السبت، 12 يناير 2013

كيف نختلف بتحضر...محمد عريضة


1- أن نتعلم أن اختلاف الآراء هو "تعدد" واثراءا لها وليس خلافا وشقاقا.
2- أن نتعلم أن هناك فرق بين "ذات الشخص" وبين "رأى الشخص" صاحب الرأى.
3- أن نتعلم أن ننتقد "الرأى" لا "الشخص".
4- أن نتعلم ألا نضيق بالنقد ونحسن الظن بالناقد.
5- أن نتعلم أن "الحقيقة" قد تتعدد ويكون لها أكثر من وجه بحسب ماينظر اليها كل طرف، مثل حكاية "العميان والفيل".
6- أن نتعلم أنه لا يجوز لك أن تتهم النوايا وتدعي معرفتك بنوايا الطرف الآخر، فهذا "تأله" لا يليق.
7- أن نتعلم أن نضع أنفسنا مكان الطرف الآخر ومحاولة "تفهم" موقفه.
8- أن نتعلم أن "نستمع" للرأى الآخر كاملا، لأن "تجزئة الرأى" قد يُفهم خطأ.
9- أن نتعلم أن "نعرف الرأى من صاحبه" وليس نقلا عنه، لأنه مع فرض سلامة نية الناقل، فالضعف البشري قد يجعل الناقل غير دقيقا، أو ينقل "فهمه" هو وليس مايقصده صاحبه.
10- أن نتعلم أن صواب رأيي لا يعد "نصرا" لي و"هزيمة" للآخر.
11- أن نتعلم "تقدير" صاحب الرأى المخالف لبذله جهدا في فهم وتكوين رأى للموضوع.
12- أن نتعلم إشعار المخالف "بحرصي" للوصول للصواب وأنى لست متعصبا لرأيي.
13- أن نتعلم في نقدنا للرأى أنه نادرا مايكون الرأى المخالف "شرا محضا"، وانه يوجد به بعض الصواب.
14- أن نتعلم "البدء" بالمتفق عليه ثم نقد ماهو مختلف فيه.
15- أن نتعلم "التلطف" بالألفاظ المستخدمة، ولنا في رسولنا –ص- القدوة حين قال لمحاوره(المشرك): "أفرغت ابا الوليد؟" بكنيته، والعرب تستخدم الكنية كنوع من الاحترام والتلطف، وقد ظهر أثرها عليه بعدها لما عاد الى قومه.
16- أن نعلم أن "العنف اللفظي" في الحوار والخلاف قد يكون مقدمة الى "عنف مادي".
17- أن نتعلم ألا يجور الخلاف في الرأى على أصول العلاقة الانسانية والأخوة الاسلامية والوطنية.
18- أن نتعلم أن "الرأى" لا ينفصل عن البيئة المحيطة به من طبيعة الشخص وتعليمه وثقافته، فهذا يسهل علينا "تفهمه".
19- أن نتعلم ألا نرد على الإساءة بإساءة، فلو فعلنا فمتى تنتهى الإساءة؟
20- ليكن شعارنا "خذ العفو، وامر بالعرف، وأعرض عن الجاهلين".

المراجعات ضرورة للفرد والجماعة... د. حسن يوسف الشريف

من أسباب النجاح القويّة للفرد والجماعة هى المراجعات سواء كانت بالنقد الذاتي أو طلب النصيحة، وهو ما يسمى عند البعض بـ”التفكير فى التفكير”، ويعني أنه ليس كل أفكارك التى اقتنعت بها وإن كانت صحيحة وقد طبّقتها فقد لا تنجح ولا تكون صوابًا كل الوقت، فكم من الخلفاء الراشدين والصحابة والتابعين وأئمة المذاهب قد تتغير فتواه (رأيه فى المسألة) أكثر من مرة فالإمام أحمد بن حنبل يرد عنه فى المسألة أكثر من رأي والشافعي في “القديم” وفي “الجديد” من مذهبه، وهكذا أحكام الفقه وقضايا الاجتهاد والسياسة الشرعية تختلف باختلاف الأحوال والأشخاص والأماكن والزمان والعرف، فالمراجعات المضبوطة لفهم الواقع وفهم الشرع مع الخبرة والبصيرة تفيد في نجاح العمل وانتقاله إلى المناسب للشرع والمصلحة بتغير الظروف والأحوال، ولا نركز فقط على أهمية العقل المفكر والإرادة الفاعلة كأسباب للنجاح بل لابد معهما من إضافة أهمية المراجعات أو “التفكير فى التفكير” سواء فى المناهج أو الخطط أو الأهداف أو الوسائل أو غيرها لتحقيق الإرادة الناجحة، فمن علامات النجاح والوعي محاسبة النفس، كما جاء فى الحديث “الكيس من دان نفسه”.

إنّ تذكرنا, أي إحضار أفكارنا الماضية ذات القناعة وإعادة التفكير فيها مع زيادة الخبرة والمعارف, ربما نخرج بأفكار جديدة تفيد فى تجديد الأفكار القديمة بالإضافة أو الحذف منها، وهذا هو طريق الحكمة كما يذكرها الإمام الحسن البصري رضى الله عنه “ما زال أهل العلم يغدون بالتذكر على التفكر وبالتفكر على التذكر ويناطقون العقول حتى نطقت بالحكمة” (ابن القيم – مفتاح دار السعادة، ص200).

والعقلاء والناجحون لا يخافون النقد، والدعوات والمذاهب يجب أن تحرص على ذلك بل تطلبه وتقيم المؤتمرات أو الجلسات لذلك بل ويشترك فيها خصومها إذا أمكن والحرص على حضور المخالفين والمعارضين لها، فلابد أنه سيكون هناك فوائد، من أقلها أن يعرف الآخر أننا لا نحجر على الرأي الآخر بل نسمعه باحترام وإن خالف وجهة نظرنا، ولن نحرم من فائدة هذا النقاش ولن يحرم الآخر، فلربما تزداد خصوبة أفكاره أو بعض أفكارنا، وكما يقول الإمام ابن القيم “لقاء الرجال لقاح العقول”.

يقول العلامة الرافعي: “إنّ العقل يؤمن بأنه لا ثقة فى رأي إلا بعد تمحيصه ونقده، وأنّ النقد الحقيقي للرأي ليس هو الذي يأتي من أنصاره ومعتنقيه، وإنما هو النقد الذي يأتي من المعارضين له والمنكرين عليه”، ويقول أيضًا: “وقد يستغرب بعض الناس من انفراد القرآن من دون الكتب السماوية والأرضية، حيث انفرد وتحدى الخلق جميعًا، وأثبت هذا التحدي فى أكثر من موضع فيه، بل وتحداهم تحديًا قويًا واتهمهم بالعجز إذا لم يقبلوا التحدي”، ومن هذا المسلك القرآنى قال: “وبذلك قرر أسمى قواعد الحق الإنساني، ووضع الأساس الدستوري الحر لإيجاد المعارضة وحمايتها، وأقام البرهان لمن آمنوا على من كفروا، وكان العجز عنه حجة دامغة، معها من القوة كالذي مع الحجة الأخرى فى إعجازه، فسما بالحجتين معًا، وذلك هو المبدأ الأول لا استقلال ولا حرية بغيره، وما الصواب إذا حقتت إلا الانتصار فى معركة الآراء، ولا الخطأ إلا اندحاره فيها لا أقل ولا أكثر، وبهذا وحده يقوم الميزان العقلي في هذه الإنسانية”، وقال أيضًا: “كل شيء فإنما صحته وتمامه فى معارضته ونقده”.

