الاثنين، 26 مارس 2012

إنه لم يتلون !………. مصطفى كمشيش


 استضاف عبد الرحمن يوسف مساء الجمعة 23/3/2012م في برنامجه على إحدى الفضائيات المتحدث الرسمي النابه لحزب النور الأستاذ نادر بكار, وسأله أسئلة عديدة محاولا أن يستدرجه الى الإفصاح عن مرشح النور لانتخابات الرئاسة, لكنه اعتذر مرارا باعتبار أن الحزب لم يقرر بعد, وفي ختام الحلقة (وبذكاء شديد) سأله يوسف عن انطباعه الشخصي عن مرشحي الرئاسة (حمدين صباحي – بثينة كامل – أبو الفتوح – ابو اسماعيل) وهو لا يريد إجابته إلا عن الأبَوين (أبي اسماعيل وأبي الفتوح), لكنه أدرج اسميهما ضمن آخرين ليمرر السؤال, فوصف بكار حمدين صباحي بأنه ثائر, بحاجة الى أن يتعرف الناس به أكثر, وعن حازم فقال : ثائر, يحتاج الى أن يكون أكثر واقعية, وعن بثينة كامل قال: أحتاج الى وقت لكي أتمكن من أقول انطباعي عنها, أما أبو الفتوح فقال عنه نادر بكار : إنه رجل لم يغير مواقفه منذ 1979م ( هكذا قال وهكذا حدد التاريخ).
إن بعض الناس قد يكون أسيرا لانتمائه أو عصبيته, فيكون اختياره الأول تفضيلا وانحيازا الى بعض اقربائه, أو بني عشيرته, أو حزبه أو جماعته.
لكن حين يمتدح بكار( السلفي) أبا الفتوح ( وهو الإخواني منهجا وإن لم يكن إخوانيا تنظيما) فأحسب أن ذلك تجردا كريما, أتمنى أن يسود في حياتنا الدينية والسياسية والثقافية, وإن كان عسيرا جد عسير. 
صفات مُجتمعة وقيادةٌ مُختبرة
لم يولِ ملكُ مصر يوسفَ عليه السلام خزانة مصرإلا بعد ادراكه أن يوسف عليه السلام قد خاض اختبارات سابقة ونجح فيها, فقد اطمئن لعلمه حين أفتاهم بما عجز عنه حاشية الملك,ثم أطمئن لأخلاقه حين ايقن ببرائته من التهم الأخلاقية التي الصقها به (النظام ) زورا وبهتانا, لقد قدم لهم يوسف حلولا مبتكرة قبل أن يخرج من محبسه وقبل اعلان براءته مما كشف للملك عن سمو اخلاقه حين لم يحجب الخير عمن ظلمه,ومن الناحية العملية فقد اقترح يوسف عليه السلام خطة وخارطة طريق تعملان على (الاستقلال الذاتي وانهاض الهمم) حين قال: تزرعون (أنتم وليس غيركم) سبع سنين دأبا (خطة عمل سباعية بجهد ودأب), فلم ينجح فقط في اجتياز الأزمة الاقتصادية التي كادت أن تعصف بمصر وأهلها, ولكنه حقق الوفرة (في ظل أزمة) بما سمح لمصر أن يفيض خيرها على غيرها من البلدان المجاورة.
ولم يول شُعيب موسى عليه السلام ادارة أرضه إلا بعد اجتياز موسى عليه السلام اختبار القوة والأمانة, حين شهدت له أبنة شعيب بقولها (إن خير من استأجرت القوي الأمين),وهنا ندرك أمرا مهما,وهو ضرورة اجتماع الصفتين (القدرة والأمانة), فلم يقل يوسف: (اجعلني على خزائن الإرض إني حفيظ وعليم) ولم تقل ابنة شعيب (إن خير من استأجرت القوي والأمين) بما يوضح التصاق الصفتين أو الشرطين معاً دون انفصال حتى بواو العطف.
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم إيمان ابا ذر الغفاري,لكنه لم يطمئن الى قدرته على تولي أمر الولاية, ففي الحديث الذي رواه مسلم: قلت: يا رسول الله، ألا تستعملني؟ قال: فضرب يده على منكبي، ثم قال:(يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها).
ومن هنا ندرك معاً أمراً أخرا, وهو اختبار هذه الصفات عمليا, بما يحقق مصداقيتها, فكم من الناس يتكلمون ويَعِدون, ولقد رأينا كيف أصبح بعض سدنة النظام السابق من أهل السياسة والإعلام والثقافة من مناصري الثورة!.
إننا بحاجة الى استحضار تاريخ الرجال لمعرفة قضية عمرهم من خلال مواقف وتجارب فذة بينت صدق معادنهم وصفاء دواخلهم.
لقد كانت (ليلى) معشوقة العرب,كما يقول بعضهم (الآن) عن (الشريعة) تارة أوعن (حب الوطن) تارة أخرى, وكان كثير من الناس يدعي أنه على علاقة بأشهر نساء العرب (ليلى) لأن في ذلك شهرة له وتميز بين اقرانه, ولم يكن ذلك في جملته صحيحا, ولذلك قال الشاعر: 
كل يدعي وصلا بليلى .. وليلى لا تُقر لهم بذاك
إذا اشتبكت دموع بجفون ..تبين من بكى ممن تباكى 
وهذا يعني باختصار (القيادة المٌختبرة) بمواقف وتاريخ وأحداث لم يتلون معها الإنسان أو يتبدل.

لا إكراه فى الانتخاب……. د/محمد سيف الدولة


 لكل مواطن مصرى بالغ من العمر 18 عامًا حق المشاركة فى الانتخاب الحر النزيه لرئيس الجمهورية حتى لو كان عضوًا فى جماعة الإخوان أو السلفيين أو أحزابهم أو أى أحزاب وجماعات أخرى.
ومن حق أى حزب أو جماعة أو هيئة أن تختار مرشحًا للرئاسة، ولكن ليس من حقها إلزام أعضائها بانتخابه وتهديدهم بإجراءات عقابية إن لم يفعلوا.


فمنذ شهور والناس فى مصر مشغولة بالرئيس القادم، تتحاور وتتشاور وتراقب وتقيم وهى تشعر بأنها اكتسبت مع الثورة حقًا جديدًا لأول مرة فى تاريخها، هو حق المشاركة فى انتخابات رئاسية حرة نزيهة. 
وليس من اللائق أن يأتى لهم فى اللحظات الأخيرة من يقول لهم: لا تشغلوا بالكم، فلقد قضى الأمر وتم اختيار الرئيس بمعرفة القادة أو الشيوخ، وهو شخص مخالف تمامًا لتوقعات الجميع، بل إنه ليس واحدًا ممن تعلمونهم من المتنافسين الحاليين، وهو شخص مغمور ولكنه سينجح رغمًا عن أنف الجميع لأنه سيلقى دعمنا نحن أصحاب الأغلبية. وكأن هناك غرفة تحكم عن بعد تدير مصر من وراء الكواليس.

إن شعور المرشحين والناخبين بأن المرشح الذى يرفضه الإخوان والسلفيون هو ساقط لا محالة وأن لا حول لهم ولا قوة فيما يقرره أصحاب الأغلبية، هو شعور كريه سيدفع الناس دفعًا إلى سحب الثقة الغالية التى منحوها لهم فى الانتخابات البرلمانية مما سيفقدهم أغلبيتهم فى المستقبل القريب.

إن حقيقة أن هناك جهة واحدة صغيرة محدودة العدد هى التى تمسك بزمام الأمور وهى التى تقرر فى النهاية كل شىء هى حقيقة مرفوضة، سواء كانت هى مكتب الإرشاد أو المجلس العسكرى أو شيوخ الدعوة السلفية أو زعماء الليبرالية أو مجلس رجال الأعمال أو لجنة السياسات أو غيرهم. فلا يجب أن يشعر الناس أبدا أن هناك أفرادًا أو أحزابًا أو جماعات فوق الجميع.
إن على أولئك الذين حصدوا أغلبية أصوات الناخبين فى الانتخابات البرلمانية، ألا يتباهوا ويختالوا طوال الوقت بأغلبيتهم، وإلا يجعلوا منها سيفًا مسلطًا على رقاب الجميع، بل عليهم أن يتعاملوا معها بحكمة وبروية حتى لا يستهلكون رصيدهم لدى محبيهم وجماهيرهم.

إن مثل هذه المواقف والسلوكيات تلحق بنا ضررًا بالغًا وتثير مزيدًا من الفتن فيما بيننا، فى وقت لم نتعاف فيه بعد من الفتن السابقة، كما أنها ستثير كثيرًا من الشكوك حول حقيقة الأطراف التى شاركت فى هذا الاختيار أو هذا الترشيح، هل هو الجيش أم الولايات المتحدة أم من؟ فالاختيارات التى تتم فى الظلام بعيدًا عن الرأى العام، تشعر الناس دائمًا أن وراءها نوايا شريرة وصفقات مريبة.

إخوتنا وأصدقاؤنا أصحاب الأغلبية الكرام، أفرجوا عن شبابكم وأعطوهم الأمان، أعطوهم حق الاختيار الحر بدون إكراه أو تهديد، علموهم كيف يختارون ولكن لا تختاروا لهم، زكوا الأصلح ولكن لا تلزموهم به.

