يعرف الطبيب الألماني لويس الزهايمر أنه سيكتشف ذات يوم أحد أخطر الأمراض التي تصيب الجهاز العصبي لتدمر الخلايا العصبية المسؤولة عن الذاكرة في المخ.

عندما يتمّ العبث بوقائع التاريخ تمريرا أو تبديلاً أو تحريفاً، أو تناقض المواقف ونسخها لبعضها البعض، فإن الأمم يصيبها ما يصيب الأفراد من أمراض الذاكرة والوعي والانتباه؛ والذي من دلائله وشواهده غياب الذاكرة أو ضعفها والتوهان واضطراب الحُكم على الأشياء، نظرة فاحصة في واقعنا السياسي تجعلك تكتشف تفشِّي هذا المرض "الزهايمر" في سطور بعض السياسيين وفي عقولهم فى خطابهم وسلوكهم ؛العقل السياسي بلغ مبلغا من الشيخوخة ما يستدعي مراجعة كل منابع شرايينه الرئيسية سياسيا وتنظيف سراديبه التاريخية.

يقصد بمعضلة الزهايمر في السياسة أساسا أنها خرف يطغى على النظام السياسي بكل مكوناته سلطة ومعارضة وقوى سياسية، فالإصابة بالزهايمر السياسي تبدأ أعراضه بالتخبط في القرارات والتصريحات السياسية التي يطلقها البعض من السياسيين ليعودوا ويقفوا بأنفسهم بوجه هذه التصريحات أو المواقف التي اتخذوها، والرموز السياسية التي تحسب في خانة الحصافة يحسب لها الناس أنها مؤتمنة على تاريخ هذا البلد تنسى تاريخها القريب فكيف تحفظ تاريخنا البعيد.

إن المطلع على تاريخ السياسيين عموماً، يراهم في مرحلة الإنتخابات أو عند الحاجة لدعم الناس يغدقون الوعود بالصلاح والإصلاح وتغيير الواقع، ولكن هذه الوعود غالباً ما تتبخر و تضيع في إزدحام أروقة السياسة، أو إنها تنسى أو تُتناسى أو هو نوع من "الزهايمر السياسي" يصاب به السياسيون عند تسلم السلطة.

بعد هذا الاستعراض لظاهرة الزهايمر السياسي والدخول إلى المشهد الذي يرتبط بالمعارضة في تكويناتها خاصة جبهة الإنقاذ والسلطة في تكويناتها خاصة الرئاسة والقوى السياسية التي تحملها، والمؤسسات المختلفة التي تمثل فواعل في الدولة المصرية بعد الثورة يبدو غالب هؤلاء يعانون من زهايمر مركب وصمم سياسي مؤكد .

وفي هذا المقام نرى مؤسسة الرئاسة مثلت حالة دالة في هذا المقام بفائض الوعود والعهود، 
  • خاصة تلك التي توثقت مع "الجبهة الوطنية " فيما سمي بتوافق" فيرمونت" بنقاطه الست، ورغم ذلك بدا للبعض أن يتحدث عن جبهات أخرى لتستنسخ تجربة للأسف الشديد أفشلها ذلك الزهايمر السياسي المصحوب بصمم سياسي.
  • وكذلك يتعلق الأمر بزهايمر القرارات التي تصدر عن مؤسسة الرئاسة في كل مرة تصدر وفي كل مرة يُتراجع عنها، وفي كل مرة يطالب بعد كل قرار القيام بحوار، نحاكي الأخطاء تلو الأخطاء في إطار يعكس في حقيقة الأمر حال من الزهايمر السياسي.
  • وكذلك هناك زهايمر التعامل مع المحكمة الدستورية، لنجعل الشأن السياسي في ساحات المحاكم ونمارس كل ما من شأنه أن نعود بممارسته السياسية إلى ساحات المحكمة الدستورية وفي كل مرة كان هذا الزهايمر متمثلا في أحكام تعيد الأمور إلى النقطة الأولى والتي تجعل من ضرورة أن نتعلم من مسار الأحداث أن نتجنب ارتكاب ذات الأخطاء في إطار من الزهايمر المركب.
وفي إطار من زهايمر الدستور كصياغات تشكل المجتمع وإمكانات بناء مساراته السياسية يبدو الدستور عملية مهمة لا تقترن بعمليات تمرير في استفتاء ولكنها ترتبط بعمليات تفعيل بأرض الواقع ومن هنا يبدو هذا الزهايمر الدستوريبعدم متابعته في مساراته المتنوعة من التعديل والتأويل والتفعيل.

وهذا زهايمر جماعة الإخوان وحزبها المتمثل في الحرية والعدالة
  •  حينما أعلنوا بأعلى صوت أنهم سيتبعون مبدأ المشاركة لا حالة المغالبة ثم دخلوا ومن كل طريق إلى باب الغلبة والتغلب والاستحواذ والاحتكار،
  • وهاهم يمارسون هذا الزهايمر الذي يتعلق بالترشح لانتخابات الرئاسة بعد أن أكدوا أنهم لن يقدمون مرشحا من داخلهم وهاهم يمارسون في الحكم أقصى درجات التبرير بعد أن كانوا يمارسون في المعارضة أقصى درجات النقد ، ويتابعون أمورهم في الحكم أسلوب التبرير اعتمادا على نسيان الشعوب وتآكل ذاكرتها.
  • ويرتبط بذلك زهايمر القروض ذلك أن الحرية والعدالة وقفوا موقف المناوئ لقرض الصندوق إبان حكومة الجنزوري وبعد ذلك دافعوا عن القرض وأهميته ويضفون عليه من كل طريق حله وشرعيته،
  • وكذلك يمارسون نسخا لاتفاقاتهم في إطار من الزهايمر السياسي مصحوبا ببعض الانتهازية حول قانون الانتخاب والتصويت عليه مرتين بشكل يتسم بالتناقض واختلاط المواقف.
هذا غيض من فيض بالنسبة لمن هم في السلطة أو يساندونها.

والأمر لايختلف كثيرا عن معارضة تتخذ نفس المسار من أعراض الزهايمر التي تصيبها وصمم يصيب آلتها السمعية وممارستها.
  • هاهو زهايمر الانتخابات يصيب المعارضة ، فلنتذكر في انتخابات مجلس الشعب الأولى إبان تيسير المجلس العسكري للمرحلة الأولى كان دفع المعارضة بضيق الوقت وعدم مناسبة الظرف وأن أمر الانتخابات لابد وأن يكون له من الإعداد، فمرة هم غير مستعدين ومرة أخرى الظروف غير مناسبة وليست ملائمة، فمتى إذا ستكونون مستعدين لدخول الانتخابات؟!، ذات الحجج وانتحال المعاذير هو سيد الخطاب لدى المعارضة في حالة تؤشر على إصابة مزمنة بزهايمر سياسي تمكن من عقولهم ونفوسهم وسلوكهم وخطابهم ،وهاهو الزهايمر الانتخابي يصيب خطابهم حينما يطالبون بتأجيل انتخابات البرلمان بينما يطالبون بتعجيل انتخابات الرئاسة والمطالبة بها مبكرة ، أليست تلك صناديق؟! أليست هذه انتخابات كانتخابات؟! أليست ذات الظروف تحيط بمطالبات التأجيل ومطالبات التعجيل فكيف تستقيم الأمور؟!
  • وها هو زهايمر النائب العام في المطالبة بإقالة النائب العام السابق ،فإذا تم ذلك طالبوا بعودته وإقالة النائب العام الجديد في إطار إضطراب في الذاكرة يعبر عن حالة من الزهايمر السياسي.
  • وهاهي دعوة الجيش للعودة لمشهد السلطة في إطار زهايمر يصيبهم حتى في إطار ما يعتقدون به أيدلوجيا ، بأي ليبرالية تؤمنون؟، والى أي أيدلوجية مدنية تستندون في مطالبتكم بعودة الجيش في سدة الحكم؟، وأي اختيار هذا بين عودة الجيش ورفض الصناديق؟، وأين هذا من مطالبتكم من قبل بمحاكمتهم على أحداث ماسبيرو وأخواتها.
  • ويتواكب مع ذلك دعوة أخرى في إطار استدعاء الخارج على ألسنة بعض رموز من جبهة الإنقاذ، ثم بعد ذلك هم في زيارة كيري يرفضون تدخل الخارج لأنه يطالبهم بغير ما يعتقدون وإلى غير ما يرتكنون، وهم يذهبون للاجتماع بالسفيرة الأمريكية من قبل تارة واستدعاء الخارج تارة أخرى.
  • وهاهم في وقت من الأوقات يطالبون بالتطهير وعزل الفلول فإذا بهم يحتضنونهم وينسقون ويوثقون علاقاتهم بهم وقد أصابهم زهايمر الفلول، وهاهم في النهاية ينتقلون من تأييد لألتراس الأهلي لتأييد لأهل بورسعيد في حال من زهايمر مصحوب بسياق من الانتهازية السياسية.
وهاهي بعض مؤسسات الدولة في عهد مبارك المخلوع تزيّن له استبداده وفساده فإذا بهم الآن يركبون موكب الثورة، أويستأسدون في معارضة منظومة السلطة وعلى رأسها الرئاسة وقد كانوا يحملون المباخر للنظام السابق ويسيرون في مواكب تزوير الانتخابات، ويزينون للسلطة كل أفعالها الفاسدة المستبدة في كثير من الخطابات. هاهي المؤسسات تصاب بالزهايمر المؤسسي في المواقف وفي الخطاب تعتمد في ذلك على ضعف ذاكرة الشعوب والرهان على نسيانها وغفلتها.