إنّ النقد مثل جهاز التنفس وهو هام جدًا للصحة، كما هو مضاعفة لقوة الرؤية فى الطريق إلى العمل، لذا يقول الدكتور عبدالكريم بكار فى كتابه “تكوين المفكر”: “النقد هو الرئة التى تتنفس بها الأمة، وهو المصباح الذي يضيء لها الطريق، وهو لا يؤذي إلا الحالات المريضة، ولا يتضايق منه إلا من لديهم نوع من الإعوجاج أو التفريط”.

وقد يكون النقد أو النصح وسيلة للتحذير من أخطاء خطيرة نعيش فيها ولا نشعر بها، أو فتن مضلة أو مضرة لا يُحسن اكتشافها فى بداياتها إلا العلماء الموفقين، يقول سفيان الثوري: “الفتنة حين تدبر يعرفها كل الناس، ولكن حين تقبل لا يعرفها إلا العالم”.

ولقد راجع الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم فى الكثير من المواقف، مثلما حدث فى بداية معركة بدر لتحديد أرض المعركة, وتدخل المراجعات هنا تحت باب النصيحة “إنما الدين النصيحة” وهى تهدف إلى زيادة الخبرة والفائدة من وراء أي إنجاز بشري.

وتشمل المراجعات الأفكار والآراء والسلوك والمواقف التى يتبناها الفرد أو الجماعة أو المؤسسة ولابد من وجود القناعة عند الجميع – قادة أو أتباع – لأهمية المراجعات، وإذا لم توجد القناعة فلابد من إيجادها، لأن ضعف المراجعات أو اختفائها هو خطر يهدد وظيفة المجتمع البشري فى الحياة وهى تحقيق العمران وإقامة العدل.

وكما تتعدد وسائل المراجعات من محاسبة النفس “النقد الذاتي” أو تقديم النصيحة أو طلبها أو الشوري أو الحوار أو المناظرة أو الدراسات والبحوث المشتركة والفردية فكذلك يختلف الموضع والشأن الذي تتم فيه، كأن يكون سياسيًا أو اقتصاديًا أو اجتماعيًا…، ونوع النشاط المناسب ونتائجه أو عاقبته من نجاح أو فشل، أو من خير أو شر، والتوقع المستقبلى لما سيقع من فرص أو تحديات ستوثر على حركة أداء النشاط يقول الدكتور بكار فى “تكوين المفكر”: “تحتاج الأمم دائمًا إلى من يفحص لها مساراتها، ويتحسس مآلات أعمالها، ومن يمد لها قرون الاستشعار فى جوف المستقبل حتى تضبط إيقاع حركتها اليومية برؤيتها المستقبلية، وهذه المهمة العظيمة من المهام الجوهر للمفكر، بل إن المفكر يكاد يكون المؤهل الوحيد للقيام بذلك”.

ويبنغي ألا تقف حدود المراجعات عند: أين الخلل؟ لاكتشاف السلبيات والعيوب، بل لابد أن تمتد لتشمل كل نواحى نجاح الإنجازات كمًا ونوعًا وسرعةً.. كما ينبغي ألا تقف المراجعات عند حد اكتشاف “العلة” بل لابد أن تمتد إلى حد اكتشاف “الدواء”.. لأن تحقيق صحة البدن لا يقف عن اكتشاف المرض فقط بلا لابد من تحديد “الدواء” القادر بإذن الله على تحقيق “الشفاء” من هذا المرض.

وبهذا تفيد المراجعات بعد أن نتحقق بها – قناعة وسلوكًا – في المساهمة الفعّالة فى سيرنا فى طريق النهضة.

الجمعة، 11 يناير 2013

أحد الوعدين سيفشل..... إبراهيم الهضيبى

أحد أكثر الظواهر السياسية تكشفا فى الأشهر الماضية هى محاولة الإدارة السياسية الحالية ــ باسم التوافق، وبسبب غياب الرؤية الواضحة للتغيير ــ التوفيق بين مشروعين متناقضين للحكم، وستؤدى استحالة الجمع بينهما لفشل أحدهما على الأقل، وسيفشل معه المشروع السياسى للحاكمين لو لم يغيروا منهجهم.

وصل الإخوان المسلمون للحكم فى مصر ــ تشريعا وتنفيذا ــ قبل إنضاج مشروعهم السياسى، وفى ظل غياب رؤية حاكمة لكيفية التعامل مع المشكلات الحالة وإنفاذ وعود التغيير التى حملتها شعاراتهم الانتخابية (كمشروع النهضة، والإسلام هو الحل)، فكانت نتيجة ذلك أن غابت المعايير التى يمكن أن يقاس النجاح عليها، ولم يبق للنجاح إلا معيار يتسق مع الخبرة التنظيمية للجماعة، التى فرضت عليها عقود القمع أن تكافح طويلا من أجل البقاء، فصار البقاء فى الحكم هدفا بقطع النظر عن الأهداف التى يحققها هذا الحكم، أى أنه صار هدفا لا وسيلة، لأن عدمه يعنى الفشل الحتمى من منظور تنظيمى.

وفى ظل الطبيعة السياسية المحافظة للجماعة ــ التى لا تراهن كثيرا على الفعل الشعبى والتغيير الجذرى ــ كان الحرص على البقاء يعنى اتجاه القيادة السياسية لاستبعاد الفاعل الشعبى من حساباتها، والسعى للوصول لتفاهمات مع الأطراف السياسية الأقوى، وهى الركائز المحلية والأقليمية التى استند إليها حكم مبارك، أى كبار رجال الدولة وكبار رجال الأعمال الذين مثلوا الركيزة الداخلية لحكمه، وحلف «محور الاعتدال» الذى تأسست عليه سياسة مصر الخارجية، وجوهر التفاهمات هو الحفاظ على المصالح المؤسسية لتلك الجهات، وعدم إدخال تعديلات بنوية تؤثر على توازنات القوى الإقليمية.

وفى المقابل يحتاج الإخوان ــ لأجل تماسك التنظيم، وللحفاظ على قدر من التأييد من خارج التنظيم يضمن لهم عدم الانقضاض على حكمهم من قبل تلك الأطراف ــ لإشعار أنصارهم بأنهم لم يتخلوا عن وعود التغيير، وهو ما يتطلب تقديم «إنجازات» فى هذا الملف يشترط ــ لئلا تنتقض التفاهمات ــ ألا تتعلق بالمصالح المؤسسية للأطراف الأقوى، فتكون النتيجة، فى المحصلة الأخيرة، الحفاظ على تلك المصالح، مع اللجوء لخطاب شعبوى، وتعديلات هامشية فى السياسات والقرارات من شأنها الحفاظ على تماسك الكتلة الداعمة للرئيس.