ربوهم على أن مصر فوق الحزب والجماعة، وأن للانتماء الوطنى امتيازًا وأولوية على الانتماء الحزبى، وأن يدَ اللهِ مع جماعة الشعب وليس مع جماعة الحزب، وأن الحق فوق الحزب والتنظيم، وإننا سنحاسب أمام الله أفرادًا وليس أحزابًا أو جماعات، وأن العقيدة التى تؤمن بأنه لا إكراه فى الدين لا يمكن أن تقر بالإكراه فى الانتخاب.
بارك الله فيكم وسدد خطاكم.

الأحد، 25 مارس 2012

بين الرشد والتيه في تطبيقات الشورى المعاصرة ! - مفهوم الشورى وأهميتها ومقاصدها (2) - د.يحيى نعيم

مفهــوم الشــورى وأهميتها ومقاصدها

المعنى اللغوي: جاء في المعجم الوسيط "شار" الرجل شورا أي: حسن منظره, وَالشَّيْء: عرضه ليبدي مَا فِيهِ من محَاسِن, وَيُقَال شار الدَّابَّة أي أجراها عِنْد البيع ليظْهر قوتها وَفِي حَدِيث طَلْحَة (كَانَ يشور نَفسه أَمَام رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَي يسْعَى ويخف ليظْهر بذلك قوته
وشار َالْعَسَل أي: استخرجه واجتناه من خلاياه ومواضعه.
(أَشَارَ) إِلَيْهِ بِيَدِهِ أَو نَحْوهَا: أَوْمَأ إِلَيْهِ معبرا عَن معنى من الْمعَانِي كالدعوة إِلَى الدُّخُول أَو الْخُرُوج, وَعَلِيهِ بِكَذَا: نصحه أَن يَفْعَله مُبينًا مَا فِيهِ من صَوَاب
(شاوره) فِي الْأَمر مُشَاورَة وشواراً: طلب رَأْيه فِيهِ وَفِي التَّنْزِيل الْعَزِيز {وشاورهم فِي الْأَمر}
(اشتور) الْقَوْم: شاور بَعضهم بَعْضًا و(تشاوروا): اشتوروا
كما جاء في تهذيب اللغة شار الرجل أي حسن وجهه وراش واستغنى ويقال جاءت الإبل شياراً أي: جاءت سماناً حساناً

المعنى الاصطلاحي: هناك العديد من التعريفات, والتي تدور كلها حول اجتماع الناس على أمر ما لتداول الآراء, واستخلاص أصوبها للبت في شأن هذا الأمر بقرار..وابسطها وأوضحها ما ذكره الشيخ أحمد محي الدين العجوز في "مناهج الشريعة الإسلامية" من أن الشورى هي:
 "تبادل الآراء في أمر من الأمور لمعرفة أصوبها وأصلحها لأجل اعتماده والعمل به".
وأحكمها و أوعاها بتصوري هو تعريف الدكتور توفيق الشاوي, في كتابه الجامع (فقه الشورىوالاستشارة) بأنها:
"منهج شرعي لتبادل الرأي والفكر الحر, قبل إصدار القرار من الجماعة أو أهل الحل والعقد الممثلين لها أو المختص, وفقاً لأحكام الشريعة, في جميع الشئون الاجتماعية والفردية".

وفيه جمع الدكتور توفيق -رحمه الله- بين طبيعة المبدأ (منهج شرعي), وجوهر الممارسة (تبادل الرأي والفكر الحر), ودوائرها (الجماعة ككل – أهل الحل والعقد – أهل الاختصاص), وإطارها الحاكم (الالتزام بأحكام وتوجيهات الشريعة), وميادين تنزيلها (جميع الشئون الاجتماعية والفردية).
ولعلنا نلمس دقة وجمال التوافق بين المعنى اللغوي والاصطلاحي, عندما يترادف المعني اللغوي مع استخلاص العسل وجمعه من خلاياه ومواضعه, والمعنى الاصطلاحي مع استخلاص الرأي الصواب وجمعه من أهله وثقاته, فإذا ما كنا نعرف في العسل أنه شفاء للناس, مصداقاً لقوله تعالى (يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس), فإن ممارسة الشورى على النحو الرشيد, يعتبر من مقومات الصحة والعافية في الجماعة المسلمة, والرأي الناشئ عنها هو لاشك علاجٌ وشفاء لما تتناوله من مسألة, وما ينزل بساحتها من خطب و مُلمات.

ومثله أيضاً, مرادفه المعنى اللغوي لعرض الشيء وإبداء محاسنه وقوته, مع ما تعنيه الشورى من عرض الرأي مشفوعاً بمقومات صلاحه ورجاحته, إذ لا يُعتد حال تداول الآراء بالطرح الخالي من الحجية ومقومات الإقناع.
وقولهم في المعنى اللغوي, جاءت الإبل شياراً أي: غدت سماناً حساناً, يترادف مع مستهدف الشورى في جمع الخواطر والأفهام, لتغذية الرأي الواحد الهزيل بذاته, ليغدو سميناً حسناً محيطاً وراسخاً بأبعاد المسألة التي يتناولها, فلا يتجاوزه حينها الهداية والتوفيق والصواب.

أهميـة الشـورى ومقـاصدهـا
يقول الأستاذ الشهيد عبد القادر عوده –رحمه الله-, في كتاب (الإسلام وأوضاعنا السياسية) بأن "الشورى دعامة من دعائم الإيمان, وصفة من الصفات المميزة للمسلمين، سوَّى الله بينها وبين الصلاة والإنفاق في قوله:
 {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [الشورى:38]
فجعل للاستجابة لله نتائج وأمارات بين لنا أبرزها وأظهرها، وهي إقامة الصلاة والشورى والإنفاق، وإذا كانت الشورى من الإيمان فإنه لا يكمل إيمان قوم يتركون الشورى، ولا يحسن إسلامهم إذا لم يقيمواالشورى إقامة صحيحة، ومادامت الشورى صفة لازمة للمسلم لا يكمل إيمانه إلا بتوفرها، فهي إذن فريضة إسلامية واجبة على الحاكمين والمحكومين، فعلى الحاكم أن يستشير في كل أمور الحكم والإدارة، والسياسة، والتشريع، وكل ما يتعلق بمصلحة الأفراد أو المصلحة العامة، وعلى المحكومين أن يشيروا على الحاكم بما يرونه في هذه المسائل كلها، سواء استشارهم الحاكم أو لم يستشرهم"

وقد ساق المفكرون والكُتاب ممن تناولوا الشورى بالبحث والدراسة, الكثير من الآيات والأحاديث والحكم والأمثال والأقوال المشهورة للترغيب فيها, ومن ذلك قوله تعالى :
(وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله), 
وقول رسولنا الكريم: 
"ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار، ولا افتقر من اقتصد". 
وقوله أيضاً صلى الله عليه وسلم:
 "المستشير مُعان". 
وما جاء في (العقد الفريد) على لسان الإمام علي رضي الله عنه, بان في الشورى سبع خصال وأفضال, وهي :
"استنباط الصواب، واكتساب الرأي، والتحصن من السقطة، والتحرز من الملامة، والنجاة من الندامة، وألفة القلوب، وإتباع الأثر" 
وقوله رضي الله عنه :
" نعم المؤازرة المشاورة وبئس الاستعداد الاستبداد". 
وقول عمر بن عبد العزيز: 
"إن المشورة والمناظرة باب رحمة ومفتاح بركة لا يضل معهما رأي ولا يُفقد معهما حزم". 
وقول الجاحظ: 
"المشورة لقاح العقول، ورائد الصواب، والمستشير على طرف النجاح، واستنارة المرء برأي أخيه، من عزم الأمور وحزم التدبير، وقد أمر الله تعالى أكمل الخلق لبا، وأولاهم بالإصابة عزما، فقال لرسوله الكريم عليه السلام في كتابه الكريم: "وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ"

وقولهم في منثور الحكم: 
"الاستشارة عين الهداية وقد خاطر من استغنى برأيه" و "ما استنبط الصواب بمثل المشورة، ولا خصبت النعم بمثل المواساة، ولا اكتسبت البغضة بمثل الكبر" و "لا يستقيم الملك بالشركاء، كما ولا يستقيم الرأي بالتفرد به"
وفي الشعر:
الرأي كالليل مسوداً جوانبه … والليل لا ينجلي إلا بإصباح
فاضمم مصابيح أراء الرجال إلى … مصباح رأيك تزدد ضوء مصباح
و قولهم:
والحكم إن وزن الشعوب بواحد … غبن الشعوب وخانه الميزان
في عصمة الشورى وتحت ظلالها … تحمي الممالك كلها وتصان

غير أن جُلّ إسهابهم كان في تناول الشورى وفوائدها في ميدان السياسة وتأليف الرعية وإدارة شئون الحكم, وقليلٌ ما صادفني أن تجاوز الكاتب المدح والتركيز على فوائد الشورى في الجانب السياسي, إلى الاهتمام باستنباط وتفصيل مقاصد الشورى الكلية, وحكمتها الواسعة في بناء الأمة وتمتين عقدها الاجتماعي وتأمين صفوفها من عوامل الهدم والتناحر, ومن هؤلاء النفر القليل الشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي الذي عدد فوائد الشورى العامة, في أنها إتباع لسنة الرسول الكريم ولزوماً لهدية ومنهجه, وأنها مدعاة للتوصل إلى الصواب, ومدعاة لإزالة الضغائن والأحقاد فمن يستشار في الأمر لا يمكن أن يجد في نفسه حرجاً ولا حسداً للقائم بالأمر, وأن فيها إشراكاً في الأجر, وتسلية عند إخفاق الرأي, وأنها مدعاة للطاعة والتزام الأمر, وهي تعويد لمن تقوده على الشورى، حتى لا يكون مستبداً إذا تولى هو القيادة, وفيها استغلال لكل الجهود والطاقات المتاحة في الأمة, كما أنها تغلُّب على النفس؛ لأن النفس البشرية تسعى لإتباع الحظوظ وتريد الكمال وتدعيه، فإذا كان الإنسان يقهر نفسه بالشورى ويريها أنها ناقصة, وأنها محتاجة إلى عقل غيرها وعلمه؛ فهذا تغلب على النفس وقهر لها وتحريز لها من السقوط في وحل الكبر ومستنقع الاستبداد".