وهاهو الزهايمر الذي قد يصيب بعض الثوار حينما يتغافلون عن قيم ثورة 25 يناير في الثمانية عشر يوما ويمارسون عملا ضد سلمية هذه الثورة وحضاريتها وعناصر الجامعية فيها وينزلقون إلى مهاوي الاستقطاب وإلى دركات الانقسام والتشرذم في إصابة قاتلة بزهايمر ثوري يضرب الثورة في مقتل.

إننا نعول في كل هذا على ذاكرة الثورة وذاكرة الوطن وذاكرة هذا الشعب العظيم الذي يعى مصالحه ولا يغفل عن أهدافه ومكاسب ثورته وجامعية سفينة الوطن ومصالحها العليا.
تعالوا إذا نخرج من حالة الزهايمر السياسي بكل أعراضه لأن ذاكرة الشعوب لن تغفرلنا ما أغفلنا وما تناسينا.


الجمعة، 8 مارس 2013

الحوارات الوطنية.. شهادة من حزب مصر القوية.... محمد المهندس

هذه شهادتي على الحوارات الوطنية التي حضرت عددا من جلساتها ممثلا لحزب "مصر القوية". أنشرها على حلقات متتالية.
راعيت في هذه الشهادة محاولة سرد المعلومات، والبعد عن الانطباعات، والبعد عن التجريح، وتقديم المصلحة العامة.
نشرتها جريدة الشروق مبتسرة؛ فتاهت الشهادة بين اختصار مخل، وبين مساحة ضيقة، وها أنا أنشرها كاملة لعل فيها إفادة أو بها توثيقاً لمشهد بسيط من مشاهد كثيرة يظل المسكوت عنه فيها أكثر من المنطوق..

المشهد الأول
بعد أكثر من أربعة أشهر وتحديدا في الثالث من نوفمبر 2012، تذكر الرئيس محمد مرسي دعوة رموز المعارضة الوطنية إلى حوار مباشر في قصر الرئاسة..
قابل الرئيس يومها السيد عمرو موسى والسيد حمدين صباحي ثم الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، وبعدها بعشرة أيام قابل الدكتور محمد البرادعي.
كنا لا نعلم وقتها هدفاً مسبقاً للحوار، ولكننا رأيناه جميعا بادرة جيدة من الرئيس بأن يستمع لأبرز معارضيه على الساحة السياسية في ظل تصاعد أزمة الدستور الذي وعد الرئيس قبل توليه السلطة وبعدها بألا يطرح للاستفتاء إلا بعد توافق مجتمعي عليه.

طلب مني د. عبد المنعم أبو الفتوح ومن زميلي أحمد عبد الجواد (أمين حزب مصر القوية الحالي) أن نحضر معه حوار الرئيس، وبالفعل صاحبناه إلى قصر الاتحادية حيث كان موعده في الساعة الثالثة عصراً.. انتظرنا في حدود الساعة في غرفة من غرف القصر إلى أن تم إبلاغ الدكتور أبو الفتوح بأن الرئيس في انتظاره على أن يكون الاجتماع على انفراد دون مرافقين، وتفهمنا ذلك، وبدأ الاجتماع المنفرد في حدود الساعة الرابعة عصراً.
انتظرنا د. أبو الفتوح ساعة من الزمن ثم انصرفنا بعد أن طال اللقاء..
في حدود الساعة الخامسة والنصف تقريباً حادثني د. أبو الفتوح هاتفياً ليحكي لي ما دار في الحوار بينه وبين الرئيس؛ لأخبر الإعلام بتفاصيل اللقاء..

تحدث أبو الفتوح مع الرئيس في أربع نقاط أساسية:
  • حيث كانت الأولى متعلقة بأزمة الدستور والتوافق حوله ودور الرئاسة الواجب في إحداث التوافق المنشود وألا تنحاز الرئاسة لطرف على حساب الآخر،
  • والثانية: ملف العدالة الاجتماعية الذي لم تبدأ فيه أية إجراءات تعالج الوضع الاقتصادي السيء للغالبية العظمى من المصريين بما يهدد بمزيد من عدم الاستقرار،
  • وكانت الثالثة حول ملف الفساد الضارب في أرجاء مؤسسات الدولة التنفيذية وحتمية التعامل معه بشكل ثوري حاسم،
  • أما النقطة الأساسية الأخيرة فكانت حول إضراب الأطباء وعدالة مطالبهم التي تحتاج استجابة فورية لأنها لا تتعلق فقط بوضع الأطباء ولكنها تتعلق بوضع ملف الخدمات الصحية بالغ التردي للمصريين.
 في ثنايا كلامه للرئيس طالبه أبو الفتوح بأن يضيف إلى جدول زياراته في المحافظات زيارة مصانع ومستشفيات ومدارس وغيرها من أماكن الخدمات حتى تكون الزيارات أكثر فائدة، وكي يكون الرئيس أكثر قربا من عموم الشعب.

استمع الرئيس، وأبدى اهتماماً، وأكد أن بابه مفتوح، وأنه حريص على التواصل، وأنه على استعداد لتقبل النصائح من الجميع بصفته رئيسا لكل المصريين.
 مرت أيام بعد الحوارات الفردية مع رموز المعارضة، ولم نعلم لها أثراً حتى الآن!

المشهد الثاني
بعد أيام قلائل من الحوارات المنفردة، فاجأ الرئيس محمد مرسي الجميع بإعلانه الدستوري الصادم الذي أعلن عنه في الثاني والعشرين من نوفمبر، والذي جعله أول رئيس منتخب في التاريخ يحوز السلطة التنفيذية والتشريعية ويحصن قراراته من السلطة القضائية، إضافة إلى سلطته المنفردة في إصدار الإعلانات الدستورية في استنساخ سيء لإعلانات المجلس العسكري. خطب الرئيس بعدها في أنصاره أمام قصر الاتحادية بصورة هزت من صورته كرئيس منتخب لكل المصريين.

اشتعل الشارع غضبا من الإعلان الدستوري وما فيه من بعض المواد التي تؤسس لسلطة مطلقة حتى ولو كانت مؤقتة، وبعد أن تأزمت الأمور، وسقط شهداء وجرحى وحرقت مبانٍ ومقرات، وزادت أعداد المتظاهرين في الشارع، قررت الرئاسة بعد فترة طويلة الدعوة إلى حوار وطني، ولكن بعد انتهاء اللجنة التأسيسية فجأة وعلى عجل من مسودة الدستور النهائية وتسليمها للرئيس الذي أعلن بدوره عن موعد الاستفتاء على الدستور في الخامس عشر من ديسمبر.

في اليوم السابق للحوار الذي دعا إليه الرئيس، تواصل المستشار محمود مكي نائب رئيس الجمهورية مع د. عبد المنعم أبو الفتوح، وكذلك السفير رفاعة الطهطاوي رئيس ديوان رئيس الجمهورية، وطالبهما أبو الفتوح في البداية بضمانات لجدية الحوار وكانت تنحصر هذه الضمانات في إعلان الرئاسة رسميا أن الحوار مفتوح لكل الاحتمالات بما فيها إلغاء الإعلان الدستوري أو تعديله وكذلك احتمالية تأجيل الاستفتاء على الدستور، ثم طالبهما د. أبو الفتوح بعد ذلك بتحديد موعد خاص مع الرئيس مرسي لكي يعرض عليه خطة زمنية مقترحة لحل الأزمة، وأنه قادر في حالة استجابة الرئيس لهذه المبادرة على تسويقها لدى كل أطراف المعارضة.