يبدو هذا واضحا ــ على سبيل المثال ــ فى الموقف من المؤسسة العسكرية، إذ قام الرئيس بإقالة أهم قيادات المجلس العسكرى، فهلل أنصاره لذلك باعتباره «إنهاء لحكم العسكر»، ودفعا باتجاه التغيير الذى وعد به، بيد أن الدستور الجديد ــ الذى كان الإخوان أكثر الأطراف دفاعا عنه وتبنيا له ــ قام بدسترة وضع خاص للمؤسسة العسكرية، يبقيها مستقلة عن السيادة الشعبية، خارجة عن نطاق الرقابة المدنية، ويحافظ على المصالح السياسية والاقتصادية لقياداتها، كما أن القيادات المقالة ــ والمسئولة سياسيا بحكم مواقعها عن سقوط الشهداء فى الأشهر التى أعقبت خلع مبارك ــ تم تكريمها من قبل الرئيس، ولم يتم التحقيق معها بشأن جرائم القتل المتلاحقة فى التحرير وأمام السفارة الإسرائيلية وفى العباسية وماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء وبورسعيد ومحمد محمود 2 والعباسية 2 وغيرها.

ولا يختلف الوضع كثيرا عند الحديث عن مصالح كبار رجال الأعمال، ففى حين يتناولهم الرئيس فى خطاباته باعتبارهم ممولى الثورة المضادة، يبقى بعضهم ــ ممن كانوا فى دوائر المقربين من مبارك ــ فى دوائر صنع القرار، ويصحبهم فى رحلاته الخارجية، ولا يزال رجال الأعمال الفئة الاجتماعية الوحيدة التى تتمتع بعلاقة خاصة مع مؤسسة الرئاسة (خارج النطاق الديمقراطى)، ولا يزال انحياز الدولة لمصالحهم ــ على حساب مصالح العاملين ــ باديا فى الدستور، الذى يقيد العمل النقابى مقابل إطلاق العمل الأهلى والخيرى، وغاية ما يتم فى هذا الملف استبدال رجال أعمال الإخوان ببعض رجال أعمال النظام السابق، والحفاظ على آخرين يمتلكون نفوذا أكبر.

وأما على صعيد السياسة الخارجية فلم تتجاوز التغييرات الإطار الجزئى، الذى لا يخرج مصر من أسر حلف الاعتدال الموالى للولايات المتحدة، فالرئيس الذى يفخر أنصاره بأنه لم يذكر كلمة «إسرائيل» فى أى من خطاباته كان أكثر تدميرا للأنفاق الموصلة لقطاع غزة من سلفه المخلوع (بحسب رئيس الوزراء الإسرائيلى)، كما أن القيادة السياسية أكدت مرارا لا التزامها باتفاقية كامب ديفيد فحسب، وإنما التزامها كذلك باتفاقية التبادل الاقتصادى (الكويز) مع الطرف الإسرائيلى، ولا يزال التحرك السياسى المصرى فيما يتعلق بالثورة السورية تابعا لتحركات هذا المحور (وفيه ــ إضافة لإسرائيل ــ أمريكا والسعودية)، ولم تتخذ مصر بعد موقفا مستقلا حيال سوريا يتجاوز حدود الكلمات.

ومحاولة أنصار الرئيس تسويق اتفاق التهدئة الذى وصلت إليه المقاومة الفلسطينية مع إسرائيل بعد سبعة أيام من الحرب باعتباره نجاحا لسياساته يفتقر للدقة، إذ كانت قدرة المقاومة الفلسطينية على الردع المتمثلة فى ضرب العمق الإسرائيلى بالصواريخ ــ والتى ساهمت فيها الثورة المصرية بإضعافها السيطرة العسكرية على تهريب السلاح للقطاع ــ هى السبب لهرولة إسرائيل لطلب التهدئة، وفق الشروط التى أرادها الفلسطينيون.

لن ينجح الرئيس ومن معه فى الوفاء بالوعدين معا: وعد الحفاظ على المصالح للأطراف الأقوى ووعد التغيير المنحاز لحقوق الأعداد الأكبر، إذ بين الوعدين تناقضات مركزية، من الممكن أن يُغَض الطرف عنها فى تفاهمات الغرف المغلقة، التى لا يعلم الأنصار ما يجرى فيها، بيد أن لحظات المواجهات دوما تكشفها، كلحظة الدستور التى كشفت موقف الإخوان من العسكر الذين دستروا حكمه (بعد أن كانوا من المنادين بإسقاطه)، ولحظة حرب غزة التى اضطرت الساسة فى مصر لاتخاذ مواقف أكثر جدية فى سبيل تخفيف الحصار على القطاع بعد خمسة أشهر من حكم مرسى كانت الأوضاع خلالها قريبة منها وقت مبارك.

وفى ظل استمرار الحراك الشعبى، وغياب العصا الأمنية التى كانت تقمعه، فإن هذه التناقضات ستستمر فى التكشف، وسيفقد الحكام بسببها الكثير من شرعيتهم السياسية، من غير أن يكونوا قد نجحوا ــ فى المقابل ــ فى الوفاء بالتزامات الغرف المغلقة، أو تحصيل بعض ثمارها.

لم يتفقا ..لكنه أثنى على شرفه..... مصطفى كمشيش


الى من يحترمون الهوية الإسلامية ..المرجعية .. الثقافة ... سموها ما شئتم ... الاحترام أفعال لا أقوال ... هاكم نبيكم صلوات الله وسلامه عليه يقدم لنا نموذجا جديرا بالاقتداء ..جديرا بالتأسي في أجواء الاحتقان الحالية ... 

كان النبي (ص) يبحث عن مكان أخر للدعوة بعد أن ضاقت السبل بمكة والطائف ..وظل يلتقي بوفود الحجيج طلبا للنصرة, وكان منها أن توجه أبو بكر برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مخيم بني شيبان في عَرَصات الحج.
ودار هذا الحوار:
تقدّم أبو بكر فسلّم فقال: من القوم؟
قالوا: شيبان بن ثعلبة.
فقال أبو بكر: كيف العدد فيكم؟
فقال مفروق: إنّا لا نزيد على الألف، ولن تغلب ألف من قلة.
فقال أبو بكر: وكيف المنعة فيكم؟
فقال مفروق: إنا لأشد ما نكون غضبًا حين نلقى، وأشد ما نكون لقاء حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد، والسلاح على اللقاح، والنصر من عند الله يديلنا مرة، ويديل علينا أخرى.. لعلك أخو قريش؟
فقال أبو بكر: إن كان بلغكم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فها هو ذا!
فقال مفروق: إلامَ تدعونا يا أخا قريش؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأني عبد الله ورسوله، وإلى أن تُئووني وتنصروني، فإن قريشًا قد تظاهرت على الله، وكذّبت رسوله، واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغني الحميد».
فقال مفروق: وإلامَ تدعو أيضًا يا أخا قريش؟ فوالله ما سمعت كلامًا أحسن من هذا.
فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الأنعام: 151].
فقال مفروق: دعوت -والله- إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قوم كذبوك، وظاهروا عليك..
ثم ردّ الأمر إلى هانئ بن قبيصة فقال: وهذا هانئ شيخنا، وصاحب ديننا.
فقال هانئ: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، وإني أرى تركنا ديننا، واتباعنا دينك لمجلسٍ جلست إلينا، لا أوّل له ولا آخر - لذلّ في الرأي، وقلة نظر في العاقبة أن الزلة مع العجلة، وإنّا نكره أن نعقد على من وراءنا عقدًا، ولكن نرجع وترجع، وننظر..
[ هذا درس بليغ في قيمة التشاور وعدم العجلة من رجل لم يكن على ملة الإسلام بعد !!] .