..ويبقى أفضل ما قرأت في هذا الشأن أيضاً, مقالة للدكتور الريسوني, تحت عنوان (مقاصد الشورى وفوائدها)¹, وما ساقه الدكتور توفيق الشاوي بهذا الصدد في كتابيه (الشورى أعلى مراتب الديمقراطية) و (موسوعة فقه الشورى والاستشارة), وأهم ما يتعلق فيهما بموضوع البحث, هو تأكيدهما المشترك على أن جوهر الشورى هو تبادل الرأي والحوار الحر بين جميع الأفراد قبل صدور الحكم والقرار, في أجواء من الألفة وسلامة الصدر والحرص على طلب الحق والصواب, ولهذا يصف الدكتور توفيق الشاوي بأنها منهج اجتماعي وليست نظرية سياسية وحسب, ويقول في ذلك: 
(إن قرار الشورى هو القرار الصادر من جماعة تمتعت بحرية الاختيار, وحرية اختيار الجماعة تعني حرية أفرادها جميعاً في المشاركة في الرأي ومناقشته, والوصول إلى الرأي الناتج عن المشاورة والالتزام به سواء أتقرر بالإجماع أم بالأغلبية) .

ويقول في موضع آخر :
(لا يعتبر القرار صادراً من الجماعة بصورة صحيحة, إذا حُرم بعض أفرادها أو طائفة من المكلفين الراشدين منهم من الحق في الشورى, ومن باب أولى إذا حُرمت الأغلبية نفسها أو الجمهور من هذا الحق).

ويؤكد على هذا المعنى الدكتور الريسوني في ذكر المقاصد, ومنها: إشاعة جو من المبادرة والحرية, وفيها يقول: 
(الشورى هي أولا وقبل كل شيء حرية في التفكير وحرية في التعبير الصادق الأمين. والشورى إذا أفرغت من حرية التفكير والتعبير أصبحت مجرد ملهاة، أو مجرد مناورة على وزن مشاورة .. أي أنها تتخذ شكل المشاورة واسم المشاورة، ولكنها في النهاية مجرد تضليل ومناورة … ولذلك فحرية التفكير وحرية التعبير، هي شرط من شروط الصحة في الشورى، شرط سابق وشرط مرافق. فإذا أردنا الشورىالحقيقية، فلنقل: هي التي تكون الحرية قبلها، والحرية معها. وعلى هذا الأساس فإن الشورى تصبح ترجمة عملية لحرية التفكير والتعبير، وتصبح خادمة لها، ومعززة لممارستها، وضامنة لاستمرارها واشتداد عودها)!


ولعل هذه المعاني الأخيرة تُلقي بظلال كثيفة على ما يجري في التطبيقات المعاصرة للشورى, حيث تُكبت العقول وتُصادر الآراء وتُقيد الحريات باسم الشورى الملزمة, فيُنتهك الجوهر وتنحرف الممارسة فتُهدر واحدة من أهم مستهدفاتها وهي حفظ أواصر الأخوة وتمتين علاقات المودة بين أبناء الجماعة المسلمة وتوحيد صفها.

روح الدسـتور القادم………معتز بالله عبد الفتاح


 مجتمعنا منقسم أيديولوجيا وانقسامه حاد بسبب فترات الاستبداد التى تشكل بيئة خصبة لمناخ التشدد والاستقطاب والإقصاء والتصعيد والوصاية. لذا أخذت دول كثيرة، تمر بمثل ظروفنا، فترات طويلة كى تكتب دستورها لأن قواها السياسية متحزبة بتشدد واستقطاب وإقصاء وتصعيد ووصاية قبل أن تتفق على قواعد العمل العام التى ستحكم الأحزاب وتحدد منطلقات الدستور الجديد، وكأن كل حزب أو تيار أو أيديولوجية تصنع أو تستورد قطارات بمقاسات مختلفة وخصائص متفاوتة قبل أن تتفق على خصائص القضبان التى ستسير عليها هذه القطارات. هناك من يشترى القطارات، وبفضيلة السبق، يريد أن يجبر الجميع على مقاسات القضبان التى تناسبه هو وليس بالضرورة ما يناسب كل الوطن. هناك من يريد أن يخطط الملعب بما يتسق مع مصالحه وأولوياته هو وليست أولويات الوطن.

هذه المجتمعات الخارجة حديثا من ضيق الاستبداد إلى آفاق الحرية تواجه معضلة لم تخترها لنفهسا وهى معضلة التضارب فى الترتيب الزمنى:
فهى مطالبة بأن تتوافق على القواعد قبل أن تتحزب لكنها بالفعل متحزبة حتى قبل زوال الحكم الاستبدادى لكنه كان تحزبا مكبوتا، وحين يسمح له بالظهور يكون بالفعل قد بلغ مدى يصعب السيطرة عليه، إلا بوجود بعض العقلاء فى كل حزب أو تيار يسعون لأن يكونوا الجسور التى يمكن من خلالها لأبناء الوطن من أصحاب التيارات المختلفة أن يتواصلوا من خلاله. 

إذن علينا أن نتفق رغما عن انقسامنا. مثلا الآباء المؤسسون للولايات المتحدة اجتمعوا واتفقوا على قواعد الدولة وعلاقاتها بالمجتمع وكتبوها فى إعلان الاستقلال ثم فى الدستور ثم فى التعديلات العشرة الأولى من الدستور قبل أن ينقسموا حزبيا، وبالتالى جاءت الأحزاب لتتسق مع الحد الأدنى من التوافق السياسى والمجتمعى الذى اتفق عليه الجميع قبل أن تتكون الأحزاب، وقبل أن يعرفوا من سيكون الأغلبية ومن سيكون فى الأقلية، من سيكون فى الحكم، ومن سيكون خارجه.

من المهم أن نعرف أن حصول حزب ما على الأغلبية فى انتخابات برلمانية أو رئاسية لا يعنى أنه سيضع منفردا (أو ربما بالتفاوض مع المقربين منه فكريا أو مصلحيا) قواعد العمل العام فى مصر لأن معه الأغلبية. وهذه الطريقة فى التفكير تعنى أن بعضنا يسىء من حيث ينبغى أن يحسن، ويتحزب منقسما قبل أن يتشارك متفقا على قواعد العمل العام الآمرة التى لا يجوز الاتفاق على مخالفتها، ولا يجوز التسامح مع تجاهلها. وبعد أن تستقر هذه القواعد الآمرة فى ضميرنا يعرف كل منا حدود الممكن والمتاح، ومساحات المرفوض وغير المقبول.


●●●

قبل أن ننزل إلى ساحة المباراة، لابد أن نتفق على قواعدها المجردة أولا. وليس أن يملى الطرف الذى معه العدد الأكبر من المشجعين القواعد التى تتفق مع مصالحه على الأقلية، لا سيما وأن مفهوم الأغلبية بطبيعته متغير عبر الزمن فنضطر كل بضع سنوات أن نخرج فى الشارع معلنين أن الأغلبية الحالية تريد إسقاط دستور الأغلبية التى كانت فى مرحلة زمنية سابقة. الفرق بين هذا وذاك كبير. 
وسأستعير فكرة لآخر أهم الفلاسفة الأمريكيين المعاصرين (جون رولز) كى ننطلق منها؛ فلو تخيلنا جميعا أننا رجعنا إلى حالة ما قبل الحياة وقبل معرفة خصائصنا (أى قبل أن يعرف أحدنا هل هو مسلم أو مسيحى، غنى أو فقير، امرأة أو رجل) وقررنا أن نضع القواعد التى نحب أن تحكمنا فى مستقبل أيامنا دون أن يعرف أى منا ما هى خصائصه التى سيكون عليها بعد أن يولد فى الحياة الحقيقية على أرض مصر؛ فمثلا سأتخيل أننى عدت إلى مرحلة ما قبل الولادة لألتقى بعدد من المصريين الذين لا يعرفون هل سيكونون مسلمين أم مسحيين، أغنياء أم فقراء، ذكورا أم إناثا، فى حالة الحياة الطبيعية بعد الولادة. وقد قررنا أن نتفق أولا على القواعد التى ستحكمنا حين نولد لنعيش بالفعل على أرض مصر. 