وكانت الخطة الزمنية المقترحة تنص على التالي:
1-      إلغاء الإعلان الدستوري مع إقرار مجلس القضاء الأعلى ببقاء المستشار عبد المجيد محمود كرئيس لمحكمة استئناف بالقاهرة. 
2-      تأجيل استفتاء 15 ديسمبر.
3-      إعادة التوازن لتشكيل الجمعية التأسيسية بالتوافق من خلال تقليل نسبة التقسيمة الحزبية، وضم شخصيات مستقلة وقانونية وشبابية.
4-      تشكيل لجنة من أساتذة القانون الدستوري المستقلين؛ للقيام بحصر المقترحات من القوى السياسية لتعديل المسودة المطروحة حالياً، وتقديم صياغة جديدة وفق هذه المقترحات والتعديلات حتى يمكن تقديمها للجمعية المعدلة (تنهي عملها 25 ديسمبر)
5-      تقوم الجمعية التأسيسية المعدلة بمناقشة صيغ المواد الدستورية المقترحة من لجنة أساتذة القانون الدستوري (تنهي عملها 5 يناير)، على أن تتعهد بقبول الصياغة النهائية التي ستقدمها لجنة أساتذة القانون الدستوري.
6-      تقوم لجنة أساتذة القانون الدستوري بالصياغة النهائية للتعديلات المقترحة من الجمعية المعدلة (تنهي عملها في 10 يناير).
7-      تقوم الجمعية التأسيسية بتقديم مسودة الدستور الجديد للرئيس قبل 15 يناير 2013.
8-      يقوم الرئيس بالدعوة للاستفتاء يوم 31 يناير 2013، وإذا كانت النتيجة بالموافقة تبدأ إجراءات الانتخابات البرلمانية يوم 1 أبريل 2013.
9-      تكوين لجنة من الخبراء القانونيين المستقلين مكونة من 15 شخص ترشحهم الأحزاب السياسية لصياغة قانون الانتخابات بمجرد الانتهاء من كتابة الدستور وصدور قرار الرئيس بالدعوة للاستفتاء.
10- انسحاب جميع القوى السياسية من الميادين وعدم النزول الى الشارع أو الدعوة للمظاهرات أو الاعتصامات حتى نهاية الاستفتاء ( 1 فبراير 2013).

لم يرد نائب الرئيس، ولا رئيس الديوان على اقتراح المقابلة الخاصة بالقبول أو الرفض حتى صباح اليوم التالي، مما أدى إلى إعلان الحزب عن عدم المشاركة في الحوار، وأوفد رئيس الحزب أحد أعضاء المكتب السياسي (د. محمد الشهاوي) للقصر الرئاسي لتسليم المبادرة والخطة الزمنية المقترحة، ولم يتمكن يومها من الدخول بحجة أن اسمه ليس مدرجاً في قائمة المدعوين رغم الاتصال المسبق بالدكتور/ ياسر علي المتحدث باسم الرئاسة!

خلصت جلسة الحوار الذي حضره بعض الشخصيات الوطنية العامة وبعض القوى السياسية وقاطعته قوى المعارضة الأساسية إلى إلغاء الإعلان الدستوري مع بقاء آثاره، واستمرار الاستفتاء على الدستور في موعده بعد تأجيل بدء تصويت المصريين في الخارج لمدة أربعة أيام.

رغم أن رؤيتنا في حزب "مصر القوية" على أن الإبقاء على موعد الاستفتاء لن يكون حلا كاملاً للأزمة السياسية؛ إلا أننا اعتبرنا أن خروج الحوار بنتيجة اتفقنا مع بعضها كان بادرة خير شجعتنا على قبول حضور جلسات الحوار الوطني المعلن عنها والخاصة بالنظر فيما يسمى بالوثيقة الملزمة للتعديلات الدستورية.

المشهد الثالث

عقدت الجلسة الثانية للحوار الوطني في أحد فنادق مصر الجديدة يوم الثلاثاء 11 ديسمبر برعاية السيد نائب رئيس الجمهورية وفي حضور أحزاب الحرية والعدالة والنور والوسط والبناء والتنمية ومصر القوية وغد الثورة والتيار المصري، وبعض الشخصيات العامة مثل د. محمد سليم العوا، ود. ثروت بدوي، ود. أحمد كمال أبو المجد، والصحفي وائل قنديل، ود. باكينام الشرقاوي مساعد رئيس الجمهورية للشؤون السياسية، ود. أحمد عبد العاطي مدير مكتب رئيس الجمهورية!

ترأس الجلسة م. أبو العلا ماضي رئيس حزب الوسط بصفته مكلفاً من الرئاسة بإدارة جلسات الحوار.. افتتح الجلسة المستشار محمود مكي بكلمة أشار فيها إلى عدم علمه بصدور الإعلان الدستوري، وأنه لم يستشر فيه، وأنه كان رافضاً له، ودعا المتحاورين إلى تقديم مقترحاتهم حول الوثيقة الملزمة لتعديل الدستور.

اشتمل جدول الأعمال المقترح لجلسات الحوار على 3 نقاط هي:
  • قانون انتخابات مجلس النواب،
  • وتعيينات مجلس الشورى، 
  • والوثيقة الملزمة،
  • واقترحنا – كحزب مصر القوية – إضافة بند رابع خاص بقانون انتخاب الجمعية التأسيسية الجديدة في حال رفض الدستور في الاستفتاء من غالبية الشعب المصري، وتمت الموافقة على إضافة هذا البند.
 بدأنا الجلسة بالحديث عن معنى الإلزامية المقصود فيما يسمى بالوثيقة الملزمة للتعديلات الدستورية وحول مدى الالتزام، وشهد الحوار سخونة في هذه النقطة التي استمر النقاش حولها طويلاً، وأصر ممثلوا الحرية والعدالة والنور والبناء والتنمية على التأكيد بأنهم أكثر الأحزاب التزاماً بما يتم الاتفاق عليه، وأن التزامهم لا يمكن الرجوع عنه.

رغم الشواهد الكثيرة على عكس ذلك الالتزام؛ إلا أني استشهدت بموقف وحيد، وهو ما جرى من حوارات في الهيئة الاستشارية لرئاسة الجمهورية برعاية د. سيف عبد الفتاح ود. باكينام الشرقاوي حول التعديلات المطلوبة على مسودة الدستور قبل التصويت عليها بشكل نهائي، والتي حضرها أحزاب الحرية والعدالة والبناء والتنمية والنور والمصري الديمقراطي الاجتماعي والوسط ومصر القوية التيار المصري إضافة إلى حركة 6 أبريل وبعض الشخصيات الشبابية مثل إبراهيم الهضيبي ومحمد أبو الغيط، وفي حضور أعضاء من الجمعية التأسيسية مثل د. محمد محي ود. جمال جبريل ود. أميمة كامل، وقد خرجت هذه الحوارات بتوصيات متفق عليها من جميع الحضور، ولم يتم الالتزام بها.

رفض م. أبو العلا ماضي هذا التشبيه واعتبر أن كل من حضروا هذا الحوار مخطؤون؛ لأن رئاسة الجمهورية لا علاقة لها بالجمعية التأسيسية ولا تأثير لها على أعضائها (!)، وعندما أخبرته أن ذلك قد تم في حضور أعضاء من الجمعية التأسيسية، اعتبر أن ذلك خطأ منهم أيضاً (!)، وأن الجمعية التأسيسية فقط كانت الجهة الوحيدة التي يجب أن توجه إليها أي طلبات للتعديلات (!)، وفضلت السكوت على هذا المنطق (!)، خاصة أن الزميل محمد القصاص من التيار المصري قد قام بالواجب في هذا الأمر، ضاربا أمثلة أكثر تتعلق بمدى عدم الالتزام طوال عامي الثورة.

طُرحت مقترحات في هذا الإطار لتحديد مدى الإلزام المشار إليه.. كان من ضمن هذه المقترحات توقيع رئيس الحزب على الوثيقة وموافقة الهيئة العليا للحزب، والتوقيع العلني على تلك التعديلات.
بعد شد وجذب، تم الاتفاق في النهاية على التزام رئيس الجمهورية بتقديم الوثيقة كما هي إلى البرلمان، والتزام الأحزاب ونوابها في البرلمان القادم بالوثيقة الموقع عليها من ممثل الحزب في الحوار.

في هذه الأثناء علمنا بدعوة وزير الدفاع الفريق/ عبد الفتاح السيسي للقوى السياسية لحوار في مقر القرية الأوليمبية، وأبدينا قلقا بالغاً لهذه الدعوة الموازية، وخرج مدير مكتب الرئيس من جلسة الحوار مسرعاً تبدو عليه علامات التوتر والانزعاج، ثم عاد بعد قليل ليخبرنا بأن الدعوة أخذت أكبر من حجمها وأنها كانت مجرد دعوة اجتماعية لا علاقة لها بالشأن السياسي! (من المعلوم أن الدعوة تم إلغاؤها رغم إعلان رموز جبهة الإنقاذ عن الاستجابة لها واعتبار بعضهم أن الدعوة تعد أهم تطور سياسي في مصر!!).

استمرت الجلسة بعد ذلك بطرح كل حزب لرؤيته للتعديلات الدستورية المقترحة، مع الاتفاق على أن تنعقد اللجنة القانونية المصغرة لدراسة التعديلات المقترحة وصياغتها وتبويبها تمهيدا للجلسة التالية.

المشهد الرابع

أجلت الجلسة الثالثة إلى الخميس 13 ديسمبر بدلا من الأربعاء 12 ديسمبر، وعقدت الجلسة في قصر الاتحادية في حضور شخصيات تحضر للمرة الأولى مثل الأب رفيق جريش ممثلا للكنيسة الكاثوليكية والقس رفعت فتحي ممثلاً للكنيسة الإنجيلية والسياسي رامي لكح والمستشار محمد عبد السلام ممثل الأزهر إضافة إلى الدكتور أيمن علي مستشار الرئيس لشؤون المصريين بالخارج!