ثم كأنّه أحب أن يشركه المثنى بن حارثة، فقال: وهذا المثنى شيخنا وصاحب حربنا!
فقال المثنى -وأسلم بعد ذلك-: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، والجواب فيه جواب هانئ بن قبيصة، في تركنا ديننا ومتابعتنا دينك، وإنّا إنما نزلنا بين صَرَيَين أحدهما اليمامة والآخر السّمامة!
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما هذان الصريان»؟
قال: أنهار كسرى، ومياه العرب، فأما ما كان من أنهار كسرى، فذنب صاحبه غير مغفور، وعذره غير مقبول، وإنّا إنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى، أن لا نحدث حدثًا ولا نؤوي محدثًا، وإني أرى هذا الأمر الذي تدعونا إليه -يا أخا قريش- مما تكره الملوك، فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب، فعلنا.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قولته التي أبان فيها شمول هذا الدين وأنه لا يتجزأ ..
«ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق! وإن دين الله عز وجل لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه. أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلاً حتى يورثكم الله تعالى أرضهم وديارهم ويفرشكم نساءهم، أتسبحون الله وتقدسونه؟» فقال النعمان بن شريك: اللهم فلك ذاك.

الشاهد : أن النبي (ص) لم يتفق مع بني شيبان لكنه أثنى على صدقهم ووضوح موقفهم (ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق) .. ومن ناحية أخرى لم يتفق بنو شيبان مع النبي (ص) لكنهم أثنوا على ما قال حين قال مفروق (فوالله ما سمعت كلامًا أحسن من هذا) ..
نحن بحاجة الى حوار وطني مثل هذا ..إنه مطلب عسير جدا ..لكنه ليس بمستحيل ...

النتيجة : أن الدين قد انتصر بغيرهم .. صحيح أنهم أسلموا بعد ذلك ..لكن فاتهم أن يكونوا هم (الأنصار) وفاز بها (اهل المدينة) ..

الخميس، 10 يناير 2013

من عوائق التفكير المنهجي



خلق الله الانسان في أحسن تقويم، وميزه عن جميع المخلوقات بالعقل، وبالعقل يختار الانسان بين البدائل، وبالتالي يعبر عن حريته في الاختيار بعقله دون اكراه...
وكما أن العقل هو أميز مافي الانسان، فإن تعطيله يعتبر من أكبر الجرائم في حق هذا الانسان.. وهنا نعرض لبعض العوائق والحجب التى قد تمنع الانسان من التفكير السليم واستخدام عقله بشكل صحيح للوصول للحق والصواب. ومن هذه العوائق:

فمن للدعوة إذن؟ (3/3) .... مصطفى كمشيش


فى المقالين السابقين تحدثنا عن الالتباس فى التطبيق لمفهوم صحيح هو "شمول الإسلام", ثم تحدثنا عن أضرار التصاق العمل الحزبى بالدعوى.. وفى هذا المقال نرصد بعض الظواهر فى المشهد الراهن..
اقتراب أم نفور؟
يتصدر الإسلاميون المشهد السياسى فى مصر, ويحكم مصر رئيس ينتسب للحركة الإسلامية, ودعنا بحيادية كاملة نتكلم عن المردود الدعوي, هل زاد إقبال الناس على الدين أم زاد نفور بعضهم؟..
حينما قام مجرمون لأول مرة فى تاريخ مصر بمحاصرة مسجد وإلقاء المولوتوف والأحجار ومنع الأذان فيه لم يكن ذلك إلا بسبب العمل (الحزبي).. لقد رأى المجرمون أن المسجد خصم سياسى لا منبر دعوي.. إن المعتدين مجرمون (قولا واحدا) ..لكننا بحاجة ماسة لتفسير هذا السلوك الإجرامي؟ أهى لدوافع دينية أم حزبية؟
 لقد سمعنا أيضًا عن شغب إجرامى داخل عدة مساجد فى أنحاء متفرقة من مصر عقب صلاة الجمعة قبل الاستفتاء على الدستور, رأى بعض المشاغبين ضرورة حياد المنابر, قالوها حرصًا على المنابر من الحزبية, أو خوفاً من تأثيرها على إقناع الناس..
لقد تحاورت مع بعض الخارجين من التيارات الإسلامية ووجدت أن بعضهم يحمل من الآلام والذكريات السيئة والمرارات ما دفعته لمغادرة هذه الجماعة أو تلك, لم يمتلك بعضهم صفاء النفس ليظل وفيًا على الفكرة محافظًا عليها وحاصرًا خلافه أو اختلافه مع الإدارة أو التنظيم, بل امتد نفور بعضهم إلى النيل من الفكرة نفسها, فمن قائل (لا يوجد مشروع إسلامي) إلى قائل (لا يوجد اقتصاد إسلامي) إلى ثالث يقول (الفاشية الإسلامية).. أقسم بالله هذا حدث.. أقدم ذلك لعلمائنا وللمهتمين بالعمل الدعوى والتربوى لفتح هذا الملف ودراسته لتدارك آثاره المؤلمة والخطرة.. داعيا ألا نستسهل فى تفسير الظاهرة فنقول (كما سمعت من بعض قيادات الحركة الإسلامية) أن هؤلاء الخارجين من ضعاف الإيمان أو قليلى التربية أو ممن لديهم تضخم فى الذات ورغبة فى التصدر ويعانون من أمراض حظوظ النفس (قد يكون ذلك عند بعضهم.. لكننى لا أحسبه أنه التفسير الحصرى للمشكلة)..
لخطورة هذا الأمر أزيدكم توضيحًا.. لقد وصل إلى قناعة بعضهم أن ما عايشوه من ممارسات خاطئة من بعض رجال الحركة الإسلامية أنه من أصول هذا الدين لا من فهم أو سلوك أصحابها, فظهر شغب بعضهم على الدين نفسه واقترب بعضهم (وإن كان قليلاً) من الردة والإلحاد, وكلماتهم ومواقفهم منشورة ومُعلنة!!
الحكم والدستور والتغيير
لقد خاض الإسلاميون معارك سياسية متتالية منذ الثورة تمثلت فى مظاهرات وانتخابات واستفتاءات, ولعلهم نجحوا فى حصاد ما يريدونه من مقاعد فى مجلسى الشعب والشورى ونجاح مرشحهم الرئاسى وإقرار الدستور.. كان هذا على حساب الدعوة.. لأن رجال الدعوة هم أنفسهم رجال الحزب..
وقد علمنا التاريخ أن إصلاح الشعوب لا يتحقق بالحكم أو بالقانون.. فالحكم لإدارة شئون البلاد, والقوانين لتنظيم العمل وسد الثغرات.. لكن التغيير الحقيقى فى الأفراد والمجتمعات لا يكون إلا بالتربية, وهى لن تتحقق إلا بالعمل الدعوى النقى الصافى الرائق المستقل غير التنافسي.
لا أبالغ حين أحذر وأقول: لقد دفع الاستبداد الكنسى فى أوروبا إلى نشأة العلمانية والعمل بها, وأخشى أن يتزايد فى بلادنا المطالبون بذلك مما يرونه من تصرفات ومواقف بعض المحسوبين على الدين.. 
إننى أشعر أن تجربة الإخوان الكبيرة والتى تمثل أحد أبرز التجليات للمشروع الإسلامى فى منعطف كبير.. ولا ينبغى لأحد اختلف مع (الإدارة) أن ينسى (الفكرة والمنهج والهدف).. أو أن يتوقف عن تقديم ما يراه لها من نصح من موقع المحب لا من أى موقع آخر, ولذلك كتبت من قبل (نعم للإخوان.. لا للخرباوي)، ناقدًا طريقته فى الهجوم والتشويه والافتراء على تاريخ وتضحيات وبذل ورجال.. فقد تأسست دعوة الإخوان كعمل دعوى بالأساس لرد الناس إلى دينهم..
إننا حين نطرح مثل هذه القضايا سعيا (والله) للخير والمصلحة فإننا نتلقى سبابا وشتما من بعض المنتسبين للحركة الإسلامية, مما يدفعنا للتساؤل: ماذا أصابهم؟ ولمَ لم يعد الواحد منهم يتحمل نقدا أو نصحا؟ ولماذا يتركون الموضوع ويهاجمون الشخص؟ فأقول إنها الحزبية والعصبية..
يقول الإمام مالك (رحمه الله) كما جاء فى "سير أعلام النبلاء" للذهبى (رحمه الله): 
 [إذا رأيت الرجل يدافع عن الحق فيَشتم ويَسب ويَغضب فاعلم أنه معلول النية لأن الحق لا يحتاج إلى هذا]. 
ومن روائع ما قاله الغزالى (رحمه الله ): “إن ميدان العمل لله ورسوله أرحب من أن يحتكَّ فيه متنافسون، وأسمَى من أن يشتبك فيه مُتشاكسون".
وأخيرًا.. قد نتفق أو نختلف فى توصيف وتفسير الظاهرة, قد يراها نفر منا أنها نتيجة لمؤامرة المتآمرين وإعلام الفاسدين واصطفاف الكارهين للمشروع الإسلامي, مما لا ننكره, لكننا بحاجة أيضًا وبنفس القدر إلى مراجعة للنفس للتوقف والتأمل والمراجعة, فإذا انتهينا من التوصيف والتفسير الحقيقى لأسباب الظاهرة انتقلنا منها لاقتراح العلاج والحلول..
وللحديث بقية... 