يا ترى ما هى هذه القواعد حتى لا يظلم بعضنا بعضا؟ أتصور أنها خمس قواعد أساسية وللجميع الحق فى الإضافة والحذف.
  • أولا قاعدة العدالة: نريدها دولة عادلة، والعدالة تعنى المساواة المبدئية بين الجميع أمام القانون بغض النظر عن التفاوت فى الدخول والاختلاف فى الديانة أو النوع (ذكر أم أنثى). ولكن هذه المساواة لا ينبغى أن تكون عمياء وإنما لا بد أن تسمح بالتفاوت بين المواطنين على أساس المجهود والمواهب (فلا يستوى الذين لا يعملون والذى لا يعملون) من ناحية وعلى أساس الاحتياجات فلا يستوى من يريد المال كى يغير الياخت ومن يريد المال كى يشترى دواء لابنته ولا يجد.
  • ثانيا: نريدها دولة ديمقراطية كتطبيق معاصر للشورى الموجودة قبل الإسلام والتى حض عليها الإسلام.. حتى نضمن ألا تستبد الأقلية الحاكمة بالأغلبية المحكومة. وهو ما يقتضى بالضرورة أن تكون بنية النظام السياسى قائمة على مقولة: «علينا أن نصنع الدولة، ولكن علينا نحن من يحكمها أن نكون أول من يلتزم بقوانينها التى تعبر عن مصالح وأصوات أغلب مواطنيها»، كما ذهب جيمس ماديسون الرئيس الرابع للولايات المتحدة.
  • ثالثا: نريدها دولة متسامحة سياسيا مع الأقليات حتى نضمن ألا تستبد الأغلبية من مواطنيها بالأقلية العددية. وهذا المعنى للتسامح السياسى هو التعريف الذى أستخدمه لليبرالية السياسية، ولا مشاحة فى اللفظ؛ فكما حمينا الأغلبية من استبداد الأقلية بالديمقراطية، لا بد أن نحمى الأقلية من استبداد الأغلبية بالليبرالية. فهناك حقوق ملازمة للمواطنين المصريين حتى وإن كانت ليست على هوى الأغلبية مثل حق المواطن فى اختيار دينه وفى ألا يفرق بين المواطنين أمام القضاء على أساس النوع أو الأصل أو الدين أو اللغة أو المكانة الاقتصادية والاجتماعية.
  • رابعا: نريدها دولة تنموية أى دولة قادرة على الاستفادة من طاقات أبنائها الاقتصادية فى مواجهة التخلف والفقر. وهذه الخاصية التنموية تقتضى أن تكون الدولة قادرة على التنمية المستدامة والشاملة ويكفى الإشارة إلى أن مصر وتركيا كانتا عند نفس مستوى الناتج القومى تقريبا من 10 سنوات، أما الآن فالناتج المحلى الإجمالى التركى أصبح ثلاثة أمثال نظيره المصرى بما يعكس التفاوت فى الموارد الطبيعية وكذلك القدرة على الاستفادة منها. وكى تتحقق هذه الدولة التنموية فإن «الأفضل لا بد أن يتقدم» فى كل مجال بغض النظر عن النوع والديانة والسن.
  • خامسا: نريدها دولة مدنية تحترم الأديان السماوية وتحترم داخلها «مبادئ الشريعة الإسلامية كمصدر رئيسى للتشريع» ولكنها فى نفس الوقت تلتزم بالضوابط التى تضمن ألا يتحول الدين إلى أداة تحزب واستقطاب وتنازع وكهنوت. فلا يوجد حزب أو جماعة تتحدث باسم الدين (أى دين)، وإنما تحترم كل الأحزاب كل الأديان، وتسعى للعمل بمبادئها السامية التى تؤكد على معانى العدل والقسط وتكريم الإنسان فى مناخ من التراحم والتواد والتعايش. إذن فلتكن ديمقراطية تحترم الشريعة الإلهية وتحترم الشرعية الديمقراطية، وكلاهما، فى حالتنا، يكادان يتطابقان.
●●●

إذا توافقت أغلبيتنا الواضحة (وحتى وإن لم نتفق تماما وإجماعا) على أن مصر التى نريد هى دولة عادلة، وديمقراطية، وليبرالية، وتنموية، ومدنية وترجمنا هذه الخصائص إلى قواعد دستورية وقانونية يراقبها القضاء ويرصدها الرأى العام، إذن لا توجد مشكلة حتى لو كان بيننا متطرفون هنا أو هناك.

وليوفق الله أهل مصر لما فيه خير مصر، وهم يكتبون دستورهم.

بين الرشد والتيه في تطبيقات الشورى المعاصرة ! - مقدمة السلسلة (1) - د.يحيى نعيم

تــوطئـــــة

بادئ ذي بدء, أود الاعتراف بأن دوافعي للبحث في مسألة الشورى لم تكن تتجاوز الرغبة في الوقوف على مدى توافق التطبيقات المعاصرة لدى التنظيمات الإسلامية القائمة, مع المفهوم الصحيح للشورى, الذي تضمنته النصوص القرآنية والتوجيهات النبوية, وما جاء في السيرة والخلافة الراشدة من تطبيقات أجمعت الأمة على صوابيتها ورشدها. خاصة مع تزايد الجدل والنزاع حول مواقف جماعة الإخوان الأخيرة, المصاحبة لنشأة الحزب, والمتعلقة بانتخابات الرئاسة. وإلزام الحركة لأعضائها بعدد من القرارات المنسوبة للشورى, ومبادرتها للتضييق على المخالفين بسلسلة من العقوبات, بلغت حد الفصل, الذي طالت مقصلته رموز وقامات دعوية كبيرة في حجم الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح, وشباب مشهود لهم بالكفاءة والإخلاص والفضل داخل الصف التنظيمي لسنوات طويلة. ليتحول هؤلاء النفر بين عشية وضحاها إلى فئة منبوذة تنظيمياً, تلاحقها حملات من التشويه والافتراءات والاغتيالات المعنوية داخل الجماعة وخارجها..وتبقى تهمتهم الكبرى التي لا يعوزها الحجية في الإقناع, أنهم قد شقوا عصا الطاعة التي بايعوا عليها في المنشط والمكره, وخالفوا شورى الجماعة الملزمة.

غير أنني كلما تقدمت في بحث المسألة, استبان لي من معانيها ومعالمها ما تضائل معه مستهدف البحث ودوافعه الأولى, حيث وجدتني أمام مبدأ وقيمة عظيمة من مبادئ وقيم الإسلام, الذي غيّبته كما غيّبت غيره سنوات عجاف من الجهل والجمود التي أصابت الأمة, وشوهته كما شوهت غيره عقولٌ ضاقت مذاهبها, وأخرى حملت علمها لاسترضاء السلطان وأصحاب النفوذ, فحرفت وتأولت وألبست على الأمة في دينها ما لم يُنزل به الله سلطاناً, فكان عملها اشد باساً وخطورة من جيوش توالت تتراً على الأمة, لتخرجها من عبادة ربها, وتعطلها عن القيام بقيادة الركب الإنساني وهدايته وإرشاده لسبل النجاة والسلامة في الدنيا والآخرة.

ولا أبالغ حين أقول بأن طمس معالم الشورى و مقاصدها, وتعطيل وظيفتها ودورها في بناء الأمم والنظم السياسية التي تحكمها, على النحو الذي جرى في العصور التي تلت الخلافة الراشدة, وما تقدمه التنظيمات الإسلامية المعاصرة اليوم من تطبيقات قاصرة ومشوهه, قد حرم الإنسانية كلها من فضل الاستفادة من هذه القيمة وتطبيقاتها في كافة ميادين الحياة المختلفة, وجعلها ترفل لسنوات طوال -ومازالت- في معاناة التجربة والخطأ والتصحيح, إلى أن توصلت مؤخراً "للديمقراطية الغربية", فتناولتها شعوب الأرض على أنها النموذج المحتذى, ونُظّرَ لها على أنها قمة ما توصل إليه العقل الإنساني, من نضج ورشد في إدارة الحكم وتنظيم العلاقة بين الحاكم والرعية.

الأمر الذي دفع بمفكر مثل فرانسيس فوكوياما صاحب نظرية "نهاية التاريخ", للقول بأن الحضارة الغربية بما توصلت إليه من نظم إدارة وديمقراطية, هي قمة ما أنتجته البشرية لتنظيم شئونها وعلاقاتها, ومن ثم فهذه هي نهاية التاريخ, وهذه هي الحضارة التي ستبقى مهيمنة وسائدة إلى أن تفنى الأرض والحياة.! وما درى فوكوياما وأمثاله, أن منهجاً ربانياً بين يدي المسلمين, يفوق تلك الديمقراطية الغربية بمراتب رشداً وإحكاماً اسمه "الشورى". ولولا ما تعانيه الأمة من انحطاط وتيه, لكان من سعد البشرية أن تنعم في كنف هذا المنهج وتطبيقاته وثماره اليانعة, بما يحفظ نوعها ويرتقي بإنسانيتها.