انقلب الاهتمام فجأة دون أي مقدمات من الحديث عن الوثيقة الملزمة إلى تعيينات مجلس الشورى.
عرفنا أن اجتماعاً مصغراً انعقد ظهر نفس اليوم قبل بدء الحوار للجنة سباعية بعضوية م. أبو العلا ماضي ود. محمد محسوب ود. أحمد كمال أبو المجد ود. محمد سليم العوا ود. ثروت بدوي والمستشار محمد عبد السلام (أو أ. عصام سلطان لا أتذكر) ود. أحمد عبد العاطي لتحديد موعد صدور قرار التعيينات، وتقديم معايير لاختيار الشخصيات المعينة، وبعض الأسماء المقترحة كشخصيات عامة.

عرضت اللجنة القانونية والسياسية المصغرة ما توصلت إليه بغالبية أعضائها وكان كالتالي:
1-   حتمية صدور قرار التعيين لأعضاء مجلس الشورى قبل إجراء الاستفتاء في الخامس عشر من ديسمبر؛ لأن المادة 230 من مسودة الدستور المستفتى عليه تشير إلى "مجلس الشورى القائم بتشكيله الحالي" وهو ما يعني أنه لا يجوز تغيير تشكيلة المجلس بعد استفتاء الشعب عليه.
2-   معايير التعيينات لمجلس الشورى، وهي:
             (‌أ)      لا يتم تعيين أي من أعضاء حزبي الحرية والعدالة والنور؛ حيث أن لهم أغلبية تتجاوز 80% في تشكيلة ما قبل التعيين، وضمانهم الأغلبية المطلقة (حوالي 54 %) حتى بعد تعيين 90 عضواً من خارج الحزبين.
            (‌ب)  تقسم المقاعد التسعين إلى 60 مقعدا للشخصيات الحزبية و30 مقعدا للشخصيات العامة.
            (‌ج)  تقسم الشخصيات الحزبية وفق قاعدة نسبية تراعي مقاعدهم التي حصلوا عليها في آخر انتخابات لمجلس الشعب، على أن تحصل الأحزاب الحاصلة على 10 مقاعد فأكثر على 12 مقعداً، والأحزاب الحاصلة على 5 مقاعد فأكثر على 7 مقاعد، والأحزاب الحاصلة على أقل من 5 مقاعد على 5 مقاعد، والأحزاب الجديدة الفاعلة الحاصلة على الرخصة على 3 مقاعد (تحديدا الدستور ومصر القوية)، وغير الحاصلة على الرخصة على مقعدين (تحديدا التيار المصري)، وتم حصر هذه الأحزاب (منها الدستور والتحالف الشعبي الاشتراكي والمصري الديمقراطي الاجتماعي والوسط ومصر القوية والتيار المصري والبناء والتنمية والمصريين الأحرار والإصلاح والتنمية وغد الثورة والكرامة)
           (‌د)    يحصل الأزهر على 5 مقاعد، والكنائس الثلاثة على 8 مقاعد (4 للأرثوذكسية، و2 للكاثوليكية، و2 للإنجيلية) على أن ترشح الشخصيات مباشرة من جهاتها.
3-   تم اقتراح بعض الشخصيات العامة القانونية والأكاديمية والثقافية والفنية.

حدثت حوارات قانونية طويلة حول موعد قرار التعيين الذي اعتبرته اللجنة المصغرة حتمياً حتى لا يطعن على قرار التعيين دستوريا بعد ذلك في حال الموافقة على الدستور، وتبنى هذا الرأي بكل قوة المستشار محمود مكي؛ لأنه لا يريد أي عوائق دستورية جديدة، وأيده في ذلك أساتذة القانون الكبار جميعاً، في حين اعترض بشدة مدير مكتب الرئيس ووافقه في ذلك ممثلا الحرية والعدالة والنور.

كذلك أبدى ممثلا الحرية والعدالة والنور اعتراضهما على عدم تعيين أي من أعضائهما في مجلس الشورى رغم محاولات المستشار مكي وكل الحضور على إقناعهما بأهمية هذه النقطة وبأنها ستبعث على الاطمئنان والارتياح في الشارع السياسي، وأن عدم التعيين لحزبي الأغلبية سيحمل رسالة ضمنية بأن الحوار مجدٍ، وأن الحزبيين الكبيرين حريصان حقا على التوافق الوطني وعلى صدور قوانين مجلس النواب وغيره بمشاركة كل القوى السياسية.
اعترض أ. رامي لكح على عدم تضمين حزبه في قائمة الأحزاب الفاعلة، وأصر على إدراجه وهو ما وافق عليه مدير الجلسة م. أبو العلا ماضي!

أصررت على فتح ملف الوثيقة الملزمة، حيث لاحظت خفوتا شديدا في الاهتمام بها، وفاجئني د. فريد إسماعيل بقوله لي أن مقترحاتنا في حزب مصر القوية بخصوص المواد الدستورية تمت مناقشتها في اللجنة التأسيسية، وأنها قتلت بحثاً، ولا داعي للنقاش حول التعديلات (!)، وحين افتتحت الأمر وبعد نقاش مستفيض تبين أن مجلس النواب القادم لن يتمكن منفرداً من إقرار التعديلات الدستورية المقترحة في الوثيقة الملزمة (!)، وأن مجلس الشورى المنتخب بعد عام من انتخاب مجلس النواب سيكون هو المشارك في هذا الإقرار بعد موافقة ثلثيه على التعديلات؛ لأن مجلس الشورى الحالي ستسحب منه سلطة التشريع كاملة، وبالتالي فالأولى ألا يكون له الحق في المشاركة في التعديلات الدستورية، وهو ما يعني ببساطة أن التعديلات المقترحة لن تقدم إلى استفتاء للشعب قبل سنتين على الأقل (4 أشهر تقريبا لحين انتخاب مجلس النواب + 12 شهرا لحين بدء إجراءات انتخاب مجلس الشورى الجديد + شهران لحين انتهاء الانتخابات + 4 أشهر لحين تقديم المقترحات والنقاش حولها وإقرارها بأغلبية ثلثي المجلسين + شهران لحين الاستفتاء علي التعديلات شعبيا)!!!

طالبت – كممثل لحزب مصر القوية - بتعهد من الأحزاب المشاركة في مجلس الشورى الحالي على عدم إصدار قوانين من مجلس الشورى الحالي تتعلق بتشكيل الهيئات المستقلة الجديدة (المجلس الوطني للتعليم والبحث العلمي والمجلس الوطني للإعلام والهيئة الوطنية للصحافة والإعلام والهيئة العليا لحفظ التراث والهيئة العليا لشؤون الوقف والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والمفوضية الوطنية لمكافحة الفساد) وكذلك تعهد الرئيس بعدم تعيين أي من رؤساء هذه الهيئات حتى يتم انتخاب مجلس الشورى الجديد، وتم تجاهل هذا الأمر، وتأجيل مناقشته رغم أهميته الشديدة.

في نهاية الجلسة أبديت أسفا شديداً على الرغبة في الاستئثار التي ظهرت من البعض، والرغبة في الحصول على مكاسب خاصة من البعض الآخر، وأعلنت اعتذار حزب "مصر القوية" المبدئي عن تعيين أي من أعضائه في مجلس الشورى؛ وكان رأي الحزب في ذلك معتمداً على أنه يفضل ترشيح شخصيات عامة وقانونية، ولأن الحزب لا يريد أن يحصل على مكافأة على حضور الحوار، ولأن الحزب كذلك كان لديه اعتراض مبادئي خاص بطريقة بقاء مجلس الشورى وعلى فكرة التعيين في المجالس النيابية بشكل عام.

انتهت الجلسة الطويلة باتفاق على أن ترسل الأحزاب أسماء مرشحيها بعد ظهر الجمعة 14 ديسمبر على أن لا تشتمل على فلول للحزب الوطني، وعلى ألا يقل سن المرسحين عن سن العضوية في مجلس الشورى (35 سنة)؛ حتى يصدر بها قرار رئيس الجمهورية قبل بدء الاستفتاء على مسودة الدستور صباح السبت 15 ديسمبر بناء على الرأي القانوني الذي انتهت به الجلسة المصغرة والجلسة العامة.

التزمنا في المكتب السياسي لحزب مصر القوية بقرارنا بعدم ترشيح أي من أعضاء الحزب، ومر يوم الجمعة كاملاً دون صدور قرار التعيين.

لم يصدر ذلك القرار إلا في مساء السبت 22 ديسمبر دون مراعاة للمحاذير الدستورية التي تخوف منها أساطين القانون في مصر ثروت بدوي وأحمد كمال أبو المجد وسليم العوا ومحمود مكي!!!
كما لم يتم الالتزام بالمعايير التي وضعتها اللجنة المصغرة، وتم كذلك تعيين أعضاء سابقين في الحزب الوطني!!!