فمن للدعوة إذن؟ (3-2) ..مصطفى كمشيش


تحدثت فى المقال السابق عن دخول الإخوان والسلفيين وغيرهم بحر الحياة الحزبية المتلاطم أمواجه, وقد رأينا خلافات وانشقاقات وتنافسات وملاسنات بينهم ومع غيرهم بسبب الحزبية، وصلت فى بعض الأحيان إلى الشجار وإلقاء الأحجار وإراقة الدماء, كما كان الحديث عن الالتباس فى مفهوم شمول الإسلام (وهو مفهوم صحيح), حيث حدثت المشكلة حينما ظن بعضهم أن الشمول يعنى القيام بكل الوظائف, وهذا يناقض فكرة جوهرية تتعلق بأن أى جماعة عاملة على الساحة إنما هى جماعة من المسلمين.. حيث يتبقى أدوار ووظائف ومهام لباقى قوى المجتمع ومؤسساته تساهم فى (تحقيق الشمول), وتحدثت عن بعض أضرار التصاق العمل الحزبى بالدعوي.
كيف جنى الحزبى على الدعوى؟
فى العمل الحزبى يكون التنافس والتحالف والتراجع وغير ذلك.. فحين صرح الإخوان بأنهم لن يترشحوا على أكثر من 25% من مقاعد مجلسى الشعب والشورى تغير ذلك, وحين صرح د.بديع (بعد ثورة 25 يناير مباشرة) بأن وجود رئيس إخوانى لمصر فى هذه الفترة خطر على أمن مصر, فوجئنا بعدها بتقديم الجماعة مرشحًا للرئاسة, وحين خرجت الجماعة للتظاهر ضد وثيقة السلمى فى 18/11/2011 وجدنا أن الدستور قد تضمن أكثر مما تظاهروا لرفضه!!
ينما تقول مؤسسة الرئاسة إنها لن تطرح مشروع الدستور للاستفتاء إلا بعد تحقيق توافق معتبر, فوجئنا بتحديد موعد الاستفتاء يوم أن تسلمه الرئيس, وسمعنا أن القانون يلزمه بذلك, وحينما أقال الرئيس النائب العام, رأى القضاة أن القانون لا يسمح له بذلك, وحينما أصدر الرئيس الإعلان الدستورى غضب كثير من القضاة.. ثم تم التراجع عنه..
الدعوة والوفاء بالعهود
قد يكون ذلك مفهومًا ومعتادًا فى العمل السياسى الحزبي, لكنه يقدح بل ويخصم من الرصيد الدعوى القائم على قيم مستقرة كاحترام الصدق والوفاء بالعهود, فمرجعيتنا الإسلامية تجعلنا نقلب الصفحات لنتأمل هدى المصطفى (صلى الله عليه وسلم).. 
فى صحيح مسلم – كتاب الجهاد والسير - باب الوفاء بالعهد – من حديث حذيفة بن اليمان قال: ["ما منعنى أن أشهد بدرًا إلا أنى خرجت أنا وأبى حسيل, قال: فأخذنا كفار قريش, قالوا: إنكم تريدون محمدًا؟ فقلنا: ما نريده, ما نريد إلا المدينة, فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه, فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرناه الخبر, فقال: انصرفا.. نفى لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم"]..
ياالله, أفى هذا التوقيت يا رسول الله؟ وأنت بحاجة لكل جندي؟ وفى أجواء حرب قد تطير فيها الرقاب وتراق الدماء؟.. فكيف كنت فاعلاً يا سيدى فى ظروف أسهل.. وفى خلاف بين بنى الأوطان, وليس بين إسلام وكفر؟.. ألا تلاحظون أن النبى (صلى الله عليه وسلم) قال : نفى لهم بعهدهم.. ولم يقل: فِيَا لهم بعهدكما؟.. لقد اعتبر أن عهدهما قد أصبح عهده هو, وأنه ألزمه هو..
من هنا, قال علماؤنا فى السياسة الشرعية: أهمية احترام العهود والمواثيق.. ومن هنا صار العُرف أن تتعهد الحكومات المتعاقبة باحترام الاتفاقيات التى أبرمتها الحكومات السابقة.. وقد تكون هذه الاتفاقيات مع بنى صهيون مثلاً.. فكيف بالاتفاق مع بنى الأوطان؟..
الآثار السلبية على العمل الدعوى..
حين يعود الداعية الى مسجده وشارعه وجيرانه يدعوهم إلى الله سيتذكرون مواقفه الحزبية التنافسية بإنجازاتها وعثراتها, بنجاحاتها وإخفاقاتها.. كيف يحدثهم عن الكذب وعن خلف العهود.. كيف يقول لهم: ترفقوا مع من بال فى المسجد.. وسيذكرونه بأنه لم يترفق مع مخالفيه فى الرأى على صفحات التواصل الاجتماعى!!
الداعية يريد الخير للمدعو.. لا يريد أن يقهره ..أو يغلبه ..لماذا؟ لأنه محل نظره واهتمامه ويسعى لجذبه إلى دائرة التدين والالتزام.. هل يتوقع من يهاجمون غيرهم (بسبب الحزبية) أن يستجيب الناس لهم؟.. أن يثقوا فى فكرهم؟.. هل يكتفى الداعية بقوله: هذا علمانى.. إنه شرير.. هذا ليبرالى.. هذا ناصرى.. وهكذا.. وكأنه يتعالى على الناس بتصنيفه إياهم.. الدعاة لا يسعون إلى (إخراج) الناس من دائرة الدين، بل (بإدخال) الناس إلى دائرة التدين, أرأيتم كيف جنت الحزبية على نقاء الدعوة وصفاء مقاصدها؟
أرأيتم كيف يخرج الإسلاميون من استحقاق انتخابى لاستحقاق آخر, فمن للدعوة إذن؟
لقد دار حوار بينى وبين أحد كبار القيادات الإسلامية وهو صاحب عدة مؤلفات, قلت له: ألا تخشى على الدعوة من هذا الزخم السياسى والحزبى؟ فقال: قد لا نكون بحاجة للجماعة حين تقوم مؤسسات الدولة بواجباتها, فينصلح التعليم والصحة وهكذا, فقلت له: قد يكون هذا صحيحًا حينما يكون حجم المقاومة للمشروع الإسلامى فى حدوده الدنيا.. لكن المقاومة مازالت كبيرة, ومن ثم فالحاجة إلى تغيير المجتمعات مازال قائما, وقد علمتنا الأيام أن التغيير لا يأتى من خلال حاكم أو دستور أو سلطة, لا يأتى من أعلى الهرم لقاعدة الشعب, هذه وسائل هامة لكنها مُساعدة, فالتغيير الحقيقى يتحقق بتربية الناس, والتربية تحتاج إلى دعاة ومربين وصبر وقدوات..
لذلك يبقى السؤال مطروحًا: فمن للدعوة إذن؟..
وللحديث بقية…