وما كنت أحسبني أفيق من الاستغراق في تأمل المعاني, واستنباط الأحكام بين ثنايا البحث في حديقة الشورى الغناء وارفة الظلال, لولا استعجال أخوة أفاضل لي, لإخراج البحث والتركيز على دوافعه الأولى, وذلك رجاء المساهمة في فض الالتباس الحاصل حول المفهوم وتطبيقاته داخل الجماعة, في مسائل لم ينقطع الجدل حولها في الآونة الأخيرة..

ولهذا الغرض سوف ينتظم البحث بإذن الله في المحاور التالية:
1- مفهوم الشورى وأهميتها ومقاصدها.
2- الضوابط الحاكمة للتطبيق وأنواع الشورى وحكمها ودوائر عملها.
3-  صور من التطبيقات الراشدة والصحيحة للشورى.
4-  مراحل وأسباب الانحراف في الفهم والتطبيق ونتائجه.
5-  مواقف وتطبيقات الجماعة المعاصرة في ميزان ما تقدم.

وإني لأرجو من الله أن يعينني على تحقيق ذلك المستهدف, بقطف زهور الشورى اليانعة, وتضمينها في المقالات القادمة, عسى أن يسري عبيرها في النفوس فتتغير قناعات, وتُكف أياد وإرادات عن تناول هذه القيمة العظيمة في غير مقاصدها وأهدافها..

الخميس، 22 مارس 2012

قراءة في شخصية أبو الفتوح…………الكاتب: أ.د محمد المهدي


 سمعت أحد الشباب يتحدث إلى صديقه: "تخيل لو عبدالمنعم ابو الفتوح نجح في انتخابات الرئاسة يبقى ده أول رئيس اتثبت ع الدائري وانضرب هو والسواق بتاعه واتسرقت عربيته, وده يمكن يخليه يحس بينا بقى ويظبط الداخلية ويخلصنا م البلطجية". 
توقفت أمام العبارة وأحسست فيها برغبة أن يأتي الرئيس أيا كان اسمه أو صفته من بين الناس ويا حبذا لو تعرض لما تعرض له المصريون من أذى ومشقة وكبد في حياتهم لكي يشعر بما يشعرون به ويتحمس لتغيير حياتهم, ومن هنا تحمست للتأمل والغوص في شخصية الدكتور عبدالمنعم أبو الفتوح بعد حادث "تثبيته على الدائري" والعدوان عليه وسرقته وربما تعاطفا معه أو أملا في أن يستطيع في يوم ما – بدافع من التجربة الشخصية في السجن و"التثبيت" والسرقة – أن يطهر (لا أن يعيد هيكلة) وزارة الداخلية التي استخدمها مبارك لقهرنا وإذلالنا وحين رحل هو وعصابته تركتنا الداخلية نهبا للبلطجية. 

نشأته:
ولد د. عبد المنعم أبو الفتوح في حي الملك الصالح بمصر القديمة في 15 أكتوبر 1951 لأسرة جاءت الي القاهرة من محافظة الغربية، وكان ترتيبه الثالث بين ستة إخوة كلهم ذكور, توفي أخويه الأكبر وأصبح هو أكبر إخوته الأحياء. وحي مصر القديمة يتميز بوجود عدد كبير من المساجد والكنائس الأثرية وربما ترك ذلك التعانق بين مآذن المساجد وأبراج الكنائس تأثيرا في شخصيته. 

وفي مواقف كثيرة في حياته كان يتضح أن حلمه بلا حدود, وأن سقف طموحاته أعلى مما يتصور أحد, وربما كان يكمن وراء ذلك شعور إيجابي عال بالذات, وقد كان هذا يجعله مستشعرا أن لا شئ صعب أمام العزيمة والإرادة والعمل والاجتهاد وقبل كل ذلك التوكل على الله والاستعانة به. 

وعلى الرغم من كونه الأخ الأوسط إلا أنه كان يتصرف على أنه الأكبر بين إخوته من حيث تحمله للمسئولية, والمبادرة للمساعدة عند أي موقف يواجه الأسرة, وقد كان يتميز بين إخوته أنه يقوم بالعمل دون تكليف, وقد جعله ذلك أقرب الأبناء لوالده. وقد انتشر ذلك السلوك من الأسرة الصغيرة إلى العائلة الأكبر فبدأ يبرز على أنه عميد العائلة رغم صغر سنه, وامتدت رعايته وخدماته إلى عائلته كلها وإلى بلدته الأصلية فكان الناس يأتون إليه وهو طالب في كلية الطب لكي يساعدهم في الوصول إلى كبار الأطباء, إذ لم تكن لديه حواجز نفسية تمنعه من أن يصل إلى أعلى مستوى طبي أو إداري لمساعدة المرضى والضعفاء من عائلته أو من أهل بلدته أو غيرهم, وكان معروفا عنه أنه إذا أراد شيئا فعله بسلاسة وإقدام. 

وعلى الرغم من بساطة النشأة فقد استطاع تجاوز كل العقبات وتحقيق خطوات هائلة في تطوره الشخصي والمهني والإجتماعي والسياسي, وعلى الرغم مما واجهه من عقبات إلا أنه استطاع أن يوظفها لصالح مشروعه الإصلاحي الطموح والمثابر. 
تميز عبد المنعم أبو الفتوح في الجامعة بنشاطه واهتمامه بشئون زملائه فشغل منصب رئيس اتحاد كلية طب القصر العيني التي كانت في ذلك الوقت رائدة في العمل الإسلامي، ثم أصبح بعد ذلك رئيس اتحاد طلاب جامعة القاهرة، حين حدثت الواقعة الشهيرة عندما واجه عبد المنعم أبو الفتوح الرئيس السابق محمد أنور السادات أثناء لقائه معه بثقة وشجاعة لا تخلو من اندفاع الشباب فقال له أن الدولة يسود فيها حالة من النفاق ولا تحترم علماءها وانتقد منع الشيخ الغزالي من الخطابة.

لم يؤثر انشغاله بالعمل العام علي دراسته فظل محافظا على تفوقه في جميع سنوات الدراسة وحصل علي بكالوريوس طب القصر العيني بتقدير جيد جدا، لكنه حرم من التعيين بسبب نشاطه السياسي واعتقل لعدة أشهر ضمن اعتقالات سبتمبر ١٩٨١ الشهيرة. إلا أنه واصل تفوقه الدراسي وحصل علي ماجيستر إدارة المستشفيات. انضم لحركة الإخوان المسلمين وشغل منصب عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين منذ عام ١٩٨٧حتي ٢٠٠٩.

عقب تخرجه شغل د.عبد المنعم أبو الفتوح العديد من المناصب السياسية والنقابية مثل منصبه السابق كأمين عام نقابة أطباء مصر ومنصبه الحالي كأمين عام اتحاد الأطباء العرب، كما امتد عمله العام للعمل الإغاثي والإنساني من خلال رئاسته للجنة الإغاثة والطوارئ باتحاد الأطباء العرب، التي أرسلت مساعدات طبية وإنسانية إلي ضحايا حادثة سيول أسوان وسيناء وكارثة الدويقة، كما قامت بتجهيز المستشفيات الميدانية بميدان التحرير خلال الثورة، وتقديم المعونات لضحايا الثورة الليبية ومجاعات الصومال، وتوفير المساعدات لضحايا الاعتداءات الصهيونية في فلسطين ولبنان وقطاع غزة.
اعتقل في عهد محمد حسني مبارك لمدة خمس سنوات لنشاطه السياسي، حصل خلالها د.عبد المنعم علي ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة.
يعيش أبو الفتوح حاليا في القاهرة مع زوجته التي تعمل كطبيبة نساء وتوليد ولديه ستة أبناء ثلاث إناث يعملن طبيبات وثلاث ذكور يعملون في مجالات الهندسة والصيدلة والتجارة.


مفتاح شخصيته: 
من خلال متابعة شخصية لنشاطات الدكتور أبو الفتوح ومما توافر لدينا من معلومات عن سيرته من خلال محبيه وناقديه, ومؤيديه ومعارضيه, اتفق أغلبهم على صفة محورية ومفتاحية فيه وهي "الصدق", فهي تشكل مركزا لبقية صفاته مثل التلقائية والشفافية والوضوح والصراحة, واتساق ظاهره مع باطنه, واتساق لغته اللفظية مع تعبيرات جسده, وقدرته على الإفصاح عن أي نقص أو عيب قد يراه البعض فيه.

وهو لا يحب التكلف أو التصنع في الأفكار أو في الملبس أو السلوك, وقد وضع هذا عبئا على مديري حملته الانتخابية, إذ كانوا يطلبون منه أشياءا لزوم الحملة الانتخابية وكان هو يرفضها لأنها لا تتفق مع طبيعته وتلقائيته, ومن ذلك أن خبيرا في العلاقات العامة والحملات الانتخابية حاول أن يلفت نظره إلى بعض فنون الإلقاء والتواصل والتحكم في لغة الجسد, ولكنه لم يستطع أن يلتزم بذلك وفضل أن يكون هو نفسه بما تعود أن يلقى الناس به. وقد يرجع ذلك إلى بساطة النشأة وقسوة الظروف في مراحل العمر المختلفة حيث ينظر إلى الحياة ويتعامل معها من خلال الأساسيات لا الكماليات والضرورات لا الرفاهيات. 