المشهد الخامس

حضرت الجلسة الأخيرة من جلسات الحوار الوطني في نسخته السابقة في قصر الاتحادية يوم الاثنين 31 ديسمبر، وكانت أطول الجلسات على الإطلاق حيث استمرت لأكثر من ثماني ساعات متواصلة، وشارك فيها إضافة إلى الأحزاب المشار إليها بأعلاه أحزاب مصر والإصلاح والتنمية وكذلك د. سامح فوزي.

تم النقاش في هذه الجلسة حول قانون انتخابات مجلس النواب، واستمر تجاهل أمر الوثيقة الملزمة التي يبدو أن الاهتمام بها لم يعد ذا أهمية في ظل تمرير الدستور بالفعل! حضر الجلسة لأول مرة 3 أعضاء مجتمعين من قيادات حزب الحرية والعدالة وهم د. أحمد دياب ود. محمد البلتاجي إضافة إلى د. فريد إسماعيل الذي حضر كل الجلسات السابقة.

أدار الجلسة في نصفها الأول د. محمد محسوب، وفي نصفها الثاني د. محمد سليم العوا.
كان هناك إصرار من إدارة الجلسة على اقتصار التعديلات على أضيق النقاط وبما يتوائم فقط مع الدستور الجديد، وكانت الحجة في ذلك أن مجلس النواب القادم هو المخول بعمل تعديلات جوهرية في قانون الانتخابات أو في قانون مباشرة الحقوق السياسية.

قدمت مقترح حزب مصر القوية والخاص بتلافي العيوب التي أنشأها النص الدستوري العجيب الذي قسم نسبة النواب إلى ثلثين للقوائم وثلث للفردي، وكذلك على نسبة النصف للعمال والفلاحين رغم تفريغ النسبة من مضمونها بتعريف جديد للعمال والفلاحين.

بني المقترح على نقطتين أساسيتين:
1-   تغيير في القوائم لتكون نسبية مفتوحة بدلا من النسبية المغلقة حتى لا يضطر الناخب إلى اختيار أعضاء لا يرغب فيهم وحتى لا نكرر تجربة مجلس الشعب السابق الضعيف في كفاءة نوابه بشكل عام، وأن تكون القائمة مكونة من أربعة أفراد فقط على مستوى كل الدوائر على أن يعطى الحق للناخب في اختيار قائمة كاملة عند التأشير عليها دون الالتزام بالتأشير على أعضائها جميعاً.

2-   إعادة توزيع الدوائر بشكل عادل حسب قاعدة موحدة لكل الدوائر حيث يكون هناك نائب لكل 100 ألف صوت انتخابي، مع الحفاظ على وحدة المحافظات وعدم دمجها، وكذلك تقسيم أسوان لدائرتين انتخابيتين حتى يمكن تمثيل النوبيين في البرلمان، وذلك وفقا للجدول التالي:



أعطى المقترح كذلك سلطات أعلى للجنة العليا للانتخابات في الكشف عن التجاوزات في الدعاية من ناحية المحتوى الدعائي أو سقف الإنفاق، وكذلك الحق في متابعة الانتخابات بكل مراحلها من قبل منظمات المجتمع المدني المصرية والأجنبية بتصريح مسبق من اللجنة العليا للانتخابات، وغير ذلك من المقترحات.

تم رفض مناقشة المقترح، واستمر الإصرار على فكرة التعديلات المبسطة مع رغبة عارمة من حزب الحرية والعدالة في تمرير القانون السابق كما هو بعد إجراء التعديلات التي تتوائم مع الدستور الجديد.

أعلنت تحفظ الحزب على تعديلات القانون بشكل كامل، وأبديت استيائي الشديد من الأحزاب التي أصرت على تشويه طريقة الانتخاب بالشكل العجيب الذي صدر في الدستور، وأن الرغبات الحزبية الخاصة التي لا تراعي المصلحة العامة هي التي تؤدي إلى وقوعنا في مآزق قانونية ودستورية كنا في غنى عنها.

استمر الحوار، وكانت هناك رغبة شديدة من حزب الحرية والعدالة على رفع العتبة الانتخابية للمقعد في الدائرة الواحدة حيث اقترحوا أن تكون 5% للقائمة الناجحة بحد أدنى، وكذلك اقترحوا أن يعلن فوز الحاصل على أعلى الأصوات في المنافسة على المقاعد الفردية حتى ولو لم يحصل ذلك الفائز على الأغلبية المطلقة.

وبعد بعض الجدال تم الاتفاق على أن تكون العتبة الانتخابية هي ثلث حصة المقعد الواحد (أي 8.33 % في حالة القوائم ذات الأربعة مقاعد، و4.16 % في حالة القوائم ذات الثمانية مقاعد) في مقابل أن يتنازل حزب الحرية والعدالة عن رفضه لوضع المرأة في النصف الأول من القوائم التي تحتوي على عدد أكثر من أربعة مقاعد.

اتفق الحضور أيضاً على منع تغيير الصفة التي تم انتخاب النائب عليها (حزبي لمستقل أو العكس).

انتحيت بالمستشار محمود مكي نائب رئيس الجمهورية، وسألته عن أسباب عدم الالتزام بما تم الاتفاق عليه بخصوص تعيينات الشورى، وهل هذا يشجع على الاستمرار في الحوار، فطالبني بالصبر، وعدم الانسحاب من الحوار، وتعلل بأن عدم الإجماع من كل الحضور كان السبب في عدم الالتزام بما تم الاتفاق عليه.

أبديت اعتراضا على منطق الإجماع في توصيات الحوار، وطالب المستشار مكي بالتوافق أولا في مواد القانون، وإن لم يحدث التوافق المنشود نلجأ إلى التصويت؛ إلا أن أعضاء الحرية والعدالة اعترضوا بشدة وقالوا أن التصويت لا بد أن يكون بعد مراعاة الوزن النسبي للأحزاب، وهو ما شجعني على عدم الاستمرار في المناقشة.

خرج الحوار بتعديلات طفيفة على قانون انتخابات مجلس النواب مع تحفظ من حزب مصر القوية.
أعلن في المساء عن توصل جلسات الحوار الوطني إلى صيغة موحدة لقانون مجلس النواب، وأن الأحزاب المشاركة في الحوار ستلتزم بالصياغة التي تم الاتفاق عليها.

خالفت أحزاب الأغلبية في مجلس الشورى ما تم الاتفاق عليه في جلسات الحوار الوطني، بل وجاهر د. محمود غزلان عضو مكتب إرشاد الجماعة في حديثه لقناة مصر 25 بأن الحوار غير ملزم وأن المشاركين فيه لا يستطيعون إجبار المجلس المنتخب (من أقل من 5 % من الشعب المصري!) على أي شيء.

المشهد السادس والأخير

بعد ظهور أزمة جديدة في سلسلة الأزمات المتكررة، والمتعلقة بما حدث في أزمة ذكرى الثورة وسقوط شهداء في السويس ثم سقوط العشرات أمام سجن بورسعيد بعد أحكام مذبحة استاد بورسعيد، طرح رئيس حزب مصر القوية د. عبد المنعم أبو الفتوح مبادرة شخصية حول تشكيل لجنة مساعدة لإدارة الأزمة من الأطراف الفاعلة في المشهد المصر، على أن يرأسها رئيس الجمهورية، وأن يشارك فيها أطراف الاستقطاب السياسي الحاد الفاعلين بشخصياتهم الفاعلة المؤثرة، وأن تقوم اللجنة بالمناقشة حول الآتي:
1-   تشكيل حكومة إنقاذ وطني.
2-   البحث في آليات لتحقيق العدالة الانتقالية.
3-   وضع آليات لإدارة حوار وطني.

رحب د. محمد البرادعي بالمبادرة وإن أبدى رغبة في إضافة الفريق السيسي إلى اللجنة المقترحة، وكذلك د. محمد سعد الكتاتني، ولم يعط السيد حمدين صباحي ردا نهائياً في حين لم يرد المهندس خيرت الشاطر.

دعا رئيس الجمهورية لجلسة جديدة من الحوار.

حضر إلى منزل الدكتور أبو الفتوح وزراء الصناعة والسياحة والإسكان، وأبلغوه بأن الرئاسة موافقة مبدئيا على تصوره للجنة إدارة الأزمة، وطالبوه بحضور الحوار في ظل أزمة اقتصادية خانقة تمر بها البلاد، وأن الحكومة في مشاكل حقيقية تتعلق بالقدرة على إدارة البلاد في ظل هذا الاحتقان السياسي.