فمن للدعوة إذن؟ (1-3).. مصطفى كمشيش


اختار السلفيون طريقاً دعوياً جديراً بالاحترام يتعلق بأهمية تعليم العلم الشرعي عامة وعلم الحديث خاصة بعد أن شاع على ألسنة المسلمين (بل وعلى لسان بعض الدعاة) كثير من الأحاديث الموضوعة والضعيفة, كما تركز اهتمامهم أيضًا على التقيد بالهدي الظاهر, وتبنى غيرهم فهمًا متشددًا للدين وحمل آخرون السلاح ورفعوا شعارات جهادية سعيًا للتغيير داخل الوطن..
واختار الإخوان المسلمون منهجًا وسطيًا بعيدًا عن ثنائية العنف والتشدد, حيث بدأت الجماعة طريقها دعويًا ثم خطت خطوة تلو خطوة في مسار العمل السياسي والحزبي..
وقد لحق بالإخوان على درب السياسة والحزبية أغلب التيارات حتى مَن كانوا يصفون الديمقراطية والمجالس النيابية بالكفر والانتخابات بالمفسدة, ورأينا مشايخ ودعاة يتصدرون العمل الحزبي, ليبقى السؤال الكبير والهام: فمن للدعوة إذن؟
أولا : الإخوان المسلمون..
إن تعريف الإمام البنا للجماعة بأنها: [دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية ثقافية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية] لا ينبغي إخراجه من سياقه الزمني (حيث كانت مصر محتلة .. أغلب الشركات أجنبية .. الحكم غير رشيد ..غزو ثقافي .. قضاء مزدوج للمصريين وللأجانب وهكذا).. فكان طبيعيًا أن تؤسس الجماعة نماذج مُصغرة لما تريده من إصلاحات في المجتمع.. بل أسس الإمام البنا النظام الخاص للقيام بالوظيفة العسكرية التي لم يكن لجيش مصر أو جيش الاحتلال  القيام بها..
كانت الجماعة في ذلك السياق التاريخي أقرب إلى منظور(جماعة المسلمين).. وحينما خرج النظام الخاص عن أهدافه التي تأسس من أجلها, قال البنا (رحمه الله): ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين…ثم قال (قبل وفاته): "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لعدتُ إلى زمن المأثورات" بعد ما رآه في مضمار السياسة.. ثم كان بعد ذلك ما كتبه سيد قطب (رحمه الله) عن الجاهلية والحاكمية وهو ما فهمه البعض على أن الجماعة هي فقط جماعة المسلمين, وأحسب أنه رحمه الله لم يقصد الحكم الفقهي وآثاره المترتبة عليه ..ولذلك كتب الهضيبي (الأب) رحمه الله كتابه الهام" دعاة لا قضاة".. فحدد بوضوح أن الإخوان (جماعة من المسلمين).. ظل هذا المعنى واضحًا ويردده كثيرون.. لكنه ظل ملتبسًا جدًا في التطبيق, فقد قرأنا أن مقاطعة الانتخابات كالفرار من الزحف وبدا أن المنافس السياسي كالمحارب في المعركة.. وكان الوقوف أمام اللجان كالرباط في سبيل الله.., وهكذا في كثير من الاستشهادات ..
شمول الإسلام:
ولعل فكرة (شمول الإسلام) وهي فكرة صحيحة وهامة هي التي أحدثت الالتباس عند بعض الناس. 
لقد أصبح من المعلوم عند كثير من المسلمين أن الإسلام دين شامل, وأنه منهج حياة,.. ولقد بلور الإخوان المسلمون في كثير من أدبياتهم معنى الشمول, لكن الذي اختلط على بعضهم هو الفارق بين شمول الخطاب وشمول الوظائف, فلا يعني شمول الدين أن تقوم جماعة بكل الوظائف, فحين تنظر الجماعة على أنها جماعة من المسلمين فإنها تقتصر على وظيفة أو بعض الوظائف لأنها تدرك أنه سيبقى لجماعات المسلمين (الأخرى) تأدية باقي الوظائف, فالجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام قد أصبح لجماعة من المسلمين (اسمها الجيش) وحين يقوم الجيش بهذه الوظيفة ولا تقوم بها جماعة من الجماعات فهذا لا يعني نكوص هذه الجماعة عن تحقيق مفهوم الشمول, وحين تقوم وزارة التعليم بتنظيم تعليم الناس, وتقوم وزارة الصحة برعاية المرضى, وتقوم الشرطة بحفظ الأمن (هذه الوظائف وغيرها) جزء أصيل من مقاصد الشريعة وتحقيق أصيل لمفهوم الشمول.
إن العمل الرياضي للجماعة والاقتصادي والسياسي والثقافي والاجتماعي هو جزء صغير جدًا جدًا من المكونات الرياضية والاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية للدولة والمجتمع, والتي اتسعت وتشعبت وتنوعت وتشكلت في مؤسسات ضخمة وكبيرة, ولن يُمكن بأي حال من الأحوال أن تحل مؤسسات الجماعة محل مؤسسات المجتمع.. لن تقدر ولن تستطيع.. وليس بممكن..
إذا كانت الجماعة تسعى في أدبياتها لتحقيق الخلافة (دون الدخول في جدال فكري أو فقهي حول هذه القضية) فلن يكون مثل هذا الطرح مقبولاً حين تعجز الجماعة (وهي في الحكم) أن تحقق إنجازات مقبولة في التعليم أو الاقتصاد (على سبيل المثال) وهو ملف واحد في دولة واحدة!!..
الحزبي والدعوي:
إن مخاطر مفهوم الشمول باعتباره شمول الوظائف كثيرة ومتعددة, فحين يختلط الحزبي بالدعوي تحت مفهوم الشمول, نرى ما نراه الآن.. نرى أن الإخوان والجهاديين والسلفيين على منصة واحدة لدواعٍ سياسية وهم ليسوا أبناء مدرسة فكرية واحدة, قد يكون من المفهوم أن يتناسى الناس اختلافاتهم الفكرية أو المذهبية عند مواجهة أعداء الوطن كما فعل ابن تيمية عند مواجهة التتار فلم يستثن حتى أصحاب البدع!!
لقد كان للمسلمين منذ فجر الدعوة اجتهادات متنوعة ثم تأسست مذاهب فقهية وفكرية معتبرة أصبح لكل منها طلاب وأتباع, وفي واقعنا المعاصر اختطت جماعة الإخوان طريقها بعيدًا عن (العنف من جهة والتشدد من جهة أخرى) ونالها ما نالها من طرفي العنف والتشدد, فقد كتب أيمن الظواهري (الحصاد المر للإخوان في 60 عاما").. وصدرت عشرات الكتب ضد القرضاوي والغزالي وأفكارهما (على سبيل المثال).
حين يقف خطباء على منصة الإخوان يصفون بعض المخالفين بالكفر… وأن قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار… وغير ذلك, فإنني أحسب أن ذلك يمثل انحرافاً كبيراً عن مسار الدعوة الوسطية.. ما لجأ الإخوان له إلا بسبب الظروف السياسية ( وهنا نتذكر مرة أخرى أضرار التصاق الدعوي بالحزبي على نقاء الدعوة وصفاء طريقها الأصيل ووسطية منهجها)، وحين نرى صمتاً معيباً ضد تصرفات خرقاء لبعض المحسوبين على الدعوة الإسلامية فإن هذا نكوص خطير عن وسطية الدعوة واعتدالها وسلميتها..
 لقد تابعت فيديو لأحدهم يصف واحدًا من أسخف مقدمي البرامج أنه أمرد (أي وجهه جميل ويشبه النساء) وأقسم قائلا: إن حكمك في الإسلام أن تتنقب.. ثم قال كلامًا في غاية البشاعة والتدني الأخلاقي لأن هذا المذيع سخر من الإسلاميين في أحد برامجه السخيفة… ليس معنى أن يتدنى آخرون أن يتدني بعض الدعاة وهم ينتسبون لدين أهم ركائزه العقيدة والأخلاق.. 
وللحديث بقية ..