سمات القيادة:
شب على القيادة وتحمل المسئولية, وقد كان هذا خياره, ومن النوادر التي عرفت عنه وهو صغير أنه هو الذي حمل أوراقه وذهب ليقدمها كي يلتحق بالصف الأول الابتدائي في مدرسة أبو السعود الابتدائية بمصر القديمة. وفي الصف الثاني الابتدائي بدأ نشاطه الطلابي من خلال تأسيسه لجماعة المقصف, واستمر ذلك النشاط القيادي بين الطلاب في مدرسة الروضة الإعدادية ثم الثانوية واتسع نطاقه في الجامعة حتى وصل إلى رئاسة اتحاد كلية طب القصر العيني ثم رئاسة اتحاد طلاب الجامعات. 


كان متميزا في اللغة العربية وفي قواعد النحو بشكل خاص, وقد أكسبه هذا محبة أساتذة اللغة العربية, كما أن تمكنه في اللغة وصوته الجهوري العميق وتركيبته الجسمانية وقدرته على تحمل المسئولية ورغبته في مساعدة الغير, كل ذلك أهله لمواقع قيادية في كافة مراحل حياته على الرغم من زهده في السلطة. 

وفي فترة السبعينات كان يمثل قيادة غير رسمية للجماعات الإسلامية في جامعات مصر, وانتقل بعد ذلك ومعه أعداد كبيرة من زملائه وأحبائه إلى جماعة الإخوان المسلمين حيث بث روحا جديدة في الجماعة وربطها بالنشاط الطلابي في الجامعات ثم بعد ذلك بالنقابات المهنية وقطاعات أخرى في المجتمع حيث يتميز أبو الفتوح بحركيته الهائلة وقبوله في الأوساط المختلفة وقدرته على التجميع والحشد. ومن هنا أعجب به الأستاذ عمر التلمساني المرشد العام الأسبق للإخوان المسلمين وضمه إلى مكتب الإرشاد وكان عمره وقتها 32 عاما فكان أصغر عضو ينضم إلى ذلك المكتب في تاريخ الإخوان, وكان هو معجبا جدا بشخصية الأستاذ عمر التلمساني خاصة الشفافية والبساطة واستيعابه للناس كلهم حتى المخالفين له وقد شكل بالنسبة له المعين الدعوي والسلوكي, وحدث التلاقي بين الشخصيتين, واستمر أبو الفتوح في مكتب الإرشاد ما يقرب من 22 عاما على الرغم من معارضة بعض قيادات الإخوان لوجوده.

حماسته وشجاعته واندفاعه المحسوب:
حين كان رئيسا لاتحاد الطلاب أيام السادات لم يجد مشكلة في أن يواجه رئيس الدولة بما يراه من سلبيات بروح طالب جامعي متحمس لا يعرف التوازنات أو المواءمات أو الحلول الوسط, فالأمور لديه محسومة "صح أوغلط" وليس بينهما إلا المراوغات والإلتفافات التي لم يحبها. كان موقفه أمام السادات عاكسا لسمات شخصيته في هذه المرحلة المبكرة وفيها الصدق والمصارحة والوضوح والشجاعة التي تصطبغ بقدر من الإندفاع المميز لهذا السن. كان يرى أن المشكلة الكبرى أن من حول الرئيس ينافقونه ولا يصدقونه القول. وكان إدراك أبو الفتوح وقتها لمشكلة وقف الشيخ الغزالي عن الخطابة أزمة كبيرة لأنها تعني إبعاد المخلصين الصادقين عن دائرة التوجيه المجتمعي لذلك استشهد بهذه الحالة التي تبدو فردية وشخصية أمام رئيس الجمهورية. 


مسيرة طويلة من العمل الطلابي نقلته إلى العمل الدعوي والسياسي من خلال جماعة الإخوان المسلمين ليصل إلى رئاسة اتحاد الأطباء العرب, تلك المسيرة سمحت بحالة من النضج الهادئ لمكونات الشخصية القيادية حيث كان يأخذ وقتا كافيا في كل مرحلة ليستوعبها وتتطور شخصيته من خلالها, فتحول اندفاع الشباب إلى مبادرة وإيجابية واستقلال في الرأي انتهى به إلى الخروج من تنظيم الإخوان المسلمين. 

قراءاته وخبراته: 
لم يعرف عنه شغفا أو انهماكا في القراءة, وحين تتابع أحاديثه ونشاطاته تلمس أن شخصيته لم تتكون من القراءة أو التعلم الأكاديمي, وإنما من الخبرة الحياتية اليومية والممارسة الميدانية, والتدرج في مجالات العمل العام, بمعنى آخر هو لا يفكر أو يتحرك من خلال معرفة نظرية أو منطلقات فكرية بقدر ما ينطلق من تجربة عملية ميدانية وسط الناس, ومن هنا قد يراه المنظرون وأصحاب الايديولوجيات على أنه لا يملك عمقا نظريا ولا يملك رؤية فكرية متكاملة, ويراه العمليون من الناس أنه يحمل خبرة ميدانية وقدرة تنظيمية تسمح له بقيادة مجموعات من البشر وتحريك ملكاتهم نحو العمل الجماعي المنظم والهادف.
وأكثر قراءاته في المجالات الدينية, وكاتبه المفضل كان الشيخ محمد الغزالي والذي يعتبر المعين الثقافي والفكري له.


سماته الشخصية:
تحدثت كثيرا مع أصدقاء مقربين له عاصروه منذ طفولته وحتى الآن, وسألت معارضين له كي أصل إلى مفتاح (أو مفاتيح) شخصيته وأعرف نقاط قوته وضعفه بشكل موضوعي لأنقلها للقارئ على أساس أنه مرشح لمنصب رئاسة الجمهورية ومن حقنا أن نعرف الكثير عنه, فكانت آراؤهم فيه كالتالي: أهم صفاته الصدق والصراحة والوضوح.. "مابيلفش ويدور".. محترم (يحترم نفسه ويحترم الآخرين حتى المختلفين معه), وصادق مع نفسه ومع من حوله، لا يخفي شيئا، رجل بسيط ومتواضع، يتفق ويختلف بأمانة ووضوح، يألف ويؤلف، طيب، ليس تصادميا، وضوحه الشديد قد لا يعجب البعض وربما يفسر ذلك على أنه اندفاع أو صراحة زائدة، خبرته ممتدة جدا ومتنوعة وواسعة، استفاد من سنوات سجنه صلابة أخلاقية وقدرة على التأمل والمراجعة والتفكير في وجهة النظر الأخرى, وهو من القلائل الذين لم تترك تجربة السجن فيه مرارة نفسية بقدر ماتركت نضجا في الشخصية (كما حدث مع مانديلا) فلا ترى فيه رغبة في القصاص أو الإنتقام أو كراهية شخصية لأحد بل يعلو على الحدث في صبر نبيل وراق. 


وعلى الرغم من سماته القيادية, إلا أنه لا يعيش دور الزعيم ولا تبدو عليه علامات تضخم الذات و وتصدره في العمل العام يأتي من قناعة بأن لديه خبرة معينة يستطيع أن يقدمها للناس. وتركيبته الجسدية (طوله وضخامته) تدعم ثقته بنفسه وإحساسه بالتمكن والأمان والهدوء والثبات. لا يغضب بسهولة ولا يشعر بالإنجراح على المستوى الشخصي, ولا يستدرك لصراعات شخصية, ولديه القدرة على أن يحب ويحب. وتدينه من النوع الوسطي القريب من تدين عموم المصريين ويخلو من مظاهر الغلو والتنطع, وينتمي إلى مدرسة الفكر الإسلامي الحركي الوسطي.

مصري في ملامحه وصفاته, وطني محب لوطنه… منصف وعادل Fair ومحب للآخرين…. لديه القدرة على الحكم بحيادية ولا يجامل أحدا على حساب الآخر مهما كانت الروابط بينهما… متواضع وأصيل لا يتجمل ولا يخفي شيئا مما تعود الناس أن يخفوه لتحسين صورتهم أو التباهي في المجتمع.

ومن سماته: التلقائية, والثقة بالنفس, والحركة الدائبة بين الناس, ويجيد الإتصال معهم، يستشير كثيرا قبل أن يتخذ أي قرار، ويعرف من يستشير وفي أي شيء يستشير، ويزن الإستشارة بشكل جيد. هو شهم وصاحب مروءة, يهتم بأي شخص يلجأ اليه, ويسارع إلى نجدته بشكل فعّال… متسامحا… متساميا… لا يحمل ضغينة لأحد. 