كنا على موعد للمشاركة في اتخاذ قرار بالمشاركة في الحوار من عدمه، وتم إجراء اتصالات بأعضاء في جبهة الإنقاذ (د. البرادعي ود. وحيد عبد المجيد ود. عبد الجليل مصطفى ود. عمرو حمزاوي) وكذلك بعض أعضاء الهيئة الاستشارية للحزب للتباحث حول الأمر، ثم تم الاستقرار على المشاركة في الحوار لعرض مبادرة رئيس الحزب، والتي تبناها الحزب بعد ذلك، على أن يحضر رئيس الحزب د. عبد المنعم أبو الفتوح بنفسه للحوار.

كما تبنى الحزب تصوراً لآلية الحوار الوطني تحت عنوان "شعب واحد.. وطن واحد" نصت على التالي:

تعريف المشروع:
       مشروع مقترح مقدم للجنة إدارة الأزمة المشار إليها في مبادرة د. عبد المنعم أبو الفتوح حول آلية إدارة الحوار الوطني.

هدف المشروع:
       الوصول لحد أدنى من التوافق الوطني يعضد الوحدة الوطنية ويعمل على استكمال أهداف الثورة

التصور العام:
      1-    وضع آليات للحوار الوطني تضمن الالتزام بها من كافة الأطراف الفاعلة. 
      2-    تشكيل أمانة عامة للحوار، واللجان الفرعية.

اللجان الفرعية:
1-   لجنة سياسية عامة: تختص بداية بتشكيل حكومة إنقاذ وطني، ويمتد عملها لتقديم المشورة السياسية للسيد رئيس الجمهورية، وللحكومة. 
2-   العدالة الانتقالية: مسؤولة عن وضع التصور العام لإقرار قانون للمحاسبة عن كافة جرائم النظام السابق والمرحلة الانتقالية. 
3-   إعادة الهيكلة والتطهير الإداري: مسؤولة عن تطهير كافة مؤسسات الدولة من كافة مظاهر الفساد 
4-   لجنة التعديل الدستوري: مسؤولة عن الاتفاق على الوثيقة الملزمة لتعديل الدستور. 
5-   لجنة الاقتصاد والعدالة الاجتماعية: مسؤولة عن تقديم حلول اقتصادية وتطبيق العدالة الاجتماعية. 
6-   الحريات والحقوق: مسؤولة عن ملفات الإعلام، والانتخابات، والوضع القانوني للجمعيات. 
7-   لجنة العلاقات المدنية العسكرية: مسؤولة عن ضبط العلاقة بين المؤسسة العسكرية وكافة سلطات الدولة بما لا يؤثر على أداء تلك المؤسسة في خدمة الوطن، وبما لا يؤثر على استقلالية سلطات الدولة. 

التوصيات:
1-   إصدار قرارات جمهورية بما يتم التوافق عليه من إجراءات تنفيذية، أو إصدار قوانين تلتزم بها الأحزاب المشاركة في الحوار من خلال هيئاتها البرلمانية. 
2-   اعتبار نتائج الحوار نواة لمؤتمرات قومية متخصصة في كافة المجالات المشار إليها. 

المدة الزمنية:
لحين انتهاء انتهاء انتخابات مجلس النواب.

ضوابط نجاح الحوار:
-         توافر الجدية والإرادة لدى جميع الأطراف الفاعلة في الساحة السياسية. 
-         التوقيع على التوصيات المتفق عليها وفق آلية إلزام واضحة. 
-         عرض ما تتوصل إليه اللجان الفرعية على الرأي العام أولا بأول. 
-         إدانة كل مظاهر العنف من أي طرف. 
-         وقف التراشق الإعلامي بين كافة الأطراف.

لم نتلق رداً على المبادرة حتى الآن، ثم ظهرت مبادرة حزب النور، ولم يظهر رد رسمي عليها حتى الآن.

هذه الطريقة المجربة في الحوار لن تؤدي إلى نجاح مأمول، ولن تؤدي إلى نتائج حقيقية إلا إذا حدث اتفاق مسبق على آليات واضحة لإنجاح الحوار.

قد تمر هذه الأزمة، ولكن لهيب النار يزداد.. قد تنجح السلطة تحت ضغط عامل الزمن وكفر العامة بالسياسة بتمرير بعض مشروعاتها الانفرادية في السلطة، ولكنها تعرض أمن البلاد حينئد للخطر لأنها تغطي على الجروح ولا تطهرها وتعالجها.
لا زالت هناك فرصة في التوافق على حلول عملية تشاركية لخروج البلاد من أزمتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية إن حسنت النوايا، وتم إدراك مدى المسؤولية عن مصريين يعانون الفاقة، والظلم، والقهر أملوا كثيرا بعد الثورة في تخفيف معاناتهم التي استمرت عشرات السنين.

استقيموا يرحمكم الله

لماذا لم تقنن جماعة الإخوان المسلمين وضعها غير القانوني؟ ..... وائل غنيم


بعد الثورة أعلن مختلف قيادات الإخوان ومكتب إرشادها وعودا بتقنين الأوضاع غير القانونية للجماعة. الوضع غير القانوني سببه أن هناك كيان من مئات الآلاف من الأفراد يمارس عملا سياسيا واجتماعيا عبر لوائح وقوانين داخلية في الجماعة تنظّم عمله ولا تخضع للقانون المصري الذي ينظم عمل الجمعيات والمؤسسات كما أن الجماعة لا تخضع للرقابة على موارد ومصارف التمويل لها كمثلها من الأحزاب السياسية.

الجماعة أعلنت بوضوح نيتها تقنين أوضاعها بمجرد إصلاح القوانين، واعترف قيادات الجماعة أن الوضع غير القانوني يعد ممارسة غير ديمقراطية. لأنه لا يمكن في أي دولة ديمقراطية راسخة أو ناشئة أن يُقبل بفكرة أن يمارس تنظيم سري العمل السياسي. وكانت أولى خطوات ذلك إنشاء حزب سياسي وإعلان الفصل الكامل بين الحزب والجماعة من حيث الإدارة. هكذا أعلنوا وقتها. 

دخل الإخوان البرلمان، ولم يتم تقنين الوضع غير القانوني للجماعة، بالرغم من أنها ملكت زمام السلطة التشريعية القادرة على تعديل القانون بما يناسب وضع الجماعة وباقي الحركات والتيارات التي تمارس العمل السياسي خارج إطار الأحزاب. لم يستطع الإخوان الفصل بين الحزب والجماعة، واتخذ مكتب الإرشاد القرارات السياسية المصيرية وأهمها ترشح خيرت الشاطر (ثم محمد مرسي) للرئاسة.

فاز الرئيس مرسي الذي كانت من ضمن وعوده تقنين وضع الجماعة غير القانوني. كُتب الدستور الجديد من أكثرية إخوانية وحدد القانون شروط ممارسة العمل السياسي، ومع ذلك لم تقنن الجماعة أوضاعها غير القانونية. 

اليوم، مجلس شورى بحسب الدستور الجديد لديه سلطة تشريعية مؤقتة، ومع ذلك، لم يظهر أي نية لدى الجماعة أن تحترم دولة القانون والشرعية والديمقراطية وأن تصحح من وضعها غير القانوني.

عمرو عزت الكاتب في المصري اليوم تحدث عن مبدأ "الصندوقراطية" وهو اختزال العملية الديمقراطية في الصناديق الانتخابية فقط مع استمرار وجود مخالفات تطيح بالعملية الديمقراطية كلها. الديمقراطية و"الشرعية" -ذلك التعبير المحبب لقيادات الجماعة- يقتضي ألا تتم أي انتخابات بعد الدستور الجديد قبل أن يتم احترام هذا الدستور وتقنين أوضاع كافة الحركات والجماعات السياسية المؤثرة وذلك ضمانا لتكافؤ الفرص واحترام نصوص القانون الذي يجب أن يسري على الجميع وهي عناصر لا يمكن أن تتم العملية الديمقراطية بدونها. 

باختصار لمن لا يحب الإسهاب والقراءة الطويلة: 

- لدينا دستور (كتبته جمعية تأسيسية الإخوان مثلوا فيها الأكثرية العددية) ينص على علانية العمل السياسي ويضع كافة الأفراد والمؤسسات في المجتمع تحت طائلة القانون والرقابة (بما يضمن حق الجميع في ممارسة العمل التنظيمي سواء الاجتماعي أو السياسي). 

- جماعة لديها سلطة تشريعية، عليها مسؤولية قانونية لإصلاح وضعها غير القانوني، ولم تظهر التزاما بذلك. وتريد خوض الانتخابات البرلمانية في ظل وضعها غير القانوني في مخالفة واضحة وصريحة للدستور. 

هذه هي الأسئلة التي أبحث عن إجابات لها من قيادات الجماعة:
١) لماذا لم تقنن جماعة الإخوان المسلمين وضعها غير القانوني؟ 
٢) متى سيحدث ذلك؟ 
٣) هل من الديمقراطية وجود تنظيم سري (لا يُعرف عدد عناصره وموارد ومصارف أنشطته بعيد عن رقابة القوانين) يهيمن على الحياة السياسية في مصر بعد الدستور الجديد؟

وأنتظر الإجابة ..