تربعْنا على السُلطة ونزلنا من عَرْش القلوب.... ناجح ابراهيم

 رَغم وُصول الحركة الإسلامية للسُلطة فإنها نزلت من عَرْش قلوبِ الكثير من المصريين دعَوياً، فى ظاهرة فريدة لم تحدث من قبل، وهذا يختلف بدرجة كبيرة عما حدث أيام الصحابة، رضوان الله عليهم، بعد فتح مكة، إذ استطاعتْ دعوتهم أن تغزو القلوب وتتربع على عَرْشها. وأرى أن تآكل الرصيد الدعوى والتربوى للحركة الإسلامية فى الشارع المصرى يرجع إلى الأسباب الآتية:
- شُيوع التفحُش فى الخطاب الدعوى لأول مرة فى مصر، حتى أضحى كالظاهرة المَرَضية، مع أن مُعلمَ الدعاة، صلى الله عليه وسلم، صدعَ بالحق كاملاً ولم ينطقْ بكلمة فُحْش قط، لا قبل البعثة ولا بعدها وقد روى البخارى ومسلم أن رسولَ الله، صلى الله عليه وسلم، ما كان فاحشاً ولا متفحشاً.. وشيوع التفحش فى الخطاب الدعوى أدى إلى نفور الكثيرين..
- ظهور خطاب الاسْتعلاء من البعض، وانخفاض نبْرة التواضع للخلق والانكسَار للحق سبحانه، وقد يرجع ذلك إلى شعور بعض الدُعاة بأنهم لم يعودوا بحاجة للناس بعد وصولنا للسلطة، ناسينَ أن الرسول العظيم أجلسَ عدى بن حاتم، وكان مسيحياً وقتها، على الوسادة، وجلسَ هو على الأرض، رغم أنه كان وقتها خاتماً للنبيين ورئيساً للدولة فى الوقت نفسه، - الخلط بين مُهمة الداعية والسياسى، فالأول مُهمته هداية الخلائق إلى الخير والبر والصَلاح، أما السياسى فيشغله فقط الوُصُول إلى السُلطة، حتى لو دَاسَ فى طريقه على كل القيم.
- عدم تفريق البعض بين الاعتزاز والاستعلاء بالإسلام والعلو بالذات، حيثُ إن بينهما شَعْرة لا يُدْركها إلا أصحابُ القلوب السَليمة، الذين جمعوا العلم بالله والعلم بأمر الله.. فيسْتعلى البعضُ على الآخرين بذاته، مُتوهماً أنه يفعلُ ذلك اعتزازاً بالدين ونُصْرَة له.
- شُيُوع الخطاب التكفيرى بدرجة أو بأخرى، حيث نسى البعض أننا دُعاة لا قضاة، وأنه ليسَ من مهمتنا إخراج المسلم من دينه بتكفيره أو تفسيقه أو تبْديعه- عدم الانتقال الجيد من فقه الجماعة إلى فقه الدولة، ومن فلسفة المُفاصلة الدينية إلى فلسفة إقامة الدولة، فالأولى تقومُ على الاصْطِفَاء والوَلاء والبَرَاء الدينى، أما الدولة فتقوم على التوافق السياسى والمُشاركة المُجتمعية.
- عدمُ اسْتصحَاب خطاب التسامح والعفو الذى هتفَ به الرسولُ، صلى الله عليه وسلم، بعد فتح مكة «اذهبوا فأنتم الطُلقاء» واستحضار ثقافة الانتقام والثأر.
- تضخم الذراع السياسية للحركة الإسلامية على حساب الذراعين الأخريين، وهما الذراع الدعوية والتربوية والإصلاحية والذراع الاجتماعية الإنسانية.. حتى إن معظم الأموال والجهود والأوقات صبتْ لصالح الأولى فقط.
- تقديم بعض النماذج الدعوية السيئة سُلوكاً وأخلاقاً وفكراً وعلماً، وتصدرها السَاحتين الدعوية والسياسية لسبب أو لآخر، - عدم التدْقيق فيمَن رُشحوا للبرلمان السَابق من الإسْلاميين.. مثل «فلان» و«فلان».