لديه قدرة على الصبر الجميل والاحتمال النبيل, فهو لا يشكو على الرغم من تعرضه لمواقف وأزمات شديدة في حياته, ومن أكثر الأزمات التي مر بها عملية إقصائه من الإخوان والتي سارت بشكل منظم على مدى عشر سنوات قيل عليه فيها كلام كثير حتى وهو في السجن في محاولة لتشويه صورته, ومع ذلك تحمل ولم يشكو لأحد ولم تظهر عليه أي علامة أو رغبة للانتقام ممن آذوه, ويكمن وراء ذلك صفة مهمة فيه وهي التسامح وصفة أخرى وهي عفة اللسان على الرغم من قدرته على المواجهة وتوكيد الذات.
لديه القدرة على التعامل مع أكثر من فكرة وأكثر من موضوع في وقت واحد وأن يفصل بينها بشكل جيد دون أن تختلط لديه الخيوط والأوراق. 


وعلى الرغم من عقلانيته وموضوعيته وحزمه الإداري إلا أنه معروف للمقربين منه بأن لديه عاطفة جيّاشة ومشاعر حية تجعله يتأثر ويتفاعل بوجدان يقظ مع الأحداث (بكى في أحد البرامج التليفزيونية وهو يتحدث عن خيرت الشاطر, وبكى مرة أخرى وهو يتحدث عن ارتباطه الروحي بالإخوان المسلمين رغم فصله من الجماعة).

وعلى الرغم من صراحته المعهودة وتلقائيته الظاهرة إلا أن لديه القدرة على أن يحتفظ بما يريد أن يحتفظ به, ولديه القدرة على السيطرة على مشاعره وانفعالاته (عند اللزوم), وربما قد تعلم من خلال نشاطه في الإخوان وفي العمل السياسي عموما أن يكون حذرا وأن يزن ما يقوله ويعرف متى وأين يقوله. 

وتتبدى فيه ملامح الرجولة التقليدية والقدرة على تحمل المسئولية, وبالتعبير المصري الدارج هو "راجل جدع ومحترم، عنده ضمير وقد المسئولية". وربما وضعته هذه الصفات وغيرها في وضع الثوري المناضل لأنه لم يكن ليقبل الضيم والظلم والإنحراف والفساد, ولهذا اصطف مع المعارضة بكل أطيافها لمحاربة النظام الفاسد في عهد السادات ومبارك وتعرض لمحنة الاعتقال والسجن أكثر من مرة.

نبيل في اختلافه مع الأشخاص أو التيارات السياسية أو الدينية, فلا يحقر أحدا ولا يستهين بأحد ولا يظلم أحدا, ولديه القدرة على الإستماع النشط وعلى المراجعة والوقوف على الحقيقة مهما كان مصدرها. وهو ينطلق في علاقاته مع الآخر من قاعدة الاحترام والتقدير وإمكانات التعايش والتواصل والتعاون.

والكاريزما الشخصية لأبوالفتوح ليست من النوع الطاغي البرّاق الأخّاذ , ولكنها من النوع الرصين العميق, وبمعنى آخر فإن كاريزمته ليست كاريزما البريق ولكن كاريزما القيمة. 


ولغة جسده تعكس سمات الأدب والثقة والاحترام والاعتدال والثقة بالذات والتوازن والثبات الانفعالي والانفتاح على الآخر والوضوح والشفافية وصدق المشاعر وحيوية الضمير واستقامة السلوك. 

أزمته مع الإخوان المسلمين: 
ولا يعرف أزمة استبعاده من الإخوان إلا من يعرف وزن وقيمة أبو الفتوح في جماعة الإخوان على مدى ما يقرب من 35 عاما, فقد استطاع أبو الفتوح في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي أن يقنع غالبية أعضاء الجماعات الإسلامية في الجامعات المصرية أن ينتموا لجماعة الإخوان المسلمين وبذلك دفع إلى الجماعة بدماء نشطة وشابة كان لها دور كبير في تطوير نشاط الجماعة في العقود الأخيرة وكان هو ومن معه من الشباب دعامة قوية لها ولهذا يعتبره الكثيرون صاحب البناء الثاني للجماعة لأنه كان يجوب مصر كلها ولديه قدرة عالية على التواصل مع كوادر الجماعة خاصة جيل الشباب والوسط, ومع هذا لم يكن مهتما بالمناصب أو أن يكون له كادر تنظيمي في الجماعة لأنه لم يكن يهتم بأن تكون له سلطة رسمية فكان يقوم بالعمل ويسلمه لأصحاب السلطة الرسمية, فهو ليس رجل تنظيم وليس رجل سيطرة وتحكم, وإنما هو قيادي محرك ومتحرك(مثل النحلة), ويستطيع أن يلتقط من كل زهرة رحيق ويستفيد جدا ممن حوله سواءا بالأفكار أو بالخبرة.


والأزمة مفتاحها مواقفه المبنية على القيم, إذ لم يكن يفكر بمنطق المكسب والخسارة, وكانت دوافعه في اتخاذ المواقف دوافع قيمية, ومن هنا كان يخسر رضا أقرانه ومن فوقهم من أصحاب السلطة والقرار. 

وتركه للإخوان كان أيضا بسبب عدم التقاء طبيعة الإخوان كتنظيم له ضوابطه وأعرافه وحساباته (والتي تستلزم طاعة وولاءا مطلقا للقيادة والتنظيم) وطبيعة عبدالمنعم ابو الفتوح كشخص انفتاحي، صريح، يحترم نفسه، ويعلن رأيه، ولهذا تم محاصرته والتضييق عليه وتحذير الناس منه للدرجة التي أشاع فيها بعض القيادات أن أبو الفتوح إذا وصل إلى الرئاسة فسينتقم من الإخوان ويصفي تنظيمهم, خاصة أنه يعرف كل أسرار الجماعة، وهو رغم كل ماقيل عنه لم يتفوه بكلمة تجرح أحدا في الإخوان بل دائما يردد أنه مازال يشعر بالإنتماء للإخوان المسلمين على الرغم من خلافه مع بعض أفراد القيادة المركزية. وتجربة انفصال أبو الفتوح ربما تقترب بشكل أو بآخر من تجربة الدكتور القرضاوي والشيخ الغزالي واللذان تركا الإخوان تنظيميا ولكنهما احتفظا بعلاقة فكرية ووجدانية وثيقة بحركة الإخوان وربما كان انفصالهما بسبب شعورهما بثقل قيود التنظيم والتي تشكل عبئا عليهما كمفكرين إسلاميين يريدان أن يعملا في آفاق أرحب. 

عيوبه: 
مهما تحلى الإنسان من صفات إلا أنه لا يخلو من عيوب, وبسؤال المقربين منه من محبيه ومعارضيه عن عيوبه قالوا: "راسه ناشفه"، "شديد المراس"، حين يقتنع بشيء يصمم عليه ويتمسك به للنهاية. ويرى بعض الناس أنه يندفع أحيانا بسبب حماسته وتلقائيته, ويستشهدون في ذلك بمواجهته للرئيس السادات ومصارحته له بأشياء استفزته واستثارت غضبه. ويدافع محبوه عن هذه الصفة بأنه يندفع تلقائيا نحو ما يراه صحيحا ولا يغرق في حسابات كثيرة أو معقدة ولا يتردد بل يتخذ القرار فورا في حالة الطوارئ ويكون دافعه في ذلك قيميا في الأساس, فهو يفعل مايراه صحيحا ولا يتوقف كثيرا أمام حسابات المكسب والخسارة.
 
وعلى الرغم من سماته القيادية وكونه كما يسمونه في علم الإدارة Figure Head بمعنى أن لديه القبول عند الناس كقائد ولديه القدرة على استثارة حماسهم وحشدهم وزيادة دافعيتهم, ولديه رؤية استراتيجية وبصيرة جيدة, إلا أنه يفتقد للملكة المؤسسية, ويحتاج لمعاونين له يكملون هذه الناحية التنظيمية التفصيلية.
وفي النهاية لكل إنسان حسناته ونقاط ضعفه, ولذلك لا توضع مقدرات الأمم في يد أفراد مهما حسنت النوايا بهم, فالسلطة المطلقة مهاكة مطلقة.

—————————————————-
دكتور/ محمد المهدى وهو من أرقى الاطباء النفسيين فى مصر و أكثرهم توازنا واعتدالا…

نحــــــن وطنيـــــــون………بقلم : حسن البنا

 مقال للإمام الشهيد المؤسس حسن البنا الذي كتب كافتتاحية العدد (139) من جريدة الإخوان المسلمين اليومية الصادر في 20 ذو القعدة سنة 1365هـ الموافق 15 أكتوبر سنة 1946م

—————————————–

أول ما بدأت فكرة الإخوان ودعوتهم في الظهور والتركز ، وكان ذلك في سنة 1927م و 1928م الميلادية ، كان هدفها الأول مقاومة تيار الإلحاد والإباحية التي قذفتنا به أوروبا والتي أخذ كثير من الكتاب والهيئات والحكومات يروج له ويعجب به ويدعو إليه دعوة قوية عنيفة اضطربت لها نفوس الغيورين على ما بقي من تعاليم الإسلام وزلزلت زلزالاً شديدًا.

وكانت وسيلة الإخوان إلى هذا المعنى تكوين جبهة من النفوس المؤمنة الفاهمة لتعاليم الإسلام فهمًا صحيحًا تعمل على تطبيقه في نفسها وفي كل ما يحيط بها وتدعو إليه غيرها.