هدية من السماء ..................... عماد الدين حسين

لا أعرف هل يجوز قانونا أو عرفا أن أشكر القاضى الجليل المستشار عبدالمجيد المقنن على حكمه بوقف الدعوة للانتخابات النيابية وإحالة القانون الى المحكمة الدستورية ام لا؟.

هذا الحكم هو فعلا هدية من السماء ــ كما قال السياسى الكبير عمرو موسى ــ ليس فقط لمحمد مرسى وجماعة الإخوان، أو حتى للمعارضة وجبهة الإنقاذ، لكن فرصة أكبر لمصر كى تخرج من الحفرة العميقة التى وقعت فيها بفعل فاعل.

هو هدية من السماء إذا أحسن الطرفان التعامل مع الحكم والاستجابة له، كل بطريقته وقد يصبح لا شىء إذا اعتقد كل طرف أنه أمر لا يخصه.

الرئاسة ــ ولأسباب متعددة ــ وجدت نفسها فى طريق مسدود، ورفضت الإنصات لأصوات عقل كثيرة تطالبها بمد يديها إلى المعارضة من أجل توافق سياسى. مد يد بشكل عملى وليس عبر تصريحات ونداءات تلفزيونية بتحديد مواعيد لحوارات وطنية غير ملزمة لأحد يقول فيه كل شخص رأيه ثم ينصرف إلى منزله وكأن شيئا لم يكن.

كثيرون كانوا يقولون إن أى تراجع بعد إقرار القانون سيؤثر على هيبة الرئاسة وصورتها وسمعتها، ورغم أن ذلك ليس دقيقا، فإن الحكم الأخير أعفى الرئاسة من هذا الحرج.

فى المقابل اتخذت جبهة الإنقاذ قرار مقاطعة الانتخابات، وهو ما رآه البعض متسرعا وربما غير مدروس، بما لا يؤثر على توجهات الإخوان والرئيس محمد مرسى بل قد يوثر على مستقبل المعارضة المصرية نفسها، والحكم الأخير أعطى جبهة الإنقاذ فرصة عظيمة تتحرر من هذا القرار.

الآن صار لدينا مساحة زمنية معقولة، إذا صحت الروايات والتقديرات التى تقول إنه لن تكون هناك انتخابات قبل شهر رمضان المقبل فى أغسطس المقبل.

وبالتالى يمكن للفرقاء ــ الحكومة والمعارضة ــ أن يجلسوا معا ليس فقط من أجل إنجاز قانون انتخابات سليم وعادل، بل من أجل التوافق السياسى الحقيقى.

قانون الانتخابات ــ إذا أخلصت النوايا ــ يمكن إنجازه فى أقل من أسبوع، خصوصا فى مسألة التقسيم العادل للدوائر، فى حين أن البعض يقول إنه لايوجد توافق سياسى كامل، وأن المعارضة تريد سرقة كرسى الرئاسة من الإخوان بأى ثمن وتتحجج بكل الحجج الصحيحة والخاطئة.

قد يكون هناك شىء من الصحة فى هذا الاعتقاد، لكن ــ وللمرة المليون ــ فإن الرئاسة تتحمل جانبا كبيرا من مسئولية بذل كل الجهد الممكن للوصول الى حلول وسط للقضايا الخلافية.

محمد مرسى ليس رئيسا لجماعة الإخوان أو حزب الحرية والعدالة هو رئيس لكل المصريين، وبالتالى عليه أن يضع سياسات ويتخذ قرارات لا تفرق بين شخص وآخر على أساس حزبى أو فئوى أو مدنى أو جهوى.إذا وصلت هذه الروح الى المعارضة فالمؤكد أنها ستمد يدها للرئيس.

هذه المعارضة فى المقابل مطالبة بالبرهنة على أن ما يشغلها ليس اسقاط حكم الرئيس المنتخب، بل العمل من أجل مستقبل أفضل للبلاد.

المشاكل التى تحاصر مصر الآن رهيبة وخطيرة وقد تهدد مستقبل الوطن بأكمله.

أمام الحكومة والمعارضة فرصة جاءت من السماء من أجل الخروج من النفق المظلم.. فهل ينتصر العقلاء أم يستمر المتطرفون فى قيادة دفة السفينة الموشكة على الغرق؟