الثلاثاء، 8 يناير 2013

{وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً} (٢-٢)….. الحبيب على الجفري


 أكرر اعتذارى للقارئ الكريم على إشغال وقته فى قراءة ما يبدو محاولة لإثبات أن الإسلام يأمر بحسن الخلق!
ولكن..
قد مر فى الجزء الأول من الخاطرة أن المقصود بقوله تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً} هو عموم الناس وعموم الإحسان.
وبقى أن نجيب عن السؤالين الأخيرين من الأسئلة الأربعة:
السؤال الثالث: ما صلة هذا الأمر ببقية التعاليم التى فى نفس الآية؟
والجواب:
تأملوا معى سياق الآية: {وإِذْ أَخَذْنا ميثاقَ بَنى إِسرائيلَ لاَ تَعبُدُونَ إلاَّ اللهَ وبِالوالدَينِ إِحساناً وذِى القُرْبَى واليتامَى والمساكينِ وقُولُوا للنَّاسِ حُسْناً وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَولَّيتُمْ إلاَّ قليلاً منكُمْ وأَنتم مُعْرِضُونَ}.
فقد أخذ الله الميثاق على بنى إسرائيل بالعهد التالى:
1. أن يوحدوه ولا يعبدوا غيره.
2. أن يحسنوا تعاملهم قولاً وعملاً مع الدوائر المحيطة بهم، حسب درجة الصلة: (الوالدين فالأقارب فالأيتام فالمساكين).
3. أن يقولوا حُسْناً للناس، كل الناس.
4. أن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة.
ثم عاب عليهم إعراضهم عن الالتزام بالميثاق..
وهنا نلاحظ عظمة الخطاب من جوانب عدة:
- جمع التوجيه الإلهى هنا بين الإحسان الفعلى والقولى، كما ذكر الحافظ ابن كثير فى تفسيره.
- قدّم الله إحسان القول والفعل على الصلاة والزكاة، مع أنهما من أهمّ الفرائض، بل هما من أركان الإسلام!
وكأن الحق تعالى ينبهنا إلى أن الفرائض لا تستقيم ولا تثمر دون حسن المعاملة مع الناس، وهذا درس عظيم ما أشد حاجتنا إليه اليوم!
وما أعذب عبارة الشيخ العارف أحمد ابن عجيبة الحسنى فى تفسيره البحر المديد، حيث يشير إلى هذا المعنى بقوله:
«وأخذ العهد على المتوجهين أن يكلموا الناس بالملاطفة والإحسان، ويرشدوهم إلى الكريم المنان، ويقيموا الصلاة بالجوارح والقلوب، ويؤدوا زكاة نفوسهم بتطهيرها من العيوب».
تنبيه:
يؤكد هنا الطاهر بن عاشور فى تفسيره ضرورةَ أن يكون حسن القول نابعاً من اعتقاد القلب بما ينطق به اللسان، وليس مجرد المجاملة اللفظية.. قال رحمه الله: «وجعل الإحسان لسائر الناس بالقول، لأنه القَدْر الذى يمكن معاملة جميع الناس به، وذلك أن أصل القول أن يكون عن اعتقاد، فهم إذا قالوا للناس حسناً فقد أضمروا لهم خيراً، وذلك أصل حسن المعاملة مع الخلق، قال النبى صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)».
كما نبهنا الله إلى أننا إن عجزنا عن مساعدة كل الناس مساعدة عملية، فلا ينبغى أن نبخل عليهم بحسن المعاملة والقول الحسن وبذل النصيحة، قال الإمام البقاعى فى تفسيره: «ولما لم يكن وسع الناس عامة بالإحسان بالفعل ممكناً، أمر بِجَعل ذلك بالقول».
ومن جميل النظرة المستوعبة للسياق قول الشيخ ابن عجيبة فى تفسيره: «ذكر الحق تعالى فى هذا العهد أربعة أعمال: عمل خاص بالقلب، وهو التوحيد، وعمل خاص بالبدن، وهو الصلاة، وعمل خاص بالمال، وهو الزكاة، وعمل عام، وهو الإحسان. ورتَّبها باعتبار الأهم فالأهم، فقدّم الوالدين لتأكيد حقهما الأعظم، ثم القرابة لأن فيهم أجر الإحسان وصلة الرحم، ثم اليتامى لقلّة حيلتهم، ثم المساكين لضعفهم».
السؤال الرابع:هل هذه التعاليم متوجهة إلينا أم أنها خاصة ببنى إسرائيل؟ وهل الأمر بحسن القول للناس باقٍ أم أنه منسوخ بآية السيف؟
والجواب:
عند تأمل السياق يظهر جلياً أن التعاليم التى فى الآية ثبت توجيهها إلينا فى الشريعة الإسلامية، فقد أمرنا الله بتوحيده وبالإحسان إلى الوالدين وذوى القربى واليتامى والمساكين وبالصلاة والزكاة، وجاء الأمر بحسن القول لجميع الناس فى وسط هذه التعاليم، فكيف يُستساغ استثناء هذا الأمر من بينها باعتبار أنه خاص ببنى إسرائيل أو أنه منسوخ بآية السيف؟
وكيف يقبل عاقل باعتبار الأمر بحسن الخلق شرعاً خاصاً ببنى إسرائيل ولا يكون فى شريعة الإسلام السمحة الخاتمة للشرائع؟ أم كيف يقبل عاقل اعتبار الأخلاق والقيم محلاً للنسخ والتغيير وهى من ثوابت الفطرة السليمة؟
لا سيما أن النبى صلى الله عليه وآله وسلّم قد قال: «إنَّما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاق».
وعند تأمل كتب التفسير نجد أن جمهور المفسرين يعتمدون القول بأن هذه التعاليم تشمل الأمة المحمدية وأنها باقية ولم تُنسخ، بالرغم من نقلهم بعض المرويات التى تقول بخلاف ذلك.
وقد جزم بذلك الإمام الألوسى فى «روح المعانى» بعد نقل الأقوال المروية، إذ قال: «ومن قال إن المخاطب به الأمة وهو محكم أو منسوخ بآية السيف، أو إن (الناس) مخصوص بصالحى المؤمنين، إذ لا يكون القول الحسن مع الكفار والفساق لأنا أمرنا بلعنهم وذمهم ومحاربتهم - فقد أبعد».
وقد أورد الإمام الفخر الرازى فى التفسير الكبير والإمام ابن حيان الأندلسى فى البحر المحيط، أدلة من القرآن تؤكد شمول الأمة المحمدية بهذه التعاليم السامية وبقائها دون نسخ، إذ قالا: «وزعم أبوجعفر محمد بن على الباقر أن هذا العموم باقٍ على ظاهره، وأنه لا حاجة إلى التخصيص، وهذا هو الأقوى، والدليل عليه أن موسى وهارون مع جلال منصبهما أُمِرا بالرفق واللين مع فرعون، وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم مأمور بالرفق وترك الغلظة. وكذلك قوله تعالى: {ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}، وقوله تعالى: {وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ}، وقوله: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً}، وقوله: {وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِيْن}».
ونبّه الشيخ العارف ابن عجيبة على أن هذه التعاليم السامية إنما تذكر فى القرآن لنأخذ منها العبرة، فقال فى تفسيره: «كل عهد أُخذ على بنى إسرائيل يؤخذ مثله على الأمة المحمدية، وهذا حكمة ذكر قصصهم لنا، وسرد مساوئهم علينا، لنتحرز من الوقوع فيما وقعوا فيه، فنهلك كما هلكوا».
وأخيراً..
وبعد أن اتضح من قوله تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً}، أنّ الآية:
1. تشمل جميع الناس، وليست خاصة بمخاطبة الصالحين أو المؤمنين.
2. تعنى عموم معانى الإحسان، وليست مقتصرة على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
3. ثابتة فى الشريعة الإسلامية، وليست خاصة ببنى إسرائيل.
4. محكمة باقية، وليست منسوخة.
أقول لإخوتى الذين حاولوا تبرير بذاءة ما نطقت به ألسنتهم بإلصاقها بشرع الله: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً}.