الثلاثاء، 20 مارس 2012

أعرفه أكثر من ذاتي ! …………. إسلام هجرس



أعرف عبدا من عباد الله يولد الليلة للمرة الثانية والعشرين : لا يخالف نواميس البشر ؛ فيعترض على سرعة العد وبطء النوال : لكن نواميس البشر تخالف ناموسه الشخصي ؛ فتغرس في وعائه من الطفولة نقاءها ، ومن الشباب حماسته وشغفه بحياة غير ودودة ، ومن الشيخوخة همها واحتمالها … هكذا يعرف عن نفسه (كما أخبرني) .
*
أعرف عبدا من عباد الله ينهي صفحة من صفحات عمره كاتبا ؛ فتردها له الذكرى قارئا ، ويختم حلقة من حلقات حياته منتجا ومؤديا ومخرجا ؛ فيكررهها له الأثير مشاهدا وناقدا .
*
أعرف عبدا من عباد الله تعلم في الحياة في بضعة شهور ما لم يتعلمه في خمس قرن من الزمان ، فصار احتفاله بالميلاد الجديد ملحمة تليق به وحده ، وبخاصته وحدهم ، وبالقبح والجمال وحدهما ، وبالموت والحياة وحدهما ! ماذا بقي إذن ممن لن يحتفل معه وبه ؟! ربما بقي فقط ألا يفكر في من بقي أو ما بقي !
*
أعرف عبدا من عباد الله علـَّمه القرب جمال الحب ، وعلمه البعد حقيقة الحب ، فصنع في القرب ما سماه "أغلى الأحباب" ، وفقد في البعد "أغلى الأحباب" اسما ، ليكسب الحقيقة ، لم يكن مغفلا حين قرب إليه من اكتشف أنه لا يستحق ؛ فالخير مِن الخيِّرين سبيل ومشاع للقريبين والبعيدين ، لكنه خسر الكثير حين لم ينتبه إلى أمه ، وكسب الكثير حين سألها عبر العنكبوتية ذات يوم : هل في قلبك غضب مني قد يكون حائلا بيني وبين تحقيق ما أريد ؟ فقالت له : رغم أن الكلام معك كان لا يوصل إلى (عقاد نافع) وأنك متفلسف أكثر من الطبيعي ، لكنني أشهد أنك الوحيد الذي لم يَعلُ صوتـُه عليَّ ، وأنك سندي في الحياة ، وأنك "أغلى الأحباب" …
فرق كبير بين أغلى الأحباب هناك وهنا .
*
أعرف عبدا من عباد الله خسر قلبا أعز عليه من روحه ، ليفتح الله له كل القلوب ، ويحبب فيه كل من يقابله ، حتى تلاميذ وتلميذات الصفوف الأولى الذين تدرس لهم المعلمات كانوا يطلبونه بمجرد لقاء واحد معه ، وكأنهم وجدوا فيه شيئا ليس في الآخرين ، وكأنه تعويض الله الأحلى والأطيب والأحن دائما ، 
تعلـَّم كل الثنائيات والمتناقضات التي يفرضها الواقع ، لا الثنائيات التي يلجأ لها البلاغيون ليصنعوا محسنا بديعيا اسمه الطباق أو المقابلة ، فخلف البعد قرب ، وخلف الإغلاق فتح ، وخلف الفقد وجود ، وخلف الموت حياة ، حتى أصبح يتفائل بالمحن لأن التأمل الزماني أو المكاني .. الفطري أو المفتعل : سيتفتق عن منح عظيمة ، حكمة لا تـُعَلـِّمُه إياها الفلسفات ولكن تعلمه إياها الصدمات والوعكات .
*
أعرف عبدا من عباد الله دعا ربه من كل قلبه فلم يستجب الله له ، وانتحر بأقصى ما يستطيع من طرق فعذبه الله بمحاولة الموت لكنه لم يقتله ،،، ظنها في البداية كارثة كونية ، ثم اكتشف أنها فرصة جديدة للحياة ، 
قرأتُ في مذكراته دعاء حزينا يفيض بالرجاء ، استجاب الله ما وراءه من حب للخير والحياة ، ولم يحقق مضمونه الحرفي ؛ فكان ما شاء الله أجمل كما هو الأجمل دائما .
"
اللهم إن في قلب عبدك وفي قلب أمتك مضغتين تهفوان إلى إلفهما في غير معصيتك فاجمع بينهما قريبا على طاعتك
اللهم إنه لم يخلق الحب إلا أنت ولم يرزق عباده بالحب إلا أنت فاجعله نعمة لا نقمة واجعله سقيا وريا لا عطشا وظمأ
اللهم أنت تعلم ولا أحد يعلم إلا أنت وأنت تقدر ولا يقدر سواك فافعل بنا ما ينقذنا مما نعاني وما يكون خيرا لآخرتنا ودنيانا
اللهم إن حبنا إياك قد جمعنا قبل أن يجمعنا حبنا إيانا فاجعل هذا الحب بركة تحل علينا وطمأنينة تغمرنا ودفئا يضمنا وسكينة تملؤنا وصبرا يحملنا على كتفيه حتى تهب أحلامنا أرضا وأقداما ، وبيتا يجمعنا بين جنبيه حتى يكون لنا بيت فنحبك فيك ونعبدك فيه بالحب
اللهم إننا نشهدك وأنت الأعلم أن بين ضلوعنا ما لو أطلقناه في غابات الأرض لأحرقها عن آخرها وما لو صببنا عليه كل بحار الدنيا ما زادته إلا اشتعالا وليس لنا حيلة في ما لم نخلق بيدينا إلا أن نستعين بك ونتقوى بحولك وقوتك ؛ فلا تخذلنا ، ورقق لنا قلوب من جعلت أرواحنا بأيديهم فهم عبيدك كما نحن عبيدك
اللهم إنهم لا يقولون ولا يحكمون وإنما هي كلمة أنت قائلها على ألسنتهم فاجعلها بردا وسلاما على قلوبنا
اللهم إن للساعات والدقائق والثواني آلاما لا يعلمها إلا أنت فاخلق لنا من لدغ عقاربها شفاء لا يعلمه إلا أنت ، أو شفاء نعلمه ونتمناه وليس كبيرا على قدرتك التي خلقت السماوات والأرض في ستة أيام
اللهم كم دمعة لم تمسحها يد لحبيب وكم فزعة لم يطمئنها وجهه ولا صوته فكن يدنا التي نمسح بها وكن ملاذنا واطمئناننا واجعل من أبوتنا وأمومتنا ليتمنا كفالة
اللهم آنس وحشتنا واملأ وحدتنا بذكرك ورقنا إلى قمة حبنا لك وإيماننا بك كما رقيتنا إلى قمة حبنا لنا وإيماننا بنا
اللهم إننا لا نجرؤ على أن نعصيك بعد أن ذقنا حلاوة قربك لكن النار اشتدت علينا ولا نستطيع إلا أن نسألك أن ترزقنا بقوتك قوة القرب والتوحد
اللهم إن الدنيا لن تخسر شيئا إذا قضيت علينا - وما أعدلك في كل حال - ألا نتزوج لكننا سنخسر كل شيء فإن أمرت بذلك فأذن لنا أن نترك الدنيا كما تركتنا ولا تطل بقاءنا فيها واجعل لقاءنا عندك في ساعة واحدة وفي لحظة واحدة حتى لا نتعذب بالبعد ثم الفراق
اللهم إني لا أخجل بين يديك مما ليس عيبا فلو كان الحب شرا أو سبة لما عرفناك بالحب ولا عبدناك به .
اللهم إن في القلوب أضعاف ما نبوح به إليك وفي رحمتك أضعاف ما نتمني وأنت عليم بما بنا وقدير على ما نشاء إذا شئت فاستجب فأنت أهل لذلك ولسنا أهلا إلا لضعفنا وحاجتنا أو قوتنا بك واستغنائنا عمن سواك إنك على ما تشاء قدير
"
ومر الوقت ، ولم يتحقق له الحلم ، لكن لم يمت أحد ولم يتمنَّ أحد أن يموت ، ليثبت الواقع حكمته الأقوى من كل عواطف الصادقين ومن برود الآخرين .
*
أعرف عبدا من عباد الله يعرف الآن قدْر نفسه بعدما تحقق من قدر الآخرين الغالين أو التافهين ، ويعامل نفسه باحترام أكبر وبحب أعمق .. حبٍّ يجبره على حب من يستحق فقط ، وعلى تقدير من يستحق فقط .. يشكر لنفسه أن ما أودي به سابقا ليس الخبث والأنانية ، وما سينقذه لاحقا ليس الاحتيال وسوء المقصد .
*
أعرف عبدا من عباد الله لو مات الآن ، فتراثه لن يساوي جزءًا من ملايين من حلمه الكبير ، ولن يقبل على الله إلا بذنوب عظيمة وطاعات قليلة ، لكن عُدَّتـَهُ فيما سيأتي من زمن أنه ترك في الكثير من القلوب حبا كبيرا صادقا ، يجعله راضيا عن حياته ، وطامعا في رحمة الله .
*
أعرفه معرفة أكبر من معرفتي بذاتي
***
إسلام هجرس 
ليلة 21/3/2010م