الخميس، 7 مارس 2013

من أخلاقنا كتيار إسلامي... بقلم: لطفي محمد الزوقة

إن الله جميل يحب الجمال، وليس هناك معنى للجمال الذي يحبه الله أحسن من "جمال الأخلاق"، لأن الأخلاق تنبعث من القلب، والقلب الجميل هو مراد الله من عباده،  فإذا صفا القلب بالأخلاق الجميلة، نظر الله إليه، فيأنس العبد ويسعد ويألف ويؤلف، ويرى الخير في كل ما يأتيه من الله وان كان في صورة بلاء، وإذا تكدر القلب بالأخلاق السيئة، صرف الله بصره عنه ويهجره ويجفوه، وما ظنك بعبد جفاه مولاه.
إن معركتنا اليوم هي معركة أخلاقية بالدرجة الأولى فيما بيننا وبين الناس وفيما بيننا وبين أنفسنا، وهي معركة جد صعبة.
  • فأما ما بيننا وبين الناس... فالرحمة واللين والصبر وتحمل الأذى وعفة اللسان والعف و"وما زاد عبد بعف إلا عزًّا"، وإن هدفنا الجنة وما جهادنا السياسي للتمكين لأمر الله في خلق الله إلا لأننا نرى أنه من طرق الجنة (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ) (الأعراف: من الآية 54)، فلا يجب أن يتحول جهادنا هذا من باب كسب الحسنات إلى باب تحمل السيئات بسبب ما قد يذل به لساننا من ألفاظ هابطة وادعاءات غير دقيقة، فإن ديننا ليس فقط يعلمنا الحلال والحرام بل الأذواق الرفيعة كذلك.
  • أما فيما بيننا وبين أنفسنا.. فالتراحم والتفاهم والتعاون.
واسمحوا لي أن أطوف معكم في حدائق بعض الأخلاق التي أشعر أنني وإخواني في أمس الحاجة إليها في هذا الجو المشحون.
  • من أخلاقنا كتيار إسلامي.. (التعاون والوفاء):
حين نعرض أفكارنا على الآخرين فإن لهم علينا حقين: (حسن العرض، وفسحة التأمل).
وحسن العرض يعني الأدب الجم والدليل الواضح،  وفسحة التأمل تعني ألا نعرض أفكارنا بشرط القبول حالاً. بل نعطيه فسحة من الوقت يتأمل أفكارنا ويقوم آراءنا، ولا نعرض أفكارنا على طريقة حالاً بالاً فإما القبول حالاً وإما العداء بالاً. فإن قبل أفكارنا ومنهجنا فالحمد لله وإن لم يقبل فإن له أيضًا حقين آخرين: (التعاون، والوفاء).
التعاون لأن الدنيا لم تخلق لنا وحدنا، ومن لم يشاركنا أفكارنا لا نستطيع شطبه من الحياة، بل لا بد من أن يكون هناك نوع التقاء بيننا وتعاون، ومن ثم لا بد في هذا التعاون من خلق الوفاء. ولذلك كان الأستاذ حسن البنا كثيرًا ما يردد: لسنا وحدنا قادرين.
 ولذلك ورد في السيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعار من صفوان بن أمية بن خلف وهم مشرك خيلاً وسلاحًا في حربه على هوازن ثم ردها له وقال إنما جزاء السلف الرد والوفاء. فتعاون معه ثم وفي إليه.
  • من أخلاقنا كتيار إسلامي... (نقدم النصيحة على أفضل وجه ونقبلها على أي وجه):
فنحن أهل التقى والأدب المنتقى ولقد تعلمنا من ديننا أن آداب النصيحة هي:
(1) إظهار الحب، والاحترام، والتقدير للمنصوح.
الحب: كما فعل النبي محمد صلى الله عليه وسلم مع سيدنا معاذ قبل أن ينصحه بختام الصلاة فقال (والله إني أحبك.. فلا تدعن دبر كل صلاة أن تقول اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك).
والاحترام: كما قال لابن عمر حين أراد أن ينصحه بقيام الليل فقال له: (نعم الرجل عبد الله بن عمر.. لو كان يقيم الليل).
والتقدير: كما فعل مع سيدنا عمر بن الخطاب حين أراد أن ينهاه عن المزاحمة على الحجر الأسود فقال له: (يا عمر أنك رجل قوي.. فلا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعفاء).
(2) الأدب الجم أثناء النصيحة فلا تظهر التعالي والغرور على المنصوح أو محاولاً إشعاره بالنقص أو العيب.
(3) الدليل الواضح بمعنى إننا نتأكد أولاً أن ما يفعله المنصوح خطأ وأن ما ننصحه به ه والحق ونذكر الدليل على قولنا إنه الحق.
(4) أن لا ننصحه على شرط القبول بمعنى أننا نخلص النصح له ونكرر النصح له ولا نغضب لأنه لا يستجيب بل نترك له فسحة من الوقت ليتأمل نصيحتنا ويحاول تطبيقها ولا نذكر عيبه ولا نفضحه به إذا لم يستجب لنا.
(5) الدعاء له بالهداية.
  • من أخلاقنا كتيار إسلامي... (الإنصاف)
فليس كل من خالفنا في الرأي عميلاً، وليس كل من نافسنا في العمل مأجورًا، وليس كل من اختلف معنا في مسألة مبتدعًا فاسقًا. بل يعرف للرجال قدرهم ويحفظ لهم جهادهم ونضالهم، ويوزن الرجل بحسناته وسيئاته معًا فأيهما غلب نسب إليها، اللهم إلا العلماني المجاهر بعلمانيته ورفضه للشريعة أو المتلون الذي يأكل على كل الموائد فاليوم معك وغدًا مع عدوك.
والإنصاف هذا نور أضاءه لنا السلف الصالح حتى وضعها سعيد بن المسيب قاعدة حين قال: "وما من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه فمن كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله".
وتبعه في ذلك ابن القيم فقال: "ومن قواعد الشرع والحكمة أيضًا أن من كثرت حسناته وعظمت وكان له في الإسلام تأثير ظاهر فإنه يحتمل منه ما لا يحتمل من غيره ويعفى عنه ما لا يعفى لغيره فإن المعصية خبث والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث".
وكأنهم أخذوا هذا النور من مشكاة النبوة حين ذكر النبي صلى الله عليه وسلم المطعم بن عدي الذي أجاره وهو عائد من الطائف طريدًا وحيدًا فأدخله مكة في جواره وشد هو وأبنائه السيوف حماية للنبي. ورغم أنه مات مشركًا إلا أن النبي لم ينس له صنيعه هذا فقال في أسارى بدر: "لو أن المطعم ابن عدي حي وسألني فكاكهم لتركتهم له". تقديرًا لموقفه النضالي السابق.
وكذلك أخذوه من أمنا عائشة- رضي الله عنها وأرضاها- حين خاض في عرضها الناس وكان منهم حسان بن ثابت، ولما أراد ابن أختها سيدنا عروة بن الزبير أن ينال منه قالت له: "دعه يا ابن أختي فانه كان ينافح عن رسول الله".
فلم يمنعها سوء ما قدم من إنصافه بخير ما أسلف.
وكأنها تعلمت ذلك من أبيها الصديق أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه حين حدث خلاف بينه وبين سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه وعلم رسول الله بذلك الخلاف فأرسل في طلب عمر وعلم أبا بكر فخاف على أخيه عمر من غضبة رسول الله عليه فجاء مسرعًا إلى رسول الله وجلس بين يديه قائلاً: "والله يا رسول الله كنت أنا الأظلم له مرتين". منصفًا أخاه من نفسه وسار سلفنا الصالح على هذا المنهج فلم يمنعوا الرجال أقدارهم مهما بلغت أخطاؤهم بل الإنصاف وذكر الحسنات والاستفادة منها مع التنبيه على الأخطاء إن كانت عقائدية أو أصولية.
  • من أخلاقنا كتيار إسلامي..... (الحلم)
قديمًا قالوا: الحليم سليم والسفيه كليم. وقال سيدنا علي رضي الله عنه: "ليس الخير أن يكثر مالك وولدك ولكن الخير أن يكثر علمك ويعظم حلمك". ويكفي الحلم فضلاً أنه اسم من أسماء الله الحسنى وصفة من صفاته العليا. ووصف به أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ" (75) هود، وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: "اللهم اغنني بالعلم وزيني بالحلم..." رواه ابن أبي الدنيا.
ومن يتصفون بالحلم هم السادة ورؤوس القوم  وساسة الناس، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أراد الله بقوم خيرًا جعل أمرهم إلى حلمائهم" رواه السيوطي فها هو رجل يشتم عمر بن عبد العزيز أمير المؤمنين فقال له: "لا عليك إنما أراد الشيطان أن يستفزني بعزة السلطان فأنال فيك اليوم ما تناله مني غدًا اذهب إن شئت". وقال رجل لأبي بكر ولله لأسبنك سبًّا يدخل معك في قبرك، فتبسم أبا بكر وقال له: "بل يدخل معك أنت". وها هو الأحنف ابن قيس سيد بن تميم يسير وراءه رجل يشتمه وهو معرض عنه والرجل يقول له إياك أعني وهو يجيب وأنا عنك أعرض حتى إذا قرب من دياره قال له الأحنف افرغ ما عندك وأقصر حتى لا يسمعك أحد من قومي فيؤذيك.
ومن فصائل الحلم أنه مهر الحور العين يوم القيامة "فمن كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة يخيره من الحور العين ما شاء" رواه أبو داوود والترمذي. وهو الفضل الذي يسرع بأهله إلى الجنة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة ينادي منادٍ: ليقم أهل الفضل فيقوم أناس وهم يسيرون فينطلقون سراعًا إلى الجنة فتتلقاهم الملائكة فيقولون لهم إنا نراكم سراعًا إلى الجنة. فيقولون نحن أهل الفضل فيقولون وما فضلكم.. فيعدون من فضلهم الحلم. فيقال لهم: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين" رواه ابن ماجه.
ومن آثار الحلم في الدنيا كثرة الأنصار والأعوان قال الإمام علي رضي الله عنة (أول عوض الحليم من حلمه أن الناس كلهم أعوانه)، وقال أيضًا (من لانت كلمته وجبت محبته)، وقال الأحنف بن قيس (وجدت الحلم انصر لي من الرجال). ومن آثاره أن يشرفك بين الناس ويحمي عرضك، قال محمد بن علي: (من حلم وقى عرضه ومن صبر حمد أمره)، وقال أبو حيان التوحيدي: (ليس في الدنيا خصلة يحسن الإنسان بها إلى نفسه ويحمد عليها إلا الحلم..)، وهو خلق النجاة وقت الفتن وتأمل قول حذيفة بن اليمان الفتنة وكلت بثلاث بالحاد النحرير الذي لا يرتفع له شيء إلا قمعه بالسيف، وبالخطيب الذي يدعو إليها، وبالسيد، فأما هذان فتبطحهما لوجهيهما وأما السيد فتبحثه حتى تبلو ما عنده".
ومما أجمل ما قاله ذلك الحكيم عندما سئل أي الرجال أفضل: (قال من حاورته ووجدته حكيمًا وإذا غضب كان حليمًا  وإذا اشتكى إليه كان رحيمًا). وأجمل منه قول ابن القيم حين يتكلم عن الفتوة فيذكر أن مظاهرها ثلاث: كظم الغيظ، ونسيان الأذية، والتغافل عن الذلة.
  • من أخلاقنا كتيار إسلامي.. (التواضع)
التواضع التواضع يرحمكم الله.. فالتواضع يزين الانتصار ويزيد الأنصار ويرضي الواحد الجبار. وقديمًا قالوا إن ثنائية السقوط: يأس مع الهزيمة، وغرور مع النصر.
ولذلك كان التواضع لازمًا من لوازم العظماء وعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقد كان مع كل نصر ينعم الله به عليه يبالغ في التواضع والخضوع لله، حتى تجلى ذلك في أبهى صوره حين فتح الله عليه مكه فدخلها مطأطـئ الرأس حتى كادت رأسه تمس رحله، وعندما سمع رجلاً يقول اليوم يوم الملحمة، قال: بل اليوم يوم المرحمة. وغضب صلى الله عليه وسلم لما رأى أبا بكر يأتي بأبيه إلى رسول الله ليسلم وقال له: "هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه".
 ولأنه صلى الله عليه وسلم راحل غير باقٍ بجسده، فكان لا بد للمنهج أن ينص صراحة على أهمية التواضع خاصة عند النصر،  ولذلك قال تعالى في باب الامتنان على المؤمنين: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ) (آل عمران: من الآية 123)، فذكرهم الله بهذه الصفة صفة الضعف والذلة لتتواضع نفوسهم عند نشوة النصر فلولا الله لما كان.
وأورد الإمام ابن كثير في تفسيره إن الله تعالى قال لموسى: "أتدري لما اختصصتك بكلامي. قال: لا. قال: لأنه لم يتواضع أحد لي مثل تواضعك". وقال الإمام أحمد في الزهد لما أخبر الله موسى أنه سيتجلى على جبل تشامخت الجبال إلا جبل الطور تواضع وقال أرضى بما قسمه الله لي فكان الأمر إليه وتجلى الله عليه. وأورد مجاهد إن الله تعالى لما أغرق قوم نوح شمخت الجبال، وتواضع الجودي فرفعه فوق الجبال وجعل قرار السفينة عليه.
 فسبحان من تواضع كل شيء لعزة جبروت عظمته، وخضع لجلال عظيم حكمته.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يهديني وإياكم إلى أحسن الأخلاق وأن يجنبني وإياكم سيئها إنه سميع مجيب.